مقال: جاه الأكارم (1) الإيثار الحمد لله مجزل العطايا والهبات، والصلاة والسلام على نبي الهدى ...

مقال: جاه الأكارم (1) الإيثار


الحمد لله مجزل العطايا والهبات، والصلاة والسلام على نبي الهدى والمكرمات، وعلى آله وصحبه أولي النهى وأهل النجدات، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم جمع المخلوقات، وبعد.

فإن الأخلاق جمال الظاهر وإن كان الإنسان مبتذلا، وهي ثروة من لا ثروة له وجاه من لا جاه له، فصاحب الخلق في الدنيا موقّرٌ محبوبٌ، وفي الآخرة مُقرّبٌ محمود، والأخلاق الفاضلة مما بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [البيهقي]، والأخلاق حُلة الداعية وصاحب الرسالة فعامة الناس تقيس الدعوة بخلق صاحبها وتعامله، وههنا طرق لبعض الأخلاق السامية التي تعتبر جاه الأكارم الميامين وسيما الأفاضل الطاهرين، ويأتي في مقدمتها خلق الإيثار، وما أدراكم ما الإيثار؟

الإيثار "فضيلة للنَّفس بها يكفُّ الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصُّه حتى يبذله لمن يستحقُّه" [تهذيب الأخلاق لابن مسكويه]
والإيثَار "أن يقدِّم غيره على نفسه في النَّفع له، والدَّفع عنه، وهو النِّهاية في الأخوة" [التعريفات للجرجاني]

فالإيثار هو أكمل أنواع الجود، وهو خلق لا يستطيعه إلا من كمل له الخلق الحسن، فإن بلوغ النفس إلى درجة تستغني فيها عن محبوباتها وملذاتها فتجود بها للغير، يتطلب فصولا من المجاهدة تتساقط خلالها الأنفس الضعيفة، قال ابن العربي رحمه الله: "الإيثار هو تقديم الغير على النّفس في حظوظها الدنيويّة رغبة في الحظوظ الدينيّة، وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقّة" [أحكام القرآن]

والحض على هذه الخصلة أكده القرآن في مواطن كثيرة، منها قول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9].

قال شيخ المفسرين الإمام الطَّبري رحمه الله: "يقول تعالى ذكره: وهو يصفُ الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} مِن قبل المهاجرين، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثَارًا لهم بِها على أنفسهم {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثَرُوا به مِن أموالهم على أنفسهم" [التفسير]

وقال ابن كثير: "أي: يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالنَّاس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك" [التفسير]

ويقول ابن تيمية: "وأمَّا الإيثَار مع الخصاصة فهو أكمل مِن مجرَّد التَّصدق مع المحبَّة، فإنَّه ليس كلُّ متصدِّق محبًّا مؤْثرًا، ولا كلُّ متصدِّق يكون به خصاصة، بل قد يتصدَّق بما يحبُّ مع اكتفائه ببعضه مع محبَّة لا تبلغ به الخصاصة" [منهاج السنة]

وقال الله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران:92]، قال الطبري: "لن تنالوا أيها المؤمنون جنة ربكم حتى تنفقوا مما تحبون، يقول: حتى تتصدقوا مما تحبون وتهوَوْن أن يكون لكم، من نفيس أموالكم" [التفسير]

أما في السنة، فما جاء شيء في الترغيب بالإيثار أبلغ من تجسّده بالعمل بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما ربّاهم عليه وكان لهم قدوة صلوات الله وسلامه عليه، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه أراد أن يغزو فقال: (يا معشر المهاجرين والأنصار إنَّ مِن إخوانكم قومًا ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضمَّ أحدكم إليه الرَّجلين أو الثَّلاثة، فما لأحدنا مِن ظهرٍ يحمله إلَّا عُقْبَةٌ كعُقْبَةِ). (يعني: أحدهم)." فضممْتُ إليَّ اثنين أو ثلاثةً، قال: ما لي إلَّا عُقْبَةٌ كعُقْبَةِ أحدهم مِن جملي" [رواه أبو داود]. فانظر أخي لمعاني الإيثار في الجهاد رغم شدة حالهم وقلة مراكبهم يتعاقبون ركوب الجمال حتى لا يمشي المسافة كلها شخص على رجليه من طول الطريق، ثم تذكر أخي القاعد كيف جهادهم بالأمس وكيف جهاد اليوم؟ أي مشقة تلك التي كانوا يجدونها؟ ومع ذلك جاهد القوم وصبروا وآثر بعضهم بعضا.

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ (قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان لفلان) [البخاري]
قال ابن بطَّال: "فيه أنَّ أعمال البرِّ كلَّما صعبت كان أجرها أعظم، لأنَّ الصَّحيح الشَّحيح إذا خشي الفقر، وأمَّل الغنى صعبت عليه النَّفقة، وسوَّل له الشَّيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمَن تصدَّق في هذه الحال، فهو مؤثر لثواب الله على هوى نفسه، وأمَّا إذا تصدَّق عند خروج نفسه، فيخشى عليه الضِّرار بميراثه والجوار في فعله". [شرح الصحيح]

وأما ما جاء في قصة أحد تلاميذ المدرسة النبوية وهو أبو طلحة الأنصاري وزوجه رضي الله عنهما حيث جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه ليضيف هذا الرجل فما كان عندهم إلا الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: (من يضيف هذا الليلة رحمه الله)، فقام رجلٌ من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيءٌ؟ قالت: لا، إلّا قوت صبياني، قال: فعلّليهم بشيءٍ فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السّراج وأريه أنّا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السّراج حتّى تطفئيه، فقعدوا وأكل الضّيف فلمّا أصبح، غدا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: (قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما اللّيلة) [رواه مسلم] والمراد بالعجب من الله تعالى أي: رضاه سبحانه بذلك الفعل. قال النووي في شرحه: "وقد أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا، وحظوظ النفوس، وأما القربات فالأفضل أن لا يؤثر بها؛ لأن الحق فيها لله تعالى. والله أعلم".

ومن ذلك أيضًا قول أم المؤمنين عائشة وفعلها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما حين أرسل إليها يستأذن في أن يدفن بجوار صاحبيه (النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر) فقالت: "كنت أريده (أي موضع الدفن) لنفسي، فَلأوثِرَنَّهُ اليوم على نفسي". ودُفنت هي بالبقيع رضي الله عنها.

وقد قسّم ابن القيم رحمه الله في كتابه (مدارج السالكين) الإيثار وجعله على ثلاث درجات:
"الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا -أي: إلى الله-، ولا يفسد عليك وقتًا، يعني أن تقدّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدّي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدّين.

الثّانية: إيثار رضا اللّه على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطّول والبدن، وإيثار رضا اللّه عزّ وجلّ على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء.

الثّالثة: أن تنسب إيثارك إلى اللّه دون نفسك، وأنّه هو الذي تفرّد بالإيثار لا أنت، فكأنّك سلّمت الإيثار إليه، فإذا آثرت غيرك بشيء؛ فإنّ الذي آثره هو الحقّ لا أنت فهو المؤثر على الحقيقة، إذ هو المعطي حقيقة. ا.هـ مختصرا

فتأمل أخا الإسلام إن كان هذا حال من آثر غيره ببعض محابِّ نفسه قد جاء مدحه بالقرآن والسنة فكيف بالذي جاد بنفسه إيثارا منه لتكون كلمة الله هي العليا؟، فآثر على نفسه الأمان ليأمن المسلمون، وفارق الأهل والخلان كي يدافع وينافح عن شريعة الرحمن، وتحمّل في سبيل ذلك الجوع والعطش والجراح وتصبّر بطون السجون، كله إيثارا لخدمة دين رب العالمين، فذا أمر قلّ مَن يستطيعه في هذا الزمان.

فإن هؤلاء يكابدون عناء شديدا على أنفسهم فأردفهم الله عونا منه فهان كل شيء بأعينهم، وكلما قوي جهاد العبد لنفسه هداه الله السبيل وأرشده الطريق القويم، {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

والمتصدق يجاهد النفس والهوى والشيطان ليُخرج صدقته، فما ظنك بالمجاهد كم سيجاهد غير هؤلاء الأعداء الثلاثة ليُوفّق للجهاد؟ فهناك علماء السوء والمخذلين والمثبطين والطاعنين، ومع ذلك لم تثنه عن الجود بنفسه؛ لِما قذف الله في قلبه من النور، فمضى راكبا جواد الموت لا يلفت وجهه، فلقد جادت نفسه راضية تريد جوار الرحمن، هناك هناك حيث الجنة ونعيمها وأعلاه النظر لوجه الله الكريم، فهي دار من أنفق لوجه الله ما أحب، {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 301
الخميس 17 محرم 1443 هـ
...المزيد

مقال: جاه الأكارم (1) الإيثار الحمد لله مجزل العطايا والهبات، والصلاة والسلام على نبي الهدى ...

مقال: جاه الأكارم (1) الإيثار


الحمد لله مجزل العطايا والهبات، والصلاة والسلام على نبي الهدى والمكرمات، وعلى آله وصحبه أولي النهى وأهل النجدات، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم جمع المخلوقات، وبعد.

فإن الأخلاق جمال الظاهر وإن كان الإنسان مبتذلا، وهي ثروة من لا ثروة له وجاه من لا جاه له، فصاحب الخلق في الدنيا موقّرٌ محبوبٌ، وفي الآخرة مُقرّبٌ محمود، والأخلاق الفاضلة مما بُعث به النبي صلى الله عليه وسلم كما قال: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) [البيهقي]، والأخلاق حُلة الداعية وصاحب الرسالة فعامة الناس تقيس الدعوة بخلق صاحبها وتعامله، وههنا طرق لبعض الأخلاق السامية التي تعتبر جاه الأكارم الميامين وسيما الأفاضل الطاهرين، ويأتي في مقدمتها خلق الإيثار، وما أدراكم ما الإيثار؟

الإيثار "فضيلة للنَّفس بها يكفُّ الإنسان عن بعض حاجاته التي تخصُّه حتى يبذله لمن يستحقُّه" [تهذيب الأخلاق لابن مسكويه]
والإيثَار "أن يقدِّم غيره على نفسه في النَّفع له، والدَّفع عنه، وهو النِّهاية في الأخوة" [التعريفات للجرجاني]

فالإيثار هو أكمل أنواع الجود، وهو خلق لا يستطيعه إلا من كمل له الخلق الحسن، فإن بلوغ النفس إلى درجة تستغني فيها عن محبوباتها وملذاتها فتجود بها للغير، يتطلب فصولا من المجاهدة تتساقط خلالها الأنفس الضعيفة، قال ابن العربي رحمه الله: "الإيثار هو تقديم الغير على النّفس في حظوظها الدنيويّة رغبة في الحظوظ الدينيّة، وذلك ينشأ عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقّة" [أحكام القرآن]

والحض على هذه الخصلة أكده القرآن في مواطن كثيرة، منها قول الله تبارك وتعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر:9].

قال شيخ المفسرين الإمام الطَّبري رحمه الله: "يقول تعالى ذكره: وهو يصفُ الأنصار: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ} مِن قبل المهاجرين، {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثَارًا لهم بِها على أنفسهم {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثَرُوا به مِن أموالهم على أنفسهم" [التفسير]

وقال ابن كثير: "أي: يقدِّمون المحاويج على حاجة أنفسهم، ويبدؤون بالنَّاس قبلهم في حال احتياجهم إلى ذلك" [التفسير]

ويقول ابن تيمية: "وأمَّا الإيثَار مع الخصاصة فهو أكمل مِن مجرَّد التَّصدق مع المحبَّة، فإنَّه ليس كلُّ متصدِّق محبًّا مؤْثرًا، ولا كلُّ متصدِّق يكون به خصاصة، بل قد يتصدَّق بما يحبُّ مع اكتفائه ببعضه مع محبَّة لا تبلغ به الخصاصة" [منهاج السنة]

وقال الله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران:92]، قال الطبري: "لن تنالوا أيها المؤمنون جنة ربكم حتى تنفقوا مما تحبون، يقول: حتى تتصدقوا مما تحبون وتهوَوْن أن يكون لكم، من نفيس أموالكم" [التفسير]

أما في السنة، فما جاء شيء في الترغيب بالإيثار أبلغ من تجسّده بالعمل بين صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعدما ربّاهم عليه وكان لهم قدوة صلوات الله وسلامه عليه، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه أراد أن يغزو فقال: (يا معشر المهاجرين والأنصار إنَّ مِن إخوانكم قومًا ليس لهم مال ولا عشيرة، فليضمَّ أحدكم إليه الرَّجلين أو الثَّلاثة، فما لأحدنا مِن ظهرٍ يحمله إلَّا عُقْبَةٌ كعُقْبَةِ). (يعني: أحدهم)." فضممْتُ إليَّ اثنين أو ثلاثةً، قال: ما لي إلَّا عُقْبَةٌ كعُقْبَةِ أحدهم مِن جملي" [رواه أبو داود]. فانظر أخي لمعاني الإيثار في الجهاد رغم شدة حالهم وقلة مراكبهم يتعاقبون ركوب الجمال حتى لا يمشي المسافة كلها شخص على رجليه من طول الطريق، ثم تذكر أخي القاعد كيف جهادهم بالأمس وكيف جهاد اليوم؟ أي مشقة تلك التي كانوا يجدونها؟ ومع ذلك جاهد القوم وصبروا وآثر بعضهم بعضا.

وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ (قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان لفلان) [البخاري]
قال ابن بطَّال: "فيه أنَّ أعمال البرِّ كلَّما صعبت كان أجرها أعظم، لأنَّ الصَّحيح الشَّحيح إذا خشي الفقر، وأمَّل الغنى صعبت عليه النَّفقة، وسوَّل له الشَّيطان طول العمر، وحلول الفقر به، فمَن تصدَّق في هذه الحال، فهو مؤثر لثواب الله على هوى نفسه، وأمَّا إذا تصدَّق عند خروج نفسه، فيخشى عليه الضِّرار بميراثه والجوار في فعله". [شرح الصحيح]

وأما ما جاء في قصة أحد تلاميذ المدرسة النبوية وهو أبو طلحة الأنصاري وزوجه رضي الله عنهما حيث جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أزواجه ليضيف هذا الرجل فما كان عندهم إلا الماء، فقال صلى الله عليه وسلم: (من يضيف هذا الليلة رحمه الله)، فقام رجلٌ من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيءٌ؟ قالت: لا، إلّا قوت صبياني، قال: فعلّليهم بشيءٍ فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السّراج وأريه أنّا نأكل فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السّراج حتّى تطفئيه، فقعدوا وأكل الضّيف فلمّا أصبح، غدا على النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال: (قد عجب اللّه من صنيعكما بضيفكما اللّيلة) [رواه مسلم] والمراد بالعجب من الله تعالى أي: رضاه سبحانه بذلك الفعل. قال النووي في شرحه: "وقد أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا، وحظوظ النفوس، وأما القربات فالأفضل أن لا يؤثر بها؛ لأن الحق فيها لله تعالى. والله أعلم".

ومن ذلك أيضًا قول أم المؤمنين عائشة وفعلها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما حين أرسل إليها يستأذن في أن يدفن بجوار صاحبيه (النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر) فقالت: "كنت أريده (أي موضع الدفن) لنفسي، فَلأوثِرَنَّهُ اليوم على نفسي". ودُفنت هي بالبقيع رضي الله عنها.

وقد قسّم ابن القيم رحمه الله في كتابه (مدارج السالكين) الإيثار وجعله على ثلاث درجات:
"الأولى: أن تؤثر الخلق على نفسك فيما لا يخرم عليك دينًا، ولا يقطع عليك طريقًا -أي: إلى الله-، ولا يفسد عليك وقتًا، يعني أن تقدّمهم على نفسك في مصالحهم، مثل أن تطعمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرى، وتسقيهم وتظمأ، بحيث لا يؤدّي ذلك إلى ارتكاب إتلاف لا يجوز في الدّين.

الثّانية: إيثار رضا اللّه على رضا غيره وإن عظمت فيه المحن، وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطّول والبدن، وإيثار رضا اللّه عزّ وجلّ على غيره: هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلق وهي درجة الأنبياء.

الثّالثة: أن تنسب إيثارك إلى اللّه دون نفسك، وأنّه هو الذي تفرّد بالإيثار لا أنت، فكأنّك سلّمت الإيثار إليه، فإذا آثرت غيرك بشيء؛ فإنّ الذي آثره هو الحقّ لا أنت فهو المؤثر على الحقيقة، إذ هو المعطي حقيقة. ا.هـ مختصرا

فتأمل أخا الإسلام إن كان هذا حال من آثر غيره ببعض محابِّ نفسه قد جاء مدحه بالقرآن والسنة فكيف بالذي جاد بنفسه إيثارا منه لتكون كلمة الله هي العليا؟، فآثر على نفسه الأمان ليأمن المسلمون، وفارق الأهل والخلان كي يدافع وينافح عن شريعة الرحمن، وتحمّل في سبيل ذلك الجوع والعطش والجراح وتصبّر بطون السجون، كله إيثارا لخدمة دين رب العالمين، فذا أمر قلّ مَن يستطيعه في هذا الزمان.

فإن هؤلاء يكابدون عناء شديدا على أنفسهم فأردفهم الله عونا منه فهان كل شيء بأعينهم، وكلما قوي جهاد العبد لنفسه هداه الله السبيل وأرشده الطريق القويم، {وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

والمتصدق يجاهد النفس والهوى والشيطان ليُخرج صدقته، فما ظنك بالمجاهد كم سيجاهد غير هؤلاء الأعداء الثلاثة ليُوفّق للجهاد؟ فهناك علماء السوء والمخذلين والمثبطين والطاعنين، ومع ذلك لم تثنه عن الجود بنفسه؛ لِما قذف الله في قلبه من النور، فمضى راكبا جواد الموت لا يلفت وجهه، فلقد جادت نفسه راضية تريد جوار الرحمن، هناك هناك حيث الجنة ونعيمها وأعلاه النظر لوجه الله الكريم، فهي دار من أنفق لوجه الله ما أحب، {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 301
الخميس 17 محرم 1443 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - قصة شهيد • أبو خطاب الكشميري -تقبله الله- ما يزال جنود الخلافة في كل ...

الدولة الإسلامية - قصة شهيد


• أبو خطاب الكشميري -تقبله الله-

ما يزال جنود الخلافة في كل مكان يبذلون أرواحهم وتسيل دماؤهم رخيصة في سبيل نصرة الإسلام وإعادته حكَماً بين الناس كما كان عليه الحال في عهد النبوة والخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان، ولأجل هذه الغاية السامية فإنهم لا يبالون على أي جنب وفي أي أرض يُقتلون، طالماً أنهم يجاهدون في سبيل الله تعالى وعلى منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، طمعاً في إحدى الحسنين الظفر أو الشهادة.

وكان من هؤلاء السائرين على هذا الدرب الأخ أبو خطاب الكشميري المعروف أيضاً بـ"زاهد داس" تقبله الله، انضم إلى صفوف جنود الخلافة في الهند بعد انضمام ابن عمه إليها تقبله الله، ومنذ بداية جهاده كان أبو خطاب ثابت العقيدة والمنهج، يدعو إلى التوحيد بلا كلل أو ملل، حتى أصبح لاحقاً قائداً لإحدى مجموعات المجاهدين، فكان يهتم بإخوانه ويؤثرهم على نفسه مهما كانت الظروف.


- يخطط وينفذ العمليات بنفسه

رزقه الله إقداما وشجاعة يعرفها العدو قبل الصديق، يقول إخوانه: في إحدى المرات انقض أبو خطاب على أحد المشركين وضربه واغتنم سلاحه وانسحب من المنطقة، متبّعاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي).

كما كان حريصاً على تخطيط وتنفيذ العمليات بنفسه ضد قوات المشركين، ومن ذلك قام برفقة إحد إخوانه بصولة على القوات الهندوسية في (بيجبهارا) بكشمير، قتلوا ثلاثة عناصر منهم وزرعوا الرعب في قلوبهم وانسحبوا من المنطقة سالمين.


- شجاعة في كسر الحصار

في ذات مرة توجه أبو خطاب برفقة اثنين من المجاهدين إلى منزل يتحصنون به فعلمت القوات الكافرة بذلك، فقاموا بمحاصرة المنزل بأعداد كبيرة، لكن أبو خطاب رحمه الله خرج من المنزل زائراً كالأسد وبدأ بإطلاق النار باتجاههم بشكل مباغت، ورغم تفوقهم العددي إلا أن الكفار ولوا هاربين، وتمكن هو وإخوانه من الخروج من الحصار سالمين بفضل الله تعالى.

كان يقول دوماً لإخوانه إنه يريد أن يُقتل مهاجماً للكفار لا مدافعاً أو صاداً لهجومهم، وذلك كان شأنه في أغلب المواجهات مبادراً بالقتال لأعدائه مباغتاً لهم.


- ملاحقته من أجهزة الأمن

بعد العمليات التي نفذها أبو خطاب أصبح مطلوباً لأجهزة الأمن في المنطقة، ولثنيه عن طريقه قامت القوات الكافرة بالتضييق على عائلته للضغط عليه لتسليم نفسه، لكن ذلك لم يضعف عزيمته ولم يمنعه من مواصلة فريضة الجهاد.

وبعد أن اشتدت الملاحقة لأبي خطاب من قبل الكافرين اضطر إلى الخروج من (بيجبهارا) إلى مدينة (سريناغار) في كشمير، وهناك بدأ العمل مجدداً بكل جهده ليؤسس قاعدة انطلاق لمجاهدي الدولة الإسلامية، ولمهاراته ومعرفته بحرب العصابات، كان يعلم إخوانه مختلف خطط وتكتيكات العمل العسكري والأمني، ولم تتوقف مهمته عند ذلك بل كان أيضاً يرتب لهم المأوى والطعام والذخيرة وكل ما يحتاجون إليه، وقد ترك لإخوانه ميراثاً كبيراً من التضحية والبذل.


- قُتل كما كان يتمنى

بعد رحلة من الجلد والمطاردة والصبر على الجهاد، استطاعت القوات الكافرة تحديد أحد المنازل التي كان يتحصن بها أبو خطاب فأتوا بحدهم وحديدهم وحاصروا المنزل والمنطقة بأعداد كبيرة من القوات، وكان ذلك في الثاني عشر من شهر (ذي الحجة) عام 1441 ورغم ذلك وكعادته لم ينتظر أن يهاجمه الكفار بل بادر هو بمهاجمتهم بشكل أقوى من المرة الأخيرة وخرج مكبّراً وتمكن خلال الاشتباك من قتل عدد من عناصرهم وإصابة آخرين، إلى أن حانت اللحظة التي كان يتمناها، وكما كان يدعو الله تعالى من قبل أن يرزقه الشهادة مقبلاً مهاجماً لأعدائه استجاب الله دعاءه ورزقه ما تمناه، فقتل تقبله الله تعالى كما كان يتمنى، نحسبه والله حسيبه.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 301
الخميس 17 محرم 1443 هـ
...المزيد

الدولة الإسلامية - قصة شهيد • أبو خطاب الكشميري -تقبله الله- ما يزال جنود الخلافة في كل ...

الدولة الإسلامية - قصة شهيد


• أبو خطاب الكشميري -تقبله الله-

ما يزال جنود الخلافة في كل مكان يبذلون أرواحهم وتسيل دماؤهم رخيصة في سبيل نصرة الإسلام وإعادته حكَماً بين الناس كما كان عليه الحال في عهد النبوة والخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان، ولأجل هذه الغاية السامية فإنهم لا يبالون على أي جنب وفي أي أرض يُقتلون، طالماً أنهم يجاهدون في سبيل الله تعالى وعلى منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، طمعاً في إحدى الحسنين الظفر أو الشهادة.

وكان من هؤلاء السائرين على هذا الدرب الأخ أبو خطاب الكشميري المعروف أيضاً بـ"زاهد داس" تقبله الله، انضم إلى صفوف جنود الخلافة في الهند بعد انضمام ابن عمه إليها تقبله الله، ومنذ بداية جهاده كان أبو خطاب ثابت العقيدة والمنهج، يدعو إلى التوحيد بلا كلل أو ملل، حتى أصبح لاحقاً قائداً لإحدى مجموعات المجاهدين، فكان يهتم بإخوانه ويؤثرهم على نفسه مهما كانت الظروف.


- يخطط وينفذ العمليات بنفسه

رزقه الله إقداما وشجاعة يعرفها العدو قبل الصديق، يقول إخوانه: في إحدى المرات انقض أبو خطاب على أحد المشركين وضربه واغتنم سلاحه وانسحب من المنطقة، متبّعاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي).

كما كان حريصاً على تخطيط وتنفيذ العمليات بنفسه ضد قوات المشركين، ومن ذلك قام برفقة إحد إخوانه بصولة على القوات الهندوسية في (بيجبهارا) بكشمير، قتلوا ثلاثة عناصر منهم وزرعوا الرعب في قلوبهم وانسحبوا من المنطقة سالمين.


- شجاعة في كسر الحصار

في ذات مرة توجه أبو خطاب برفقة اثنين من المجاهدين إلى منزل يتحصنون به فعلمت القوات الكافرة بذلك، فقاموا بمحاصرة المنزل بأعداد كبيرة، لكن أبو خطاب رحمه الله خرج من المنزل زائراً كالأسد وبدأ بإطلاق النار باتجاههم بشكل مباغت، ورغم تفوقهم العددي إلا أن الكفار ولوا هاربين، وتمكن هو وإخوانه من الخروج من الحصار سالمين بفضل الله تعالى.

كان يقول دوماً لإخوانه إنه يريد أن يُقتل مهاجماً للكفار لا مدافعاً أو صاداً لهجومهم، وذلك كان شأنه في أغلب المواجهات مبادراً بالقتال لأعدائه مباغتاً لهم.


- ملاحقته من أجهزة الأمن

بعد العمليات التي نفذها أبو خطاب أصبح مطلوباً لأجهزة الأمن في المنطقة، ولثنيه عن طريقه قامت القوات الكافرة بالتضييق على عائلته للضغط عليه لتسليم نفسه، لكن ذلك لم يضعف عزيمته ولم يمنعه من مواصلة فريضة الجهاد.

وبعد أن اشتدت الملاحقة لأبي خطاب من قبل الكافرين اضطر إلى الخروج من (بيجبهارا) إلى مدينة (سريناغار) في كشمير، وهناك بدأ العمل مجدداً بكل جهده ليؤسس قاعدة انطلاق لمجاهدي الدولة الإسلامية، ولمهاراته ومعرفته بحرب العصابات، كان يعلم إخوانه مختلف خطط وتكتيكات العمل العسكري والأمني، ولم تتوقف مهمته عند ذلك بل كان أيضاً يرتب لهم المأوى والطعام والذخيرة وكل ما يحتاجون إليه، وقد ترك لإخوانه ميراثاً كبيراً من التضحية والبذل.


- قُتل كما كان يتمنى

بعد رحلة من الجلد والمطاردة والصبر على الجهاد، استطاعت القوات الكافرة تحديد أحد المنازل التي كان يتحصن بها أبو خطاب فأتوا بحدهم وحديدهم وحاصروا المنزل والمنطقة بأعداد كبيرة من القوات، وكان ذلك في الثاني عشر من شهر (ذي الحجة) عام 1441 ورغم ذلك وكعادته لم ينتظر أن يهاجمه الكفار بل بادر هو بمهاجمتهم بشكل أقوى من المرة الأخيرة وخرج مكبّراً وتمكن خلال الاشتباك من قتل عدد من عناصرهم وإصابة آخرين، إلى أن حانت اللحظة التي كان يتمناها، وكما كان يدعو الله تعالى من قبل أن يرزقه الشهادة مقبلاً مهاجماً لأعدائه استجاب الله دعاءه ورزقه ما تمناه، فقتل تقبله الله تعالى كما كان يتمنى، نحسبه والله حسيبه.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 301
الخميس 17 محرم 1443 هـ
...المزيد

العالِم الذي نريد "بئس حامل القرآن أنا إن أُتيتم من قِبلي"… كلمات تنوء لحملها الجبال يصدح بها ...

العالِم الذي نريد


"بئس حامل القرآن أنا إن أُتيتم من قِبلي"… كلمات تنوء لحملها الجبال يصدح بها الصحابي الجليل سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه، أحد الصحابة القرّاء الذين ضعضعوا جيش مسيلمة الكذاب وهزموه في أروع صور البطولة لأشد المعارك الحاسمة في تاريخ الإسلام "معركة اليمامة".

كلمات تنبئ عن دور القراء والعلماء في المعارك في عصر الخلافة الراشدة، إذ كانوا مسعِّروها وروّادها، أما في العهد النبوي فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقود جيوش المسلمين ويعقد الألوية بنفسه عليه الصلاة والسلام، كيف لا وهو الذي أُنزل عليه {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة:73].

ولو كانت القراءة والتجويد والتعليم كافية لأداء حق آيات الجهاد دون العمل بها، لما كلّف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عناء السفر إلى تبوك في أشد الظروف رغم بعد الشُقة وشدة الحر وشح الزاد للقاء عدوه أدنى بلاد العرب، ولَما قطع أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أميالا إلى القسطنطينية حتى يموت على أسوارها محاصِرا لها مع جيش المسلمين، ولَما أجهد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نفسه لقطْع فيافي الصحراء الكبرى بطولها وعرضها لقتال البربر مع خيول الفاتحين في إفريقية، إنها {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ}، إنها {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}، إنها {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}، إنها {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، إنها آيات الجهاد وأوامر الملك العلام.

تسبق هذه الأمة الأمم سواها حين يكون علماؤها مقدمة الركب وحُداته، فينهلون من الكتاب والسنة ويعملون، وتعمل الأمة بعملهم وتقتدي بفعالهم قبل أقوالهم، في مثال حسن للربانيين، فالكل حينها منقاد للكتاب والسنة.

وتعظم الرزايا على هذه الأمة حين يضل العلماء ويكونون أتباعا يستخدمهم الطواغيت لتثبيت عروشهم وقلب الحقائق والتمندل بهم!، في مثال سيئ للأحبار والرهبان، فيعبد الناس الطاغوت ويتحاكمون إليه.

إن حال الأمة اليوم واستسلامها للطواغيت ورضاها بواقع فاسد في دينها ودنياها، خطيئة مصنوعة يحمل وزرها الأكبر المنسوبون للعلم الساكتون عن الحق أو الملبّسون الحق بالباطل، الذين خلطوا الأمر على العامة، وماجوا وموّجوا غيرهم في الفتن.

بينما نجد رهبان النصارى وأحبار اليهود وملالي الرافضة يتقدمون صفوف الحرب على الإسلام، يحثون عليها ويبرّكون ويشجعون حشودهم الكافرة، كفعل الطاغوت الصليبي "فرنسيس" الذي جاء من روما إلى العراق ليرفع الصليب على أنقاض وركام الموصل بعدما دمرتها طائرات التحالف الدولي الصليبي لأنها حُكمت بشريعة الإسلام.

وفي المقابل يشنّ الأدعياء المحسوبون على أهل السنة حربا شعواء على دولة الإسلام، مبتداها إبطال شرعية الخلافة التي انتظرتها أجيال من المسلمين لعقود، إذ لا حل لاختلاف الأمة إلا الخلافة، حيث صاغوا لحربها الأقوال والأفعال، ولو بما هو حرام في "قانونهم".

إن أكثر المنتسبين للعلم اليوم يرجون خلافة لا يتحزّب عليها الكافرون ولا يقاتلونها! ولو كانت خلافة النبوة كذلك؛ لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة من الأنصار في "العقبة" لحمايته من العرب والعجم والأبيض والأسود، ولَما قال عليه الصلاة والسلام للمثنى بن حارثة رضي الله عنه حين عرض نفسه في الموسم عند اعتذاره عن حمايته من الفرس: (إن هذا الأمر لا يقوم به إلا من حاطه من جميع جوانبه).

وما خيانة أعظم للأمة من خيانة العالِم، فهي مخافة النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)؛ إذ يحاربون أهل الشريعة بنصوص الشريعة! فيَضلون ويُضلون، والعالم الضال داع على أبواب جهنم، ومن اجترأ فخان ربّه فهو لما دونه أجرأ خيانة.

إن السكوت عن الحق حين يتعيّن قوله جرم شنيع، ولو لم يكن جرما كبيرا لما كان جزاء كتمان العلم كبيرا إنه "اللعنة"! {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة:159] ولو استشعر العالِم عذاب الله ولعنته وطرده من رحمة الله لهانت عليه تهديدات الطواغيت وعقوباتهم، فإن لعنة الله أشد وسخطه أعظم، ومن طرده الطاغوت آواه الله ومن طرده الله فلا مأوى له سوى النار -عياذا بالله-، وإن لجام النار في الآخرة أشد من "قرارات منع التدريس والتصدّر" وأشد من "سجن أعوام" تُقضى في خلوة مع الله.

وليهوننّ الطاغوت في نظره إن تذكّر وقوفه بين يدي الله يوم القيامة، فهذا الأوزاعي رحمه الله عند موقفه أمام عبدالله بن علي العباسي وسؤاله عن دماء بني أمية قال: "فذكرت مقامي بين يدي الله، فلفظتها فقلت: دماؤهم عليك حرام".

وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين)، فالرفعة عند الله لا عند الطواغيت، فكم من عالِم في غياهب السجون بضع سنين أو تزيد ومقامه عند الله وعند الخلق مرفوع، وأقوام موسومون عند طواغيتهم بـ"كبار العلماء" ويُشيد بهم قادة تحالف الصليب! وهم عند الله أحقر من الذر، ما لم يتوبوا.

والتوبة معروضة بعدُ لمن أعان تحالف الصليب بفتوى كانت سببا لإزهاق أنفس معصومة، أو هدم بيوت مطمئنة، بشرط الإصلاح والبيان، قال الله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. [البقرة:160]

وأعظم ما في الأمر الميثاق المأخوذ على أهل العلم ألا يكتموه، فأين المفر؟ والمصير إليه سبحانه، وأين المناص؟ وهو الحَكَم جل وعلا، وإن كان من نُوقش الحساب فقد عُذب بنص قول المصطفى عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن حوسب على نقض الميثاق؟!

إن العالِم الذي نريد؛ يتقدم صفوف الجهاد يناصر المجاهدين ويفتيهم ويذب عنهم، فإنما هي حرب صليبية وليضع المؤمن نفسه سهما ضدها حيث ثغره، وإن الخلافة ترص الصفوف وِجاه تحالف الصليب كلٌ بقِرْنه حيال الكافرين والمنافقين، العلماء والكتاب والمجاهدون الغزاة والإعلاميون الكماة ومن يردفهم لتفرغهم، صفا واحدا مرصوصا، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف:4]، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 301
الخميس 17 محرم 1443 هـ
...المزيد

العالِم الذي نريد "بئس حامل القرآن أنا إن أُتيتم من قِبلي"… كلمات تنوء لحملها الجبال يصدح بها ...

العالِم الذي نريد


"بئس حامل القرآن أنا إن أُتيتم من قِبلي"… كلمات تنوء لحملها الجبال يصدح بها الصحابي الجليل سالم مولى أبي حذيفة رضي الله عنه، أحد الصحابة القرّاء الذين ضعضعوا جيش مسيلمة الكذاب وهزموه في أروع صور البطولة لأشد المعارك الحاسمة في تاريخ الإسلام "معركة اليمامة".

كلمات تنبئ عن دور القراء والعلماء في المعارك في عصر الخلافة الراشدة، إذ كانوا مسعِّروها وروّادها، أما في العهد النبوي فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقود جيوش المسلمين ويعقد الألوية بنفسه عليه الصلاة والسلام، كيف لا وهو الذي أُنزل عليه {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} [التوبة:73].

ولو كانت القراءة والتجويد والتعليم كافية لأداء حق آيات الجهاد دون العمل بها، لما كلّف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه عناء السفر إلى تبوك في أشد الظروف رغم بعد الشُقة وشدة الحر وشح الزاد للقاء عدوه أدنى بلاد العرب، ولَما قطع أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه أميالا إلى القسطنطينية حتى يموت على أسوارها محاصِرا لها مع جيش المسلمين، ولَما أجهد عبد الله بن عمر رضي الله عنهما نفسه لقطْع فيافي الصحراء الكبرى بطولها وعرضها لقتال البربر مع خيول الفاتحين في إفريقية، إنها {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ}، إنها {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}، إنها {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}، إنها {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، إنها آيات الجهاد وأوامر الملك العلام.

تسبق هذه الأمة الأمم سواها حين يكون علماؤها مقدمة الركب وحُداته، فينهلون من الكتاب والسنة ويعملون، وتعمل الأمة بعملهم وتقتدي بفعالهم قبل أقوالهم، في مثال حسن للربانيين، فالكل حينها منقاد للكتاب والسنة.

وتعظم الرزايا على هذه الأمة حين يضل العلماء ويكونون أتباعا يستخدمهم الطواغيت لتثبيت عروشهم وقلب الحقائق والتمندل بهم!، في مثال سيئ للأحبار والرهبان، فيعبد الناس الطاغوت ويتحاكمون إليه.

إن حال الأمة اليوم واستسلامها للطواغيت ورضاها بواقع فاسد في دينها ودنياها، خطيئة مصنوعة يحمل وزرها الأكبر المنسوبون للعلم الساكتون عن الحق أو الملبّسون الحق بالباطل، الذين خلطوا الأمر على العامة، وماجوا وموّجوا غيرهم في الفتن.

بينما نجد رهبان النصارى وأحبار اليهود وملالي الرافضة يتقدمون صفوف الحرب على الإسلام، يحثون عليها ويبرّكون ويشجعون حشودهم الكافرة، كفعل الطاغوت الصليبي "فرنسيس" الذي جاء من روما إلى العراق ليرفع الصليب على أنقاض وركام الموصل بعدما دمرتها طائرات التحالف الدولي الصليبي لأنها حُكمت بشريعة الإسلام.

وفي المقابل يشنّ الأدعياء المحسوبون على أهل السنة حربا شعواء على دولة الإسلام، مبتداها إبطال شرعية الخلافة التي انتظرتها أجيال من المسلمين لعقود، إذ لا حل لاختلاف الأمة إلا الخلافة، حيث صاغوا لحربها الأقوال والأفعال، ولو بما هو حرام في "قانونهم".

إن أكثر المنتسبين للعلم اليوم يرجون خلافة لا يتحزّب عليها الكافرون ولا يقاتلونها! ولو كانت خلافة النبوة كذلك؛ لما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم البيعة من الأنصار في "العقبة" لحمايته من العرب والعجم والأبيض والأسود، ولَما قال عليه الصلاة والسلام للمثنى بن حارثة رضي الله عنه حين عرض نفسه في الموسم عند اعتذاره عن حمايته من الفرس: (إن هذا الأمر لا يقوم به إلا من حاطه من جميع جوانبه).

وما خيانة أعظم للأمة من خيانة العالِم، فهي مخافة النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)؛ إذ يحاربون أهل الشريعة بنصوص الشريعة! فيَضلون ويُضلون، والعالم الضال داع على أبواب جهنم، ومن اجترأ فخان ربّه فهو لما دونه أجرأ خيانة.

إن السكوت عن الحق حين يتعيّن قوله جرم شنيع، ولو لم يكن جرما كبيرا لما كان جزاء كتمان العلم كبيرا إنه "اللعنة"! {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة:159] ولو استشعر العالِم عذاب الله ولعنته وطرده من رحمة الله لهانت عليه تهديدات الطواغيت وعقوباتهم، فإن لعنة الله أشد وسخطه أعظم، ومن طرده الطاغوت آواه الله ومن طرده الله فلا مأوى له سوى النار -عياذا بالله-، وإن لجام النار في الآخرة أشد من "قرارات منع التدريس والتصدّر" وأشد من "سجن أعوام" تُقضى في خلوة مع الله.

وليهوننّ الطاغوت في نظره إن تذكّر وقوفه بين يدي الله يوم القيامة، فهذا الأوزاعي رحمه الله عند موقفه أمام عبدالله بن علي العباسي وسؤاله عن دماء بني أمية قال: "فذكرت مقامي بين يدي الله، فلفظتها فقلت: دماؤهم عليك حرام".

وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين)، فالرفعة عند الله لا عند الطواغيت، فكم من عالِم في غياهب السجون بضع سنين أو تزيد ومقامه عند الله وعند الخلق مرفوع، وأقوام موسومون عند طواغيتهم بـ"كبار العلماء" ويُشيد بهم قادة تحالف الصليب! وهم عند الله أحقر من الذر، ما لم يتوبوا.

والتوبة معروضة بعدُ لمن أعان تحالف الصليب بفتوى كانت سببا لإزهاق أنفس معصومة، أو هدم بيوت مطمئنة، بشرط الإصلاح والبيان، قال الله: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. [البقرة:160]

وأعظم ما في الأمر الميثاق المأخوذ على أهل العلم ألا يكتموه، فأين المفر؟ والمصير إليه سبحانه، وأين المناص؟ وهو الحَكَم جل وعلا، وإن كان من نُوقش الحساب فقد عُذب بنص قول المصطفى عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن حوسب على نقض الميثاق؟!

إن العالِم الذي نريد؛ يتقدم صفوف الجهاد يناصر المجاهدين ويفتيهم ويذب عنهم، فإنما هي حرب صليبية وليضع المؤمن نفسه سهما ضدها حيث ثغره، وإن الخلافة ترص الصفوف وِجاه تحالف الصليب كلٌ بقِرْنه حيال الكافرين والمنافقين، العلماء والكتاب والمجاهدون الغزاة والإعلاميون الكماة ومن يردفهم لتفرغهم، صفا واحدا مرصوصا، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ} [الصف:4]، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 301
الخميس 17 محرم 1443 هـ
...المزيد

عبادة في كل حال إننا نجد الباحث عن الجهاد بصدق، متأهبا مستنفرا يسابق الريح نحو ساحاته ...

عبادة في كل حال


إننا نجد الباحث عن الجهاد بصدق، متأهبا مستنفرا يسابق الريح نحو ساحاته وميادينه، فإن وصل أرض الجهاد ولم يُتح له مباشرة القتال، تجده مكثّرا سواد المؤمنين، مرابطا حارسا ثغور المسلمين، فرِحا بذلك مبتهجا لا يرتاح جسده على فراشه كما يرتاح في ثغره ومرابطته، حتى إذا نادى المنادي حي على الجهاد طار قلبه قبل بدنه وانطلق لا يلوي على شيء قاصدا مرضاة ربه، باذلا له روحه ومهجته، فهل يستوي حال هذا ومن قيل لهم: {اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}؟! شتان شتان.

فيا طالب الجهاد بحق، ومبتغي مرضاة ربك بصدق، إنّ أمارة صدقك في طلبك ومبتغاك؛ أن تعدّ له عدته وتأخذ له أهبته، فإنْ تأخَّر نفيرك، لم يتوقف إعدادك فتلك عبادة بحد ذاتها، فأعدّ نفسك إيمانيا وشرعيا وبدنيا وأمنيا، فأنت في جهاد ما دمت في الإعداد، ثم اعلم أنّ إخلاص النوايا وإصلاح الطوايا، والصدق مع الله تعالى، هي بريد الوصول إلى أرض الجهاد، وهي أول الإعداد وأوسطه وآخره، وهي ملاكه كله، وهي التي عليها العهدة.



• المصدر:
مقتبس من افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 515
السنة السابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الآخر 1447 هـ
...المزيد

عبادة في كل حال إننا نجد الباحث عن الجهاد بصدق، متأهبا مستنفرا يسابق الريح نحو ساحاته ...

عبادة في كل حال


إننا نجد الباحث عن الجهاد بصدق، متأهبا مستنفرا يسابق الريح نحو ساحاته وميادينه، فإن وصل أرض الجهاد ولم يُتح له مباشرة القتال، تجده مكثّرا سواد المؤمنين، مرابطا حارسا ثغور المسلمين، فرِحا بذلك مبتهجا لا يرتاح جسده على فراشه كما يرتاح في ثغره ومرابطته، حتى إذا نادى المنادي حي على الجهاد طار قلبه قبل بدنه وانطلق لا يلوي على شيء قاصدا مرضاة ربه، باذلا له روحه ومهجته، فهل يستوي حال هذا ومن قيل لهم: {اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ}؟! شتان شتان.

فيا طالب الجهاد بحق، ومبتغي مرضاة ربك بصدق، إنّ أمارة صدقك في طلبك ومبتغاك؛ أن تعدّ له عدته وتأخذ له أهبته، فإنْ تأخَّر نفيرك، لم يتوقف إعدادك فتلك عبادة بحد ذاتها، فأعدّ نفسك إيمانيا وشرعيا وبدنيا وأمنيا، فأنت في جهاد ما دمت في الإعداد، ثم اعلم أنّ إخلاص النوايا وإصلاح الطوايا، والصدق مع الله تعالى، هي بريد الوصول إلى أرض الجهاد، وهي أول الإعداد وأوسطه وآخره، وهي ملاكه كله، وهي التي عليها العهدة.



• المصدر:
مقتبس من افتتاحية صحيفة النبأ - العدد 515
السنة السابعة عشرة - الخميس 10 ربيع الآخر 1447 هـ
...المزيد

القصة باختصار ومنذ أنْ أرسل الله رسله وإلى أنْ ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقصة واحدة ...

القصة باختصار



ومنذ أنْ أرسل الله رسله وإلى أنْ ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقصة واحدة تتكرر بفصولها وتفاصيلها لأن باريها واحد، وأبطالها على نهج واحد، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ}.

فانظروا وتأملوا حولكم، أليست هذه قصتنا مع الطواغيت وحكوماتهم وعساكرهم وأنصارهم ودعاتهم؟ ألم يتخذوا من دعوة التوحيد نفس الموقف الذي اتخذه أسلافهم بالأمس رغم تتابع الحجج والدلائل من وحي السماء ووقائع الأرض؟!

هذه هي قصة الدولة الإسلامية مع خصومها وأعدائها، مشروعها محاربة الطاغوت ومفاصلته في كل مفصل، ومشاريعهم على اختلافها تساير الطاغوت وتداهنه في كل محفل، هذه هي زبدة القول وبيت القصيد لمن تشعبت عليه التفاصيل، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.


• المصدر:
مقتبس من افتتاحية صحيفة النبأ – العدد 523
السنة السابعة عشرة - الخميس 6 جمادى الآخرة 1447 هـ
...المزيد

القصة باختصار ومنذ أنْ أرسل الله رسله وإلى أنْ ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقصة واحدة ...

القصة باختصار



ومنذ أنْ أرسل الله رسله وإلى أنْ ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، والقصة واحدة تتكرر بفصولها وتفاصيلها لأن باريها واحد، وأبطالها على نهج واحد، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ}.

فانظروا وتأملوا حولكم، أليست هذه قصتنا مع الطواغيت وحكوماتهم وعساكرهم وأنصارهم ودعاتهم؟ ألم يتخذوا من دعوة التوحيد نفس الموقف الذي اتخذه أسلافهم بالأمس رغم تتابع الحجج والدلائل من وحي السماء ووقائع الأرض؟!

هذه هي قصة الدولة الإسلامية مع خصومها وأعدائها، مشروعها محاربة الطاغوت ومفاصلته في كل مفصل، ومشاريعهم على اختلافها تساير الطاغوت وتداهنه في كل محفل، هذه هي زبدة القول وبيت القصيد لمن تشعبت عليه التفاصيل، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.


• المصدر:
مقتبس من افتتاحية صحيفة النبأ – العدد 523
السنة السابعة عشرة - الخميس 6 جمادى الآخرة 1447 هـ
...المزيد

فراشة الاحد اسفرت عن عفريتين مخزونين يتخاصمان العفريت اخضر يقول الكتب سحرية روح العفريت ...

فراشة الاحد
اسفرت عن عفريتين مخزونين يتخاصمان
العفريت اخضر يقول الكتب سحرية روح
العفريت احمر

🌿 لا يخشى الله حق الخشية إلا من عرفه حق المعرفة، ومن كان بالله أعرف كان له أخشى، ومنه أخوف: { ...

🌿 لا يخشى الله حق الخشية إلا من عرفه حق المعرفة، ومن كان بالله أعرف كان له أخشى، ومنه أخوف: { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

#تأملات
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
24 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً