شؤم المعاصي على العبيد قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه (الجواب الكافي لمن سأل عن ...

شؤم المعاصي على العبيد


قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي):

- المعاصي تجرئ على الإنسان أعداءه

ومن عقوباتها: أنها تجرئ على العبد ما لم يكن يجترئ عليه من أصناف المخلوقات، فتجترئ عليه الشياطين بالأذى والإغواء والوسوسة والتخويف والتحزين، وإنسائه ما به مصلحته في ذكره، ومضرته في نسيانه، فتجترئ عليه الشياطين حتى تؤزه في معصية الله أزا.

وتجترئ عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من الأذى في غيبته وحضوره، ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه حتى الحيوان البهيم.
قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي.

وكذلك يجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله، وتجترئ عليه نفسه فتتأسد عليه وتصعب عليه، فلو أرادها لخير لم تطاوعه ولم تنقد له، وتسوقه إلى ما فيه هلاكه، شاء أم أبى.

وذلك لأن الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى الذي من دخله كان من الآمنين، فإذا فارق الحصن اجترأ عليه قطاع الطريق وغيرهم، وعلى حسب اجترائه على معاصي الله يكون اجتراء هذه الآفات والنفوس عليه، وليس له شيء يرد عنه. فإن ذكر الله وطاعته والصدقة وإرشاد الجاهل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وقاية ترد عن العبد، بمنزلة القوة التي ترد المرض وتقاومه، فإذا سقطت القوة غلب وارد المرض فكان الهلاك، فلابد للعبد من شيء يرد عنه، فإن موجب السيئات والحسنات تتدافع ويكون الحكم للغالب كما تقدم، وكلما قوي جانب الحسنات كان الرد أقوى كما تقدم، فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، والإيمان قول وعمل، فبحسب قوة الإيمان يكون الدفع، والله المستعان.


- المعاصي تضعف العبد أمام نفسه

ومن عقوباتها: أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه، فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده، وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل، وأقواهم وأكيسهم من قوي على نفسه وإرادته، فاستعملها فيما ينفعه وكفها عما يضره، وفي ذلك تتفاوت معارف الناس وهممهم ومنازلهم، فأعرفهم من كان عارفا بأسباب السعادة والشقاوة، وأرشدهم من آثر هذه على هذه، كما أن أسفههم من عكس الأمر.

والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم، وإيثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع، فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم، وعن الاشتغال بما هو أولى به، وأنفع له في الدارين.
فإذا وقع مكروه واحتاج إلى التخلص منه، خانه قلبه ونفسه وجوارحه، وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه، بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه، فعرض له عدو يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه، فلم يخرج معه، فدهمه العدو وظفر به.

كذلك القلب يصدأ بالذنوب ويصير مثخنا بالمرض، فإذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئا، والعبد إنما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه، والجوارح تبع للقلب، فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع بها، فما الظن بها؟

وكذلك النفس فإنها تخبث بالشهوات والمعاصي وتضعف، أعني النفس المطمئنة، وإن كانت الأمارة تقوى وتتأسد، وكلما قويت هذه ضعفت تلك، فيبقى الحكم والتصرف للأمارة.

وربما ماتت نفسه المطمئنة موتا لا يرتجى معه حياة ينتفع بها، بل حياته حياة يدرك بها الألم فقط.

والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على الله تعالى والإنابة إليه والجمعية عليه والتضرع والتذلل والانكسار بين يديه، ولا يطاوعه لسانه لذكره، وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه، فينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر الذكر، ولا ينحبس القلب واللسان على الذكر، بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب لاه ساه غافل، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة تدفع عنه لم تنقد له ولم تطاوعه.

وهذا كله أثر الذنوب والمعاصي كمن له جند يدفع عنه الأعداء، فأهمل جنده، وضيعهم، وأضعفهم، وقطع أخبارهم، ثم أراد منهم عند هجوم العدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة.

هذا، وثم أمر أخوف من ذلك وأدهى منه وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسانه عند الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى، فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك، حتى قيل لبعضهم: قل لا إله إلا الله، فقال: آه آه، لا أستطيع أن أقولها.

وقيل لآخر: قل: لا إله إلا الله، فقال: شاه رخ، غلبتك. ثم قضى.

وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فقال:
يا رب قائلة يوما وقد تعبت ... أين الطريق إلى حمام منجاب ثم قضى.

وقيل لآخر: قل لا إله إلا الله، فجعل يهذي بالغناء ويقول: تاتنا تننتا. حتى قضى

وقيل لآخر ذلك، فقال: وما ينفعني ما تقول ولم أدع معصية إلا ركبتها؟ ثم قضى ولم يقلها.

وقيل لآخر ذلك، فقال: وما يغني عني، وما أعرف أني صليت لله صلاة؟ ثم قضى ولم يقلها.

وقيل لآخر ذلك، فقال: هو كافر بما تقول. وقضى.

وقيل لآخر ذلك، فقال: كلما أردت أن أقولها لساني يمسك عنها.

وأخبرني من حضر بعض الشحاذين عند موته، فجعل يقول: لله، فلس لله. حتى قضى.

وأخبرني بعض التجار عن قرابة له أنه احتضر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه: لا إله إلا الله، وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشتر جيد، هذه كذا. حتى قضى.

وسبحان الله! كم شاهد الناس من هذا عبرا؟ والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم.

فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان، واستعمله فيما يريده من معاصي الله، وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى، وعطل لسانه عن ذكره وجوارحه عن طاعته، فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع؟

وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته، فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه شيطانه ذلك الوقت، وأضعف ما يكون هو في تلك الحال، فمن ترى يسلم على ذلك؟ فهناك {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 27] .

فكيف يوفق بحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا. فبعيد من قلبه بعيد من الله تعالى، غافل عنه متعبد لهواه أسير لشهواته، ولسانه يابس من ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته -أن يوفق للخاتمة بالحسنى-.

ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكأن المسيئين الظالمين قد أخذوا توقيعا بالأمان {أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ - سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} [سُورَةُ الْقَلَمِ: 39 - 40]

كَمَا قِيلَ:
يا آمنا من قبيح الفعل منه أهل
أتاك توقيع أمن أنت تملكه
جمعت شيئين أمنا واتباع هوى
هذا وإحداهما في المرء تهلكه
والمحسنون على درب المخاوف قد
ساروا وذلك درب لست تسلكه
فرطت في الزرع وقت البذر من سفه
فكيف عند حصاد الناس تدركه
هذا وأعجب شيء منك زهدك في
دار البقاء بعيش سوف تتركه
من السفيه إذا بالله أنت أم ال
مغبون في البيع غبنا سوف يدركه


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 192
الخميس 22 ذو القعدة 1440 هـ
...المزيد

إن الله لا يضيع أجر المحسنين قبل فتح الموصل كان دأب رافضة العراق حشد الآلاف من جيشهم وشرطهم ...

إن الله لا يضيع أجر المحسنين


قبل فتح الموصل كان دأب رافضة العراق حشد الآلاف من جيشهم وشرطهم للسير في صحراء الأنبار وبادية الجزيرة بحثا عن معسكرات الدولة الإسلامية ومخابئ جنودها، حيث كانت أرتال ضخمة تصل لمئات المدرعات أحيانا، تتحرك بصورة استعراضية وكل آمال ضباطهم وجنودهم أن لا يصادفوا في طريقهم أي مجاهد قد يضطرون للاشتباك معه، ثم تنتهي تلك الحملات عادة بصور لقادتها في جوف وادٍ أو قرب خرائب قرية يمكنهم الزعم أن أطلالها تشير إلى مرور جنود الدولة الإسلامية بها ذات يوم.

وغالبا ما كانت تنتهي نشوة تلك الاستعراضات الفارغة بفاجعة تُحيق بالمرتدين بعيدا عن مواطن انتصاراتهم المزعومة، حيث تُفاجئهم المفارز الأمنية للمجاهدين بضربات قوية في أكثر المناطق تشديدا داخل بغداد والموصل وسامراء وكركوك وبعقوبة، ليستيقظوا مرة أخرى من أحلامهم الجميلة على كوابيس مفزعة تطيح بقياداتهم الأمنية والعسكرية وتجبرهم على إعادة ترتيب قواتهم وتنظيم تشكيلاتهم، ثم الانطلاق من جديد إلى الصحراء نحو حلم جديد بنصر حاسم على الدولة الإسلامية.

وإن الناظر في أمر هذه الحملات التي عاد الروافض لتكرار أسلوبها اليوم بوتيرة وحجم أكبرين يجد أنها حيلة العاجز وخيار من لا خيار آخر له، إذ البديل عنها أن يجلسوا في قواعدهم وثكناتهم منتظرين أن تتساقط عليهم القذائف والصواريخ، أو تقطع طرقاتهم العبوات والكمائن، وفي الوقت نفسه فإن هذه الحملات تمثل لهم صورة من صور السيطرة على الأرض التي يسعون للحفاظ عليها، فبانقطاعها تصبح المناطق التي يتحرك فيها جنود الدولة الإسلامية اليوم بحكم الساقطة عسكريا، ويصبح المرتدون محاصرين في المناطق الحضرية التي يسعون لتأمينها، لتتحول شيئا فشيئا إلى حصون مخافة اقتحام الدولة الإسلامية لها من جديد.

وكذلك فإن أخشى ما يخشاه الروافض وحلفاؤهم الصليبيون اليوم أن يتحول المجاهدون في انتشارهم من نمط العصابات صغيرة الحجم التي تنفذ هجمات عسكرية محدودة القوة إلى نمط التشكيلات العصابية شبه النظامية التي يمكنها -بإذن الله تعالى- القيام بعمليات منسقة متوسطة بل وكبيرة من حيث المدى وطبيعة الأهداف، ولذلك فهم يسعون من خلال الحملات المستمرة إلى إبقاء المجاهدين في حالة تنقل دائم وتوزع متناثر، عبر المطاردة المستمرة لهم ومنعهم من إقامة نقاط استقرار طويلة الأمد بالبحث عنها وتدميرها، وبالتالي التضييق عليهم بذلك لمنعهم من استقبال أعداد كبيرة من النافرين إليهم وخاصة في مناطق العمليات المحيطة بالمدن والطرق الرئيسة.

وهكذا نجد الروافض اليوم ما إن يسمعوا بنصب خيمة في الصحراء إلا حركوا إليها أرتالهم ليتحققوا أن من يستظل بها ليس من جنود الخلافة، وما إن يخبرهم جاسوس أنه رأى بعض الأشخاص في منطقة جبلية قصية إلا شنوا عليها حملة تمشيط خوفا من أن يكونوا من مجاهدي الدولة الإسلامية، وهذا الرعب ليس حكرا على الروافض في العراق فحسب، بل هو -بحمد الله تعالى- عام شامل في نفوس الكفار والمرتدين في كل مكان، فهم منذ إعلان الخلافة في حالة استنفار دائم لم تُنهها إعلاناتهم المزعومة بتحقيق النصر النهائي على الدولة الإسلامية، التي يعلمون قبل غيرهم أنها مجرد أكاذيب لا تغني من الواقع شيئا.

ولهذا فعلى مجاهدي الدولة الإسلامية أن يفرحوا بهذا الفضل العظيم من ربهم جل جلاله، أن جعل مجرد بقاء رايتهم مرفوعة مصدر غيظ وخوف وهلع، وسبب استنزاف للكفار وإرهاق وحركة مستمرة لهم، فما يُدخلونه على قلوب أعداء الله من ذلك كله جهاد في سبيل الله تعالى، يثابون عليه حسنات يعظم بها إيمانهم ويُكفّر بها عن سيئاتهم وترتفع بها درجاتهم، وهم ربما لا يلقون لها بالا لعلو هممهم وتطلعهم لما هو أعلى وأجل من الأعمال، وأكثر نكاية وأعظم فتكا بأعداء الله رب العالمين، فكيف إذا اجتمع إلى ذلك ما يلاقونه من جوع وخوف وهم وغم وهم متمسّكون بدينهم قابضون على توحيدهم، قال تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 120- 121].

وعليهم أن يتأكدوا أنهم بإذن الله منصورون من ربهم بالرعب وبما شاء من جنوده، فلربّ مجاهد ضعيف عضُده، قليل مددُه، مقدور عليه زاده وذخيرته، تحوم فوق رأسه طائرات الصليبيين، وتحيط به جموع المرتدين، هو في عين نفسه مستضعف مطارد، وفي عين أعدائه جيش من الأبطال يوشك أن يقتحم المدن من جديد، ونفوسهم مكسورة أمامه لا تقوى على الثبات في وجه زحفه العنيف المخيف، فليسعوا إلى إرهاب أعدائهم أكثر، وليجهدوا في إرعابهم أكثر، وليصبروا على ما يلقونه في سبيل الله تعالى، فما عملهم كله إلا عبادة، وما ثمرته إلا الحسنى وزيادة، وقد قال ربهم سبحانه: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 192
الخميس 22 ذو القعدة 1440 هـ
...المزيد

إن الله لا يضيع أجر المحسنين قبل فتح الموصل كان دأب رافضة العراق حشد الآلاف من جيشهم وشرطهم ...

إن الله لا يضيع أجر المحسنين


قبل فتح الموصل كان دأب رافضة العراق حشد الآلاف من جيشهم وشرطهم للسير في صحراء الأنبار وبادية الجزيرة بحثا عن معسكرات الدولة الإسلامية ومخابئ جنودها، حيث كانت أرتال ضخمة تصل لمئات المدرعات أحيانا، تتحرك بصورة استعراضية وكل آمال ضباطهم وجنودهم أن لا يصادفوا في طريقهم أي مجاهد قد يضطرون للاشتباك معه، ثم تنتهي تلك الحملات عادة بصور لقادتها في جوف وادٍ أو قرب خرائب قرية يمكنهم الزعم أن أطلالها تشير إلى مرور جنود الدولة الإسلامية بها ذات يوم.

وغالبا ما كانت تنتهي نشوة تلك الاستعراضات الفارغة بفاجعة تُحيق بالمرتدين بعيدا عن مواطن انتصاراتهم المزعومة، حيث تُفاجئهم المفارز الأمنية للمجاهدين بضربات قوية في أكثر المناطق تشديدا داخل بغداد والموصل وسامراء وكركوك وبعقوبة، ليستيقظوا مرة أخرى من أحلامهم الجميلة على كوابيس مفزعة تطيح بقياداتهم الأمنية والعسكرية وتجبرهم على إعادة ترتيب قواتهم وتنظيم تشكيلاتهم، ثم الانطلاق من جديد إلى الصحراء نحو حلم جديد بنصر حاسم على الدولة الإسلامية.

وإن الناظر في أمر هذه الحملات التي عاد الروافض لتكرار أسلوبها اليوم بوتيرة وحجم أكبرين يجد أنها حيلة العاجز وخيار من لا خيار آخر له، إذ البديل عنها أن يجلسوا في قواعدهم وثكناتهم منتظرين أن تتساقط عليهم القذائف والصواريخ، أو تقطع طرقاتهم العبوات والكمائن، وفي الوقت نفسه فإن هذه الحملات تمثل لهم صورة من صور السيطرة على الأرض التي يسعون للحفاظ عليها، فبانقطاعها تصبح المناطق التي يتحرك فيها جنود الدولة الإسلامية اليوم بحكم الساقطة عسكريا، ويصبح المرتدون محاصرين في المناطق الحضرية التي يسعون لتأمينها، لتتحول شيئا فشيئا إلى حصون مخافة اقتحام الدولة الإسلامية لها من جديد.

وكذلك فإن أخشى ما يخشاه الروافض وحلفاؤهم الصليبيون اليوم أن يتحول المجاهدون في انتشارهم من نمط العصابات صغيرة الحجم التي تنفذ هجمات عسكرية محدودة القوة إلى نمط التشكيلات العصابية شبه النظامية التي يمكنها -بإذن الله تعالى- القيام بعمليات منسقة متوسطة بل وكبيرة من حيث المدى وطبيعة الأهداف، ولذلك فهم يسعون من خلال الحملات المستمرة إلى إبقاء المجاهدين في حالة تنقل دائم وتوزع متناثر، عبر المطاردة المستمرة لهم ومنعهم من إقامة نقاط استقرار طويلة الأمد بالبحث عنها وتدميرها، وبالتالي التضييق عليهم بذلك لمنعهم من استقبال أعداد كبيرة من النافرين إليهم وخاصة في مناطق العمليات المحيطة بالمدن والطرق الرئيسة.

وهكذا نجد الروافض اليوم ما إن يسمعوا بنصب خيمة في الصحراء إلا حركوا إليها أرتالهم ليتحققوا أن من يستظل بها ليس من جنود الخلافة، وما إن يخبرهم جاسوس أنه رأى بعض الأشخاص في منطقة جبلية قصية إلا شنوا عليها حملة تمشيط خوفا من أن يكونوا من مجاهدي الدولة الإسلامية، وهذا الرعب ليس حكرا على الروافض في العراق فحسب، بل هو -بحمد الله تعالى- عام شامل في نفوس الكفار والمرتدين في كل مكان، فهم منذ إعلان الخلافة في حالة استنفار دائم لم تُنهها إعلاناتهم المزعومة بتحقيق النصر النهائي على الدولة الإسلامية، التي يعلمون قبل غيرهم أنها مجرد أكاذيب لا تغني من الواقع شيئا.

ولهذا فعلى مجاهدي الدولة الإسلامية أن يفرحوا بهذا الفضل العظيم من ربهم جل جلاله، أن جعل مجرد بقاء رايتهم مرفوعة مصدر غيظ وخوف وهلع، وسبب استنزاف للكفار وإرهاق وحركة مستمرة لهم، فما يُدخلونه على قلوب أعداء الله من ذلك كله جهاد في سبيل الله تعالى، يثابون عليه حسنات يعظم بها إيمانهم ويُكفّر بها عن سيئاتهم وترتفع بها درجاتهم، وهم ربما لا يلقون لها بالا لعلو هممهم وتطلعهم لما هو أعلى وأجل من الأعمال، وأكثر نكاية وأعظم فتكا بأعداء الله رب العالمين، فكيف إذا اجتمع إلى ذلك ما يلاقونه من جوع وخوف وهم وغم وهم متمسّكون بدينهم قابضون على توحيدهم، قال تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 120- 121].

وعليهم أن يتأكدوا أنهم بإذن الله منصورون من ربهم بالرعب وبما شاء من جنوده، فلربّ مجاهد ضعيف عضُده، قليل مددُه، مقدور عليه زاده وذخيرته، تحوم فوق رأسه طائرات الصليبيين، وتحيط به جموع المرتدين، هو في عين نفسه مستضعف مطارد، وفي عين أعدائه جيش من الأبطال يوشك أن يقتحم المدن من جديد، ونفوسهم مكسورة أمامه لا تقوى على الثبات في وجه زحفه العنيف المخيف، فليسعوا إلى إرهاب أعدائهم أكثر، وليجهدوا في إرعابهم أكثر، وليصبروا على ما يلقونه في سبيل الله تعالى، فما عملهم كله إلا عبادة، وما ثمرته إلا الحسنى وزيادة، وقد قال ربهم سبحانه: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 192
الخميس 22 ذو القعدة 1440 هـ
...المزيد

مقال: الصبر وما يعين المسلمَ عليه إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله ...

مقال: الصبر وما يعين المسلمَ عليه


إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد: فلما كانت الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء، لا يسلم المؤمن في الدنيا من المصائب والرزايا والبلايا، ونحن في أزمنة متأخرة حُرمَ فيها المسلمون من التحاكم إلى شريعة ربهم عز وجل، ونُكست فيها أعلام العلم والدين، وصار الدعاةُ إلى الله عز وجل الملتزمين بشرعه محاربين مضطهدين، وارتفعت أعلام الفتن، وكثرت الشبهات والمحن، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، فما أحوج المجاهدين إلى تعلم الصبر والعمل به، قال ابن القيم رحمه الله: "فإن الله سبحانه جعل الصبر جواداً لا يكبو، وصارماً لا ينبو، وجندا غالباً لا يهزم، وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم، فهو والنصر أخوان شقيقان فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد، ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبرهم أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال تعالى: {واصبروا إن الله مع الصابرين}[الأنفال : 46] ". [عدة الصابرين]


- معنى الصبر وذكر أقسامه

الصبر لغة: هو المنع والحبس، واصطلاحا: قال ابن القيم هو: "حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما" [عدة الصابرين].

وقال رحمه الله في حقيقته: "هو خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها"[عدة الصابرين] ، وقيل: "الصبر المقام على البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية"، قال ابن القيم رحمه الله: "ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه، فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر، وصحبة البلاء بالصبر"[عدة الصابرين].

وللصبر ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها.

- الصبر دليل على محبة الله
فالصبر على ما قدره الله على عباده من البلاء دليل على محبتهم إياه، ولذلك فكلما عَظُمَ صبر العبد على المكاره في مراد الله عظمت محبته عند الله، ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه، فقال تعالى عن نبيه أيوب: {إنا وجدناه صابراً} ثم أثنى عليه، فقال: {نعم العبد إنه أواب}[ص:44]، وأمر سبحانه وتعالى أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه فقال تعالى لرسوله محمداً صلى الله عليه وسلم: {واصبر وما صبرك إلا بالله}[النحل:127] وفي ذلك قال ابن القيم: "ومن ههنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة، لأنهم ادعوا محبة الله تعالى، فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة، ولم يثبت معه إلا الصابرون" [مدارج السالكين]


- الأسباب المعينة على الصبر عند البلاء
ومما يعين المجاهد على الصبر على البلاء عشرة أمور عدّها ابن القيم رحمه الله فقال: "والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة:

أحدها: شهودُ جزائِها وثوابها.

الثاني: شهودُ تكفيرها للسيئات ومَحْوِهَا لها. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها).

الثالث: شهودُ القَدَرِ السابق الجاري بها وأنها مقدَّرةٌ في أمِّ الكتاب قبل أن يُخْلَقَ فلا بدَّ منها، فجزَعُه لا يزيدهُ إلا بلاء.

الرابع: شهودُه حقَّ الله عليه في تلك البلوى، وواجبَه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين؛ فهو مأمور بأداء حقِّ الله وعبوديته عليه في تلك البلوى؛ فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.

الخامس: شهود ترتّبها عليه بذنبه، كما قالَ الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى من الآية:30] فهذا عامٌّ في كل مصيبة دقيقةٍ وجليلة، فيشْغَلُه شهودَ هذا السببِ بالاستغفارِ الذي هو أعظمُ الأسباب في دفع تلك المصيبة، قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع بلاء إلا بتوبة".

السادس: أن يعلمَ أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسَمَها، وأنَّ العبودية تقتضي رضاه بما رَضِيَ له به سيده ومولاه؛ فإن لم يوفِ قدْرَ المقَامِ حقَّه فهو لضَعْفِهِ؛ فلينزلْ إلى مقامِ الصبر عليها؛ فإن نزلَ عنه نزلَ إلى مقامِ الظلم وتعدِّي الحقّ.

السابع: أن يعلمَ أن هذه المصيبة هي داءٌ نافع ساقَه إليه الطبيبُ العليم بمصلحته الرحيم به؛ فليصبرْ على تجرُّعِه ولا يتقيَّأه بتسخُّطِه وشكْوَاه فيذهبُ نفْعُه باطلًا.

الثامن: أن يعلم أن في عُقْبَى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه؛ فإذا طالعتْ نفسُه كراهةَ هذا الدواءِ ومرارَتَه؛ فلينظرْ إلى عاقبته وحُسْنِ تأثيره، قال تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة من الآية:216]، وقال الله تعالى: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّـهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء من الآية:19]، وفي مثل هذا قال القائل:
لَعَلّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُهُ
فرُبّمَا صَحّتِ الأجْسامُ بالعِلَلِ

التاسع: أن يعلمَ أن المصيبةَ ما جاءَتْ لتهلِكَه وتقتُلَه، وإنما جاءت لِتَمْتَحِنَ صبْرَه وتبْتَلِيَه؛ فيتبيّن حينئذ هل يصلح لاستخدامه؟ وجعْلِه من أوليائه وحزبه أم لا؟ فإن ثبت اصطفاه واجتباه، وخلع عليه خِلَعَ الإكرام وألبسه ملابسَ الفضل، وجعل أولياءه وحزبه خدمًا له وعونًا له، وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طُرِدَ وصُفع قفاه وأُقِصي، وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلمُ بعد ذلك بأنَّ المصيبةَ في حقِّه صارت مصائب، كما يعلمُ الصابرُ أنَّ المصيبةَ في حقِّهِ صارَتْ نِعَمًا عديدة، وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبرُ ساعة، وتشجيعُ القلب في تلك الساعة، والمصيبة لا بدَّ أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات، وعن الآخرِ بالحرمان والخذلان؛ لأن ذلك تقدير العزيز العليم، وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

العاشر: أن يعلم أن الله يربّي عبدَه على السراء والضراء والنعمة والبلاء؛ فيستخرج منه عبوديَّته في جميع الأحوال؛ فإن العبدَ على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبدُ السرَّاء والعافيةِ الذي يعبد الله على حرفٍ؛ فإن أصابه خير اطمأنَّ به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته؛ فلا ريب أنَّ الإيمان الذي يثبتُ على محلِّ الابتلاء والعافية".[طريق الهجرتين]

- الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين
فلابد للمجاهد من الصبر على نوائب الدهر وأذى الخلق، بل ولابد له من الزيادة على صبره بالرضا بما قضى الله به، وأنيسه في ذلك يقينه بموعود الله، وملاحظته لحسن العاقبة، وعلمه بأن الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، قال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] قال سفيان بن عيينة في هذه الآية: "لما أخذوا برأس الأمر جعلهم الله رؤوسا" .وقال الطبري رحمه الله: "وقوله: (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً)، يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بني إسرائيل أئمة، وهي جمع إمام، والإمام الذي يؤتمّ به في خير أو شرّ، وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير، يؤتمّ بهم، ويهْتَدى بهديهم".[تفسير الطبري]

"فالصبر آخِيَة المؤمن التي يجُول ثم يرجِعُ إليها، وساقُ إيمانِه التي لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمانَ لمن لا صبْرَ له، وإن كان فإيمانٌ قليل في غاية الضعْف وصاحبُه ممن يعبُد الله على حرف {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ } [الحج: 11]، ولم يحظَ منهما إلا بالصفقة الخاسرة، فخيْر عيشٍ أدركه السعداء بصبرهم، وترَقَّوْا إلى أعلى المنازل بشكرهم، فساروا بين جَناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يُؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم".[عدة الصابرين]


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 191
الخميس 15 ذو القعدة 1440 هـ
...المزيد

مقال: الصبر وما يعين المسلمَ عليه إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله ...

مقال: الصبر وما يعين المسلمَ عليه


إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعينه ونستغفره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد: فلما كانت الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء، لا يسلم المؤمن في الدنيا من المصائب والرزايا والبلايا، ونحن في أزمنة متأخرة حُرمَ فيها المسلمون من التحاكم إلى شريعة ربهم عز وجل، ونُكست فيها أعلام العلم والدين، وصار الدعاةُ إلى الله عز وجل الملتزمين بشرعه محاربين مضطهدين، وارتفعت أعلام الفتن، وكثرت الشبهات والمحن، وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر، فما أحوج المجاهدين إلى تعلم الصبر والعمل به، قال ابن القيم رحمه الله: "فإن الله سبحانه جعل الصبر جواداً لا يكبو، وصارماً لا ينبو، وجندا غالباً لا يهزم، وحصنا حصينا لا يهدم ولا يثلم، فهو والنصر أخوان شقيقان فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب والعسر مع اليسر، وهو أنصر لصاحبه من الرجال بلا عدة ولا عدد، ومحله من الظفر كمحل الرأس من الجسد، ولقد ضمن الوفي الصادق لأهله في محكم الكتاب أنه يوفيهم أجرهم بغير حساب، وأخبرهم أنه معهم بهدايته ونصره العزيز وفتحه المبين، فقال تعالى: {واصبروا إن الله مع الصابرين}[الأنفال : 46] ". [عدة الصابرين]


- معنى الصبر وذكر أقسامه

الصبر لغة: هو المنع والحبس، واصطلاحا: قال ابن القيم هو: "حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحوهما" [عدة الصابرين].

وقال رحمه الله في حقيقته: "هو خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها"[عدة الصابرين] ، وقيل: "الصبر المقام على البلاء بحسن الصحبة كالمقام مع العافية"، قال ابن القيم رحمه الله: "ومعنى هذا أن لله على العبد عبودية في عافيته وفي بلائه، فعليه أن يحسن صحبة العافية بالشكر، وصحبة البلاء بالصبر"[عدة الصابرين].

وللصبر ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها.

- الصبر دليل على محبة الله
فالصبر على ما قدره الله على عباده من البلاء دليل على محبتهم إياه، ولذلك فكلما عَظُمَ صبر العبد على المكاره في مراد الله عظمت محبته عند الله، ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أوليائه وأحبابه، فقال تعالى عن نبيه أيوب: {إنا وجدناه صابراً} ثم أثنى عليه، فقال: {نعم العبد إنه أواب}[ص:44]، وأمر سبحانه وتعالى أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه فقال تعالى لرسوله محمداً صلى الله عليه وسلم: {واصبر وما صبرك إلا بالله}[النحل:127] وفي ذلك قال ابن القيم: "ومن ههنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة، لأنهم ادعوا محبة الله تعالى، فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة، ولم يثبت معه إلا الصابرون" [مدارج السالكين]


- الأسباب المعينة على الصبر عند البلاء
ومما يعين المجاهد على الصبر على البلاء عشرة أمور عدّها ابن القيم رحمه الله فقال: "والصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة:

أحدها: شهودُ جزائِها وثوابها.

الثاني: شهودُ تكفيرها للسيئات ومَحْوِهَا لها. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها).

الثالث: شهودُ القَدَرِ السابق الجاري بها وأنها مقدَّرةٌ في أمِّ الكتاب قبل أن يُخْلَقَ فلا بدَّ منها، فجزَعُه لا يزيدهُ إلا بلاء.

الرابع: شهودُه حقَّ الله عليه في تلك البلوى، وواجبَه فيها الصبر بلا خلاف بين الأمة، أو الصبر والرضا على أحد القولين؛ فهو مأمور بأداء حقِّ الله وعبوديته عليه في تلك البلوى؛ فلا بد له منه وإلا تضاعفت عليه.

الخامس: شهود ترتّبها عليه بذنبه، كما قالَ الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشورى من الآية:30] فهذا عامٌّ في كل مصيبة دقيقةٍ وجليلة، فيشْغَلُه شهودَ هذا السببِ بالاستغفارِ الذي هو أعظمُ الأسباب في دفع تلك المصيبة، قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفع بلاء إلا بتوبة".

السادس: أن يعلمَ أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسَمَها، وأنَّ العبودية تقتضي رضاه بما رَضِيَ له به سيده ومولاه؛ فإن لم يوفِ قدْرَ المقَامِ حقَّه فهو لضَعْفِهِ؛ فلينزلْ إلى مقامِ الصبر عليها؛ فإن نزلَ عنه نزلَ إلى مقامِ الظلم وتعدِّي الحقّ.

السابع: أن يعلمَ أن هذه المصيبة هي داءٌ نافع ساقَه إليه الطبيبُ العليم بمصلحته الرحيم به؛ فليصبرْ على تجرُّعِه ولا يتقيَّأه بتسخُّطِه وشكْوَاه فيذهبُ نفْعُه باطلًا.

الثامن: أن يعلم أن في عُقْبَى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لم تحصل بدونه؛ فإذا طالعتْ نفسُه كراهةَ هذا الدواءِ ومرارَتَه؛ فلينظرْ إلى عاقبته وحُسْنِ تأثيره، قال تعالى: {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة من الآية:216]، وقال الله تعالى: {فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّـهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء من الآية:19]، وفي مثل هذا قال القائل:
لَعَلّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُهُ
فرُبّمَا صَحّتِ الأجْسامُ بالعِلَلِ

التاسع: أن يعلمَ أن المصيبةَ ما جاءَتْ لتهلِكَه وتقتُلَه، وإنما جاءت لِتَمْتَحِنَ صبْرَه وتبْتَلِيَه؛ فيتبيّن حينئذ هل يصلح لاستخدامه؟ وجعْلِه من أوليائه وحزبه أم لا؟ فإن ثبت اصطفاه واجتباه، وخلع عليه خِلَعَ الإكرام وألبسه ملابسَ الفضل، وجعل أولياءه وحزبه خدمًا له وعونًا له، وإن انقلب على وجهه ونكص على عقبيه طُرِدَ وصُفع قفاه وأُقِصي، وتضاعفت عليه المصيبة وهو لا يشعر في الحال بتضاعفها وزيادتها، ولكن سيعلمُ بعد ذلك بأنَّ المصيبةَ في حقِّه صارت مصائب، كما يعلمُ الصابرُ أنَّ المصيبةَ في حقِّهِ صارَتْ نِعَمًا عديدة، وما بين هاتين المنزلتين المتباينتين إلا صبرُ ساعة، وتشجيعُ القلب في تلك الساعة، والمصيبة لا بدَّ أن تقلع عن هذا وهذا، ولكن تقلع عن هذا بأنواع الكرامات والخيرات، وعن الآخرِ بالحرمان والخذلان؛ لأن ذلك تقدير العزيز العليم، وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

العاشر: أن يعلم أن الله يربّي عبدَه على السراء والضراء والنعمة والبلاء؛ فيستخرج منه عبوديَّته في جميع الأحوال؛ فإن العبدَ على الحقيقة من قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عبدُ السرَّاء والعافيةِ الذي يعبد الله على حرفٍ؛ فإن أصابه خير اطمأنَّ به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه؛ فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته؛ فلا ريب أنَّ الإيمان الذي يثبتُ على محلِّ الابتلاء والعافية".[طريق الهجرتين]

- الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين
فلابد للمجاهد من الصبر على نوائب الدهر وأذى الخلق، بل ولابد له من الزيادة على صبره بالرضا بما قضى الله به، وأنيسه في ذلك يقينه بموعود الله، وملاحظته لحسن العاقبة، وعلمه بأن الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، قال تعالى وبقوله اهتدى المهتدون: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] قال سفيان بن عيينة في هذه الآية: "لما أخذوا برأس الأمر جعلهم الله رؤوسا" .وقال الطبري رحمه الله: "وقوله: (وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أئمَّةً)، يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بني إسرائيل أئمة، وهي جمع إمام، والإمام الذي يؤتمّ به في خير أو شرّ، وأريد بذلك في هذا الموضع أنه جعل منهم قادة في الخير، يؤتمّ بهم، ويهْتَدى بهديهم".[تفسير الطبري]

"فالصبر آخِيَة المؤمن التي يجُول ثم يرجِعُ إليها، وساقُ إيمانِه التي لا اعتماد له إلا عليها، فلا إيمانَ لمن لا صبْرَ له، وإن كان فإيمانٌ قليل في غاية الضعْف وصاحبُه ممن يعبُد الله على حرف {فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ } [الحج: 11]، ولم يحظَ منهما إلا بالصفقة الخاسرة، فخيْر عيشٍ أدركه السعداء بصبرهم، وترَقَّوْا إلى أعلى المنازل بشكرهم، فساروا بين جَناحي الصبر والشكر إلى جنات النعيم، وذلك فضل الله يُؤتيه من يشاءُ والله ذو الفضل العظيم".[عدة الصابرين]


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 191
الخميس 15 ذو القعدة 1440 هـ
...المزيد

"التيار الجهادي" المزعوم والولاءات المتناقضة من جديد يبدي مرتدو الصحوات في الشام غضبهم من ...

"التيار الجهادي" المزعوم والولاءات المتناقضة


من جديد يبدي مرتدو الصحوات في الشام غضبهم من التصريحات المخزية لقادة حركة "حماس" المرتدة، والتي يؤكدون فيها على التحالف والولاء مع الروافض والنصيرية في إيران والعراق والشام، ويمتدحون فيها طواغيتهم المشركين وقادتهم الذين أوغلوا في دماء أهل السنة والجماعة في مختلف البلدان.وينطلق قادة الحركة المرتدون من أصولهم "الإخوانية" التي قرّرت لهم منذ تأسيس جماعتهم الضالة أن المنفعة المظنونة مقدمة لديهم على نصوص الكتاب والسنة، وأن لكل منهم أن يعمل بموجب تلك المنفعة التي يستجلبها لنفسه، ولو كان في ذلك ضررا ومفسدة على إخوانه المنتسبين إلى فروع أخرى للجماعة في بلدان أخرى، فضلا عن بقية المسلمين الذين يزعمون الانتساب إليهم والولاء لهم، وأنه لا ينكر فرع من فروعهم على فرع آخر في ما يعمله مهما ولغ في الكفر والردة، واعتبار كل قراراتهم اجتهادات شرعية يؤجرون عليها مهما كان ضلالها وسوء عاقبتها.

وهكذا رأينا أتباع كل فرع منهم يوالي الطواغيت الذين ينكلون بإخوانهم في بلدان أخرى، كما حصل مع الإخوان المرتدين في سوريا الذين دخلوا في طاعة الطاغوت "جمال عبد الناصر" في أوج فترة مذابحه بحق الإخوان المرتدين في مصر، ورأيناهم كذلك يوالون الطاغوت "صدام حسين" الذي نكل بإخوانهم في العراق وشرّدهم من الأرض وأعدم بعض قادتهم، ورأينا الإخوان المرتدين في مصر يوالون الطاغوت "الخميني" في الوقت الذي كان ينكل بالمسلمين في إيران، ويرسل صواريخه وطائراته لقصف المسلمين في العراق أثناء قتاله مع حزب البعث، ورأيناهم في مختلف البلدان يوالون الطواغيت من آل سعود في الوقت الذي كان هؤلاء يدعمون فيه النصارى والشيوعيين لقتال حكومة الإخوان المرتدين في جنوب السودان.

بل وتتسع عقلية الإخوان المرتدين لقبول هذا النوع من الولاءات المتناقضة حتى داخل البلد الواحد، إذ تكرر أن يوالي طرف من الإخوان المرتدين الطواغيت الحاكمين في بعض البلدان في الوقت الذي يخوض فيه إخوانهم صراعا ضدهم، لقاء الحصول على بعض المناصب وبعض التسهيلات من أجهزة المخابرات، كما فعل الطاغوت "نحناح" في الجزائر وطواغيت "الحزب الإسلامي" في العراق على سبيل المثال.

وإن هذا الاستنكار من مرتدي الصحوات في الشام على فعل إخوانهم من طواغيت "حركة حماس" كونهم يجعلونها جزءا مما يسمونه "التيار الجهادي" ويرون في فعالها خيانة لبقية أحزاب هذا التيار المزعوم لهو أمر غريب حقا، فإن هذه الأحزاب نفسها غير بريئة اليوم مما وقعت فيه أخواتها من أحزاب الإخوان المرتدين، وشواهد السنوات الأخيرة خير دليل على صدق هذه الدعوى.

فأحزاب "التيار الجهادي" المزعوم في ليبيا موالية صراحة لتركيا وإيطاليا وغيرها من دول الناتو التي هي في اشتباك مباشر مع أحزاب أخرى منه في أفغانستان والصومال، دون أن تستنكر الأخيرة على الأولى هذه الموالاة من أخواتها لأعدائها، وأحزابه في الشام متولية لطواغيت تركيا وقطر، الداعمين لطواغيت الصومال ومالي في قتال أحزاب أخرى من التيار المزعوم في تلك البلدان، وكذلك نرى من حركة "طالبان" المرتدة التي هي رأس في تيارهم تطلب ود وصداقة المشركين في روسيا وإيران في الوقت الذي يرتكبون في المجازر بحق المسلمين في الشام، ويقاتلون منذ سنين أحزاب تيارهم التي تؤيد توجهات "طالبان" وتفرح لرؤية طواغيتها في موسكو وطهران، وعموما لا نسمع من أي أحزابهم طلبا من إخوانهم أن يتبرؤوا من الكفار والمرتدين الذين يقاتلونهم، وذلك اتباعا لقاعدة إخوانهم من أحزاب "الإخوان المرتدين" في ضبط العلاقة داخل جماعتهم أو تيارهم الخاص، وكذلك لأن أكثرهم واقعون في الأمر نفسه ويخشون أن يطلب منهم البراءة أيضا من الطواغيت والمشركين الذين يوالونهم.

وهكذا نجد أن العلاقة بين أحزاب "التيار الجهادي" المزعوم وهي تدّعي الإخاء والولاء لا ترقى حتى إلى التحالف الذي نجده بين طوائف المشركين ودولهم وهم مختلفون متفرقون في مللهم وأديانهم، فلا يجمعهم في الحقيقة إلا دعاوى عريضة بنصرة أمة المسلمين والسعي لإقامة الدين، والتي أثبتوا في مواقف كثيرة كذبهم فيها وخداعهم لمن صدقهم واتبعهم لأجلها.

وهذه الولاءات والتحالفات المتناقضة لا نراها بفضل الله أبدا داخل جماعة المسلمين، التي اجتمع شملها على إمام واحد، وحّد الله تعالى به كلمتها ورايتها وحربها وسلمها، وعصمها به من الفرقة والشتات، فإن نال كافر من مسلم في مشرق الأرض، انتقم له أخوه في مغربها، وإن سالم الإمامُ كافرا في بلد كان تأمينه واجبا على جنود الخلافة في كل مكان، فسلْمه سلْمهم وحربه حربهم، والدم الدم، والهدم الهدم، وكم رأينا من مرة غزوة يعلنها الإمام فيستجيب لأمره المجاهدون في مشارق الأرض ومغاربها، لا يتنكبون عن المشاركة فيها ما وسعهم ذلك.

ولا زلنا نرى جنود الخلافة يقاتلون الروافض في خراسان وفارس والعراق والشام واليمن وهم يرون جميعا أن حربهم في كل هذه الجبهات هي حرب واحدة ما دام عدوهم طائفة واحدة، ويرى كل منهم أن معركته ضد دول التحالف الصليبي في بلاد ما إنما هي جزء من المعركة الشاملة لإخوانه ضدهم في كل مكان.

فهذا أحد الفروق الجلية بين جماعة المسلمين وبين الأحزاب المتفرقة التي تزعم كذبا أنها جزء من تيار واحد يطلقون عليه ما يعجبهم من الأسماء، ولا يزال الخير كله في السنة والجماعة ولا يزال الشر كله في البدعة والفرقة، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 191
الخميس 15 ذو القعدة 1440 هـ
...المزيد

"التيار الجهادي" المزعوم والولاءات المتناقضة من جديد يبدي مرتدو الصحوات في الشام غضبهم من ...

"التيار الجهادي" المزعوم والولاءات المتناقضة


من جديد يبدي مرتدو الصحوات في الشام غضبهم من التصريحات المخزية لقادة حركة "حماس" المرتدة، والتي يؤكدون فيها على التحالف والولاء مع الروافض والنصيرية في إيران والعراق والشام، ويمتدحون فيها طواغيتهم المشركين وقادتهم الذين أوغلوا في دماء أهل السنة والجماعة في مختلف البلدان.وينطلق قادة الحركة المرتدون من أصولهم "الإخوانية" التي قرّرت لهم منذ تأسيس جماعتهم الضالة أن المنفعة المظنونة مقدمة لديهم على نصوص الكتاب والسنة، وأن لكل منهم أن يعمل بموجب تلك المنفعة التي يستجلبها لنفسه، ولو كان في ذلك ضررا ومفسدة على إخوانه المنتسبين إلى فروع أخرى للجماعة في بلدان أخرى، فضلا عن بقية المسلمين الذين يزعمون الانتساب إليهم والولاء لهم، وأنه لا ينكر فرع من فروعهم على فرع آخر في ما يعمله مهما ولغ في الكفر والردة، واعتبار كل قراراتهم اجتهادات شرعية يؤجرون عليها مهما كان ضلالها وسوء عاقبتها.

وهكذا رأينا أتباع كل فرع منهم يوالي الطواغيت الذين ينكلون بإخوانهم في بلدان أخرى، كما حصل مع الإخوان المرتدين في سوريا الذين دخلوا في طاعة الطاغوت "جمال عبد الناصر" في أوج فترة مذابحه بحق الإخوان المرتدين في مصر، ورأيناهم كذلك يوالون الطاغوت "صدام حسين" الذي نكل بإخوانهم في العراق وشرّدهم من الأرض وأعدم بعض قادتهم، ورأينا الإخوان المرتدين في مصر يوالون الطاغوت "الخميني" في الوقت الذي كان ينكل بالمسلمين في إيران، ويرسل صواريخه وطائراته لقصف المسلمين في العراق أثناء قتاله مع حزب البعث، ورأيناهم في مختلف البلدان يوالون الطواغيت من آل سعود في الوقت الذي كان هؤلاء يدعمون فيه النصارى والشيوعيين لقتال حكومة الإخوان المرتدين في جنوب السودان.

بل وتتسع عقلية الإخوان المرتدين لقبول هذا النوع من الولاءات المتناقضة حتى داخل البلد الواحد، إذ تكرر أن يوالي طرف من الإخوان المرتدين الطواغيت الحاكمين في بعض البلدان في الوقت الذي يخوض فيه إخوانهم صراعا ضدهم، لقاء الحصول على بعض المناصب وبعض التسهيلات من أجهزة المخابرات، كما فعل الطاغوت "نحناح" في الجزائر وطواغيت "الحزب الإسلامي" في العراق على سبيل المثال.

وإن هذا الاستنكار من مرتدي الصحوات في الشام على فعل إخوانهم من طواغيت "حركة حماس" كونهم يجعلونها جزءا مما يسمونه "التيار الجهادي" ويرون في فعالها خيانة لبقية أحزاب هذا التيار المزعوم لهو أمر غريب حقا، فإن هذه الأحزاب نفسها غير بريئة اليوم مما وقعت فيه أخواتها من أحزاب الإخوان المرتدين، وشواهد السنوات الأخيرة خير دليل على صدق هذه الدعوى.

فأحزاب "التيار الجهادي" المزعوم في ليبيا موالية صراحة لتركيا وإيطاليا وغيرها من دول الناتو التي هي في اشتباك مباشر مع أحزاب أخرى منه في أفغانستان والصومال، دون أن تستنكر الأخيرة على الأولى هذه الموالاة من أخواتها لأعدائها، وأحزابه في الشام متولية لطواغيت تركيا وقطر، الداعمين لطواغيت الصومال ومالي في قتال أحزاب أخرى من التيار المزعوم في تلك البلدان، وكذلك نرى من حركة "طالبان" المرتدة التي هي رأس في تيارهم تطلب ود وصداقة المشركين في روسيا وإيران في الوقت الذي يرتكبون في المجازر بحق المسلمين في الشام، ويقاتلون منذ سنين أحزاب تيارهم التي تؤيد توجهات "طالبان" وتفرح لرؤية طواغيتها في موسكو وطهران، وعموما لا نسمع من أي أحزابهم طلبا من إخوانهم أن يتبرؤوا من الكفار والمرتدين الذين يقاتلونهم، وذلك اتباعا لقاعدة إخوانهم من أحزاب "الإخوان المرتدين" في ضبط العلاقة داخل جماعتهم أو تيارهم الخاص، وكذلك لأن أكثرهم واقعون في الأمر نفسه ويخشون أن يطلب منهم البراءة أيضا من الطواغيت والمشركين الذين يوالونهم.

وهكذا نجد أن العلاقة بين أحزاب "التيار الجهادي" المزعوم وهي تدّعي الإخاء والولاء لا ترقى حتى إلى التحالف الذي نجده بين طوائف المشركين ودولهم وهم مختلفون متفرقون في مللهم وأديانهم، فلا يجمعهم في الحقيقة إلا دعاوى عريضة بنصرة أمة المسلمين والسعي لإقامة الدين، والتي أثبتوا في مواقف كثيرة كذبهم فيها وخداعهم لمن صدقهم واتبعهم لأجلها.

وهذه الولاءات والتحالفات المتناقضة لا نراها بفضل الله أبدا داخل جماعة المسلمين، التي اجتمع شملها على إمام واحد، وحّد الله تعالى به كلمتها ورايتها وحربها وسلمها، وعصمها به من الفرقة والشتات، فإن نال كافر من مسلم في مشرق الأرض، انتقم له أخوه في مغربها، وإن سالم الإمامُ كافرا في بلد كان تأمينه واجبا على جنود الخلافة في كل مكان، فسلْمه سلْمهم وحربه حربهم، والدم الدم، والهدم الهدم، وكم رأينا من مرة غزوة يعلنها الإمام فيستجيب لأمره المجاهدون في مشارق الأرض ومغاربها، لا يتنكبون عن المشاركة فيها ما وسعهم ذلك.

ولا زلنا نرى جنود الخلافة يقاتلون الروافض في خراسان وفارس والعراق والشام واليمن وهم يرون جميعا أن حربهم في كل هذه الجبهات هي حرب واحدة ما دام عدوهم طائفة واحدة، ويرى كل منهم أن معركته ضد دول التحالف الصليبي في بلاد ما إنما هي جزء من المعركة الشاملة لإخوانه ضدهم في كل مكان.

فهذا أحد الفروق الجلية بين جماعة المسلمين وبين الأحزاب المتفرقة التي تزعم كذبا أنها جزء من تيار واحد يطلقون عليه ما يعجبهم من الأسماء، ولا يزال الخير كله في السنة والجماعة ولا يزال الشر كله في البدعة والفرقة، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 191
الخميس 15 ذو القعدة 1440 هـ
...المزيد

فانني اتمنى أن أموت واقفا ، وأن أناضل عن ديني لآخر لحظة من عمري

فانني اتمنى أن أموت واقفا ، وأن أناضل عن ديني لآخر لحظة من عمري

✍قالت الحُكَماءُ: ((كِتمانُ السِّرِّ كَرَمٌ في النَّفسِ، وسُمُوٌّ في الهِمَّةِ، ودليلٌ على ...

✍قالت الحُكَماءُ:
((كِتمانُ السِّرِّ كَرَمٌ في النَّفسِ، وسُمُوٌّ في الهِمَّةِ، ودليلٌ على المروءةِ، وسَبَبٌ للمَحبَّةِ، ومُبلِغٌ إلى جليلِ الرُّتبةِ))
((المروءة)) لأبي بكر بن المرزبان(ص: 122)

🔗 اضغط هنا للمتابعة:👇 https://whatsapp.com/channel/0029VbAZ4HH8F2pGv35lJE25 ...المزيد

حين أجلس أحيانا في نهاية يوم طويل وأفتح واحدا من تلك المقاطع التي تحتفي بالتنمية البشرية وتعد الناس ...

حين أجلس أحيانا في نهاية يوم طويل وأفتح واحدا من تلك المقاطع التي تحتفي بالتنمية البشرية وتعد الناس بقدرة خارقة على تغيير حياتهم، أشعر كما لو أنني أمام عالم ينساب فيه الكلام بسهولة تشبه سهولة المياه التي تنحدر من أعلى الجبل، كلام يُقال بثقة وابتسامة وهدوء يجعل المستمع يظن أن الحياة كلها تنتظر فقط أن يستيقظ مبكرا ويبتسم لنفسه ويكرر بعض الجمل التي تحفّز أعماقه.

وفي كل مرة أسمع فيها تلك العبارات التي تطلب من الإنسان أن يؤمن بقدرته على صنع مصيره، يخطر ببالي أن هذه الوصفات تنظر إلى البشر كما لو أنهم يولدون ويعيشون ويعملون خارج أي مجتمع، وكأن العالم قد صُمّم خصيصا ليكون مرآة لإرادتهم وحدها.

وأتذكر شابا التقيت به ذات يوم، يحمل شهادات عديدة ويخرج من مقابلة عمل وهو يجرّ خلفه تعب سنوات الجامعة، وكان يحدثني بصوت يشبه الهمس عن محاولاته المتكررة لإقناع نفسه بأنه قوي وقادر ومؤمن بذاته، ومع ذلك كان يعود كل مرة إلى النقطة نفسها، نقطة أن المشكلة ليست في ثقته ولا في خططه ولا في تلك الجمل التحفيزية التي يرددها قبل النوم، وإنما في واقع يضيق به وبغيره، واقع لا يترك مساحة واسعة للطموحات مهما كانت الإرادة مشتعلة في الداخل.

ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: كيف يمكن لفرد واحد أن يبني حياة ناجحة إذا كانت الأرض التي يقف عليها غير ممهدة، وإذا كانت المؤسسات التي تشكل الإطار العام لحياته لا تعمل بالقدر المطلوب، وإذا كانت الفرص قليلة والمنافسة غير عادلة؟.

كيف يمكن أن نطلب من إنسان أن يحقق ذاته وسط اقتصاد يعاني من البطء، وسوق عمل يأكل الوقت أكثر مما يعطي الفرص، ومنظومة تشغيل مشدودة بخيوط المحسوبية التي تُبقي كثيرين في الخلف مهما كانت قدراتهم؟.

ومع مرور الزمن، صار خطاب التنمية البشرية الذي وُلد في مجتمعات مختلفة يصل إلينا مثل بضاعة مستوردة فقدت جزءا من معناها وهي تعبر المسافات، لأن الأفكار التي نشأت في بيئات اقتصادية قوية تعتمد على منظومات تستوعب طموحات الناس وتوفر لهم الحد الأدنى من الاحتضان، قد لا تعمل بالطريقة نفسها حين تصل إلى بيئة لم تكتمل بنيتها بعد، ولم تُعبّد طرقها بما يكفي لتسمح للفرد بأن يمشي فيها بثقة وثبات.

ومع هذا الامتداد المتزايد للفردانية، تسلّلت تلك الروح إلى فضاءات لم تكن تنتمي إليها سابقا، حتى وصلت إلى السياسة، فأصبح بعض الشباب الذين لم يقرأوا إلا ما تيسّر من المقالات المختصرة يتحدثون عبر هواتفهم الصغيرة عن أعقد ملفات العلاقات الدولية ويتعاملون مع السياسة كما لو أنها لعبة إلكترونية يمكن التحكم بها عبر لمسة من الشاشة، إذ تمنحهم تلك الجرعات التحفيزية شعورا بأنهم قادرون على حل أزمات العالم، فقط لأنهم استيقظوا مبكرا ورددوا كلمات تشجعهم على الإيمان بالطاقة الداخلية. وهكذا تتشكل مفارقة غريبة تجعل الإنسان يظن أن العالم يلين للنية الصافية أكثر مما يلين للمعرفة والخبرة !!.

ومع امتداد هذا الخيط، يصبح من السهل أن نرى كيف وصل هذا النسق الفرداني حتى إلى الخطاب الديني نفسه، خطاب يفترض أنه يحمل رؤية روحية تتجاوز الإنسان الفرد إلى الجماعة، ومع ذلك نرى فيه في السنوات الأخيرة تركيزا شديدا على الفرد، حيث يُقال للمرء إن حياته ستستقيم إن حافظ على الصلاة، وإن فقره سيزول إن أصر على الصيام والقيام، وإن رزقه سيتسع إن نهض لصلاة الفجر أو وقف في الليل طويلا يناجي ربّه، وكأن المشكلة تكمن فقط في مقدار القرب الروحي بين الفرد وخالقه.

ومع أن لهذه الطقوس أثرا عظيما على النفس وطمأنينة القلب، إلا أن الخطاب ينسى في كثير من الأحيان أن ما ينهض بالفقراء ليس فقط يقينهم الشخصي ولا صفاء أرواحهم، وإنما وجود مجتمع عادل قادر على التخطيط، مجتمع يرى الفقر ظاهرة جماعية تحتاج إلى سياسات لا مجرد نصائح، مجتمع يدرك أن الرزق ليس مجرد باب يفتح حين يخشع القلب، وإنما شبكة واسعة من الفرص والحقوق والواجبات.

وهكذا يصبح الفرد مطالبا بأن يعالج مشكلات هي في أصلها مسؤولية المجتمع ومؤسساته، فيحمل هموما أكبر من طاقته، ويقف في مواجهة ظروف لا يمكن لجسد واحد وروح واحدة أن تغيّرها مهما كانت العبادة خالصة.

ومع كل ذلك، يبقى من المهم الاعتراف بأن هذه الكتب والمحاضرات والخطب تحمل جانبا جميلا يساعد الإنسان أحيانا على رؤية ذاته من زاوية أخرى، وتمنحه قدرة على ترتيب فوضاه الصغيرة، وتفتح أمامه نافذة لأمل داخلي لا يمكن تجاهله، إلا أن هذه القيمة تبقى جزءا من صورة أكبر، صورة تحتاج إلى مجتمع واع ومؤسسات مسؤولة حتى تكتمل.

ولهذا فأزمتنا تبدو وكأنها أزمة مجتمع يبحث عن بوصلته قبل أن تكون أزمة أفراد يبحثون عن طرق فردية للخلاص، أزمة تتعلق بغياب الرؤية الجماعية، وحاجة ملحّة لبناء طريق يسير فيه الناس معا لا وحدهم، لأن الإنسان مهما حاول أن يتحمل مسؤولية كل شيء سيظل ابن بيئته، ولا يمكن أن يقف وحده في وجه الحياة بأكملها، وحين نحمله ما لا يُحتمل ونطالبه بأن ينهض وحده، نكون كمن يضع جبلا على كتفيه ثم يطالبه بالركض، مع أننا ندرك في أعماقنا أن الجبال لا تتحرك إلا عندما يتحرك الجميع.
...المزيد

أدى الاستخدام المتسارع لشبكات الإنترنت وانتشار توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف مناحي الحياة إلى خلق ...

أدى الاستخدام المتسارع لشبكات الإنترنت وانتشار توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف مناحي الحياة إلى خلق تحديات مستجدة أمام أجهزة الشرطة العربية، التي وجدت نفسها مضطرةً للحاق بركب هذا التطور التكنولوجي الهائل والحاجة إلى سد الثغرات الكبيرة سواء على مستوى إعداد رجال الأمن أو على مستوى التقنيات والتجهيزات الضرورية والأساليب والمهارات العملية، فضلاً عن الأطر القانونية والإجرائية. وتتمثل أهم التحديات الأمنية التقليدية التي تواجهها الدول العربية بالأنشطة الإرهابية والجرائم المنظمة العابرة للحدود كجرائم تهريب المخدرات وغسل الأموال والاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة، ومع تجاوز الأنشطة الإجرامية للمفاهيم التقليدية المألوفة لعلم الجريمة، غدت الجرائم الإلكترونية تشكل هاجساً يؤرق الأجهزة الأمنية في ظل تنوع صور الجرائم المستحدثة واعتمادها على أنظمة بيانات ومعلومات معقدة وصعوبة مجاراة الأساليب الإجرامية الحديثة وتعقُّد مسارح هذه الجرائم وتوزعها في دول مختلفة. وبناءً على تلك المتغيرات المتسارعة في عالم الجريمة وأدواتها بدأ العديد من الدول العربية الاستفادة من علم البيانات والذكاء الاصطناعي وتوظيفه في خدمة مرفق الأمن، حيث تم تخصيص الميزانيات الكبيرة لتلبية الحاجة الملحّة والمتسارعة لوجود بيئة تقنية وتكنولوجية تواكب هذا التطور العالمي وتحقيق أفضل صور الاستثمار في قطاعات الدولة المختلفة وأهمها القطاع الأمني، حيث كانت دولة الإمارات العربية المتحدة سباقةً على المستوى العربي في هذا المجال، وتبعتها السعودية وقطر حيث احتلت هذه الدول تصنيفاً متقدماً في مؤشرات توظيف الذكاء الاصطناعي. لقد أصبح الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات بهدف بناء استراتيجيات أمنية استباقية يشكل الأولوية لدى أجهزة الشرطة بهدف التنبؤ بالسلوكيات الإجرامية ومكافحتها قبل حدوثها أو تفاقمها بدلاً من طرق التعامل التقليدية التي كانت غالباً تعتمد على ردود الأفعال. وعليه أصبح الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي لتعزيز العدالة الجنائية واكتشاف انتشار وحدوث الظواهر الإجرامية والوقاية منها من مرتكزات العمل الأمني بهدف التنبؤ بالسلوكيات الإجرامية وتحديد بؤر الجريمة الساخنة من خلال أنظمة المراقبة الذكية وتقنيات التعرف على الوجوه في الحشود والأماكن العامة التي تسارع استخدامها عالمياً، حيث يتم تحليل الصور ومقاطع الفيديو من خلال ربط كاميرات المراقبة الذكية بقواعد مركزية للبيانات، مما يتيح تتبع المجرمين والمفقودين والمركبات المشتبه بها، كما يمكن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي كإجراء احترازي لمراقبة شبكات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي للاكتشاف المبكر لخطط الجريمة، وكذلك انتشار خطابات التطرف والكراهية، فضلاً عن مواجهة ظاهرة رسائل التصيد الاحتيالي وحجبها قبل وصولها للضحايا المستهدفين. إن زيادة معدلات الكشف عن الجريمة اعتماداً على استخدام الذكاء الاصطناعي سوف يحقق الردع الأمني لمرتكبي الجرائم المختلفة ويمنع الجريمة قبل وقوعها ويجعل التحقيقات الجنائية تسير بصورة أسرع وأكثر فعالية، ولكن من الممكن أن يؤدي الاعتماد الزائد على التقنيات التكنولوجية الحديثة إلى ارتفاع تكلفة العمل الأمني وظهور تحديات أخلاقية وقانونية بشكل مستمر، حيث يتوجب مراعاة الاعتبارات الأخلاقية عند توظيف الذكاء الاصطناعي، وخاصةً لجهة منع أن تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى أدوات للتجسس على خصوصيات الناس وحرياتهم، وذلك من خلال وضع أنظمة رقابية وقانونية لضمان استخدام البيانات بصورة تحقق التوازن بين متطلبات الأمن واحترام حقوق الإنسان وحماية الخصوصية، وكذلك ضرورة ضمان عدم فلتان تطبيقات الذكاء الاصطناعي من التحكم والسيطرة البشرية، خصوصاً أن هناك علاقة تأثر وتأثير تتعلق بالمسؤولية القانونية للعنصر البشري صاحب القرار التشغيلي لتلك التطبيقات، ووجود تجاوزات محتملة تشكل تعدياً على خصوصية الآخرين ومساساً بحقوقهم، وبالتالي ضرورة توظيف الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات بطريقة عامة ومجردة وقانونية تمنع التمييز بين الأفراد بناءً على تحيزات مجتمعية أو دوافع كيدية. ...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
16 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً