خطب مختارة - [69] التوبة

منذ 2016-03-04

إنّ مَن ظنَّ أنَّ ذنبًا لا يتسع لعفو الله فقد ظن بربه ظنَّ السُوء. كم من عبد كان مسرفًا على نفسه بالمعاصي بعيدًا عن طاعة الله، فمَنَّ الله عليه بتوبة محت عنه ما سلف وصار عابدًا لله خلوقًا مع عباد الله؛ وصار من أهل المساجد قانتًا لله ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.

الخطبة الأولى:

عباد الله، يحيط بابن آدم أعداءٌ كثير، من شياطين الإنس والجن، يحسّنون القبيح؛ ويقبحون الحسن، ينضم إليهم النفس الأمارة بالسوء؛ والهوى، يدعونه إلى الشهوات، ويقودونه إلى مهاوي الردى، لينحدر في موبقات الذنوب. يصاحب ذلك عند المؤمن ضيق وحرج وشعور بالذنب والخطيئة.

فتأتي رحمة الله العليمِ الحكيمِ الرؤوفِ الرحيمِ اللطيفِ الخبير؛ الذي فتح لعباده أبواب التوبة؛ ودلهم على الاستغفار؛ وجعل لهم من أعمالهم الصالحة كفارات؛ وفي ابتلاءاتهم مكفرات. بل إنه سبحانه بفضله وكرمه يبدل سيئات التائبين حسنات: {يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهواتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً . يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَـانُ ضَعِيفاً} [النساء:27، 28].

أيها الإخوة في الله، لقد جعل الله في التوبة ملاذًا مكينًا وملجأ حصينًا، يَلِجَه المذنبُ معترفا بذنبه؛ مؤملًا في ربه؛ نادمًا على فعله؛ غير مصرٍ على خطيئته، يحتمي بحمى الاستغفار؛ ويُتبعُ السيئةَ الحسنة؛ فيكفِّر الله عنه سيئاته، ويرفع من درجاته. التوبة الصادقة تمحو الخطيئات مهما عظمت حتى الكفرَ والشرك: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال:38].

لقد فتح الله أبوابَه لكل التائبين، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، يقول جل وعلا في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم» [صحيح مسلم: 2577]، ويقول سبحانه في كتابه: {قُلْ يعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر:53]، ويقول تعالى: {وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء:110] .

عباد الله، إنّ مَن ظنَّ أنَّ ذنبًا لا يتسع لعفو الله فقد ظن بربه ظنَّ السُوء. كم من عبد كان مسرفًا على نفسه بالمعاصي بعيدًا عن طاعة الله، فمَنَّ الله عليه بتوبة محت عنه ما سلف وصار عابدًا لله خلوقًا مع عباد الله؛ وصار من أهل المساجد قانتًا لله ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.

أيها المؤمنون، يقول صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» [صحيح الجامع: 4515]، ولذا فمن تدنس بشيء من قذر المعاصي فليبادر بغسله بماء التوبة والاستغفار؛ فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين. جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أذنب عبد فقال: ربِّ إني عملت ذنباً فاغفر لي فقال الله: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي» [صحيح البخاري: 7507]

وسئل علي رضي الله عنه عن العبد يذنب؟ قال: يستغفر الله ويتوب. قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب. قيل: فإن عاد؟ قال: يستغفر الله ويتوب. قيل حتى متى؟ حتى يكون الشيطان هو المحسور. وقيل للحسن البصري رحمه الله: "ألا يستحي أحدنا من ربه يستغفر من ذنوبه ثم يعود ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: ودَّ الشيطان لو ظفر منكم بهذا، فلا تملُّوا من الاستغفار" .

إلى جانب التوبة والاستغفار ـ أيها الإخوة ـ تأتي الأعمال الصالحة من الفرائض والتطوعات تكَفَّر بها السيئات، وتُرفع بها الدرجات، مِنْ طهارة وصلاة وصيام وصدقة وعمرة وحج وذكر وتلاوة قرآن وغيرها.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله يقضي فريضة من فرائض الله كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة» [صحيح مسلم: 666]، وقال صلى الله عليه وسلم: «الصَّلاةُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ كفَّارةٌ لما بينَهنَّ ما لم تُغشَ الْكبائرُ» [صحيح مسلم: 233]، وقال صلى الله عليه وسلم: «ومن توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فاستمع وانصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام» [صحيح مسلم: 857]. وهناك أبوابٌ أخرى واسعة لا تكاد تقع تحت حصر مِنْ طلب الرزق؛ وإطعام الطعام؛ وحسن الخلق؛ والسماحة في التعامل؛ وطلب العلم؛ وقضاء الحوائج؛ وحضور مجالس الذكر؛ والرحمة بالخلق؛ وإماطة الأذى. فاعملوا صالحًا وأبشروا وأملوا وأحسنوا الظن بربكم، وأخلصوا نياتكم لله رب العالمين.

يضاف إلى ذلك يا عباد الله ما يصيب المسلمَ من البلايا في النفس والمال والولد، وما يعرض له من مصائب الحياة ونوائب الدهر، فهي كفارات للذنوب، ماحيات للخطايا، رافعات للدرجات. في الصحيحين قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مصيبة تصيب المسلمَ إلا كفّر الله له بها ؛ حتى الشوكة يشاكها» [صحيح البخاري: 5640]، وفي رواية: «إلا رفع الله له بها درجة ؛ وحط عنه بها خطيئة» [صحيح ابن ماجه: 638]. وفي الموطأ والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» [صحيح الجامع: 5815]

إخوة الإيمان، إن العبد إذا اتجه إلى ربه بعزم صادق وتوبة نصوح موقنًا برحمة ربه واجتهد في الصالحات دخلت الطمأنينة إلى  قلبه، وانفتحت أمامه أبواب الأمل في الله، واستعاد الثقة بنفسه، واستقام على الطريقة، واستتر بستر الله. {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفّرَ عَنكُمْ سَيّئَـاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَاـرُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَاـنِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلّ شَىْء قَدِيرٌ} [التحريم:8]. 

الخطبة الثانية:

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، أحمده سبحانه وأشكره وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ قدوةَ المستغفرين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى الآل والأصحاب، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد، فاتقوا الله ـ أيها المؤمنون ـ واعلموا أن من الناس من يخدعه طولُ الأمل؛ أو نضرةُ الشباب والصحة؛ وزهرةُ النعيم؛ وتوافرُ النعم، فيُقدِم على الخطيئة؛ ويُسوِّف في التوبة، لا يفكر في عاقبة، ولا يخشى سوء الخاتمة، وما خدع إلا نفسه؛ والموت يأتي بغتة: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيّئَـاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنّى تُبْتُ الاْنَ} [النساء:18].

ومن الناس من إذا أحدث ذنبًا سارع بالتوبة، قد جعل من نفسه رقيبا على نفسه؛ يبادرُ بغسل الخطايا بالإنابة والاستغفار وعمل الصالحات، فهذا حريٌ أن ينضمَّ في سِلك المتقين الموعودين بجنة عرضها السماوات والأرض؛ ممن عناهم الله بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغْفِرَةٌ مّن رَّبّهِمْ وَجَنَّـاتٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَـارُ خَـالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَـامِلِين} [آل عمران:135، 136].

فهذه حال الفريقين أيها المؤمنون، فاتقوا الله وأنيبوا إليه، وكونوا من المتقين المنيبين المستغفرين. اللهم اجعلنا من المتقين المنيبين المستغفرين.

  • 3
  • 0
  • 2,350
المقال السابق
[68] التواضع وذم الكبر
المقال التالي
[70] التوكل

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً