لم تذهب حتى تعود! بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند ...

لم تذهب حتى تعود!


بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند حديثها عن الدولة الإسلامية عبارة "عائدة وتتمدد"، في إشارة إلى التطورات التي شهدتها الشهور الماضية، والتي دفعت قيادة الجيش الأمريكي والأمم المتحدة إلى إصدار تقارير تحذيرية من تصاعد قوة الدولة الإسلامية في مركز عمليات التحالف الصليبي الدولي المشكل لقتالها، أي في العراق والشام، والتي تهدد باستعادة الدولة الإسلامية التمكين في هذه المناطق، وكذلك إشارة إلى التصاعد في عمليات جنود الخلافة في مناطق مختلفة من العالم، وما صدر أخيرا من إعلان لتواجدهم في مناطق أخرى، اعتبره المحللون بمثابة أحداث "تمدد" جديدة للدولة الإسلامية في العالم.

ويبني أصحاب النظرة الجديدة إلى مستقبل الحرب على الدولة الإسلامية توقعاتهم على مؤشرات عديدة، هي الأسس الشرعية والنظرية والمادية التي يقوم عليها التمكين بكل حال.

فمما يتعلق بالمؤشرات العقدية يقر الصليبيون بفشلهم الذريع في تحريف منهج الدولة الإسلامية، والنجاح المحدود في تشويه هذا المنهج عن طريق وصمه بالخارجية وما شابه، مستدلين على ذلك باستمرار تمسك جنود الخلافة به رغم الحرب الشرسة عليهم، وكذلك استمرار وتصاعد النصرة والتأييد لها من المسلمين في مناطق العالم المختلفة، وما دامت العقيدة قوية منتشرة فستبقى الدولة الإسلامية جاذبة للمجاهدين الذين يقوون أصولها ويشيدون بنيانها بإذن الله تعالى.

ومن المؤشرات المعتمدة لديهم أيضا، ما يتوقعونه من أعداد للمجاهدين المستعدين للانضمام إلى صفوفها في حال حصول التمكين، والذي يقدرونه بأقل من 20 ألفا من المسلمين في العراق والشام فقط، وهو رقم بالرغم من تواضعه عن حقيقة الواقع، فإنه يبدو بالنسبة إليهم مخيفا، بالنظر إلى كونه يمثل أضعاف ما كان عليه المجاهدون حين فتحَ اللهُ عليهم الأرض ومكن لهم فيها.

وكذلك ينظر الصليبيون بعين التوجس إلى ما يقوم به جنود الخلافة من عمل دؤوب لهدم ما يبنيه أولياؤهم المرتدون من سلطات في المناطق التي تحت أيديهم، من خلال قتل من ينصبونهم لإدارة هذه المناطق، ودفع الكثيرين إلى التوبة عن موالاتهم أو الفرار منها، الأمر الذي يهدد بسحق البنيان الهش للحكم فيها، وإعادة الدولة الإسلامية ملْء الفراغ الحاصل لحكمها مجددا بشرع الله تعالى، ولو قبْل تحقيق التمكين الكامل في الأرض، خاصة وهم ينظرون إلى الخبرات الكبيرة للمجاهدين في إدارة مناطق التمكين في ظل خوضهم للتجارب في هذا المجال على مدى السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه يتابع الصليبيون "حصاد المجاهدين" ليراقبوا تطور حجم العمل العسكري والأمني، ومقدار الخسائر في صفوف أوليائهم، في ظل حالة الاستنزاف المستمر لهم على أيدي جنود الخلافة، ويستدلوا بذلك على تصاعد قوة جنود الخلافة، وتراجع قوة المشركين الذين يقاتلونهم، رغم أن هذا المؤشر لا يظهر حقيقة الواقع بدقة، حيث أن طبيعة الحرب التي يخوضها المجاهدون تتطلب منهم عدم الإعلان عن كل أعمالهم، ولا عن حقيقة انتشارهم، أو حتى العمل بشكل يعكس قدراتهم الحقيقية، لكون طبيعة المعارك في بعض المناطق لا تحتمل التواجد الكثيف ولا التصعيد السريع للعمل، خشية تهديد استمراريته على المدى الطويل.

وتسعى أجهزة الاستخبارات في الوقت نفسه إلى التقصي عن أي معلومات تفيدها في معرفة الموارد المالية للدولة الإسلامية، حجمها، ونموها، ومصادرها، وطريقة وحجم إنفاقها، لتتمكن بذلك من تقدير إمكانيات الدولة الإسلامية الحالية والمستقبلية على تمويل عمل دواوينها المختلفة، وتسليح مجاهديها، والإعداد لعمليات كبرى قد تمهد لاستعادة التمكين في بعض المناطق، أو مده وتوسيعه في مناطق أخرى، أو حتى مساعدة المجاهدين في مناطق جديدة على تأسيس عملهم الجهادي، قبل الإعلان عن انضمامهم إلى جماعة المسلمين.

ومن خلال هذه المؤشرات جميعها، يتبين للصليبيين وأجهزة استخباراتهم ومراكزهم البحثية، أن الدولة الإسلامية ما زالت باقية بالفعل، بعقيدتها ومنهجها وجنودها وجهادها ونكايتها في أعدائها وتمكينها في الأرض وإقامتها للدين في مناطق عديدة منها، وأنها مقبلة -بإذن الله- على عودة سريعة وقوية إلى الأراضي التي انحازت عنها، وأن كل جهودهم الحالية لن تثمر أكثر من تأخير لهذا الأمر، طال الزمان أو قصر.

ولذلك فإن اقتراحات جديدة يجري العمل على إعدادها بناء على التوقعات السابقة، تنصب على وضع خطة لاحتواء الدولة الإسلامية بدل التركيز على هدف القضاء عليها والذي تمكن جنود الخلافة بفضل الله من إثبات صعوبة تحقيقه، خاصة مع اعتراف الصليبيين أن جهود تحالفهم الدولي المكون من 80 دولة ربما لن يكون هناك مزيد عليها في متناولهم خلال السنوات بل والعقود القادمة.

ومن الأفضل أن يكفّ الصليبيون وأولياؤهم وطوائف الكفر والردة كلهم عن الحديث عن زوال الدولة الإسلامية وعودتها، فإن هذا الأمر قد انتهى أوانه -بحمد الله تعالى- فهي ما زالت باقية، لم يُقضَ عليها كما زعم الكذابون ولن يكون ذلك أبدا -بإذن الله- وما زال جنودها يوسّعون من جبهات قتالهم للمشركين يوما بعد يوما حتى تصير الأرض كلها ساحة جهاد واحدة بين فسطاط الإيمان الذي لا نفاق فيه وفسطاط الكفر الذي لا إيمان فيه، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 195
الخميس 14 ذي الحجة 1440 هـ
...المزيد

لم تذهب حتى تعود! بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند ...

لم تذهب حتى تعود!


بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند حديثها عن الدولة الإسلامية عبارة "عائدة وتتمدد"، في إشارة إلى التطورات التي شهدتها الشهور الماضية، والتي دفعت قيادة الجيش الأمريكي والأمم المتحدة إلى إصدار تقارير تحذيرية من تصاعد قوة الدولة الإسلامية في مركز عمليات التحالف الصليبي الدولي المشكل لقتالها، أي في العراق والشام، والتي تهدد باستعادة الدولة الإسلامية التمكين في هذه المناطق، وكذلك إشارة إلى التصاعد في عمليات جنود الخلافة في مناطق مختلفة من العالم، وما صدر أخيرا من إعلان لتواجدهم في مناطق أخرى، اعتبره المحللون بمثابة أحداث "تمدد" جديدة للدولة الإسلامية في العالم.

ويبني أصحاب النظرة الجديدة إلى مستقبل الحرب على الدولة الإسلامية توقعاتهم على مؤشرات عديدة، هي الأسس الشرعية والنظرية والمادية التي يقوم عليها التمكين بكل حال.

فمما يتعلق بالمؤشرات العقدية يقر الصليبيون بفشلهم الذريع في تحريف منهج الدولة الإسلامية، والنجاح المحدود في تشويه هذا المنهج عن طريق وصمه بالخارجية وما شابه، مستدلين على ذلك باستمرار تمسك جنود الخلافة به رغم الحرب الشرسة عليهم، وكذلك استمرار وتصاعد النصرة والتأييد لها من المسلمين في مناطق العالم المختلفة، وما دامت العقيدة قوية منتشرة فستبقى الدولة الإسلامية جاذبة للمجاهدين الذين يقوون أصولها ويشيدون بنيانها بإذن الله تعالى.

ومن المؤشرات المعتمدة لديهم أيضا، ما يتوقعونه من أعداد للمجاهدين المستعدين للانضمام إلى صفوفها في حال حصول التمكين، والذي يقدرونه بأقل من 20 ألفا من المسلمين في العراق والشام فقط، وهو رقم بالرغم من تواضعه عن حقيقة الواقع، فإنه يبدو بالنسبة إليهم مخيفا، بالنظر إلى كونه يمثل أضعاف ما كان عليه المجاهدون حين فتحَ اللهُ عليهم الأرض ومكن لهم فيها.

وكذلك ينظر الصليبيون بعين التوجس إلى ما يقوم به جنود الخلافة من عمل دؤوب لهدم ما يبنيه أولياؤهم المرتدون من سلطات في المناطق التي تحت أيديهم، من خلال قتل من ينصبونهم لإدارة هذه المناطق، ودفع الكثيرين إلى التوبة عن موالاتهم أو الفرار منها، الأمر الذي يهدد بسحق البنيان الهش للحكم فيها، وإعادة الدولة الإسلامية ملْء الفراغ الحاصل لحكمها مجددا بشرع الله تعالى، ولو قبْل تحقيق التمكين الكامل في الأرض، خاصة وهم ينظرون إلى الخبرات الكبيرة للمجاهدين في إدارة مناطق التمكين في ظل خوضهم للتجارب في هذا المجال على مدى السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه يتابع الصليبيون "حصاد المجاهدين" ليراقبوا تطور حجم العمل العسكري والأمني، ومقدار الخسائر في صفوف أوليائهم، في ظل حالة الاستنزاف المستمر لهم على أيدي جنود الخلافة، ويستدلوا بذلك على تصاعد قوة جنود الخلافة، وتراجع قوة المشركين الذين يقاتلونهم، رغم أن هذا المؤشر لا يظهر حقيقة الواقع بدقة، حيث أن طبيعة الحرب التي يخوضها المجاهدون تتطلب منهم عدم الإعلان عن كل أعمالهم، ولا عن حقيقة انتشارهم، أو حتى العمل بشكل يعكس قدراتهم الحقيقية، لكون طبيعة المعارك في بعض المناطق لا تحتمل التواجد الكثيف ولا التصعيد السريع للعمل، خشية تهديد استمراريته على المدى الطويل.

وتسعى أجهزة الاستخبارات في الوقت نفسه إلى التقصي عن أي معلومات تفيدها في معرفة الموارد المالية للدولة الإسلامية، حجمها، ونموها، ومصادرها، وطريقة وحجم إنفاقها، لتتمكن بذلك من تقدير إمكانيات الدولة الإسلامية الحالية والمستقبلية على تمويل عمل دواوينها المختلفة، وتسليح مجاهديها، والإعداد لعمليات كبرى قد تمهد لاستعادة التمكين في بعض المناطق، أو مده وتوسيعه في مناطق أخرى، أو حتى مساعدة المجاهدين في مناطق جديدة على تأسيس عملهم الجهادي، قبل الإعلان عن انضمامهم إلى جماعة المسلمين.

ومن خلال هذه المؤشرات جميعها، يتبين للصليبيين وأجهزة استخباراتهم ومراكزهم البحثية، أن الدولة الإسلامية ما زالت باقية بالفعل، بعقيدتها ومنهجها وجنودها وجهادها ونكايتها في أعدائها وتمكينها في الأرض وإقامتها للدين في مناطق عديدة منها، وأنها مقبلة -بإذن الله- على عودة سريعة وقوية إلى الأراضي التي انحازت عنها، وأن كل جهودهم الحالية لن تثمر أكثر من تأخير لهذا الأمر، طال الزمان أو قصر.

ولذلك فإن اقتراحات جديدة يجري العمل على إعدادها بناء على التوقعات السابقة، تنصب على وضع خطة لاحتواء الدولة الإسلامية بدل التركيز على هدف القضاء عليها والذي تمكن جنود الخلافة بفضل الله من إثبات صعوبة تحقيقه، خاصة مع اعتراف الصليبيين أن جهود تحالفهم الدولي المكون من 80 دولة ربما لن يكون هناك مزيد عليها في متناولهم خلال السنوات بل والعقود القادمة.

ومن الأفضل أن يكفّ الصليبيون وأولياؤهم وطوائف الكفر والردة كلهم عن الحديث عن زوال الدولة الإسلامية وعودتها، فإن هذا الأمر قد انتهى أوانه -بحمد الله تعالى- فهي ما زالت باقية، لم يُقضَ عليها كما زعم الكذابون ولن يكون ذلك أبدا -بإذن الله- وما زال جنودها يوسّعون من جبهات قتالهم للمشركين يوما بعد يوما حتى تصير الأرض كلها ساحة جهاد واحدة بين فسطاط الإيمان الذي لا نفاق فيه وفسطاط الكفر الذي لا إيمان فيه، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 195
الخميس 14 ذي الحجة 1440 هـ
...المزيد

مقال: عنوان السعادة (شكرٌ وصبرٌ واستغفار) قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم ...

مقال: عنوان السعادة


(شكرٌ وصبرٌ واستغفار)

قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم الجوزية -رحمه الله- في "الوابلُ الصيّبِ من الكلِمِ الطيّب":

"بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهُ سبحانه وتعالى المسؤولُ المرجوُّ الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يُسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يجعلكم ممن إذا أُنعِم عليه شكَر، وإذا ابتُليَ صبَر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأُخراه، ولا ينفكٌّ عبدٌ عنها أبداً، فإن العبدَ دائمُ التقلب بين هذه الأطباق الثلاث.


- إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر

الأول: نِعمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فقيْدُها (الشكر) وهو مبنيٌ على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً، وتصريفها في مرضاة وليّها ومُسدِيها ومُعطيها، فإذا فعلَ ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها.

الثاني: محنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضُه فيها (الصبر) والتسليم.

والصبر: حبس النفس عن التسخّط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشقّ الثياب ونتف الشعر ونحوه.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنةُ في حقه منحة، واستحالت البليةُ عطيّة، وصار المكروه محبوباً، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبْتلِهِ ليُهْلِكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته.

فإن لله تعالى على العبد عبوديةً في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يُحب، وأكثر الخلق يُعطون العبودية فيما يحبون.

والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية.

هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسُه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرقٌ عظيم بين العبودتين.

فمن كان عبداً لله في الحالتين، قائماً بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي تناوله قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 25]، وفي القراءة الأخرى {عباده} وهما سواء، لأن المفرد مضاف فيعم عموم الجمع.

فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان، قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 22].

ولما علِم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يُسْلِم عباده إليه ولا يسلّطه عليهم قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82-83]. وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} [سبأ: 21].
فلم يجعل لعدوه سلطاناً على عباده المؤمنين، فإنهم في حِرْزِه وكلاءته، وحفظه وتحت كَنَفِه، وإن اغتال عدُّوه أحدَهم كما يغتال اللصُ الرجلَ الغافل فهذا لا بد منه، لأن العبد قد بُلي بالغفلة والشهوة والغضب، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احترز العبد ما احترز، فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب.

وقد كان آدم أبو البشر (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من أحلم الخلق وأرجحهم عقلاً وأثبتهم، ومع هذا فلم يزل به عدوُّ الله حتى أوقعه فيه، فما الظن بفراشة الحِلْمِ ومن عقلُه في جنب عقل أبيه كتفلةٍ في بحر؟!

ولكن عدوُّ الله لا يخلُصُ إلى المؤمن إلا غيلةً على غِرةٍ وغفلة، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله.


- الانكسار باب التوبة والاستغفار

فإذا أراد الله بعبده خيراً فتَح له من أبواب (التوبة) والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصِدق اللَّجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات، ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أُوْقِعهُ.

وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصْبَ عينيه، منه مشفقاً وجلاً باكياً نادماً، مستحياً من ربه تعالى، ناكسَ الرأس بين يديه، منكسرَ القلب له، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.

ويفعل الحسنة فلا يزال يمنّ بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.

فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيراً ابتلاه بأمر يَكْسرُه به ويُذِلُّ به عُنُقَه ويُصَغّرُ به نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك خلّاهُ وعُجْبَه وكِبْرَه، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه، فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك، والخذلان أن يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك.

فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللَّجَأِ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبِرّه وغَناه وحمده.
فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.


- وإذا أذنب استغفَر

قال شيخ الإسلام: "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المِنّة ومطالعة عيب النفس والعمل".

وهذا معنى قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الحديث الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) [رواه البخاري].

فجمع في قوله (صلى الله عليه وسلم): "أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي"، بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.

فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليّ النعم والإحسان، ومطالعةُ عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مُفلساً.

وأقربُ باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلق به ولا وسيلة منه يمنّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرْف، والإفلاس المحْض، دخولَ من كسر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكَسْرةُ من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل، وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هَلَكَ وخسِر خسارة لا تُجْبَر، إلا أن يعود اللهُ تعالى عليه ويتداركه برحمته.

ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى. والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام.

ومنشأ هذين الأصلين عن ذيْنِكَ الأصليْن المتقدميْن، وهما: مشاهدة المنة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام، وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غِرّة وغفلة، وما أسرع ما يُنْعشُهُ اللهُ عز وجل ويَجْبُره ويتداركه برحمته". [التبويبات بتصرف].



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

مقال: عنوان السعادة (شكرٌ وصبرٌ واستغفار) قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم ...

مقال: عنوان السعادة


(شكرٌ وصبرٌ واستغفار)

قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم الجوزية -رحمه الله- في "الوابلُ الصيّبِ من الكلِمِ الطيّب":

"بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهُ سبحانه وتعالى المسؤولُ المرجوُّ الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يُسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يجعلكم ممن إذا أُنعِم عليه شكَر، وإذا ابتُليَ صبَر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأُخراه، ولا ينفكٌّ عبدٌ عنها أبداً، فإن العبدَ دائمُ التقلب بين هذه الأطباق الثلاث.


- إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر

الأول: نِعمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فقيْدُها (الشكر) وهو مبنيٌ على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً، وتصريفها في مرضاة وليّها ومُسدِيها ومُعطيها، فإذا فعلَ ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها.

الثاني: محنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضُه فيها (الصبر) والتسليم.

والصبر: حبس النفس عن التسخّط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشقّ الثياب ونتف الشعر ونحوه.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنةُ في حقه منحة، واستحالت البليةُ عطيّة، وصار المكروه محبوباً، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبْتلِهِ ليُهْلِكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته.

فإن لله تعالى على العبد عبوديةً في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يُحب، وأكثر الخلق يُعطون العبودية فيما يحبون.

والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية.

هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسُه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرقٌ عظيم بين العبودتين.

فمن كان عبداً لله في الحالتين، قائماً بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي تناوله قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 25]، وفي القراءة الأخرى {عباده} وهما سواء، لأن المفرد مضاف فيعم عموم الجمع.

فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان، قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 22].

ولما علِم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يُسْلِم عباده إليه ولا يسلّطه عليهم قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82-83]. وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} [سبأ: 21].
فلم يجعل لعدوه سلطاناً على عباده المؤمنين، فإنهم في حِرْزِه وكلاءته، وحفظه وتحت كَنَفِه، وإن اغتال عدُّوه أحدَهم كما يغتال اللصُ الرجلَ الغافل فهذا لا بد منه، لأن العبد قد بُلي بالغفلة والشهوة والغضب، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احترز العبد ما احترز، فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب.

وقد كان آدم أبو البشر (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من أحلم الخلق وأرجحهم عقلاً وأثبتهم، ومع هذا فلم يزل به عدوُّ الله حتى أوقعه فيه، فما الظن بفراشة الحِلْمِ ومن عقلُه في جنب عقل أبيه كتفلةٍ في بحر؟!

ولكن عدوُّ الله لا يخلُصُ إلى المؤمن إلا غيلةً على غِرةٍ وغفلة، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله.


- الانكسار باب التوبة والاستغفار

فإذا أراد الله بعبده خيراً فتَح له من أبواب (التوبة) والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصِدق اللَّجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات، ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أُوْقِعهُ.

وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصْبَ عينيه، منه مشفقاً وجلاً باكياً نادماً، مستحياً من ربه تعالى، ناكسَ الرأس بين يديه، منكسرَ القلب له، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.

ويفعل الحسنة فلا يزال يمنّ بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.

فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيراً ابتلاه بأمر يَكْسرُه به ويُذِلُّ به عُنُقَه ويُصَغّرُ به نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك خلّاهُ وعُجْبَه وكِبْرَه، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه، فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك، والخذلان أن يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك.

فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللَّجَأِ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبِرّه وغَناه وحمده.
فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.


- وإذا أذنب استغفَر

قال شيخ الإسلام: "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المِنّة ومطالعة عيب النفس والعمل".

وهذا معنى قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الحديث الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) [رواه البخاري].

فجمع في قوله (صلى الله عليه وسلم): "أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي"، بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.

فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليّ النعم والإحسان، ومطالعةُ عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مُفلساً.

وأقربُ باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلق به ولا وسيلة منه يمنّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرْف، والإفلاس المحْض، دخولَ من كسر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكَسْرةُ من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل، وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هَلَكَ وخسِر خسارة لا تُجْبَر، إلا أن يعود اللهُ تعالى عليه ويتداركه برحمته.

ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى. والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام.

ومنشأ هذين الأصلين عن ذيْنِكَ الأصليْن المتقدميْن، وهما: مشاهدة المنة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام، وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غِرّة وغفلة، وما أسرع ما يُنْعشُهُ اللهُ عز وجل ويَجْبُره ويتداركه برحمته". [التبويبات بتصرف].



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) ...

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها


لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) وجعل منه رمزا للخيانة والعمالة لليهود والصليبيين، وكذا فعلت الأحزابُ القومية، وأختها المنتسبة إلى الإسلام زورا من مشتقات الإخوان المرتدين، ليتبيّن لاحقا أن سبب عداوة الطاغوت (حافظ الأسد) له، ورفضه للاتفاق الذي عقده مع اليهود في (كامب ديفيد) إنما كان لعدم انتظاره أن يكون الأخير معه في المفاوضات، وأن يشاركه توقيع الاتفاق، لا لكون ما فعله خيانة وعمالة كما كان يُردد في بياناته الحزبية، ونشراته الإعلامية.

وقد رأينا أيضا الإخوان المرتدين والقوميين العروبيين وإخوانهم من الاشتراكيين وغيرهم يلعنون الطاغوت (ياسر عرفات) لتوقيعه اتفاق (أوسلو) مع اليهود، وينبزونه بالخيانة والعمالة لذلك، في الوقت الذي رأيناهم على مدى ربع قرن ملتزمين بهذا الاتفاق ومخرجاته، فرحين بما أوتوه بفضله من أموال ووظائف، وأوراق ثبوتية وتسهيلات في الحركة والنشاط، وقدرات أكبر على التنظيم والتحزب، بل وتشكيل الحكومات، وتعيين الوزراء والسفراء، وعقد الاتفاقيات، وحماية لفصائلهم وسلاحهم، بل نرى أكثرهم اليوم يُعلنون مطالبتهم بدولةٍ على أساس حدود اتفاق (أوسلو) ومخرجاته، فهم يتبرّكون بالاتفاق الذي يَلعنون من وقّع عليه!

واليوم نرى تكرارا لهذه المسرحيات النفاقية في الشام، تلعبُ فيها فصائلُ الصحوات المرتدة دورَ الرافض لاجتماعات "أستانة"، وتَلعن المشاركين فيه من "المعارضة"، وتُعلن رفضها لكل ما يخرج عن تلك الاجتماعات من قرارات، في الوقت الذي تُطبّق فيه على الأرض كلَ تلك القرارات بالتزام وإخلاص، وتُذعن لكل ما تريده منها الحكومةُ التركية المرتدة التي تُعتبر مُمثلاً عنها وناطقاً باسمها في تلك الاجتماعات مع النظام النصيري والممثلين عنه من الروس والإيرانيين.

ليتبيّن أن عداء الفصائل لمؤتمر "أستانة" إنما سببه عدم دعوتها لحضوره، والمشاركة في التوقيع على قراراته، بغضّ النظر عن طبيعتها، إذ يكفيها من ذلك أن تَعتبر ذلك -لو جرى- اعترافاً من الطواغيت والصليبيين بوجودها، واهتماماً برأيها فيما يتعلق بمستقبل الصراع مع النظام النصيري، الذي تزعم أنها وحدها من يُقرره.

وهكذا رأينا أولئك المرتدين يرافقون الأرتال التركية الداخلة إلى إدلب، ويعينونها على إنشاء القواعد العسكرية ونقاط المراقبة التي وظيفتها مراقبة وضمان تنفيذ مقررات "أستانة" و"سوتشي".

ورأينا خطوط الصراع تلتزم بالخط الواصل بين تلك النقاط، فلا يكون قتال، أو يكون بشكل تظاهري لا أكثر عندما يتقدم الجيشُ النصيري إلى المناطق التي وافق الأتراكُ على جعلها في أيديهم، كما حصل في مناطق "شرق السكة"، ويكون دفاعٌ مستميتٌ وقتالٌ شرسٌ في المناطق التي لم يحصل اتفاق بين الأتراك والروس على دخول الجيش النصيري إليها، كما حصل مؤخرا في "جنوب إدلب"، ورأينا من يَلعنون الهدن، ويخوّنون الموافقين عليها، أكثر الناس التزاما بها، ثم باتوا لا يخجلون من إعلان الموافقة عليها، والتصريح بأن قتالهم للجيش النصيري لن يكون إلا في إطار "حق الدفاع عن النفس"، ويعنون بذلك أنهم ملتزمون تماما بحدود السيطرة التي ترسمها نقاطُ المراقبة التركية، بحيث لا يكون أي فعل من الجيش النصيري عدوانا ما لم يتجاوز هذه الحدود التي رسمتها "أستانة".

ومن تابع التصريحات بخصوص اجتماع "أستانة" الأخير، لا يغيب عنه تراجعٌ في حدة الرفض لها، وخفوتٌ في الأصوات اللاعنة لمن حضرها، خشيةً من إغضاب الحكومة التركية المرتدة من جهة، ومن جهة أخرى لأن أكثر قادة الصحوات باتوا لا يخفون مطالباتهم أن يكونوا هم الممثلين لصف "المعارضة" في "أستانة" وغيرها من المؤتمرات وجلسات التفاوض، باعتبارهم هم من يملك الوجود على الأرض في إدلب وحلب، بخلاف ممثلي "الائتلاف" و"هيئة التفاوض" المرتدين.

وكذلك فإن تلك الفصائل المرتدة تسعى جهدها للظهور بمظهر الملتزِم بأيّ قرارات تُصدرها الدولُ الصليبية وحكومات الطواغيت الموالية لها، لظنها أن ذلك سيؤدي إلى رضاهم عن حكمها الطاغوتي للمناطق التي يسيطرون عليها، وإمكان القَبول بدخولهم في شراكةٍ مع العلمانيين بل وحتى النظام النصيري في حكومات مستقبلية، بعد يأسهم من أن يكونوا بديلاً مقبولاً -من الدول الصليبية- عن ذلك النظام.

وبينما لا زال مرتدو الصحوات يزعمون أن ثورتهم "مستمرة" وأن هدف "إسقاط النظام" لم يبرح على رأس أولوياتهم، فإنهم يردون على من لامهم على التزامهم بمقررات "أستانة" المختلفة بأن لا بديل عنها إلا مصير الرقة والموصل، ويقصدون بذلك التعرض للقصف وتهديد سيطرتهم الهشّة على المناطق التي يُمنّونَ أنفسهم أن يحكموها بأي ثمن، وهم بذلك يُقرّون على أنفسهم، أنهم امتنعوا عن إقامة الدين والالتزام بشرائعه للحفاظ على استمرارية ثورتهم زعموا، ثم هم اليوم يتخلون عن تلك الأهداف المزعومة بل ويتخلون عن "الثورة" ذاتها للحفاظ على ما بقي تحت أيديهم من أرض يحكمونها بغير شرع الله تعالى، ثم لن يطول بهم الزمن حتى يتخلوا عن تلك الأرض أيضا وما عليها من سكان، ويسلموها للنظام النصيري للحفاظ على ما بأيديهم من أموال السحت التي جمعوها من عرق ودماء أتباعهم السفهاء، والحفاظ على مناصبهم في الفصائل التي يأملون أن تتحول إلى مناصب في النظام الطاغوتي الجديد الذي يجري العمل على تأسيسه في "أستانة" وغيرها.

وكما هو الحال في كلِ كفرٍ يركبه المجرمون أو معصية يستبيحونها، لن يطول الزمان بهؤلاء المرتدين حتى تتحول "أستانة" ومقرراتها إلى وثنٍ معبود يتبركون به طلباً للحفاظ على مكتسباتهم التي سيهددها النصيريةُ وحلفاؤهم باستمرار، وسيصير التزامُهم بها وبشريعتها من أحب العبادات التي يتقربون بها إلى الصليبيين وأوليائهم من طواغيت تركيا وقطر، كحال إخوانهم المرتدين من أتباع "حماس" مع "أوسلو"، ولن يزيد الله تعالى الظالمين إلا خسارا.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) ...

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها


لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) وجعل منه رمزا للخيانة والعمالة لليهود والصليبيين، وكذا فعلت الأحزابُ القومية، وأختها المنتسبة إلى الإسلام زورا من مشتقات الإخوان المرتدين، ليتبيّن لاحقا أن سبب عداوة الطاغوت (حافظ الأسد) له، ورفضه للاتفاق الذي عقده مع اليهود في (كامب ديفيد) إنما كان لعدم انتظاره أن يكون الأخير معه في المفاوضات، وأن يشاركه توقيع الاتفاق، لا لكون ما فعله خيانة وعمالة كما كان يُردد في بياناته الحزبية، ونشراته الإعلامية.

وقد رأينا أيضا الإخوان المرتدين والقوميين العروبيين وإخوانهم من الاشتراكيين وغيرهم يلعنون الطاغوت (ياسر عرفات) لتوقيعه اتفاق (أوسلو) مع اليهود، وينبزونه بالخيانة والعمالة لذلك، في الوقت الذي رأيناهم على مدى ربع قرن ملتزمين بهذا الاتفاق ومخرجاته، فرحين بما أوتوه بفضله من أموال ووظائف، وأوراق ثبوتية وتسهيلات في الحركة والنشاط، وقدرات أكبر على التنظيم والتحزب، بل وتشكيل الحكومات، وتعيين الوزراء والسفراء، وعقد الاتفاقيات، وحماية لفصائلهم وسلاحهم، بل نرى أكثرهم اليوم يُعلنون مطالبتهم بدولةٍ على أساس حدود اتفاق (أوسلو) ومخرجاته، فهم يتبرّكون بالاتفاق الذي يَلعنون من وقّع عليه!

واليوم نرى تكرارا لهذه المسرحيات النفاقية في الشام، تلعبُ فيها فصائلُ الصحوات المرتدة دورَ الرافض لاجتماعات "أستانة"، وتَلعن المشاركين فيه من "المعارضة"، وتُعلن رفضها لكل ما يخرج عن تلك الاجتماعات من قرارات، في الوقت الذي تُطبّق فيه على الأرض كلَ تلك القرارات بالتزام وإخلاص، وتُذعن لكل ما تريده منها الحكومةُ التركية المرتدة التي تُعتبر مُمثلاً عنها وناطقاً باسمها في تلك الاجتماعات مع النظام النصيري والممثلين عنه من الروس والإيرانيين.

ليتبيّن أن عداء الفصائل لمؤتمر "أستانة" إنما سببه عدم دعوتها لحضوره، والمشاركة في التوقيع على قراراته، بغضّ النظر عن طبيعتها، إذ يكفيها من ذلك أن تَعتبر ذلك -لو جرى- اعترافاً من الطواغيت والصليبيين بوجودها، واهتماماً برأيها فيما يتعلق بمستقبل الصراع مع النظام النصيري، الذي تزعم أنها وحدها من يُقرره.

وهكذا رأينا أولئك المرتدين يرافقون الأرتال التركية الداخلة إلى إدلب، ويعينونها على إنشاء القواعد العسكرية ونقاط المراقبة التي وظيفتها مراقبة وضمان تنفيذ مقررات "أستانة" و"سوتشي".

ورأينا خطوط الصراع تلتزم بالخط الواصل بين تلك النقاط، فلا يكون قتال، أو يكون بشكل تظاهري لا أكثر عندما يتقدم الجيشُ النصيري إلى المناطق التي وافق الأتراكُ على جعلها في أيديهم، كما حصل في مناطق "شرق السكة"، ويكون دفاعٌ مستميتٌ وقتالٌ شرسٌ في المناطق التي لم يحصل اتفاق بين الأتراك والروس على دخول الجيش النصيري إليها، كما حصل مؤخرا في "جنوب إدلب"، ورأينا من يَلعنون الهدن، ويخوّنون الموافقين عليها، أكثر الناس التزاما بها، ثم باتوا لا يخجلون من إعلان الموافقة عليها، والتصريح بأن قتالهم للجيش النصيري لن يكون إلا في إطار "حق الدفاع عن النفس"، ويعنون بذلك أنهم ملتزمون تماما بحدود السيطرة التي ترسمها نقاطُ المراقبة التركية، بحيث لا يكون أي فعل من الجيش النصيري عدوانا ما لم يتجاوز هذه الحدود التي رسمتها "أستانة".

ومن تابع التصريحات بخصوص اجتماع "أستانة" الأخير، لا يغيب عنه تراجعٌ في حدة الرفض لها، وخفوتٌ في الأصوات اللاعنة لمن حضرها، خشيةً من إغضاب الحكومة التركية المرتدة من جهة، ومن جهة أخرى لأن أكثر قادة الصحوات باتوا لا يخفون مطالباتهم أن يكونوا هم الممثلين لصف "المعارضة" في "أستانة" وغيرها من المؤتمرات وجلسات التفاوض، باعتبارهم هم من يملك الوجود على الأرض في إدلب وحلب، بخلاف ممثلي "الائتلاف" و"هيئة التفاوض" المرتدين.

وكذلك فإن تلك الفصائل المرتدة تسعى جهدها للظهور بمظهر الملتزِم بأيّ قرارات تُصدرها الدولُ الصليبية وحكومات الطواغيت الموالية لها، لظنها أن ذلك سيؤدي إلى رضاهم عن حكمها الطاغوتي للمناطق التي يسيطرون عليها، وإمكان القَبول بدخولهم في شراكةٍ مع العلمانيين بل وحتى النظام النصيري في حكومات مستقبلية، بعد يأسهم من أن يكونوا بديلاً مقبولاً -من الدول الصليبية- عن ذلك النظام.

وبينما لا زال مرتدو الصحوات يزعمون أن ثورتهم "مستمرة" وأن هدف "إسقاط النظام" لم يبرح على رأس أولوياتهم، فإنهم يردون على من لامهم على التزامهم بمقررات "أستانة" المختلفة بأن لا بديل عنها إلا مصير الرقة والموصل، ويقصدون بذلك التعرض للقصف وتهديد سيطرتهم الهشّة على المناطق التي يُمنّونَ أنفسهم أن يحكموها بأي ثمن، وهم بذلك يُقرّون على أنفسهم، أنهم امتنعوا عن إقامة الدين والالتزام بشرائعه للحفاظ على استمرارية ثورتهم زعموا، ثم هم اليوم يتخلون عن تلك الأهداف المزعومة بل ويتخلون عن "الثورة" ذاتها للحفاظ على ما بقي تحت أيديهم من أرض يحكمونها بغير شرع الله تعالى، ثم لن يطول بهم الزمن حتى يتخلوا عن تلك الأرض أيضا وما عليها من سكان، ويسلموها للنظام النصيري للحفاظ على ما بأيديهم من أموال السحت التي جمعوها من عرق ودماء أتباعهم السفهاء، والحفاظ على مناصبهم في الفصائل التي يأملون أن تتحول إلى مناصب في النظام الطاغوتي الجديد الذي يجري العمل على تأسيسه في "أستانة" وغيرها.

وكما هو الحال في كلِ كفرٍ يركبه المجرمون أو معصية يستبيحونها، لن يطول الزمان بهؤلاء المرتدين حتى تتحول "أستانة" ومقرراتها إلى وثنٍ معبود يتبركون به طلباً للحفاظ على مكتسباتهم التي سيهددها النصيريةُ وحلفاؤهم باستمرار، وسيصير التزامُهم بها وبشريعتها من أحب العبادات التي يتقربون بها إلى الصليبيين وأوليائهم من طواغيت تركيا وقطر، كحال إخوانهم المرتدين من أتباع "حماس" مع "أوسلو"، ولن يزيد الله تعالى الظالمين إلا خسارا.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

ومن خلال هذه المؤشرات جميعها، يتبين للصليبيين وأجهزة استخباراتهم ومراكزهم البحثية، أن الدولة ...

ومن خلال هذه المؤشرات جميعها، يتبين للصليبيين وأجهزة استخباراتهم ومراكزهم البحثية، أن الدولة الإسلامية ما زالت باقية بالفعل، بعقيدتها ومنهجها وجنودها وجهادها ونكايتها في أعدائها وتمكينها في الأرض وإقامتها للدين في مناطق عديدة منها، وأنها مقبلة -بإذن الله- على عودة سريعة وقوية إلى الأراضي التي انحازت عنها، وأن كل جهودهم الحالية لن تثمر أكثر من تأخير لهذا الأمر، طال الزمان أو قصر.

ولذلك فإن اقتراحات جديدة يجري العمل على إعدادها بناء على التوقعات السابقة، تنصب على وضع خطة لاحتواء الدولة الإسلامية بدل التركيز على هدف القضاء عليها والذي تمكن جنود الخلافة بفضل الله من إثبات صعوبة تحقيقه، خاصة مع اعتراف الصليبيين أن جهود تحالفهم الدولي المكون من 80 دولة ربما لن يكون هناك مزيد عليها في متناولهم خلال السنوات بل والعقود القادمة.

ومن الأفضل أن يكفّ الصليبيون وأولياؤهم وطوائف الكفر والردة كلهم عن الحديث عن زوال الدولة الإسلامية وعودتها، فإن هذا الأمر قد انتهى أوانه -بحمد الله تعالى- فهي ما زالت باقية، لم يُقضَ عليها كما زعم الكذابون ولن يكون ذلك أبدا -بإذن الله- وما زال جنودها يوسّعون من جبهات قتالهم للمشركين يوما بعد يوما حتى تصير الأرض كلها ساحة جهاد واحدة بين فسطاط الإيمان الذي لا نفاق فيه وفسطاط الكفر الذي لا إيمان فيه، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 195
الخميس 14 ذي الحجة 1440 هـ
...المزيد

لم تذهب حتى تعود! بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند ...

لم تذهب حتى تعود!


بصورة مراوغة، بدأت مخابرات الدول الصليبية تشيع في الأوساط الإعلامية عند حديثها عن الدولة الإسلامية عبارة "عائدة وتتمدد"، في إشارة إلى التطورات التي شهدتها الشهور الماضية، والتي دفعت قيادة الجيش الأمريكي والأمم المتحدة إلى إصدار تقارير تحذيرية من تصاعد قوة الدولة الإسلامية في مركز عمليات التحالف الصليبي الدولي المشكل لقتالها، أي في العراق والشام، والتي تهدد باستعادة الدولة الإسلامية التمكين في هذه المناطق، وكذلك إشارة إلى التصاعد في عمليات جنود الخلافة في مناطق مختلفة من العالم، وما صدر أخيرا من إعلان لتواجدهم في مناطق أخرى، اعتبره المحللون بمثابة أحداث "تمدد" جديدة للدولة الإسلامية في العالم.

ويبني أصحاب النظرة الجديدة إلى مستقبل الحرب على الدولة الإسلامية توقعاتهم على مؤشرات عديدة، هي الأسس الشرعية والنظرية والمادية التي يقوم عليها التمكين بكل حال.

فمما يتعلق بالمؤشرات العقدية يقر الصليبيون بفشلهم الذريع في تحريف منهج الدولة الإسلامية، والنجاح المحدود في تشويه هذا المنهج عن طريق وصمه بالخارجية وما شابه، مستدلين على ذلك باستمرار تمسك جنود الخلافة به رغم الحرب الشرسة عليهم، وكذلك استمرار وتصاعد النصرة والتأييد لها من المسلمين في مناطق العالم المختلفة، وما دامت العقيدة قوية منتشرة فستبقى الدولة الإسلامية جاذبة للمجاهدين الذين يقوون أصولها ويشيدون بنيانها بإذن الله تعالى.

ومن المؤشرات المعتمدة لديهم أيضا، ما يتوقعونه من أعداد للمجاهدين المستعدين للانضمام إلى صفوفها في حال حصول التمكين، والذي يقدرونه بأقل من 20 ألفا من المسلمين في العراق والشام فقط، وهو رقم بالرغم من تواضعه عن حقيقة الواقع، فإنه يبدو بالنسبة إليهم مخيفا، بالنظر إلى كونه يمثل أضعاف ما كان عليه المجاهدون حين فتحَ اللهُ عليهم الأرض ومكن لهم فيها.

وكذلك ينظر الصليبيون بعين التوجس إلى ما يقوم به جنود الخلافة من عمل دؤوب لهدم ما يبنيه أولياؤهم المرتدون من سلطات في المناطق التي تحت أيديهم، من خلال قتل من ينصبونهم لإدارة هذه المناطق، ودفع الكثيرين إلى التوبة عن موالاتهم أو الفرار منها، الأمر الذي يهدد بسحق البنيان الهش للحكم فيها، وإعادة الدولة الإسلامية ملْء الفراغ الحاصل لحكمها مجددا بشرع الله تعالى، ولو قبْل تحقيق التمكين الكامل في الأرض، خاصة وهم ينظرون إلى الخبرات الكبيرة للمجاهدين في إدارة مناطق التمكين في ظل خوضهم للتجارب في هذا المجال على مدى السنوات الماضية.

وفي الوقت نفسه يتابع الصليبيون "حصاد المجاهدين" ليراقبوا تطور حجم العمل العسكري والأمني، ومقدار الخسائر في صفوف أوليائهم، في ظل حالة الاستنزاف المستمر لهم على أيدي جنود الخلافة، ويستدلوا بذلك على تصاعد قوة جنود الخلافة، وتراجع قوة المشركين الذين يقاتلونهم، رغم أن هذا المؤشر لا يظهر حقيقة الواقع بدقة، حيث أن طبيعة الحرب التي يخوضها المجاهدون تتطلب منهم عدم الإعلان عن كل أعمالهم، ولا عن حقيقة انتشارهم، أو حتى العمل بشكل يعكس قدراتهم الحقيقية، لكون طبيعة المعارك في بعض المناطق لا تحتمل التواجد الكثيف ولا التصعيد السريع للعمل، خشية تهديد استمراريته على المدى الطويل.

وتسعى أجهزة الاستخبارات في الوقت نفسه إلى التقصي عن أي معلومات تفيدها في معرفة الموارد المالية للدولة الإسلامية، حجمها، ونموها، ومصادرها، وطريقة وحجم إنفاقها، لتتمكن بذلك من تقدير إمكانيات الدولة الإسلامية الحالية والمستقبلية على تمويل عمل دواوينها المختلفة، وتسليح مجاهديها، والإعداد لعمليات كبرى قد تمهد لاستعادة التمكين في بعض المناطق، أو مده وتوسيعه في مناطق أخرى، أو حتى مساعدة المجاهدين في مناطق جديدة على تأسيس عملهم الجهادي، قبل الإعلان عن انضمامهم إلى جماعة المسلمين.
...المزيد

ويفعل الحسنة فلا يزال يمنّ بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت ...

ويفعل الحسنة فلا يزال يمنّ بها على ربه، ويتكبر بها، ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها ويقول فعلت وفعلت، فيورثه من العجب والكبر والفخر والاستطالة ما يكون سبب هلاكه.

فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيراً ابتلاه بأمر يَكْسرُه به ويُذِلُّ به عُنُقَه ويُصَغّرُ به نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك خلّاهُ وعُجْبَه وكِبْرَه، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه، فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق أن لا يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك، والخذلان أن يكِلَكَ اللهُ تعالى إلى نفسك.

فمن أراد الله به خيراً فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللَّجَأِ إلى الله تعالى والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه وجهلها وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه وإحسانه ورحمته وجوده وبِرّه وغَناه وحمده.
فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.


- وإذا أذنب استغفَر

قال شيخ الإسلام: "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المِنّة ومطالعة عيب النفس والعمل".

وهذا معنى قوله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الحديث الصحيح من حديث بريدة رضي الله تعالى عنه: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) [رواه البخاري].

فجمع في قوله (صلى الله عليه وسلم): "أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي"، بين مشاهدة المنة ومطالعة عيب النفس والعمل.

فمشاهدة المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليّ النعم والإحسان، ومطالعةُ عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مُفلساً.

وأقربُ باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلق به ولا وسيلة منه يمنّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرْف، والإفلاس المحْض، دخولَ من كسر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكَسْرةُ من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه عز وجل، وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هَلَكَ وخسِر خسارة لا تُجْبَر، إلا أن يعود اللهُ تعالى عليه ويتداركه برحمته.

ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدعوى. والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام.

ومنشأ هذين الأصلين عن ذيْنِكَ الأصليْن المتقدميْن، وهما: مشاهدة المنة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام، وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غِرّة وغفلة، وما أسرع ما يُنْعشُهُ اللهُ عز وجل ويَجْبُره ويتداركه برحمته". [التبويبات بتصرف].



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

مقال: عنوان السعادة (شكرٌ وصبرٌ واستغفار) قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم ...

مقال: عنوان السعادة


(شكرٌ وصبرٌ واستغفار)

قال الإمام شمسُ الدين أبو عبد الله محمد بن قيّم الجوزية -رحمه الله- في "الوابلُ الصيّبِ من الكلِمِ الطيّب":

"بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، اللهُ سبحانه وتعالى المسؤولُ المرجوُّ الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يُسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة، وأن يجعلكم ممن إذا أُنعِم عليه شكَر، وإذا ابتُليَ صبَر، وإذا أذنب استغفر، فإن هذه الأمور الثلاثة عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأُخراه، ولا ينفكٌّ عبدٌ عنها أبداً، فإن العبدَ دائمُ التقلب بين هذه الأطباق الثلاث.


- إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر

الأول: نِعمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فقيْدُها (الشكر) وهو مبنيٌ على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطناً، والتحدث بها ظاهراً، وتصريفها في مرضاة وليّها ومُسدِيها ومُعطيها، فإذا فعلَ ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها.

الثاني: محنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضُه فيها (الصبر) والتسليم.

والصبر: حبس النفس عن التسخّط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشقّ الثياب ونتف الشعر ونحوه.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنةُ في حقه منحة، واستحالت البليةُ عطيّة، وصار المكروه محبوباً، فإن الله سبحانه وتعالى لم يبْتلِهِ ليُهْلِكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته.

فإن لله تعالى على العبد عبوديةً في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يُحب، وأكثر الخلق يُعطون العبودية فيما يحبون.

والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبودية.

هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدت دواعي نفسُه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكن فرقٌ عظيم بين العبودتين.

فمن كان عبداً لله في الحالتين، قائماً بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي تناوله قوله تعالى: {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 25]، وفي القراءة الأخرى {عباده} وهما سواء، لأن المفرد مضاف فيعم عموم الجمع.

فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان، قال تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 22].

ولما علِم عدو الله إبليس أن الله تعالى لا يُسْلِم عباده إليه ولا يسلّطه عليهم قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين * إلا عبادك منهم المخلصين} [ص: 82-83]. وقال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين * وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} [سبأ: 21].
فلم يجعل لعدوه سلطاناً على عباده المؤمنين، فإنهم في حِرْزِه وكلاءته، وحفظه وتحت كَنَفِه، وإن اغتال عدُّوه أحدَهم كما يغتال اللصُ الرجلَ الغافل فهذا لا بد منه، لأن العبد قد بُلي بالغفلة والشهوة والغضب، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثلاثة ولو احترز العبد ما احترز، فلا بد له من غفلة ولا بد له من شهوة ولا بد له من غضب.

وقد كان آدم أبو البشر (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من أحلم الخلق وأرجحهم عقلاً وأثبتهم، ومع هذا فلم يزل به عدوُّ الله حتى أوقعه فيه، فما الظن بفراشة الحِلْمِ ومن عقلُه في جنب عقل أبيه كتفلةٍ في بحر؟!

ولكن عدوُّ الله لا يخلُصُ إلى المؤمن إلا غيلةً على غِرةٍ وغفلة، فيوقعه ويظن أنه لا يستقبل ربه عز وجل بعدها، وأن تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كله.


- الانكسار باب التوبة والاستغفار

فإذا أراد الله بعبده خيراً فتَح له من أبواب (التوبة) والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به وصِدق اللَّجأ إليه ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات، ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أُوْقِعهُ.

وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يدخل به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصْبَ عينيه، منه مشفقاً وجلاً باكياً نادماً، مستحياً من ربه تعالى، ناكسَ الرأس بين يديه، منكسرَ القلب له، فيكون ذلك الذنب أنفع له من طاعات كثيرة بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.
...المزيد

وكذلك فإن تلك الفصائل المرتدة تسعى جهدها للظهور بمظهر الملتزِم بأيّ قرارات تُصدرها الدولُ الصليبية ...

وكذلك فإن تلك الفصائل المرتدة تسعى جهدها للظهور بمظهر الملتزِم بأيّ قرارات تُصدرها الدولُ الصليبية وحكومات الطواغيت الموالية لها، لظنها أن ذلك سيؤدي إلى رضاهم عن حكمها الطاغوتي للمناطق التي يسيطرون عليها، وإمكان القَبول بدخولهم في شراكةٍ مع العلمانيين بل وحتى النظام النصيري في حكومات مستقبلية، بعد يأسهم من أن يكونوا بديلاً مقبولاً -من الدول الصليبية- عن ذلك النظام.

وبينما لا زال مرتدو الصحوات يزعمون أن ثورتهم "مستمرة" وأن هدف "إسقاط النظام" لم يبرح على رأس أولوياتهم، فإنهم يردون على من لامهم على التزامهم بمقررات "أستانة" المختلفة بأن لا بديل عنها إلا مصير الرقة والموصل، ويقصدون بذلك التعرض للقصف وتهديد سيطرتهم الهشّة على المناطق التي يُمنّونَ أنفسهم أن يحكموها بأي ثمن، وهم بذلك يُقرّون على أنفسهم، أنهم امتنعوا عن إقامة الدين والالتزام بشرائعه للحفاظ على استمرارية ثورتهم زعموا، ثم هم اليوم يتخلون عن تلك الأهداف المزعومة بل ويتخلون عن "الثورة" ذاتها للحفاظ على ما بقي تحت أيديهم من أرض يحكمونها بغير شرع الله تعالى، ثم لن يطول بهم الزمن حتى يتخلوا عن تلك الأرض أيضا وما عليها من سكان، ويسلموها للنظام النصيري للحفاظ على ما بأيديهم من أموال السحت التي جمعوها من عرق ودماء أتباعهم السفهاء، والحفاظ على مناصبهم في الفصائل التي يأملون أن تتحول إلى مناصب في النظام الطاغوتي الجديد الذي يجري العمل على تأسيسه في "أستانة" وغيرها.

وكما هو الحال في كلِ كفرٍ يركبه المجرمون أو معصية يستبيحونها، لن يطول الزمان بهؤلاء المرتدين حتى تتحول "أستانة" ومقرراتها إلى وثنٍ معبود يتبركون به طلباً للحفاظ على مكتسباتهم التي سيهددها النصيريةُ وحلفاؤهم باستمرار، وسيصير التزامُهم بها وبشريعتها من أحب العبادات التي يتقربون بها إلى الصليبيين وأوليائهم من طواغيت تركيا وقطر، كحال إخوانهم المرتدين من أتباع "حماس" مع "أوسلو"، ولن يزيد الله تعالى الظالمين إلا خسارا.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 194
الخميس 7 ذو الحجة 1440 هـ
...المزيد

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) ...

يلعنون "أستانة" ويتبركون بمخرجاتها


لعقود من الزمن، لعن النظامُ النصيري الطاغوت (أنور السادات) وجعل منه رمزا للخيانة والعمالة لليهود والصليبيين، وكذا فعلت الأحزابُ القومية، وأختها المنتسبة إلى الإسلام زورا من مشتقات الإخوان المرتدين، ليتبيّن لاحقا أن سبب عداوة الطاغوت (حافظ الأسد) له، ورفضه للاتفاق الذي عقده مع اليهود في (كامب ديفيد) إنما كان لعدم انتظاره أن يكون الأخير معه في المفاوضات، وأن يشاركه توقيع الاتفاق، لا لكون ما فعله خيانة وعمالة كما كان يُردد في بياناته الحزبية، ونشراته الإعلامية.

وقد رأينا أيضا الإخوان المرتدين والقوميين العروبيين وإخوانهم من الاشتراكيين وغيرهم يلعنون الطاغوت (ياسر عرفات) لتوقيعه اتفاق (أوسلو) مع اليهود، وينبزونه بالخيانة والعمالة لذلك، في الوقت الذي رأيناهم على مدى ربع قرن ملتزمين بهذا الاتفاق ومخرجاته، فرحين بما أوتوه بفضله من أموال ووظائف، وأوراق ثبوتية وتسهيلات في الحركة والنشاط، وقدرات أكبر على التنظيم والتحزب، بل وتشكيل الحكومات، وتعيين الوزراء والسفراء، وعقد الاتفاقيات، وحماية لفصائلهم وسلاحهم، بل نرى أكثرهم اليوم يُعلنون مطالبتهم بدولةٍ على أساس حدود اتفاق (أوسلو) ومخرجاته، فهم يتبرّكون بالاتفاق الذي يَلعنون من وقّع عليه!

واليوم نرى تكرارا لهذه المسرحيات النفاقية في الشام، تلعبُ فيها فصائلُ الصحوات المرتدة دورَ الرافض لاجتماعات "أستانة"، وتَلعن المشاركين فيه من "المعارضة"، وتُعلن رفضها لكل ما يخرج عن تلك الاجتماعات من قرارات، في الوقت الذي تُطبّق فيه على الأرض كلَ تلك القرارات بالتزام وإخلاص، وتُذعن لكل ما تريده منها الحكومةُ التركية المرتدة التي تُعتبر مُمثلاً عنها وناطقاً باسمها في تلك الاجتماعات مع النظام النصيري والممثلين عنه من الروس والإيرانيين.

ليتبيّن أن عداء الفصائل لمؤتمر "أستانة" إنما سببه عدم دعوتها لحضوره، والمشاركة في التوقيع على قراراته، بغضّ النظر عن طبيعتها، إذ يكفيها من ذلك أن تَعتبر ذلك -لو جرى- اعترافاً من الطواغيت والصليبيين بوجودها، واهتماماً برأيها فيما يتعلق بمستقبل الصراع مع النظام النصيري، الذي تزعم أنها وحدها من يُقرره.

وهكذا رأينا أولئك المرتدين يرافقون الأرتال التركية الداخلة إلى إدلب، ويعينونها على إنشاء القواعد العسكرية ونقاط المراقبة التي وظيفتها مراقبة وضمان تنفيذ مقررات "أستانة" و"سوتشي".

ورأينا خطوط الصراع تلتزم بالخط الواصل بين تلك النقاط، فلا يكون قتال، أو يكون بشكل تظاهري لا أكثر عندما يتقدم الجيشُ النصيري إلى المناطق التي وافق الأتراكُ على جعلها في أيديهم، كما حصل في مناطق "شرق السكة"، ويكون دفاعٌ مستميتٌ وقتالٌ شرسٌ في المناطق التي لم يحصل اتفاق بين الأتراك والروس على دخول الجيش النصيري إليها، كما حصل مؤخرا في "جنوب إدلب"، ورأينا من يَلعنون الهدن، ويخوّنون الموافقين عليها، أكثر الناس التزاما بها، ثم باتوا لا يخجلون من إعلان الموافقة عليها، والتصريح بأن قتالهم للجيش النصيري لن يكون إلا في إطار "حق الدفاع عن النفس"، ويعنون بذلك أنهم ملتزمون تماما بحدود السيطرة التي ترسمها نقاطُ المراقبة التركية، بحيث لا يكون أي فعل من الجيش النصيري عدوانا ما لم يتجاوز هذه الحدود التي رسمتها "أستانة".

ومن تابع التصريحات بخصوص اجتماع "أستانة" الأخير، لا يغيب عنه تراجعٌ في حدة الرفض لها، وخفوتٌ في الأصوات اللاعنة لمن حضرها، خشيةً من إغضاب الحكومة التركية المرتدة من جهة، ومن جهة أخرى لأن أكثر قادة الصحوات باتوا لا يخفون مطالباتهم أن يكونوا هم الممثلين لصف "المعارضة" في "أستانة" وغيرها من المؤتمرات وجلسات التفاوض، باعتبارهم هم من يملك الوجود على الأرض في إدلب وحلب، بخلاف ممثلي "الائتلاف" و"هيئة التفاوض" المرتدين.
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
7 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً