التوفيق بين الأمر بإخراج الكفار من جزيرة العرب ودعوتهم للإسلام

منذ 2020-03-21
السؤال:

التوفيق بين القران والسنة

تفاصيل السؤالالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته من فضلكم احتاج لاجابة شافية على سؤالي وهو : كيف اوفق بين قوله تعالى { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] وبين حديث النبي اطردوا المشركين من جزيرة العرب

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبه ومن والاه، أما بعدُ:

فلا تعارض مطلقًا بين الآية الكريمة والحديث الشريف، وفهما من باب العام والخاص كما سيظهر من الجواب.

أما الحديث فمخرج في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقد أوصى في مرضه قبل أن يموت بثلاث فقال: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب".

وروى أحمد عن عائشة، قالت: كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: "لا يترك بجزيرة العرب دينان".

قد أجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود عن المدينة إلى خيبر، ثم فأجلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، الخليفة الراشد - رضي الله عنه - اليهود عن خيبر وما حولها إلى أذرعات الشام، وتسمى الآن درعا، وهي خارج الجزيرة العربية، وكان ، وضرب لليهود والنصارى والمجوس بالمدينة إقامة ثلاثة أيام يتسوقون ويقضون حوائجهم، ولا يقيم أحد منهم فوق ذلك.

قال النووي في "شرح مسلم" (11/ 93-94):

" وأخذ بهذا الحديث مالك والشافعي وغيرهما من العلماء فأوجبوا إخراج الكفار من جزيرة العرب، وقالوا لا يجوز تمكينهم من سكناها، ولكن الشافعي خصَّ هذا الحكم ببعض جزيرة العرب وهو الحجاز، وهو عنده مكة والمدينة والميامة وأعمالها دون اليمن وغيره مما هو من جزيرة العرب؛ بدليل آخر مشهور في كتبه وكتب أصحابه، قال العلماء ولا يمنع الكفار من التردد مسافرين في الحجاز ولا يمكنون من الإقامة فيه أكثر من ثلاثة أيام، قال الشافعي وموافقوه إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن دخله في خفية وجب إخراجه فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج، مالم يتغير هذا مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء، وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم؛ وحجة الجماهير قول الله تعالى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]".

 أما قوله تعالى { وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6]، فدليل على أنه يجوز تقريب بعضهم إذا اقتضت للمصلحة، بل يجب ذلك إن طلب المشرك أن نجيره، وتمنعه من الضرر؛ لأجل أن يسمع كلام الله، وينظر حالة الإسلام، ثم إن أسلم، فذاك، وإلا فأبلغه المحل الذي يأمن فيه؛ والحكمة من ذلك أن الكفار قوم لا يعلمون، فربما كان استمرارهم على كفرهم لجهل منهم، إذا زال اختاروا عليه الإسلام، فلذلك أمر الله رسوله، وأمته أسوته في الأحكام، أن يجيروا من طلب أن يسمع كلام الله، فالآية أخص من الحديث فهي ليست في حق كل مشرك وكافر، وإنما في حق من استجار للتعرف على الإسلام، وهو من لوازم إقامة الحجة على المدعوين، أعني أن يؤمن ويسمع سماعًا يتمكن معه من الفهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" (1/ 220-221):

"فهذا مستجير مستأمن، وهو من أهل الحرب أمر الله بإجارته حتى تقوم حجة الله عليه، ثم يبلغه مأمنه، وهذا في سورة (براءة) التي فيها نقض العهود، وفيها آية السيف، وذكر هذه الآية في ضمن الأمر بنقض العهود؛ ليبين سبحانه أنه مثل هذا يجب أمانه، حتى تقوم عليه الحجة، لا تجوز محاربته كمحاربة من لم يطلب أن يبلغ حجة الله عليه.

قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} [التوبة: 6]، إن لم يوافقه ما نَقُص عليه، ونخبر به فأبلغه مأمنه، قال: وليس هذا بمنسوخ.

وقال مجاهد: من جاءك واستمع ما أنزل إليك فهو آمن حتى يأتيك.

وقال عطاء: في الرجل من أهل الشرك يأتي المسلمين بغير عهد، قال: تخيره إما أن تقره، وإما أن تبلغه مأمنه.

وقوله تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، قد علم أن المراد أنه يسمعه سمعًا يتمكن معه من فهم معناه، إذ المقصود لا يقوم بمجرد سمع لفظ لا يتمكن معه من فهم المعنى، فلو كان غير عربي وجب أن يترجم له ما يقوم به عليه الحجة، ولو كان عربيا وفي القرآن ألفاظ غريبة ليست لغته، وجب أن يبين له معناها، ولو سمع اللفظ كما يسمعه كثير من الناس، ولم يفقه المعنى وطلب منا أن نفسره له ونبين له معناه، فعلينا ذلك". اهـ.

هذا؛ والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 2
  • 0
  • 450

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً