وباء هذا العصر

منذ 2019-01-25

انظروا كم تلوثت أعيننا وآذاننا، ونسينا أن جميع جوارحنا شئنا أم أبينا ستأتي ذات يوم، وعلى جمع من الخلائق؛ لتشهد علينا بفعل ما اقترفنا من ذنوب، ظننا أننا وحدنا من يعلم بها؟!

 

مع انفتاح العالم، ودخول هذه الأجهزة ذات الشاشة الصغيرة إلى كل منزل، بات التواصل سهلًا، وفعل المعاصي والذنوب متاحًا.

لقد أصبحت كل يد تمتلك هذا الصغير ذا اللمسات والطرقات الخفيفة؛ فأصبحت جميع القارات كأنها قرية واحدة، أو كمنزل صغير ذي حجرات كثيرة، ننتقل فيه من حجرة إلى حجرة بدون رقابة، بضغطة إصبع، وفي طرفة عين، تجد عالَمًا آخر يُفتح أمامك، ويَجذبك بكل ما فيه بدون إدراك، عالَمًا تتغير فيه كل المبادئ والقيم والعادات.

إنه عالم إما أن تكون أنت قائده، وتتحكم في تجوُّلك فيه، وإما أنه سيجذبك ويجعلك مسلوب الإرادة، تفعل كل ما يُمليه هو عليك.

لقد سهل هذا الانفتاح على كل نفس ضعيفة فعلَ المعاصي، وارتكاب الكثير من الكبائر والصغائر من الذنوب!

بل هناك من استصغر الذنوب في عينيه، وبات يُحقر من الصغائر، وما هي إلا لحظات قليلة حتى يقع في فعل الكبائر؛ فتُغويه النفس وتهمس له بأنه لا ضرر في اختطاف نظرات سريعة في ذاك الموقع، ولا بأس بالنظر إلى بعض المقاطع الإباحية التي ليس وراءها إلا الخسارة وكتابة مزيدٍ من السيئات في صحائفه!

قد تتساءل الأنفس: هل أفعالي تعد من الكبائر أم من الصغائر؟! وكأننا نسأل عن أيهما أخف ضررًا للنفس في ارتكاب المعصية، والدخول إلى عالم مليء بالشبهات، والخروج منه بأقل الخسائر!

وفي زحام الحياة، وفي غياب جميع أنواع الرقابة، انجذبنا إلى كل ما هو دنيء، وقد جعلَنا هذا الصغير ننسى أن هناك رقابة إلهية تسترعي منا الانتباه، واتخاذ وقفة حاسمة في استخدام هذه التكنولوجيا، بل هذا الوباء الذي انتشر في عالمنا بسرعة البرق!

تُرى هل تذكرت عدد المرات التي صحبك فيها هاتفك المحمول إلى داخل حجرتك، ظنًّا منك أنْ لا أحد يراك؛ فتظل تنتقل من هذا إلى ذاك المقطع، متلذذًا بما ترى عيناك، وتسمع أذناك، وقد أوهمتك نفسُك أنْ لا أحد يراك، وقد نسيت أن هناك ملائكة تسجل كل حركاتك، وأن هناك ربًّا قادرًا على رؤيتك مهما أغلقت على نفسك من أبواب؟!

هل نسيت أن هناك زائرًا ليس له وقت معلوم، سيأتي ويطرق أبواب حجرتك المغلقة عليك؛ فكم نفس فاضت روحها وهي جالسة على هاتفها تفعل وتشاهد كل ما هو قبيح، ولم تستحي من الرقيب؟

تؤلمني حقًّا هذه التكنولوجيا في عالمنا؛ لأنها وبكل بساطة وباء هذا العصر، وباب فتنة اقتحم كل العقول، هناك من تحصن منه، وهناك من غفل وانقاد وراءه! هناك من راعى ربه وأخلاقه؛ فسار على الدرب الصحيح، وهناك من انبهر بهذا العالم، وأصبح وقته كله مقعدًا أمامه تاركًا لكل الفرائض، وأوقات العبادات تتسرب من بين يديه!

تُرى هل نسيت أن تذكر نفسك أن الأنفاس معدودة، فإما الموت على حُسن أو سوء خاتمة، ولكل منا حق اختيار لحظاته وأنفاسه الأخيرة؟!

انظروا كم تلوثت أعيننا وآذاننا، ونسينا أن جميع جوارحنا شئنا أم أبينا ستأتي ذات يوم، وعلى جمع من الخلائق؛ لتشهد علينا بفعل ما اقترفنا من ذنوب، ظننا أننا وحدنا من يعلم بها؟!

قال تعالى: ﴿  {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}  ﴾ [النور: 24].

أنها طرقات خفيفة بسيطة، ولكنها تفتح لك إما أبواب المعصية، أو أبواب الخير والطاعة.

ولننظر إلى حال تلك الأصابع التي امتلكت نفس هاتفك، ولكنها نصبت أمام أعينها الرقابة الإلهيةَ، وفعلت بداخل هاتفها رمز الرقابة والخوف من الخالق؛ فكلما أتت أمامها الفرصة مع سهولة الدخول إلى عالم المعصية، ارتعدت خوفًا من الرقيب؛ فاستغفر اللسان، ورفعت تلك اللمسات والطرقات، وابتعدت عن هذا الطريق، وباتت تستغل هذا العالم الكبير في ترك الأثر الطيب، وحصاد مزيدٍ من الحسنات.

لقد اتخذ الكثير من المسلمين من هذه التكنولوجيا مجالًا للدعوة والإرشاد، وتوعية العقول، والسير بالكثيرين إلى طريق الطاعة.

فهذا فتح بابًا لغيره في تثبيت وقراءة وردٍ من القرآن؛ فجمع من حوله للقراءة والتدبر، وتلك اختصت من وقتها لمن أراد حفظ آيات الله، وهؤلاء باتوا ينشرون ويذكرون الناس بقيمة الإسلام، وما أنعمه الله علينا من فرض الكثير من العبادات.

وهناك الكثير والكثير ممن سلكوا وأبحروا، يجاهدون أمواج وفتن هذا العصر، يحذرون الناس من الانخراط في دروب لن تكون نهايتها إلا الحسرة.

إنها أعمال ستكون شاهدة إما لك أو عليك؛ فإن كانت خيرًا فهنيئًا لك، وإن كانت شرًّا فلنعدل من مسار حياتنا.

إن هذا المقطع وهذه الصور إن كانت خيرًا، ستُثقل ميزان حسناتك، وستكون سببًا في إرسال الكثير من الدعوات إليك عند رحيلك، إنها عداد الحسنات لديك، وإن كان كل ما تسجله على جميع صفحات التواصل الاجتماعي فيه شر - كنشر صور النساء، أو تبادل لبعض مقاطع الفيديو التي لا تحمل بداخلها إلا كل ما هو قبيح - فإنها صِدقًا عدادٌ من السيئات الجارية لك في حياتك، وبعد مماتك، حينها ستقول: ﴿  {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}  ﴾ [الفجر: 24]، وفي ذلك قمة الحسرة على التفريط في الأعمال الصالحة، وما ضيعت النفسُ من أوقات كان الأفضل أن تكون فيها الأنفسُ في عبادة دائمةٍ!

فلنحذر من وباء هذا العصر، ولنتقِ الله في جميع جوارحنا، ولنجعل طرقات أصابعنا في طاعة.
فاطمة الأمير 

  • 16
  • 2
  • 4,996
  • سمر والي

      منذ
    سلمت أناملك حبيبتي روووعة نفع الله بك الإسلام والمسلمين
  • فتحية السيد

      منذ
    ماشاء الله متميزة كالعادة ياحبيبتي ربنا يبلركلك وينفع بكِ وبقلمك

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً