نسخة تجريبية

أو عودة للقديم

شبح الذنوب

منذ 2015-11-04
السؤال:

السلام عليكم:
أنا فتاة عمري 21 سنة، ملتزمة ومحجبة، وأخاف من الله تعالى كثيرًا، وأسعى إلى إرضائه والحمد لله. الله يساعدني بحفظ القرآن، وبصلاة الليل والتهجد، وكانت من أسعد أيام حياتي، إلى أن قمت بذنب لا يرضي الله تعالى، ولكني بعد هذا الذنب استغفرت ربي، وعزمت أن لا أعود إليه مرة أخرى، ولكن بعد ذلك توقفت عن حفظ القرآن ولم أعد أستيقظ لصلاة الليل كالسابق، ووصلت بي الأمور إلى صلاتي للفجر قضاء، وتغيرت حياتي، ودخل الشيطان في أفكاري بأنني سيئة، وبأني لا أنفع لشيء، وأصبت باكتئاب شديد اضطرني للذهاب لطبيب نفسي يعالجني، ولكن لا يوجد دواء سوى رضا الله عني.

فماذا أفعل من أجل أن يرضى الله عني؟ وكيف أحسن مستوى حياتي الدينية؟ لأنني أخاف أن أموت على هذه الحال، ولا أريد أن يغضب الله عني فما الحل لأكون من أهل الله وخاصته؟ أفيدوني أرجوكم ولكم جزيل الشكر. وعسى الله أن يجمعنا معكم في الجنان العليا.

الإجابة:

بسم الله الرحمن الرحيم
 نود منك، لو تأملت في هذا المثال :
فتاة مؤمنة، مداومة على طاعة ربها، حافظة لعرضها، صائنة حجابها وعفافها، في وقت كثر فيه الفساد، وفي زمن انتشرت فيه المعاصي والمجاهرة بها، ثم إنه وقع من هذه المؤمنة المحافِظة على صلاتها وعلى دينها، ذنب سواء كان ذنبًا عظيمًا أو صغيرًا: فأنابت إلى ربها ومولاها، واعترفت بخطئها، وانكسر قلبها من خطيئتها، فما هي النتيجة عند الله؟ وما هي العاقبة عند الله العظيم الكريم الرحمن الرؤوف الرحيم؟ إنه قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [الزمر:53].

فتأملي كيف نادى ربنا جلَّ وعلا المذنبين، بأنهم عباده {يا عبادي}، وتأملي كيف حرَّم عليهم ونهاهم أن ييئسوا من رحمته ومن مغفرته، ثم انظري كيف جعل الذنوب تغفر كلها برحمته، إذا سلم العبد من الإشراك بالله.

وهذا هو عينه، الذي بَيَّنَه نبينا صلوات الله وسلامه عليه بقوله: «قال الله: يا ابن آدم! إنك ما دعوتي ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض (أي ما يقارب ملأ الأرض من الذنوب) خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة» (سنن الترمذي [3540] ).

فهل بعد هذا يصح أن يقع منك وأنت الفتاة المؤمنة، هذا القنوط من رحمة الله؟! نعم إن هذه الحال التي أنت فيها هي نوع من القنوط، وإن لم تعتقدي ذلك في قلبك؛ لأن هذا الحزن على المعصية أوقعك في البعد عن الله، فساءت حالك بعد ذلك، حتى فقدت كثيرًا من الخير الذي كنت محافظة عليه، ونحن أختي الكريمة نتعجب كيف تحتاجين إلى طبيب نفسي، ودواؤك إنما قد جعله الله في يديك، وتحت ناظريك!.

إن دواءك هو أن يكون لك رجاء بالله، وخوف منه في نفس الوقت، فلابد أن تعبدي ربك ولك خصلتان وصفتان (الخوف من الله ورجاء رحمته)، فخوفك من الله يجعلك تجتنبين الذنوب والمعاصي، وإن وقعت في شيء منها بادرت إلى التوبة كما قد حصل منك بحمد الله تعالى.

وأما رجاؤك في رحمته فهو الذي يجعلك لا تيأسين من رحمة الله، بل تأملين رحمته وترجين عفوه، كما قال تعالى عن عباده المصطفين الكرام: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء من الآية:90].  

فكيف يصل بك الحال أن تظني أنك لا تنفعين لشيء، وأنك سيئة، وأنك غير مغفور لك؟! مع أن الله تعالى يقول في حديثه القدسي: «لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة» (سنن الترمذي [3540] ).
بل إن الله لا يكتفي بأن يغفر ذنوبك بعد توبتك فقط، بل ويبدل سيئاتك حسنات، حتى ولو كانت هذه السيئات قتل وسفك للدماء المحرمة، حتى ولو كانت فاحشة وزنا، بل حتى ولو كانت كفرًا بالله، طالما أنك تبت ورجعت إلى الله صادقة في ترك ذنبك نادمة عليه.

وهذا هو الذي بَيَّنَهُ الرحمن الرحيم بقوله: {وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان:68-70]، وقال صلى الله عليه وسلم:  «التائب من الذنب كمن لا ذنب له» (فتح الباري لابن حجر [13/480]).

والمقصود أنه لابد لك من أن تغيري من نوع الندم ونوع الحزن الذي لديك، فبدل أن يكون ندمك على المعصية سبباً في تحطم نفسك، وسبباً في تركك للخير الذي كنت عليه، لابد أن يتحول هذا الندم وهذا الحزن إلى باعث على طاعة الله، وسبب للتحرز من معصية الله، فإنك قد ذقت مرارة البعد عن الله، وعرفت شقوة الحياة إذا ما عصيت إلهك العظيم.

فالصواب أن تجعلي هذه المعصية التي قد وقعت سببًا لحسن التوبة إلى الله تعالى، وسببًا لزيادة الطاعة، وسببًا كذلك لتكوني أبعد وأشد حذرًا من المعاصي، فإن المعاصي ظلام القلوب وشقوة الروح وتعاسة النفوس. بينما طاعة الله هي: الطمأنينة والرحمة، وهي السكينة واللذة، وهي كذلك عِز المؤمن والمؤمنة، فتنبهي إذن إلى حقيقة الحال، ولا تجعلي للشيطان سبيلاً عليكِ، بحيث يجعلك عمليًا قانطة من رحمة الله، وفي نفس الوقت لابد لك من الحذر من معصية الله والخوف منه، واحفظي هذه العبارة واجعليها شعارك، وهذه العبارة هي: "الخوف والرجاء هما للمؤمن كجناحي الطائر، إذا اختل أحدهما اختل طيرانه".

واحذري أيضًا من أن تصلي إلى مستوى تكونين فيه ممن يظن بالله السوء، فالمؤمن يعلم سعة رحمة ربه، ويرجو ثوابه ويأمل مغفرته، ويعيش على هذا الأمل مع إحسان الطاعة لله تعالى، كما قال تعالى:  {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ. أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:57-61].

وأيضًا فتأملي كيف وصف الله تعالى حال المؤمن إذا ظلم نفسه أو وقع في فاحشة ومعصية، يقول تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ. أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران:135-136].

فعليك إذن بالاستبشار برحمة الله تعالى، ونحن نوصيك بهذه الوصايا النافعة إن شاء الله، فحاولي امتثالها والعمل بها:-
1- الاستعانة بالله والتوكل عليه، سواء في طاعته أو تجنب معصيته، وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
 «رب أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسر الهدى إلي» (سنن الترمذي [3551]).

2- معاملة النفس برفق، وعدم الزيادة عليها، بحيث تسأم وتملّ، فمثلاً حاولي أن يكون قيامك لليل وسطًا، بحيث تصلين مثلاً خمس ركعات من ضمنها الشفع والوتر، وتحافظين على ذلك، وكذلك حفظ القرآن حاولي أن يكون بتمهل وخطوة خطوة، وكذلك سائر العبادات كالصيام والصدقات، حاولي أن تعتدلي فيها بحيث تنشط نفسك لأدائها ولا تجد ثقلاً منها.

3- حاولي أن يكون لك رفقة صالحة من الأخوات المؤمنات، اللاتي يكن من ذوات الدين والخلق العالي الحسن، بحيث تجدين الأنس بهم، وفي نفس الوقت الإعانة على طاعة الله، « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (صحيح البخاري [6026])، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

4- الحذر من الأسباب التي تدعو للمعصية، فإن الوقاية خير من العلاج، فعليك بالإبتعاد عن كل موطن لا يعينك على طاعة الله تعالى، وعلى اجتناب معاصيه.

5-الدعاء والإلحاح على الله بطلب الهداية والتوفيق والسداد، مع دوام الاستغفار والتوبة {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرةمن الآية:222].

ونوصيك أيضًا بدوام سؤال أهل العلم، والتواصل معهم فيما ينوبك ويعرض لك.
ونسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يغفر ذنبك، وأن يعلي درجتك في الفردوس الأعلى.

وبالله التوفيق والسداد.
-----
بقلم: أ/ الهنداوي.

  • 7
  • 1
  • 2,283
i