مساعدة
الإبلاغ عن المادة
تعديل تدوينة
الكتاب: فيض القدير شرح الجامع الصغير المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن ...
الكتاب: فيض القدير شرح الجامع الصغير
المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ)
الناشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر
الطبعة: الأولى، 1356
عدد الأجزاء: 6
مع الكتاب: تعليقات يسيرة لماجد الحموي
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بطاقة الكتاب || إخفاء التشكيل
واختصاصه للإضافة لذي الشرف لا ينافي التصغير لأن التصغير يرد للتعظيم وبفرض سواه فالتصغير في اللغة مع أن مراتب الحظر متفاوتة فيقبل التصغير وآل النبي من حرمت عليهم الزكاة وهو بنو هاشم عند الحنفية والمطلب أيضا عند الشافعية قال البعض: والمؤمنون وبنو تغلب فيشمل إناثهم لكن استدلالهم بخبر " إن لكم في خمس الخمس " يقتضي خلافه وقيل بنو غالب وقيل ذريته أو أزواجه وقيل أتباعه وقيل أتقياء أمته واختاره النووي كجمع في مقام الدعاء وجرى عليه الدواني فقال إذا أطلق في المتعارف شمل الصحب والتابعين لهم بإحسان. فإن قلت: هل لإتيانه بلفظ على هنا من فائدة؟ قلت: نعم وهي الإشارة 'لى مخالفة الرافضة والشيعة فإنهم مطبقون على كراهة الفصل بين -[18]- النبي وآله بلفظ على وينقلون في ذلك حديثا كما بينه المحقق الدواني وصدر الأفاضل الشيرازي وغيرهما (وصحبه) اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي وهو لغة من صحب غيره بما ينطلق عليه اسم الصحبة واصطلاحا من لقي المصطفى يقظة بعد النبوة وقبل وفاته مسلما وإن لم يره لعارض كعمى وإن لم يره المصطفى ولو بلا مكالمة ولا مجالسة ككونه مارا ولو بغير جهته ولو لم يشعر كل بالآخر أو تباعدوا أو كان أحدهما بشاهق والآخر بوهدة أو بئر أو حال بينهما مانع مرور كنهر يحوج إلى سباحة أو ستر رقيق لا يمنع الرؤية أو ماء صاف كذلك إن عده العرف لقاء في الكل على الأقرب من تردد وإسهاب فيه وكذا لو تلاقيا نائمين أو كان غير النبي مجنونا محكوما بإسلامه على ما بحث وقيل لا وقيل إلا زمن إفاقته وذلك لشرف منزلة النبي فيظهر أثر نوره في قلب ملاقيه وعلى جوارحه فشمل التعريف غير المميز وهو ما جرى عليه جمع منهم البرماوي لكن اختير اشتراط التمييز وعلى عدمه دخل من حنكه النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن الحارثأو مسح وجهه كعبد الله بن ثعلبة أو رآه في مهده كمحمد بن أبي بكر والجن كوفد نصيبين واستشكال ابن الأثير بأنه لا تعبد لنا بالرواية عنهم رده الحافظ ابن حجر والأنبياء الذين اجتمعوا به ليلة الإسراء والملائكة الذين اجتمعوا به فيها أو غيرها وبه جزم بعضهم لكن جزم البلقيني بخروج النبي والملك ككل من رآه تلك الليلة ممن لم يبرز لعالم الدنيا وتبعه الكمال المقدسي موجها بأن المراد الاجتماع المتعارف لا ما وقع خرقا للعادة وأيده بعض المحققين بأنه المتبادر عرفا من لفظ اجتمع أو لقي ومن هذا البيان انكشف ضعف جزم الذهبي باستثناء عيسى وإدخاله في التعريف وما احتج به من اختصاصه عن بقية الأنبياء برفعه حيا ونزوله الأرض وحكمه بشرعه لا ينهض حجة له عند التأمل وعدم الاعتداد بالرؤية الواقعة خرقا للعادة يفيد أنه رأى بدنه الشريف فقط كرامة له بفرض وقوعه غير صحابي وإثبات ابن عبد البر الصحبة لمن أسلم في حياته ولم يره شاذ ودخل من رآه بعد البعثة وقبل الأمر بالدعوة كورقة بخلاف من رآه قبل البعثة وإن آمن بأنه سيبعث كما في شرح العباب وغيره ومن لقيه مؤمنا بغيره من أهل الكتاب كما صرح به الحافظ ابن حجر في الإصابة تبعا لما نقله ابن الأثير وغيره عن الإمام البخاري وغيره وعبارته في " أسد الغابة " قال البخاري من صحب رسول الله أو رآه من المؤمنين فهو من أصحابه ووقع لبعضهم في هذا المقام من الخيالات والأوهام ما كنا أومأنا أولا إلى شيء مما يدفعه فغضب لذلك بعض من تمكن من قلبه داء الحسد والحمية وبلية المعصية للعصبية وانتصب لدفع الإيراد بما هو قادح في أصل مطلوبه ورام ترميمه وتتميمه بما عسى الفطرة السليمة المبرأة عن العصبية تكفي مؤونة رده لكنا مع ذلك تعرضنا لكشف حاله وتزييف مقاله في مؤلف مستقل. ثم إن المؤلف أورد من صفاتهم ما يدل على حيازتهم قصب السبق في مضمار المآثر وتبرزهم على من سواهم في اقتناء المناقب والمفاخر فقال (ليوث الغابة) استعارة لفرط شجاعتهم يعني أنهم أدحضوا الباطل بالبأس الساحق والسيف الماحق فكانوا كالأسود الضارية التي ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم. قال ابن عبد البر في خطبة الاستيعاب: روى ابن القاسم عن مالك أن الصحب لما دخلوا الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالسيوف والمناشير وصلبوا على الجذوع بأشد اجتهادا من هؤلاء ومع ذلك كان عندهم للسلم والعفو موضع فلم يكن الواحد منهم ضرارا قهارا دائما بل كانوا كمتبوعهم حسبما يقتضيه المقام في مكان القهر على العفو وفي وقت السلم محض اللطف أشداء على الكفار رحماء بينهم يعفون عمن ظلمهم ويصلون من قطعهم ويعطون من حرمهم ويعينون على نوائب الدهر بطلاقة وجه وسماحة نفس وكف أذى وبذل ندى فهم كما قيل فيهم:
جبال الحجى أسد الوغا غصص العدا شموس العلا سحب الندا بالمواهب
والليوث جمع ليث وهو الأسد وخصه لأنه بمنزلة ملك الوحش وأشده شكيمة وأقواه نفسا وعزيمة وأعظمه شجاعة وبطشا. والغابة الأجمة من نحو قصب أو شجر ملتف تأوي إليه الأسود سميت غابة لأنها تغيب ما فيها يقال إنه ليث غابة وهو من ليوث الغابة قال الزمخشري: ومن المجاز أننا في غابة أي رماح كثيرة كالشجر وزاد قوله (وأسد عرينها) دفعا لتوهم عدم احتمال إرادة الحيوان المفترس بلفظ الليث إذ الليث أيضا نوع من العنكبوت والأسد بضمتين -[19]- أو بضم فسكون جمع أسد بفتحهما. قال الزمخشري: ومن المجاز استأسد عليه أي صار كالأسد في جراءته والعرين والعرينة مأواه الذي يألفه يقال ليث غابة وليث عرينة. ومن كلامهم: أشم العرين كالأسد في عرينه لا كالجمل الأنف الأنف في عرانه وهو العود الذي يجعل في برة أنف البختي ذكره الزمخشري. وعلم مما تقرر أن تشبيهم بالأسد استعارة بالكناية وإثبات الغابة لهم استعارة تخييلية رشحها بذكر العرين (هذا) أي المؤلف الحاضر في العقل استحضر المعاني التي جمعها فيه على وجه الإجمال وأورد اسم الإشارة لبيانها وأسماء الإشارة قد تستعمل في الأمور المعقولة وإن كان وضعها للأمور المحسوسة المبصرة الحاضرة في مرأى المخاطب لكن لا بد من نكتة وهي هنا الإشارة إلى إتقانه هذه المعاني حتى صارت لكمال علمه بها كأنها مبصرة عنده ويقدر على الإشارة إليها ذكره العصام تلخيصا من كلام الدواني وغيره (كتاب) أي مكتوب وتنوينه للتعظيم وهو في الأصل مصدر سمي به المكتوب على التوسع ثم غلب في العرف على حمع من الكلمات المستقلة بالتعيين المفردة بالتدوين. وقال الحراني: الكتاب من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفيفة من أصله كالخرز في الجلد يقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله للأول فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام (أودعت) أي صنت وحفظت (فيه) أي جعلته ظرفا لصون الحديث وحفظه من أودعته مالا دفعته إليه ليكون وديعة محفوظة عنده من الدعة وهي الراحة كأن به تحصل الراحة لطالب الفن بجمع ما هو مشتت في الأقطار متفرق في الكتب الكبار. قال الزمخشري: ومن المجاز أودعته سرا وأودع الوعاء مناعه وأودع كتابه كذا وأودع كلامه معنى حسنا قال:
استودع العلم قرطاسا فضيعه. . . فبئس مستودع العلم القراطيس
(من الكلم) بفتح فكسر جمع كلمة كذلك من الكلم بفتح فسكون وهو التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر سمي به اللفظ لما مر. قال الحراني: والكلام إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار انتهى. وآثر الكلم على الكلمات لأنها جمع قلة والموضع موضع التكثير لا التقليل وعلى الكلام لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير وعرف بعض أهل الأصول الكلام بأنه المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة وقال السيد وقد يزاد قيدان آخران فيقال المتواضع عليها إذا صدرت من قادر واحد (النبوية) أي المنسوبة إلى النبي (ألوفا) بضم أوله جمع ألف وهو العدد المخصوص المعروف. قال الراغب: سمي به لكون الأعداد فيه مؤلفة فإن الأعداد آحاد وعشرات ومئات وألوف فإذا بلغت الألف فقد ائتلفت وما بعده يكون مكررا قبل وعدته عشرة آلاف وتسع مئة وأربعة وثلاثون والمراد بالكلم الأحاديث المعروفة بالنبي المنسوبة إليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (ومن الحكم) جمع حكمة وهي اسم لكل علم وعمل صالح وفي الكشاف هي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة وفي المفردات اسم لكل علم حسن وعمل صالح وهي بالعلم العملي أخص منها بالعلم النظري والحكمة من الله إظهار الفضائل المعقولة والمحسوسة ومن العباد معرفة ذلك بقدر طاقة البشر وعرفت أيضا أنها العلم المشتمل على معرفته تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك ولا يبلغ الحكمة إلا أحد رجلين مهذب في فهمه موفق في نظمه ساعده معلم ناصح وكفاية وعمر. وأما الذي يصطفيه الله ففتح عليه أبواب الحكمة بفيض إلهي ويلقي إليه مقاليد جوده فيبلغه ذروة السعادة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (المصطفوية) نسبة إلى المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أي المختار والإصطفاء افتعال من الصفوة وهي ما خلص اللطيف عن كثيفه ومكدره ذكره الحراني (صنوفا) أي أنواعا من الأحاديث فإنها متنوعة إلى أنواع كثيرة فمنها مواعظ وآداب ورقائق وأحكام وترغيب وترهيب وغير ذلك وفي الكتاب من كل منها لكنه لم يكثر من أحاديث الأحكام إكتفاء بكون معظم تأليف القوم فيها وتعبيره بالمصطفوية بالواو إنما يتخرج على خلاف ما عليه الجمهور فإن عندهم أن ألف
-[20]- المقصور إذا كان خامسة فصاعدا تحذف مطلقا ولا تقلب سواء كانت أصلية نحو مصطفى أو للتأنيث نحو حباري أو لغير ذلك (اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة) أي القصيرة فلم أتجاوزها إلى إيراد الطويلة أي غالبا. قال في الصحاح: قصر الشيء على الشيء لم يتجاوزه لغيره والإقتصار على الشيء الاكتفاء به. وفي الأساس: اقتصر على الشيء كف عنه وهو يقدر عليه وقصر عنه قصورا عجز عنه يقال أقصر عن الصبا وأقصر عن الباطل. والأحاديث قال في الكشاف: يكون اسم جمع للحديث ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون جمعا للأحدوثة التي هي مثل الأضحوكة هي ما يتحدث به الناس تلهيا والمراد هنا الأول قال: سميت أحاديث لأنه محدث بها عن الله ورسوله فيقال قال رسول الله كذا انتهى. قال الكرماني: والمراد بالحديث في عرف الشرع ما يضاف إلى النبي وكأنه لوحظ فيه مقابلة القرآن لأنه قديم وهذا حديث انتهى وفي شرح الألفية الحديث ويرادفه الخبر على الصحيح ما أضيف إلى النبي أو إلى الصحابي أو إلى دونه قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة. ويعبر عن هذا بعلم الحديث رواية. ويحد بأنه علم يشتمل على نقل ذلك وموضوعه ذات النبي صلى الله عليه وسلم من حيث كونه نبيا وغايته الفوز بسعادة الدارين وأما علم الحديث دراية وهو المراد عند الإطلاق كما في الألفية فهو علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد اه. والمراد هنا ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ولا مجال لإرادة غيره والوجيز القليل اللفظ الكثير المعنى ووجز اللفظ وجازة فهو وجيز وموجز أي قصير (ولخصت فيه) من التلخيص وهو تهذيب الشيء وتصفيته مما يمازجه في خلقته مما هو دونه وفي الصحاح هو التبين والشرح وفي النهاية هو التقريب والاقتصار يقال لخصت القول أي اقتصرت فيه واختصرت منه ما يحتاج إليه (من معادن) جمع معدن بفتح فسكون فكسر اسم مكان ويراد به الحال فيه أيضا (الأثر) بالتحريك أي المأثور أي المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم يقال أثرت الحديث أثرا أي نقلته والأثر بفتحين اسم منه وحديث مأثور أي نقله خلف عن سلف وسنن النبي آثاره كذا في مختار الصحاح. وقال الزمخشري: يقال وجدت ذلك في الأثر أي في السنة وفلان من جملة الآثار وحديث مأثور يأثره أي يرويه قرن عن قرن ومنه التليد المأثور للقديم المتوارث كابرا عن كابر وفي شرح الألفية: الأثر بفتح الهمزة والمثلثة هو الأحاديث مرفوعة أو موقوفة. وقصره بعض الفقهاء على الموقوف (إبريزه) أي خالصه وأحسنه والإبريز كما في التهذيب بكسر الهمزة والراء وسكون الموحدة التحتية بينهما: الذهب الخالص يقال ذهب إبريز وإبريزي بكسرهما خالص شبه أصول الحديث بالمعادن وما أخذه منها بالذهب الخالص وجمعه لها بالتلخيص فهو كناية عن كونه غاص على الأحاديث العزيزة البليغة المعدودة من جوامع الكلم واستخرجها من أماكنها ومكامنها وهذبها ورتبها بكلفة ومشقة كما يقاسيه من يستخرج الذهب من معدنه الذي خلق فيه فشبه ما لخصه مما انتزعه من بطون الدفاتر الحديثية المتشعبة المنتشرة بالذهب المعدني المستخرج من البقاع التي خلق فيها بجامع أن كلا منهما قد ارتقى في النفاسة إلى الغابة التي لا ترتقي وبرز تبريزا فاق أصحابه عقلا وشجاعة. كذا في القاموس وفي الأساس: ذهب إبريز خالص وتقول ميز الخبيث من الإبريز والناكصين من أولى التبريز (وبالغت) أي تناهيت في الإجتهاد. قال الزمخشري: تبالغ فيه المرض والهم إذا تناهى (في تحرير التخريج) أي تهذيب المروي وتخليصه. قال الزمخشري: ومن المجاز حرر الكتاب حسنه وخلصه بإقامة حروفه وإصلاح سقطه والتخريج من خرج العمل تخريجا واخترجه بمعنى استخرجه. قال الزمخشري: ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرجه واخترجه بمعنى استخرجه وخرج الغلام لوجه ترك بعضه غير مكتوب وإذا كتبت الكتاب فتركت مواضع الفصول والأبواب فهو كتاب مخرج وخرج الكتاب جعله ضروبا مختلفة والإخراج والاستخراج الاستنباط بمعنى اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله وإن جل كعظماء المفسرين. قال ابن الكمال: كتب التفسير
-[21]- مشحونة بالأحاديث الموضوعة وكأكابر الفقهاء في الصدر الأول من أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج وتمييز الصحيح من غيره فوقعوا في الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبي وفرعوا عليها كثيرا من الأحكام مع ضعفها بل ربما دخل عليهم الموضوع وممن عدت عليه في هذا الباب هفوات وحفظت عليه غلطات الأسد بن الأسد الكرار الفرار الذي أجمع على على جلالته الموافق والمخالف وطار صيته في المشرقين والمغربين الأستاذ الأعظم إمام الحرمين وتبعه عليها معمار القواعد دهقان المعاقل والمعاقد الذي اعترف بإمته العام والخاص مولانا حجة الإسلام في كثير من عظماء المذاهب الأربعة وهذا لا يقدح في جلالتهم بل ولا في اجتهاد المجتهدين إذ ليس من شرط المجتهد الإحاطة بحال كل حديث في الدنيا. قال الحافظ الزين العراقي في خطبة تخريجه الكبير للإحياء: عادة المتقدمين السكوت عما أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم وعدم بيان من خرجه وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادرا وإن كانوا من أئمة الحديث حتى جاء النووي فبين. وقصد الأولين أن لا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته ولهذا مشى الرافعي على طريقة الفقهاء مع كونه أعلم بالحديث من النووي. إلى هنا كلامه (فتركت القشر) بكسر القاف (وأخذت اللباب) أي تجنبت الأخبار التي حكم عليها النقاد بالوضع أو ما قاربه بما اشتدت نكارته وقويت الريبة فيه المكنى عنه بالقشر وأتيت بالصحيح والحسن لذاته أو لغيره وما لم يشتد ضعفه المكنى عنه باللباب. والترك: أن لا يتعرض للأمر حسا أو معنى والقشر واحد القشور والقشرة أخص منه ومنه قشر العود وغيره نزعه عنه قشره والأخذ حوز الشي وتحصيله. قال الزمخشري: ومن المجاز جاء بالجواب المقشر. واللباب بالضم الخالص ولب كل شيء خالصه وأخذ لبابه خالصه ورأيته بلب اللوز بكسره ويستخرج لبه (وصنته) أي هذا الجامع يعني حفظته يقال صان الرجل عرضه من الدنس فهو صين والتصاون خلاف الابتذال وفلان يصون عرضه صون الربط وحب مصون وصنت الثوب من الدنس والثوب في صوانة والترس في صوانها ومصوانها ومصانيها وهذا ثوب صينة لا ثوب بذلة وهو يتصون من العجائب ومن المجاز فرس ذو صون وابتذال وهو يصون خبزه إذا ادخر منه ذخيرة. ذكره الزمخشري (عما) أي عن إيراد حديث (تفرد به) أي بروايته راو (وضاع) للحدبث على النبي صلى الله عليه وسلم (أو كذاب) وإن لم يثبت عنه خصوص الوضع أي اتهمه جهابذة الأثر بوضع الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم أو الكذب وصيغة المبالغة هنا غير مرادة إذ غرضه صونه حتى عمن لم يعهد عليه سوى وضع حديث واحد أو كذب ولو في لفظة واحدة أما إذا لم ينفرد بأن شاركه في روايته غيره فلا يتحاشى المؤلف عن إيراده لاعتضاده. ثم إن ما ذكره من صونه عن ذلك غالبي أو ادعائي وإلا فكثيرا ما وقع له أنهلم يصرف إلى النقد الإهتمام فسقط فما التزم الصون عنه في هذا المقام كما ستراه موضحا في مواضعه لكن العصمة لغير الأنبياء متعذرة والغفلة على البشر شاملة منتشرة وقد أعطى الحفظ حقه وأدى من تأدية الفرض مستحقه فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. والكتاب مع ذلك من أشرف الكتب مرتبة وأسماها منقبة والذنب الواحد إو المتعدد مع القلة لايهجر لأجله الحبيب والروض النضير لا يترك بمحل قبر. قال الراغب وغيره: ليس يجب أن نحكم بفساد كتاب لخطأ ما وقع فيه من صاحبه كصنع العامي إذا وجدوا من أخطأ في مسألة حكموا على صنعته بالفساد ودأبهم أن يعتبروا الصناعة بالصانع خلاف ما قال علي كرم الله وجهه: " الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله " وليس يدرون أن الصناعة على شيء روحاني والمتعاطي لها يباشرها بمجسم وطبع لا يفارقهما العجز فهو خليق بوقوع الخطأ منه اه. قال المؤلف كغيره: والموضوع ليس في الحقيقة بحديث اصطلاحا بل بزعم واضعه وسبب الوضع نسيان الراوي لما رواه فيذكر غيره ظانا أنه المروي أو غلطة بأن سبق لسانه إلى غير ما رواه أو يضع مكانه مما يظن أنه يؤدي معناه أو افتراء كوضع الزنادقة أحاديث تخالف المعقول تنفيرا للعقلاء عن شريعته المطهرة أو للترغيب في أعمال البر جهلا كبعض الصوفية أو غير ذلك ممن هو مبين في علوم الحدث (ففاق بذلك) أي بسبب صونه عما ذكر مع تحرير
-[22]- تخريجه (الكتب المؤلفة في هذا النوع) أي علاهم في الحسن لتميزه علها بجودة التهذيب والرصانة وكمال التنقيح والصيانة قال الزمخشري: يقال فاق قومه فضلهم ورجحهم. وقال الراغب: يقال فاق فلان غيره يفوقه علاه وهو من لفظ فوق المستعملة للفضيلة فإنه يقال باعتبار الفضيلة الدنيوية نحو {ورفعن بعضهم فوق بعض درجات} والأخروية نحو {والذين اتقوا فوقهم} ويقال باعتبار القهر والغلبة قال السيد: " والتأليف جمع أشياء متناسبة كما يرشد إليه اشتقاقه من الألف وأصله قول الراغب: المؤلف ما جمع من أجزاء مختلفة وترتب ترتيبا قدم فيه ما حقه أن يقدم وأخر ما حقه أن يؤخر والألفة اجتماع مع الئتام اه " والنوع من الشيء الصنف وتنوع صار أنواعا ونوعه تنويعا جعله أنواعا متنوعة والكتب المؤلفة في هذا النوع (كالفائق) كما يأتي ذكره (والشهاب) بكسر أوله للقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي المصري قال السلفي كان من الثقات الأثبات شافعي المذهب والاعتقاد والظاهر أن مراده بالفائق كتاب: " الفائق في اللفظ الرائق تأليف ابن غنام " جمع فيه أحاديث من الرقائق على هذا النحو. وأما ما يتبادر إلى بعض إلى بعض الأذهان من إرادة فاق الزمخشري فلا يستقيم إذ المشار إليه بهذا النوع هو إيراد متون الأحاديث مجردة عن الأسانيد مرتبة على الحروف وفائق الزمخشري ليس إلا في شرح الألفاظ اللغوية والكلمات العربية الواقعة في الحديث ولسان الصدر الأول من الصحب والتابعين الموثوق بعربيتهم المحتج باستعمالهم وبينه وبين هذا الكتاب بون (وحوى) أي جمع وضم يقال حويت الشيء أجوبة جمعته وضممته وتحوي الشيء تجمع قال الزمخشري: ومن المجاز احتوى على الشيء استولى عليه (من نفائس الصناعة الحديثية) أي المنسوبة للمحدثين (ما لم يودع) بالبناء للمفعول (قبله) أي قبل تأليفه (في كتاب) فإن ذينك وإن كانا أوردا المتون كما ذكر لكنهما لم يعقبا بالرموز للمخرجين ولا رتبا على الحروف وها من قبيل المبالغة في المدحة على من الترغيبات في التأليفات فإن الديلمي رتب الفردوس على حروف المعجم كهذا الترتيب ويأتي بمتن الحديث أولا مجرداثم يضع عليه علامة مخرجه بجانبه بالحروف على نحو من اصطلاح المصنف رحمه الله تعالى في رموزه من كون خ للبخاري وم لمسلم وهكذا لكن بينهما تخالف في البعض فالحروف التي رمز بها الديلمي عشرون والمؤلف ثلاثون وهو إنما رسم كتابه على ذلك فخفت المؤنة عليه في تأليفه هذا الكتاب فانتهب منه ما اختار واغترف اغتراف الظمان من اليم الزخار وأعانه على ذلك أيضا سديد القوس للحافظ ابن حجر والنفائس جمع نفيسة لا نفيس لأن فعائل إنما يكون جمعا لفعيلة والصناعة في عرف الخاصة علم يتعلق بكيفية العمل ويكون المقصود منه ذلك العمل سواء حصل بمزوالة عمل أم لا وفي عرف العامة يخص بما لم يحصل إلا بمزاولة والوجه في التسمية على التعريفين أن حقيقة الصناعة صفة نفسانية راسخة يقتدر بها على استعمال موضوعات ما نحو غرض من الأغراض على وجه البصيرة بحسب الإمكان والظاهر أن المراد بالصناعة هنا متعارف العامة وأن ذكر الصناعات لمشابهتها العلوم في أن تفاضل أصحابها بحسب الدقائق دون الأصول ذكره كله الشريف الجرجاني قال وقد يقال كل علم مارسه رجل وصار حرفة له سمي صناعة له تعلق بعمل أم لا انتهى. قال في الكشاف: كل عامل لا يسمى صانعا ولا كل عمل صناعة حتى يتكرر من ويتدرب وينسب إليه وقال الأكمل الحق أن كل علم مارسه الإنسان سواء كان استدلاليا أو غيره حتى صار كالحرفة له يسمى صنعة ووصفها بالنفاسة إيذانا بخطر قدرها وعلو شأنها وههنا نكتة سرية وهو أنه مدح الجامع أولا بتهذيب تخريجه وصونه عن الأخبار الموضوعة. ثم وصفه ثانيا بتفرده بحسن الصنعة ونفاسة الأسلوب في بابه إشعارا بأنه قد أحاط به الشرف من كل جهة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء والقبل كل ما يتقدم الإنسان بالذات أو الزمان (ورتبته) أي الكتاب من الترتيب. قال الشريف: وهو جعل الأشياء بحيث يطلق عليها اسم الواحد ويكون لبعضها نسبة إلى بعض بالتقدم والتأخر في الرتبة العقلية فهو أخص من التأليف: إذ هو ضم الأشياء مؤتلفة سواء كانت مترتبة الوضع أم لا (على حروف المعجم) أي حروف الخط المعجم كمسجد الجامع وهي الحروف المقطعة التي يختص أكثرها بالنقط سميت
-[23]- معجمة لأنها أعجمية لا بيان لها أو لأنها أعجمت على الناظر في معناها ذكره ابن عربي. وقال غيره: المعجم إما اسم مفعول صفة لمحذوف: أي حروف الخط الذي وقع عليه الإعجام وهو النقط أو مصدر ميمي كالإعجام وعليهما فإطلاق حروف المعجم على الكل من قبيل التغليب وجوز التفتازاني أن يكون معنى الإعجام إزالة العجمة بالنقط واعترضه الدماميني بأنه إنما يتم إذا كان جعل الهمزة للسلب مقيسا أو مسموعا في هذه الكلمة وقيل معناه حروف الإعجام أي إزالة العجمة وذلك أن ينقط أكثرها والحرف يذكر ويؤنث وأصله طرف الشيء الذي لا يوجد منفردا وطرف القول الذي لا يفهم وحده. وأحق ما يسمى حروفاإذا نظر إلى صورها ووقوعها أجزاء من الكلم ولم فهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزءا من كلمة مفهومة فتسمى عند ذلك حروفا وعند النطق بها كهذا ألف لام ميم يقال فيها أسماء وإن كانت غير معلومة الدلالة كحروف اب ت ث فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل وأنها إنما تسمى حروفا عندما تكون أجزاء كلمة محركة للإبتداء أو مسكنة للوقف والانتهاء ذكره الحراني <فائدة> قال العارف ابن عربي الحروف أمة من الأمم مخاطبون مكلفون وفيهم رسل من جنسهم قال ولا يعرف ذلك إلا أهل الكشف (مراعيا) أي ملاحظا في الترتيب (أول الحديث فما بعده) أي محافظا على الابتداء بالحرف الأول والثاني من كل كلمة أولى من الحديث واتباعهما بالحرف الثالث منهما وهكذا فيما بعده على سياق الحروف كما لو اشترك حديثان في الحرف الأول واختلفا في الثاني من الكلمة نحو أبى وأتى فيوضع على هذا الترتيب فإن اشتركا في حرفين روعي الثالث وهكذا وإن اشتركا في الثالث روعي كذلك كقوله: " آخر قرية " و " آخر من يحشر " وهكذا إن اشتركا في كلمات كقوله: " من رآني في المنام فسيراني في اليقظة " وقوله: " من رآني في المنام فقد رآني " هذا هو قضية التزامه الدال عليه كلامه هنا. فإن قلت هو لم يف بما التزمه بل خالفه من أول وهلة فقال: " آخر من يدخل " ثم قال: " آخر قرية " وحق الترتيب عكسه؟ قلت: إنما يخالف الترتيب أحيانا لنكتة ككون الحديث شاهدا لما قبله أو فيه تتمة له أو مرتبط المعنى به أو نحو ذلك من المقاصد الصناعية المقتضية لتعقيبه به. وإنما رتبه على هذا النحو (تسهيلا على الطلاب) لعلم الحديث أي تيسيرا عليهم عند إرادة الكشف عن حديث يراد مراجعته للعلم أو للعمل به فإن الكتاب إذا كان جنسا واحدا غير مبوب عسر التتبع منه وإذا جعلت له تقاسيم وأنواع واشتملت أقسامه على أصناف كان أسهل على الكاشف وأنشط للقارئ سيما إذا تلاحقت الأشكال بغرابة الانتظام وتجاذبت النظائر بحسن الالئتام وتعانقت الأمثال بالتشابه في تمام الأحكام وكمال الإحكام والتسهيل التيسير. قال الزمخشري: ومن المجاز كلام فيه سهولة وهو سهل المأخذ (وسميته الجامع الصغير) قال النحرير الدواني: يعني سميته بمجموع الموصوف والصفة وما أضيف إليهما (من حديث البشير النذير) أي البالغ في كل من الوصفين غاية الكمال فهو بشير للمؤمنين بالجنة ونذير للكافرين من النار وفيه من أنواع البديع الطباق وهو إيراد المتضادين وهما البشارة والنذارة وقدم الوصف بالبشارة على الوصف بالنذارة إما رعاية للسجع أو إشارة إلى سبق الرحمة وغلبة وصف الكرم وكثرة المسامحة وإجزال المواهب ولا مانع من كون الوصف في الأصل يصير علما بالشخص أو بالغلبة أو بهما. قال الحراني: والجامع من الجمع وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفا أو قهرا. ثم بين وجه مناسبة تسميته بخصوص ذلك الاسم بقوله (لأنه مقتضب) أي مقتطع من اقتضب الشيء اقتطعه ومنه الغصن المقطوع قضيب فعيل بمعنى مفعول قال الزمخشري ومن المجاز اقتضب الكلام ارتجله واقتضب الناقة ركبه قبل أن تراض ورجل قضابة قطاع للأمور مقتدر عليها (من الكتاب الكبير) حجما وعلما (الذي) صفته في الحديث و (سميته بجمع الجوامع) لجمعه كل مؤلف جامع فتسميته بذلك إيماء إلى ما ذكر ومن ثم قال (وقصدت) أي طلبت يقال قصدت الشيء وله وإليه قصدا طلبته بعينه (فيه) أي في الكتاب الكبير (جمع الأحاديث النبوية بأسرها) أي بجميعها والأسر القد الذي يشد به الأسير فإذا ذهب الأسير بأسره فقد ذهب بجميعه
-[24]- فقال هذا لك بأسره أي بقده يعني بجميعه كما يقال برمته ذكره في الصحاح وهذا بحسب ما اطلع عليه المؤلف لا باعتبار ما في نفس الأمر لتعذر الإحاطة بها وإنافتها على ما جمعه الجامع المذكور لو تم وقد اخترمته المنية قبل إتمامه. وفي تاريخ ابن عساكر عن أحمد: صح من الحديث سبع مئة ألف وكسر. وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث. وقال البخاري: احفظ مئة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال مسلم صنفت الصحيح من ثلاث مئة ألف حديث إلى غير ذلك: ثم شرع في بيان رموز اصطلح عليها فقال (وهذه رموزه) أي إشاراته الدالة على من خرج الحديث من أهل الأثر جمع رمز وهو الإشارة بعين أو حاجب أو غيرهما قال في الكشاف وأصله التحرك ومنه الراموز للبحر وفي الأساس رمز إليه وكلمه رمزا بشفتيه وحاجبه ويقال جارة غمازة بيدها همازة بعينها لمازة بفمها رمازة بحاجبها ودخلت عليهم فتغامزوا وتغامزوا انتهى. وقال الحراني الرمز تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف كيد ولحظ والغمز أشد منه. وقال الراغب يعبر عن كل كلام كإشارة بالرمز كما عبر عن السعاية بالغمز انتهى. ثم توسع فيه المصنف فاستعمله في الإشارة بالحروف التي اصطلع عليها في العزو إلى المخرجين (خ للبخاري) زين الأمة وافتخار الأئمة صاحب أصح الكتب بعد القرآن ساحب ذيل الفضل على مر الزمان الذي قال فيه إمام الأئمة ابن خزيمة " ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه " وقال بعضهم إنه من آيات الله التي يمشي على وجه الأرض. وقال الذهبي: " كان من أفراد العالم مع الدين والورع والمتانة " هذه عبارته في الكاشف ومع ذلك غلب عليه الغض من أهل السنة فقال في كتاب الضعفاء والمتروكين: " ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ تركه لأجلها الراويان " هذه عبارته وأستغفر الله نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان. قال التاج السبكي: " شيخنا الذهبي عنده على أهل السنة تحامل مفرط وإذا واقع بأشعري لا يبقى ولا يذر فلا يجوز اعتماد عليه في ذم أشعري ولا شكر حنبلي " تفقه البخاري على الحميدي وغيره من أصحاب الشافعي وكتب عن أحمد زهاء ألف حديث وكتب عنه المحدثون وما في وجهه شعرة وكان يحضر مجلسه زهاء عشرين ألفا وسمع منه الصحيح نحو تسعين ألفا. وقال إنه ألفه من زهاء ست مئة ألف وأنه ما وضع فيه حديثا إلا اغتسل بماء زمزم وصلى خلف المقام ركعتين وصنفه في ستة عشر سنة. وروى عنه مسلم خارج الصحيح. وكان يقول له: دعني أقبل رجلك يا طيب الحديث يا أستاذ الأستاذين. ولد بعد الجمعة ثالث عشر شوال سنة أربع وتسعين ومئة ومات عشاء ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين. وما أحسن قول ابن الكمال ابن أبي شريف ولد في صدق ومات في نور ومناقبه مفردة بالتأليف فلا نطيل فيها منها. إن كتابه لم يقرأ في كرب إلا فرج ولا ركب به في مركب فغرق وإنما رمز له المؤلف بحرف من حروف بلده دون اسمه لأن نسبته إلى بلده أشهر من اسمه وكنيته ورمز إليه بالخاء دون غيرها من حروف بلده لأنها أشهر حروفه وليس في حروف بقية الأسماء خاء. (م لمسلم) أبو الحسين ابن الحجاج القشيري النيسابوري صاحب الصحيح المشهود له بالترجيح صنفه من ثلاث مئة ألف حديث كما في تاريخ ابن عساكر أخذ عن أحمد وخلق وعنه خلق روى له الترمذي حديثا واحدا. وسبب موته أنه ذمر له حديث فلم يعرفه فأوقد السراج وقال لمن في الدار: لا يدخل أحد علي فقالوا أهديت لنا سلة تمر وقدموها فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة فأصبح وقد فنى التمر ووجد الحديث فمات سنة واحد وستين ومائتين. وإنما رمز له بالميم لأن اسمه أشهر من نسبته وكنيته عكس البخاري والميم أول حروف اسمه. (ق لهما) في الصحيحين واتفقت الأمة على أنهما أصح الكتب وقول الإمام الشافهي رضي الله عنه: " الأصح الموطأ " كان قبل وجودهما والجمهور على أن ما في البخاري دون التعاليق والتراجم وأقوال الصحب والتابعين أصح مما في مسلم وعكسه أطيل في رده وجميع ما أسند في الصحيحين محتوم بصحته قطعا أو ظنا على الخلاف المعروف سوى مائتين وعشرة أحاديث انتقدها عليهم الدارقطني وأجابوا عنها. (د لأبي داود) سليمان بن الأشعث السجستاني الشافعي أخذ عن أحمد وخلق عنه الترمذي
-[25]- ومن لا يحصى. ولد سنة ثنتين ومائتين ومات سنة خمس وسبعين ومائتين قالوا: " ألين له الحديث كما ألين لداود الحديد وقال بعض الأعلام: سننه أم الأحكام. ولما صنفه صار لأهل الحديث كالمصحف. قال: " كتبت خمس مئة ألف حديث انتخبت منها السنن أربعة آلاف وثمان مئة ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه وما فيه لين شديد بينته ". قال الذهبي: قد وفى فإنه بين الضعيف الظاهر وسكت عن المحتمل فما سكت عنه لا يكون حسنا عنده ولا بد كما زعمه ابن الصلاح وغيره بل قد يكون فيه ضعف وهذا قد سبقه إليه ابن منبه حيث قال كان يخرج عن كل من لم يجمع على تركه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجده في الباب غيره لأنه عنده أقوى من رأي الرجال. قال ابن عبد الهادي هذا رد علي من يقول إن ما سكت عليه أبو داود يحتج به ومحكوم عليه بأنه حسن عنده والذي يظهر أن ما سكت عنه وليس في الصحيحين ينقسم إلى صحيح محتج به وضعيف غير محتج به بمفرده ومتوسط بينهما فما في سننه ستة أقسام أو ثمانية صحيح لذاته صيحي لغيره بلا وهن فيهما ما به وهن شديد ما به وهن غير شديد وهذان قسمان: ماله جابر وما لا جابر له وما قبلهما قسمان: ما بين وهنه وما لم يبينه ورمز له المؤلف بالدال لأن كنيته أشهر من اسمه ونسبه والدال أشهر حروف كنيته وأبعدها عن الاشتباه ببقية العلائم انتهى. (ت للترمذي) بكسر الفوقية والميم أو بضمهما وبفتح فكسر كلها مع إعجام الذال نسبة لبلدة قديمة بطرف جيحون وهو الإمام أبو الحسن محمد بن عيسى بن سورة من أوعية العلم وكبار الأعلام ولد سنة تسع ومائتين ومات سنة تسع وسبعين ومائتين. وقول الخليلي: بعد الثمانين ردوه وصنيع المؤلف قاض بأن جامع الترمذي بين أبي داود والنسائي في الرتبة لكن قال الذهبي انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما. وقال في الميزان في ترجمة يحيى بن اليمان لا تغتر بتحسين الترمذي فعند المحاققة غالبا ضعاف ورمز له بالتاء لأن شهرته بنسبته لبلده أكثر منها باسمه وكنيته. (ن للنسائي) الأمام أحمد بن شعيب الخراساني الشافعي ولد سنة أربع أو خمسة عشر ومائتين واجتهد ورحل إلى أن انفرد فقها وحديثا وحفظا وإتقانا. قال الزنجاني له شرط في الرجال أشد من الشيخين. وقال التاج السبكي عن أبيه والذهبي: النسائي أحفظ من مسلم. وقال أبو جعفر ابن الزبير لأبي داود في استعياب أحاديث الأحكام ما ليس لغيره وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره. وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها وكان شهما منبسطا في المأكل كثير الجماع للنساء مع كثرة التعبد دخل دمشق فذكر فضائل علي رضي الله عنه فقيل له فمعاوية فقال ما كفاه أن يذهب رأسا برأس حتى نذكر له فضائل فدفع في خصيتيه حتى أشرف على الموت فأخرج فمات بالرملة أو فلسطين سنة ثلاث وثلاث مئة وحمل للمقدس أو مكة فدفن بين الصفا والمروة ورمز له بالنون لأن نسبته أشهر من اسمه وكنيته ولم يرمز له بالسين لئلا يتصحف بابن أبي شيبة. (هـ لابن ماجه) الحافظ الكبير محمد بن يزيد الربعي مولاهم القزويني وماجه لقب لأبيه كان من أكابر الحفاظ مجمع على توثيقه. ولما عرض سننه على أبي زرعة قال: أطن أن هذا الكتاب إن وقع بأيدي الناس تعطلت الجوامع أو أكثرها مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين. قال المزني: كل ما انفرد به ابن ماجه عن الخمسة ضعيف واعترض ثم حمل تارة على الأحكام وطورا على الرجال ورمز له بالهاء لأن اشتهاره بلقب أبيه أكثر منه باسمه وبلده. (4 لهؤلاء الأربعة) أي أصحاب السنن الأربعة أبي داود ومن بعده. (3 لهم إلا ابن ماجه) وهذه السنن الأربعة فيها الصحيح والحسن والضعيف فليس كل ما فيها حسنا ولهذا عابوا على محي السنة في تقسيمه المصابيح إلى الصحاح والحسان جانجا إلى أن الحسن ما رواه أصحاب السنن والصحاح ما في الصحيحين أو أحدهما. وقول لسلفي اتفق أهل المشرق والمغرب على صحة ما في الكتب الخمسة زلل فاحش. (حم لأحمد في مسنده) بفتح النون يقال لكتاب جمع فيه ما أسنده الصحابة أي روره وللإسناد كمسند الشهاب ومسند الفردوس أي إسناد حديثهما ولم يكتف في الرمز إليه بحرف واحد كما فعل في أولئك لئلا يتصحف بعلامة البخاري والإمام أحمد هو ابن محمد حنبل الناصر للسنة الصابر على المحنة
-[26]- الذي قال فيه الشافعي ما ببغداد أفقه ولا أزهد منه. وقال إمام الحرمين: غسل وجه السنة من غبار البدعة وكشف الغمة عن عقيدة الأمة. ولد ببغداد سنة أربع وخمسين ومئة وروى عن الشافعي وابن مهدي وخلق وعنه الشيخان وغيرهما ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين وارتجت الدنيا لموته. قال ابن المديني: مسنده وهو نحو أربعين ألفا أصل من أصول الإسلام. وقال ابن الصلاح مسند أحمد ونحوه من المسانيد كأبي يعلى والبزار والدارمي وابن راهويه وعبد بن حميد لا يلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها أي كسنن ابن ماجه في الاحتجاج بها والركون إليها. وقال العراقي: وجود الضعيف في مسند أحمد محقق. بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء وتعقبه تلميذه الحافظ ابن حجر بأنه ليس فيه حديث ولا أصل له إلا أربعة منها خبر ابن عوف أنه يدخل الجنة زحفا قال أعني ابن حجر في تجريد زوائد البزار وإذا كان الحديث في مسند أحمد لا يعزى لغيره من المسانيد. (عم لابنه) عبد الله روى عن أبيه وابن معين وخلق وعنه النسائي والطبراني وغيرهما روى علما كثيرا. قال الخطابي: ثقة ثبت ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة تسعين ومائتين. (في زوائده) أي زوائد مسند أبيه جمع فيه نحو عشرة آلاف حديث. (ك للحاكم) محمد بن عبد الله بن حمدويه الضبي الشافعي الإمام الرحال المعروف بابن البيع. قال أبو حاتم وغيره: قام الإجماع على ثقته ونسب إلى التشيع وقال الذهبي: ثقة ثبت لكنه يتشيع ويحط على معاوية والله يحب الإنصاف ما الرجل برافضي كما زعمه ابن طاهر أما صدقه في نفسه ومعرفته بهذا الشأن فمجمع عليه. وقال السبكي: اتفق العلماء على أنه من أعظم الأئمة الذين حفظ الله بهم الدين. ولد سنة إحدى وعشرين وثلثمئة وأكثر الرحلة والسماع حتى سمع من نيسابور من نحو ألف شيخ ومن غيرها أكثر ولا تعجب من ذلك فإن ابن النجار ذكر أن أبا سعيد السمعاني له سبعة آلاف شيخ واستملي على ابن حبان وتفقه على ابن أبي هريرة وغيره روى عنه الأئمة: الدارقطني والقفال الشاشي وهما من شيوخه والبيهقي وأكثر عنه وبكتبه تقفه الأستاذ أبو القاسم القشيري ورحل الناس إليه من الآفاق وحدثوا عنه في حياته وأفرد المديني ترجمته وذكر أنه دخل الحمام فاغتسل وقال: آه فخرجت روحه وهو مستور لم يلبس القميص (فإن كان في مستدركه) على الصحيحين ما فاتهما الذي قصد فيه ضبط الزائد عليهما مما على شرطهما أو شرط أحدهما أو هو صحيح (أطلقت) العزواليه عاريا عن التقييد بأن أذكر صورة حرف " ك " يقال أطلقت القول أرسلته من غير قيد ولا شرط وأطلقت البينة شهدت من غير تقييد بتاريخ ذكره الزمخشري (وإلا) بأن كان في تاريخه أو المدخل أو الإكليل أو غيرها من كتبه التي بلغت كما قال السبكي وغيره نحو خمس مئة بل قال عبد الغافر والفارسي: ألفا بل قيل أكثر (بينته) قالوا وقد تساهل الحاكم فيما استدركه على الشيخين لموته قبل تنقيحه أو لكونه ألفه آخر عمره وقد تغير حاله أو لغير ذلك ومن ثم تعقب الذهبي كثيرا منه بالضعف والنكارة وقال: ما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل وإن علم فهذه خيانة عظيمة وجملة ما فيه مما على شرطهما أو أحدهما نحو نصفه وما صح بسنده نحو ربعه وأما قول الماليني: لم أر فيه حديثا واحدا علي شرطهما فأبطله الذهبي بأنه غلو وإسراف قال وما انفرد بنصحيحه ولم يكن مردودا بعلة فهو دائر بين الصحة والحسن وظاهر تصرف الحاكم أنه ممن يرى اندراج الحسن في الصحيح. قال ابن أبي شريف بنحو الاعتراض بتساهله في الصحيح. (خد للبخاري في الأدب) أي في كتاب الأدب المفرد وهو مشهور. (تخ له في التاريخ) أي الكبير فال فيه للعهد إذ هو المعهود المشهور فيما بين القوم وأطلقه لغلبة اشتهاره وتبادر الأذهان إليه ويحتمل أن المراد واحد من الكتب التي صنفها في التاريخ وهي ثلاثة وهي: كبير وأوسط وصغير. والكبير صنفه وعمره ثمانية عشر سنة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن منده: لو كتب الرجل ثلاثين ألفا ما استغنى عن تاريخ البخاري. وقال السبكي تاريخه لم يسبق إليه ومن ألف بعده في التاريخ أو الأسماء أو الكنى عيال عليه فمنهم مننسبه لنفسه كمسلم وأبي زرعة وأبي حاتم ومنهم من حكاه عنه
(1/17)
الصفحة السابقة || الصفحة التالية
بداية الكتاب || محرك البحث ...المزيد
المؤلف: زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ)
الناشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر
الطبعة: الأولى، 1356
عدد الأجزاء: 6
مع الكتاب: تعليقات يسيرة لماجد الحموي
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
بطاقة الكتاب || إخفاء التشكيل
واختصاصه للإضافة لذي الشرف لا ينافي التصغير لأن التصغير يرد للتعظيم وبفرض سواه فالتصغير في اللغة مع أن مراتب الحظر متفاوتة فيقبل التصغير وآل النبي من حرمت عليهم الزكاة وهو بنو هاشم عند الحنفية والمطلب أيضا عند الشافعية قال البعض: والمؤمنون وبنو تغلب فيشمل إناثهم لكن استدلالهم بخبر " إن لكم في خمس الخمس " يقتضي خلافه وقيل بنو غالب وقيل ذريته أو أزواجه وقيل أتباعه وقيل أتقياء أمته واختاره النووي كجمع في مقام الدعاء وجرى عليه الدواني فقال إذا أطلق في المتعارف شمل الصحب والتابعين لهم بإحسان. فإن قلت: هل لإتيانه بلفظ على هنا من فائدة؟ قلت: نعم وهي الإشارة 'لى مخالفة الرافضة والشيعة فإنهم مطبقون على كراهة الفصل بين -[18]- النبي وآله بلفظ على وينقلون في ذلك حديثا كما بينه المحقق الدواني وصدر الأفاضل الشيرازي وغيرهما (وصحبه) اسم جمع لصاحب بمعنى الصحابي وهو لغة من صحب غيره بما ينطلق عليه اسم الصحبة واصطلاحا من لقي المصطفى يقظة بعد النبوة وقبل وفاته مسلما وإن لم يره لعارض كعمى وإن لم يره المصطفى ولو بلا مكالمة ولا مجالسة ككونه مارا ولو بغير جهته ولو لم يشعر كل بالآخر أو تباعدوا أو كان أحدهما بشاهق والآخر بوهدة أو بئر أو حال بينهما مانع مرور كنهر يحوج إلى سباحة أو ستر رقيق لا يمنع الرؤية أو ماء صاف كذلك إن عده العرف لقاء في الكل على الأقرب من تردد وإسهاب فيه وكذا لو تلاقيا نائمين أو كان غير النبي مجنونا محكوما بإسلامه على ما بحث وقيل لا وقيل إلا زمن إفاقته وذلك لشرف منزلة النبي فيظهر أثر نوره في قلب ملاقيه وعلى جوارحه فشمل التعريف غير المميز وهو ما جرى عليه جمع منهم البرماوي لكن اختير اشتراط التمييز وعلى عدمه دخل من حنكه النبي صلى الله عليه وسلم كعبد الله بن الحارثأو مسح وجهه كعبد الله بن ثعلبة أو رآه في مهده كمحمد بن أبي بكر والجن كوفد نصيبين واستشكال ابن الأثير بأنه لا تعبد لنا بالرواية عنهم رده الحافظ ابن حجر والأنبياء الذين اجتمعوا به ليلة الإسراء والملائكة الذين اجتمعوا به فيها أو غيرها وبه جزم بعضهم لكن جزم البلقيني بخروج النبي والملك ككل من رآه تلك الليلة ممن لم يبرز لعالم الدنيا وتبعه الكمال المقدسي موجها بأن المراد الاجتماع المتعارف لا ما وقع خرقا للعادة وأيده بعض المحققين بأنه المتبادر عرفا من لفظ اجتمع أو لقي ومن هذا البيان انكشف ضعف جزم الذهبي باستثناء عيسى وإدخاله في التعريف وما احتج به من اختصاصه عن بقية الأنبياء برفعه حيا ونزوله الأرض وحكمه بشرعه لا ينهض حجة له عند التأمل وعدم الاعتداد بالرؤية الواقعة خرقا للعادة يفيد أنه رأى بدنه الشريف فقط كرامة له بفرض وقوعه غير صحابي وإثبات ابن عبد البر الصحبة لمن أسلم في حياته ولم يره شاذ ودخل من رآه بعد البعثة وقبل الأمر بالدعوة كورقة بخلاف من رآه قبل البعثة وإن آمن بأنه سيبعث كما في شرح العباب وغيره ومن لقيه مؤمنا بغيره من أهل الكتاب كما صرح به الحافظ ابن حجر في الإصابة تبعا لما نقله ابن الأثير وغيره عن الإمام البخاري وغيره وعبارته في " أسد الغابة " قال البخاري من صحب رسول الله أو رآه من المؤمنين فهو من أصحابه ووقع لبعضهم في هذا المقام من الخيالات والأوهام ما كنا أومأنا أولا إلى شيء مما يدفعه فغضب لذلك بعض من تمكن من قلبه داء الحسد والحمية وبلية المعصية للعصبية وانتصب لدفع الإيراد بما هو قادح في أصل مطلوبه ورام ترميمه وتتميمه بما عسى الفطرة السليمة المبرأة عن العصبية تكفي مؤونة رده لكنا مع ذلك تعرضنا لكشف حاله وتزييف مقاله في مؤلف مستقل. ثم إن المؤلف أورد من صفاتهم ما يدل على حيازتهم قصب السبق في مضمار المآثر وتبرزهم على من سواهم في اقتناء المناقب والمفاخر فقال (ليوث الغابة) استعارة لفرط شجاعتهم يعني أنهم أدحضوا الباطل بالبأس الساحق والسيف الماحق فكانوا كالأسود الضارية التي ما أتت على شيء إلا جعلته كالرميم. قال ابن عبد البر في خطبة الاستيعاب: روى ابن القاسم عن مالك أن الصحب لما دخلوا الشام نظر إليهم رجل من أهل الكتاب فقال: ما كان أصحاب عيسى ابن مريم الذين قطعوا بالسيوف والمناشير وصلبوا على الجذوع بأشد اجتهادا من هؤلاء ومع ذلك كان عندهم للسلم والعفو موضع فلم يكن الواحد منهم ضرارا قهارا دائما بل كانوا كمتبوعهم حسبما يقتضيه المقام في مكان القهر على العفو وفي وقت السلم محض اللطف أشداء على الكفار رحماء بينهم يعفون عمن ظلمهم ويصلون من قطعهم ويعطون من حرمهم ويعينون على نوائب الدهر بطلاقة وجه وسماحة نفس وكف أذى وبذل ندى فهم كما قيل فيهم:
جبال الحجى أسد الوغا غصص العدا شموس العلا سحب الندا بالمواهب
والليوث جمع ليث وهو الأسد وخصه لأنه بمنزلة ملك الوحش وأشده شكيمة وأقواه نفسا وعزيمة وأعظمه شجاعة وبطشا. والغابة الأجمة من نحو قصب أو شجر ملتف تأوي إليه الأسود سميت غابة لأنها تغيب ما فيها يقال إنه ليث غابة وهو من ليوث الغابة قال الزمخشري: ومن المجاز أننا في غابة أي رماح كثيرة كالشجر وزاد قوله (وأسد عرينها) دفعا لتوهم عدم احتمال إرادة الحيوان المفترس بلفظ الليث إذ الليث أيضا نوع من العنكبوت والأسد بضمتين -[19]- أو بضم فسكون جمع أسد بفتحهما. قال الزمخشري: ومن المجاز استأسد عليه أي صار كالأسد في جراءته والعرين والعرينة مأواه الذي يألفه يقال ليث غابة وليث عرينة. ومن كلامهم: أشم العرين كالأسد في عرينه لا كالجمل الأنف الأنف في عرانه وهو العود الذي يجعل في برة أنف البختي ذكره الزمخشري. وعلم مما تقرر أن تشبيهم بالأسد استعارة بالكناية وإثبات الغابة لهم استعارة تخييلية رشحها بذكر العرين (هذا) أي المؤلف الحاضر في العقل استحضر المعاني التي جمعها فيه على وجه الإجمال وأورد اسم الإشارة لبيانها وأسماء الإشارة قد تستعمل في الأمور المعقولة وإن كان وضعها للأمور المحسوسة المبصرة الحاضرة في مرأى المخاطب لكن لا بد من نكتة وهي هنا الإشارة إلى إتقانه هذه المعاني حتى صارت لكمال علمه بها كأنها مبصرة عنده ويقدر على الإشارة إليها ذكره العصام تلخيصا من كلام الدواني وغيره (كتاب) أي مكتوب وتنوينه للتعظيم وهو في الأصل مصدر سمي به المكتوب على التوسع ثم غلب في العرف على حمع من الكلمات المستقلة بالتعيين المفردة بالتدوين. وقال الحراني: الكتاب من الكتب وهو وصل الشيء المنفصل بوصلة خفيفة من أصله كالخرز في الجلد يقد منه والخياطة في الثوب بشيء من جنسه ليكون أقرب لصورة اتصاله للأول فسمي به ما ألزمه الناس من الأحكام وما أثبت بالرقوم من الكلام (أودعت) أي صنت وحفظت (فيه) أي جعلته ظرفا لصون الحديث وحفظه من أودعته مالا دفعته إليه ليكون وديعة محفوظة عنده من الدعة وهي الراحة كأن به تحصل الراحة لطالب الفن بجمع ما هو مشتت في الأقطار متفرق في الكتب الكبار. قال الزمخشري: ومن المجاز أودعته سرا وأودع الوعاء مناعه وأودع كتابه كذا وأودع كلامه معنى حسنا قال:
استودع العلم قرطاسا فضيعه. . . فبئس مستودع العلم القراطيس
(من الكلم) بفتح فكسر جمع كلمة كذلك من الكلم بفتح فسكون وهو التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر سمي به اللفظ لما مر. قال الحراني: والكلام إظهار ما في الباطن على الظاهر لمن يشهد ذلك الظاهر بكل نحو من أنحاء الإظهار انتهى. وآثر الكلم على الكلمات لأنها جمع قلة والموضع موضع التكثير لا التقليل وعلى الكلام لأنه اسم جنس يقع على القليل والكثير وعرف بعض أهل الأصول الكلام بأنه المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة وقال السيد وقد يزاد قيدان آخران فيقال المتواضع عليها إذا صدرت من قادر واحد (النبوية) أي المنسوبة إلى النبي (ألوفا) بضم أوله جمع ألف وهو العدد المخصوص المعروف. قال الراغب: سمي به لكون الأعداد فيه مؤلفة فإن الأعداد آحاد وعشرات ومئات وألوف فإذا بلغت الألف فقد ائتلفت وما بعده يكون مكررا قبل وعدته عشرة آلاف وتسع مئة وأربعة وثلاثون والمراد بالكلم الأحاديث المعروفة بالنبي المنسوبة إليه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم (ومن الحكم) جمع حكمة وهي اسم لكل علم وعمل صالح وفي الكشاف هي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة وفي المفردات اسم لكل علم حسن وعمل صالح وهي بالعلم العملي أخص منها بالعلم النظري والحكمة من الله إظهار الفضائل المعقولة والمحسوسة ومن العباد معرفة ذلك بقدر طاقة البشر وعرفت أيضا أنها العلم المشتمل على معرفته تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل والحكيم من له ذلك ولا يبلغ الحكمة إلا أحد رجلين مهذب في فهمه موفق في نظمه ساعده معلم ناصح وكفاية وعمر. وأما الذي يصطفيه الله ففتح عليه أبواب الحكمة بفيض إلهي ويلقي إليه مقاليد جوده فيبلغه ذروة السعادة وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (المصطفوية) نسبة إلى المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم أي المختار والإصطفاء افتعال من الصفوة وهي ما خلص اللطيف عن كثيفه ومكدره ذكره الحراني (صنوفا) أي أنواعا من الأحاديث فإنها متنوعة إلى أنواع كثيرة فمنها مواعظ وآداب ورقائق وأحكام وترغيب وترهيب وغير ذلك وفي الكتاب من كل منها لكنه لم يكثر من أحاديث الأحكام إكتفاء بكون معظم تأليف القوم فيها وتعبيره بالمصطفوية بالواو إنما يتخرج على خلاف ما عليه الجمهور فإن عندهم أن ألف
-[20]- المقصور إذا كان خامسة فصاعدا تحذف مطلقا ولا تقلب سواء كانت أصلية نحو مصطفى أو للتأنيث نحو حباري أو لغير ذلك (اقتصرت فيه على الأحاديث الوجيزة) أي القصيرة فلم أتجاوزها إلى إيراد الطويلة أي غالبا. قال في الصحاح: قصر الشيء على الشيء لم يتجاوزه لغيره والإقتصار على الشيء الاكتفاء به. وفي الأساس: اقتصر على الشيء كف عنه وهو يقدر عليه وقصر عنه قصورا عجز عنه يقال أقصر عن الصبا وأقصر عن الباطل. والأحاديث قال في الكشاف: يكون اسم جمع للحديث ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكون جمعا للأحدوثة التي هي مثل الأضحوكة هي ما يتحدث به الناس تلهيا والمراد هنا الأول قال: سميت أحاديث لأنه محدث بها عن الله ورسوله فيقال قال رسول الله كذا انتهى. قال الكرماني: والمراد بالحديث في عرف الشرع ما يضاف إلى النبي وكأنه لوحظ فيه مقابلة القرآن لأنه قديم وهذا حديث انتهى وفي شرح الألفية الحديث ويرادفه الخبر على الصحيح ما أضيف إلى النبي أو إلى الصحابي أو إلى دونه قولا أو فعلا أو تقريرا أو صفة. ويعبر عن هذا بعلم الحديث رواية. ويحد بأنه علم يشتمل على نقل ذلك وموضوعه ذات النبي صلى الله عليه وسلم من حيث كونه نبيا وغايته الفوز بسعادة الدارين وأما علم الحديث دراية وهو المراد عند الإطلاق كما في الألفية فهو علم يعرف به حال الراوي والمروي من حيث القبول والرد اه. والمراد هنا ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ولا مجال لإرادة غيره والوجيز القليل اللفظ الكثير المعنى ووجز اللفظ وجازة فهو وجيز وموجز أي قصير (ولخصت فيه) من التلخيص وهو تهذيب الشيء وتصفيته مما يمازجه في خلقته مما هو دونه وفي الصحاح هو التبين والشرح وفي النهاية هو التقريب والاقتصار يقال لخصت القول أي اقتصرت فيه واختصرت منه ما يحتاج إليه (من معادن) جمع معدن بفتح فسكون فكسر اسم مكان ويراد به الحال فيه أيضا (الأثر) بالتحريك أي المأثور أي المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم يقال أثرت الحديث أثرا أي نقلته والأثر بفتحين اسم منه وحديث مأثور أي نقله خلف عن سلف وسنن النبي آثاره كذا في مختار الصحاح. وقال الزمخشري: يقال وجدت ذلك في الأثر أي في السنة وفلان من جملة الآثار وحديث مأثور يأثره أي يرويه قرن عن قرن ومنه التليد المأثور للقديم المتوارث كابرا عن كابر وفي شرح الألفية: الأثر بفتح الهمزة والمثلثة هو الأحاديث مرفوعة أو موقوفة. وقصره بعض الفقهاء على الموقوف (إبريزه) أي خالصه وأحسنه والإبريز كما في التهذيب بكسر الهمزة والراء وسكون الموحدة التحتية بينهما: الذهب الخالص يقال ذهب إبريز وإبريزي بكسرهما خالص شبه أصول الحديث بالمعادن وما أخذه منها بالذهب الخالص وجمعه لها بالتلخيص فهو كناية عن كونه غاص على الأحاديث العزيزة البليغة المعدودة من جوامع الكلم واستخرجها من أماكنها ومكامنها وهذبها ورتبها بكلفة ومشقة كما يقاسيه من يستخرج الذهب من معدنه الذي خلق فيه فشبه ما لخصه مما انتزعه من بطون الدفاتر الحديثية المتشعبة المنتشرة بالذهب المعدني المستخرج من البقاع التي خلق فيها بجامع أن كلا منهما قد ارتقى في النفاسة إلى الغابة التي لا ترتقي وبرز تبريزا فاق أصحابه عقلا وشجاعة. كذا في القاموس وفي الأساس: ذهب إبريز خالص وتقول ميز الخبيث من الإبريز والناكصين من أولى التبريز (وبالغت) أي تناهيت في الإجتهاد. قال الزمخشري: تبالغ فيه المرض والهم إذا تناهى (في تحرير التخريج) أي تهذيب المروي وتخليصه. قال الزمخشري: ومن المجاز حرر الكتاب حسنه وخلصه بإقامة حروفه وإصلاح سقطه والتخريج من خرج العمل تخريجا واخترجه بمعنى استخرجه. قال الزمخشري: ومن المجاز خرج فلان في العلم والصناعة خروجا إذا نبغ وخرجه واخترجه بمعنى استخرجه وخرج الغلام لوجه ترك بعضه غير مكتوب وإذا كتبت الكتاب فتركت مواضع الفصول والأبواب فهو كتاب مخرج وخرج الكتاب جعله ضروبا مختلفة والإخراج والاستخراج الاستنباط بمعنى اجتهدت في تهذيب عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث من الجوامع والسنن والمسانيد فلا أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه ولا أكتفي بعزوه إلى من ليس من أهله وإن جل كعظماء المفسرين. قال ابن الكمال: كتب التفسير
-[21]- مشحونة بالأحاديث الموضوعة وكأكابر الفقهاء في الصدر الأول من أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج وتمييز الصحيح من غيره فوقعوا في الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبي وفرعوا عليها كثيرا من الأحكام مع ضعفها بل ربما دخل عليهم الموضوع وممن عدت عليه في هذا الباب هفوات وحفظت عليه غلطات الأسد بن الأسد الكرار الفرار الذي أجمع على على جلالته الموافق والمخالف وطار صيته في المشرقين والمغربين الأستاذ الأعظم إمام الحرمين وتبعه عليها معمار القواعد دهقان المعاقل والمعاقد الذي اعترف بإمته العام والخاص مولانا حجة الإسلام في كثير من عظماء المذاهب الأربعة وهذا لا يقدح في جلالتهم بل ولا في اجتهاد المجتهدين إذ ليس من شرط المجتهد الإحاطة بحال كل حديث في الدنيا. قال الحافظ الزين العراقي في خطبة تخريجه الكبير للإحياء: عادة المتقدمين السكوت عما أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم وعدم بيان من خرجه وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادرا وإن كانوا من أئمة الحديث حتى جاء النووي فبين. وقصد الأولين أن لا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته ولهذا مشى الرافعي على طريقة الفقهاء مع كونه أعلم بالحديث من النووي. إلى هنا كلامه (فتركت القشر) بكسر القاف (وأخذت اللباب) أي تجنبت الأخبار التي حكم عليها النقاد بالوضع أو ما قاربه بما اشتدت نكارته وقويت الريبة فيه المكنى عنه بالقشر وأتيت بالصحيح والحسن لذاته أو لغيره وما لم يشتد ضعفه المكنى عنه باللباب. والترك: أن لا يتعرض للأمر حسا أو معنى والقشر واحد القشور والقشرة أخص منه ومنه قشر العود وغيره نزعه عنه قشره والأخذ حوز الشي وتحصيله. قال الزمخشري: ومن المجاز جاء بالجواب المقشر. واللباب بالضم الخالص ولب كل شيء خالصه وأخذ لبابه خالصه ورأيته بلب اللوز بكسره ويستخرج لبه (وصنته) أي هذا الجامع يعني حفظته يقال صان الرجل عرضه من الدنس فهو صين والتصاون خلاف الابتذال وفلان يصون عرضه صون الربط وحب مصون وصنت الثوب من الدنس والثوب في صوانة والترس في صوانها ومصوانها ومصانيها وهذا ثوب صينة لا ثوب بذلة وهو يتصون من العجائب ومن المجاز فرس ذو صون وابتذال وهو يصون خبزه إذا ادخر منه ذخيرة. ذكره الزمخشري (عما) أي عن إيراد حديث (تفرد به) أي بروايته راو (وضاع) للحدبث على النبي صلى الله عليه وسلم (أو كذاب) وإن لم يثبت عنه خصوص الوضع أي اتهمه جهابذة الأثر بوضع الحديث على النبي صلى الله عليه وسلم أو الكذب وصيغة المبالغة هنا غير مرادة إذ غرضه صونه حتى عمن لم يعهد عليه سوى وضع حديث واحد أو كذب ولو في لفظة واحدة أما إذا لم ينفرد بأن شاركه في روايته غيره فلا يتحاشى المؤلف عن إيراده لاعتضاده. ثم إن ما ذكره من صونه عن ذلك غالبي أو ادعائي وإلا فكثيرا ما وقع له أنهلم يصرف إلى النقد الإهتمام فسقط فما التزم الصون عنه في هذا المقام كما ستراه موضحا في مواضعه لكن العصمة لغير الأنبياء متعذرة والغفلة على البشر شاملة منتشرة وقد أعطى الحفظ حقه وأدى من تأدية الفرض مستحقه فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. والكتاب مع ذلك من أشرف الكتب مرتبة وأسماها منقبة والذنب الواحد إو المتعدد مع القلة لايهجر لأجله الحبيب والروض النضير لا يترك بمحل قبر. قال الراغب وغيره: ليس يجب أن نحكم بفساد كتاب لخطأ ما وقع فيه من صاحبه كصنع العامي إذا وجدوا من أخطأ في مسألة حكموا على صنعته بالفساد ودأبهم أن يعتبروا الصناعة بالصانع خلاف ما قال علي كرم الله وجهه: " الحق لا يعرف بالرجال اعرف الحق تعرف أهله " وليس يدرون أن الصناعة على شيء روحاني والمتعاطي لها يباشرها بمجسم وطبع لا يفارقهما العجز فهو خليق بوقوع الخطأ منه اه. قال المؤلف كغيره: والموضوع ليس في الحقيقة بحديث اصطلاحا بل بزعم واضعه وسبب الوضع نسيان الراوي لما رواه فيذكر غيره ظانا أنه المروي أو غلطة بأن سبق لسانه إلى غير ما رواه أو يضع مكانه مما يظن أنه يؤدي معناه أو افتراء كوضع الزنادقة أحاديث تخالف المعقول تنفيرا للعقلاء عن شريعته المطهرة أو للترغيب في أعمال البر جهلا كبعض الصوفية أو غير ذلك ممن هو مبين في علوم الحدث (ففاق بذلك) أي بسبب صونه عما ذكر مع تحرير
-[22]- تخريجه (الكتب المؤلفة في هذا النوع) أي علاهم في الحسن لتميزه علها بجودة التهذيب والرصانة وكمال التنقيح والصيانة قال الزمخشري: يقال فاق قومه فضلهم ورجحهم. وقال الراغب: يقال فاق فلان غيره يفوقه علاه وهو من لفظ فوق المستعملة للفضيلة فإنه يقال باعتبار الفضيلة الدنيوية نحو {ورفعن بعضهم فوق بعض درجات} والأخروية نحو {والذين اتقوا فوقهم} ويقال باعتبار القهر والغلبة قال السيد: " والتأليف جمع أشياء متناسبة كما يرشد إليه اشتقاقه من الألف وأصله قول الراغب: المؤلف ما جمع من أجزاء مختلفة وترتب ترتيبا قدم فيه ما حقه أن يقدم وأخر ما حقه أن يؤخر والألفة اجتماع مع الئتام اه " والنوع من الشيء الصنف وتنوع صار أنواعا ونوعه تنويعا جعله أنواعا متنوعة والكتب المؤلفة في هذا النوع (كالفائق) كما يأتي ذكره (والشهاب) بكسر أوله للقاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي المصري قال السلفي كان من الثقات الأثبات شافعي المذهب والاعتقاد والظاهر أن مراده بالفائق كتاب: " الفائق في اللفظ الرائق تأليف ابن غنام " جمع فيه أحاديث من الرقائق على هذا النحو. وأما ما يتبادر إلى بعض إلى بعض الأذهان من إرادة فاق الزمخشري فلا يستقيم إذ المشار إليه بهذا النوع هو إيراد متون الأحاديث مجردة عن الأسانيد مرتبة على الحروف وفائق الزمخشري ليس إلا في شرح الألفاظ اللغوية والكلمات العربية الواقعة في الحديث ولسان الصدر الأول من الصحب والتابعين الموثوق بعربيتهم المحتج باستعمالهم وبينه وبين هذا الكتاب بون (وحوى) أي جمع وضم يقال حويت الشيء أجوبة جمعته وضممته وتحوي الشيء تجمع قال الزمخشري: ومن المجاز احتوى على الشيء استولى عليه (من نفائس الصناعة الحديثية) أي المنسوبة للمحدثين (ما لم يودع) بالبناء للمفعول (قبله) أي قبل تأليفه (في كتاب) فإن ذينك وإن كانا أوردا المتون كما ذكر لكنهما لم يعقبا بالرموز للمخرجين ولا رتبا على الحروف وها من قبيل المبالغة في المدحة على من الترغيبات في التأليفات فإن الديلمي رتب الفردوس على حروف المعجم كهذا الترتيب ويأتي بمتن الحديث أولا مجرداثم يضع عليه علامة مخرجه بجانبه بالحروف على نحو من اصطلاح المصنف رحمه الله تعالى في رموزه من كون خ للبخاري وم لمسلم وهكذا لكن بينهما تخالف في البعض فالحروف التي رمز بها الديلمي عشرون والمؤلف ثلاثون وهو إنما رسم كتابه على ذلك فخفت المؤنة عليه في تأليفه هذا الكتاب فانتهب منه ما اختار واغترف اغتراف الظمان من اليم الزخار وأعانه على ذلك أيضا سديد القوس للحافظ ابن حجر والنفائس جمع نفيسة لا نفيس لأن فعائل إنما يكون جمعا لفعيلة والصناعة في عرف الخاصة علم يتعلق بكيفية العمل ويكون المقصود منه ذلك العمل سواء حصل بمزوالة عمل أم لا وفي عرف العامة يخص بما لم يحصل إلا بمزاولة والوجه في التسمية على التعريفين أن حقيقة الصناعة صفة نفسانية راسخة يقتدر بها على استعمال موضوعات ما نحو غرض من الأغراض على وجه البصيرة بحسب الإمكان والظاهر أن المراد بالصناعة هنا متعارف العامة وأن ذكر الصناعات لمشابهتها العلوم في أن تفاضل أصحابها بحسب الدقائق دون الأصول ذكره كله الشريف الجرجاني قال وقد يقال كل علم مارسه رجل وصار حرفة له سمي صناعة له تعلق بعمل أم لا انتهى. قال في الكشاف: كل عامل لا يسمى صانعا ولا كل عمل صناعة حتى يتكرر من ويتدرب وينسب إليه وقال الأكمل الحق أن كل علم مارسه الإنسان سواء كان استدلاليا أو غيره حتى صار كالحرفة له يسمى صنعة ووصفها بالنفاسة إيذانا بخطر قدرها وعلو شأنها وههنا نكتة سرية وهو أنه مدح الجامع أولا بتهذيب تخريجه وصونه عن الأخبار الموضوعة. ثم وصفه ثانيا بتفرده بحسن الصنعة ونفاسة الأسلوب في بابه إشعارا بأنه قد أحاط به الشرف من كل جهة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء والقبل كل ما يتقدم الإنسان بالذات أو الزمان (ورتبته) أي الكتاب من الترتيب. قال الشريف: وهو جعل الأشياء بحيث يطلق عليها اسم الواحد ويكون لبعضها نسبة إلى بعض بالتقدم والتأخر في الرتبة العقلية فهو أخص من التأليف: إذ هو ضم الأشياء مؤتلفة سواء كانت مترتبة الوضع أم لا (على حروف المعجم) أي حروف الخط المعجم كمسجد الجامع وهي الحروف المقطعة التي يختص أكثرها بالنقط سميت
-[23]- معجمة لأنها أعجمية لا بيان لها أو لأنها أعجمت على الناظر في معناها ذكره ابن عربي. وقال غيره: المعجم إما اسم مفعول صفة لمحذوف: أي حروف الخط الذي وقع عليه الإعجام وهو النقط أو مصدر ميمي كالإعجام وعليهما فإطلاق حروف المعجم على الكل من قبيل التغليب وجوز التفتازاني أن يكون معنى الإعجام إزالة العجمة بالنقط واعترضه الدماميني بأنه إنما يتم إذا كان جعل الهمزة للسلب مقيسا أو مسموعا في هذه الكلمة وقيل معناه حروف الإعجام أي إزالة العجمة وذلك أن ينقط أكثرها والحرف يذكر ويؤنث وأصله طرف الشيء الذي لا يوجد منفردا وطرف القول الذي لا يفهم وحده. وأحق ما يسمى حروفاإذا نظر إلى صورها ووقوعها أجزاء من الكلم ولم فهم لها دلالة فتضاف إلى مثلها جزءا من كلمة مفهومة فتسمى عند ذلك حروفا وعند النطق بها كهذا ألف لام ميم يقال فيها أسماء وإن كانت غير معلومة الدلالة كحروف اب ت ث فإنها كلها أسماء على ما فهمه الخليل وأنها إنما تسمى حروفا عندما تكون أجزاء كلمة محركة للإبتداء أو مسكنة للوقف والانتهاء ذكره الحراني <فائدة> قال العارف ابن عربي الحروف أمة من الأمم مخاطبون مكلفون وفيهم رسل من جنسهم قال ولا يعرف ذلك إلا أهل الكشف (مراعيا) أي ملاحظا في الترتيب (أول الحديث فما بعده) أي محافظا على الابتداء بالحرف الأول والثاني من كل كلمة أولى من الحديث واتباعهما بالحرف الثالث منهما وهكذا فيما بعده على سياق الحروف كما لو اشترك حديثان في الحرف الأول واختلفا في الثاني من الكلمة نحو أبى وأتى فيوضع على هذا الترتيب فإن اشتركا في حرفين روعي الثالث وهكذا وإن اشتركا في الثالث روعي كذلك كقوله: " آخر قرية " و " آخر من يحشر " وهكذا إن اشتركا في كلمات كقوله: " من رآني في المنام فسيراني في اليقظة " وقوله: " من رآني في المنام فقد رآني " هذا هو قضية التزامه الدال عليه كلامه هنا. فإن قلت هو لم يف بما التزمه بل خالفه من أول وهلة فقال: " آخر من يدخل " ثم قال: " آخر قرية " وحق الترتيب عكسه؟ قلت: إنما يخالف الترتيب أحيانا لنكتة ككون الحديث شاهدا لما قبله أو فيه تتمة له أو مرتبط المعنى به أو نحو ذلك من المقاصد الصناعية المقتضية لتعقيبه به. وإنما رتبه على هذا النحو (تسهيلا على الطلاب) لعلم الحديث أي تيسيرا عليهم عند إرادة الكشف عن حديث يراد مراجعته للعلم أو للعمل به فإن الكتاب إذا كان جنسا واحدا غير مبوب عسر التتبع منه وإذا جعلت له تقاسيم وأنواع واشتملت أقسامه على أصناف كان أسهل على الكاشف وأنشط للقارئ سيما إذا تلاحقت الأشكال بغرابة الانتظام وتجاذبت النظائر بحسن الالئتام وتعانقت الأمثال بالتشابه في تمام الأحكام وكمال الإحكام والتسهيل التيسير. قال الزمخشري: ومن المجاز كلام فيه سهولة وهو سهل المأخذ (وسميته الجامع الصغير) قال النحرير الدواني: يعني سميته بمجموع الموصوف والصفة وما أضيف إليهما (من حديث البشير النذير) أي البالغ في كل من الوصفين غاية الكمال فهو بشير للمؤمنين بالجنة ونذير للكافرين من النار وفيه من أنواع البديع الطباق وهو إيراد المتضادين وهما البشارة والنذارة وقدم الوصف بالبشارة على الوصف بالنذارة إما رعاية للسجع أو إشارة إلى سبق الرحمة وغلبة وصف الكرم وكثرة المسامحة وإجزال المواهب ولا مانع من كون الوصف في الأصل يصير علما بالشخص أو بالغلبة أو بهما. قال الحراني: والجامع من الجمع وهو ضم ما شأنه الافتراق والتنافر لطفا أو قهرا. ثم بين وجه مناسبة تسميته بخصوص ذلك الاسم بقوله (لأنه مقتضب) أي مقتطع من اقتضب الشيء اقتطعه ومنه الغصن المقطوع قضيب فعيل بمعنى مفعول قال الزمخشري ومن المجاز اقتضب الكلام ارتجله واقتضب الناقة ركبه قبل أن تراض ورجل قضابة قطاع للأمور مقتدر عليها (من الكتاب الكبير) حجما وعلما (الذي) صفته في الحديث و (سميته بجمع الجوامع) لجمعه كل مؤلف جامع فتسميته بذلك إيماء إلى ما ذكر ومن ثم قال (وقصدت) أي طلبت يقال قصدت الشيء وله وإليه قصدا طلبته بعينه (فيه) أي في الكتاب الكبير (جمع الأحاديث النبوية بأسرها) أي بجميعها والأسر القد الذي يشد به الأسير فإذا ذهب الأسير بأسره فقد ذهب بجميعه
-[24]- فقال هذا لك بأسره أي بقده يعني بجميعه كما يقال برمته ذكره في الصحاح وهذا بحسب ما اطلع عليه المؤلف لا باعتبار ما في نفس الأمر لتعذر الإحاطة بها وإنافتها على ما جمعه الجامع المذكور لو تم وقد اخترمته المنية قبل إتمامه. وفي تاريخ ابن عساكر عن أحمد: صح من الحديث سبع مئة ألف وكسر. وقال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث. وقال البخاري: احفظ مئة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح. وقال مسلم صنفت الصحيح من ثلاث مئة ألف حديث إلى غير ذلك: ثم شرع في بيان رموز اصطلح عليها فقال (وهذه رموزه) أي إشاراته الدالة على من خرج الحديث من أهل الأثر جمع رمز وهو الإشارة بعين أو حاجب أو غيرهما قال في الكشاف وأصله التحرك ومنه الراموز للبحر وفي الأساس رمز إليه وكلمه رمزا بشفتيه وحاجبه ويقال جارة غمازة بيدها همازة بعينها لمازة بفمها رمازة بحاجبها ودخلت عليهم فتغامزوا وتغامزوا انتهى. وقال الحراني الرمز تلطف في الإفهام بإشارة تحرك طرف كيد ولحظ والغمز أشد منه. وقال الراغب يعبر عن كل كلام كإشارة بالرمز كما عبر عن السعاية بالغمز انتهى. ثم توسع فيه المصنف فاستعمله في الإشارة بالحروف التي اصطلع عليها في العزو إلى المخرجين (خ للبخاري) زين الأمة وافتخار الأئمة صاحب أصح الكتب بعد القرآن ساحب ذيل الفضل على مر الزمان الذي قال فيه إمام الأئمة ابن خزيمة " ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث منه " وقال بعضهم إنه من آيات الله التي يمشي على وجه الأرض. وقال الذهبي: " كان من أفراد العالم مع الدين والورع والمتانة " هذه عبارته في الكاشف ومع ذلك غلب عليه الغض من أهل السنة فقال في كتاب الضعفاء والمتروكين: " ما سلم من الكلام لأجل مسألة اللفظ تركه لأجلها الراويان " هذه عبارته وأستغفر الله نسأل الله السلامة ونعوذ به من الخذلان. قال التاج السبكي: " شيخنا الذهبي عنده على أهل السنة تحامل مفرط وإذا واقع بأشعري لا يبقى ولا يذر فلا يجوز اعتماد عليه في ذم أشعري ولا شكر حنبلي " تفقه البخاري على الحميدي وغيره من أصحاب الشافعي وكتب عن أحمد زهاء ألف حديث وكتب عنه المحدثون وما في وجهه شعرة وكان يحضر مجلسه زهاء عشرين ألفا وسمع منه الصحيح نحو تسعين ألفا. وقال إنه ألفه من زهاء ست مئة ألف وأنه ما وضع فيه حديثا إلا اغتسل بماء زمزم وصلى خلف المقام ركعتين وصنفه في ستة عشر سنة. وروى عنه مسلم خارج الصحيح. وكان يقول له: دعني أقبل رجلك يا طيب الحديث يا أستاذ الأستاذين. ولد بعد الجمعة ثالث عشر شوال سنة أربع وتسعين ومئة ومات عشاء ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومائتين. وما أحسن قول ابن الكمال ابن أبي شريف ولد في صدق ومات في نور ومناقبه مفردة بالتأليف فلا نطيل فيها منها. إن كتابه لم يقرأ في كرب إلا فرج ولا ركب به في مركب فغرق وإنما رمز له المؤلف بحرف من حروف بلده دون اسمه لأن نسبته إلى بلده أشهر من اسمه وكنيته ورمز إليه بالخاء دون غيرها من حروف بلده لأنها أشهر حروفه وليس في حروف بقية الأسماء خاء. (م لمسلم) أبو الحسين ابن الحجاج القشيري النيسابوري صاحب الصحيح المشهود له بالترجيح صنفه من ثلاث مئة ألف حديث كما في تاريخ ابن عساكر أخذ عن أحمد وخلق وعنه خلق روى له الترمذي حديثا واحدا. وسبب موته أنه ذمر له حديث فلم يعرفه فأوقد السراج وقال لمن في الدار: لا يدخل أحد علي فقالوا أهديت لنا سلة تمر وقدموها فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة فأصبح وقد فنى التمر ووجد الحديث فمات سنة واحد وستين ومائتين. وإنما رمز له بالميم لأن اسمه أشهر من نسبته وكنيته عكس البخاري والميم أول حروف اسمه. (ق لهما) في الصحيحين واتفقت الأمة على أنهما أصح الكتب وقول الإمام الشافهي رضي الله عنه: " الأصح الموطأ " كان قبل وجودهما والجمهور على أن ما في البخاري دون التعاليق والتراجم وأقوال الصحب والتابعين أصح مما في مسلم وعكسه أطيل في رده وجميع ما أسند في الصحيحين محتوم بصحته قطعا أو ظنا على الخلاف المعروف سوى مائتين وعشرة أحاديث انتقدها عليهم الدارقطني وأجابوا عنها. (د لأبي داود) سليمان بن الأشعث السجستاني الشافعي أخذ عن أحمد وخلق عنه الترمذي
-[25]- ومن لا يحصى. ولد سنة ثنتين ومائتين ومات سنة خمس وسبعين ومائتين قالوا: " ألين له الحديث كما ألين لداود الحديد وقال بعض الأعلام: سننه أم الأحكام. ولما صنفه صار لأهل الحديث كالمصحف. قال: " كتبت خمس مئة ألف حديث انتخبت منها السنن أربعة آلاف وثمان مئة ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه وما فيه لين شديد بينته ". قال الذهبي: قد وفى فإنه بين الضعيف الظاهر وسكت عن المحتمل فما سكت عنه لا يكون حسنا عنده ولا بد كما زعمه ابن الصلاح وغيره بل قد يكون فيه ضعف وهذا قد سبقه إليه ابن منبه حيث قال كان يخرج عن كل من لم يجمع على تركه ويخرج الإسناد الضعيف إذا لم يجده في الباب غيره لأنه عنده أقوى من رأي الرجال. قال ابن عبد الهادي هذا رد علي من يقول إن ما سكت عليه أبو داود يحتج به ومحكوم عليه بأنه حسن عنده والذي يظهر أن ما سكت عنه وليس في الصحيحين ينقسم إلى صحيح محتج به وضعيف غير محتج به بمفرده ومتوسط بينهما فما في سننه ستة أقسام أو ثمانية صحيح لذاته صيحي لغيره بلا وهن فيهما ما به وهن شديد ما به وهن غير شديد وهذان قسمان: ماله جابر وما لا جابر له وما قبلهما قسمان: ما بين وهنه وما لم يبينه ورمز له المؤلف بالدال لأن كنيته أشهر من اسمه ونسبه والدال أشهر حروف كنيته وأبعدها عن الاشتباه ببقية العلائم انتهى. (ت للترمذي) بكسر الفوقية والميم أو بضمهما وبفتح فكسر كلها مع إعجام الذال نسبة لبلدة قديمة بطرف جيحون وهو الإمام أبو الحسن محمد بن عيسى بن سورة من أوعية العلم وكبار الأعلام ولد سنة تسع ومائتين ومات سنة تسع وسبعين ومائتين. وقول الخليلي: بعد الثمانين ردوه وصنيع المؤلف قاض بأن جامع الترمذي بين أبي داود والنسائي في الرتبة لكن قال الذهبي انحطت رتبة جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي لإخراجه حديث المصلوب والكلبي وأمثالهما. وقال في الميزان في ترجمة يحيى بن اليمان لا تغتر بتحسين الترمذي فعند المحاققة غالبا ضعاف ورمز له بالتاء لأن شهرته بنسبته لبلده أكثر منها باسمه وكنيته. (ن للنسائي) الأمام أحمد بن شعيب الخراساني الشافعي ولد سنة أربع أو خمسة عشر ومائتين واجتهد ورحل إلى أن انفرد فقها وحديثا وحفظا وإتقانا. قال الزنجاني له شرط في الرجال أشد من الشيخين. وقال التاج السبكي عن أبيه والذهبي: النسائي أحفظ من مسلم. وقال أبو جعفر ابن الزبير لأبي داود في استعياب أحاديث الأحكام ما ليس لغيره وللترمذي في فنون الصناعة الحديثية ما لم يشاركه فيه غيره. وقد سلك النسائي أغمض تلك المسالك وأجلها وكان شهما منبسطا في المأكل كثير الجماع للنساء مع كثرة التعبد دخل دمشق فذكر فضائل علي رضي الله عنه فقيل له فمعاوية فقال ما كفاه أن يذهب رأسا برأس حتى نذكر له فضائل فدفع في خصيتيه حتى أشرف على الموت فأخرج فمات بالرملة أو فلسطين سنة ثلاث وثلاث مئة وحمل للمقدس أو مكة فدفن بين الصفا والمروة ورمز له بالنون لأن نسبته أشهر من اسمه وكنيته ولم يرمز له بالسين لئلا يتصحف بابن أبي شيبة. (هـ لابن ماجه) الحافظ الكبير محمد بن يزيد الربعي مولاهم القزويني وماجه لقب لأبيه كان من أكابر الحفاظ مجمع على توثيقه. ولما عرض سننه على أبي زرعة قال: أطن أن هذا الكتاب إن وقع بأيدي الناس تعطلت الجوامع أو أكثرها مات سنة ثلاث وسبعين ومائتين. قال المزني: كل ما انفرد به ابن ماجه عن الخمسة ضعيف واعترض ثم حمل تارة على الأحكام وطورا على الرجال ورمز له بالهاء لأن اشتهاره بلقب أبيه أكثر منه باسمه وبلده. (4 لهؤلاء الأربعة) أي أصحاب السنن الأربعة أبي داود ومن بعده. (3 لهم إلا ابن ماجه) وهذه السنن الأربعة فيها الصحيح والحسن والضعيف فليس كل ما فيها حسنا ولهذا عابوا على محي السنة في تقسيمه المصابيح إلى الصحاح والحسان جانجا إلى أن الحسن ما رواه أصحاب السنن والصحاح ما في الصحيحين أو أحدهما. وقول لسلفي اتفق أهل المشرق والمغرب على صحة ما في الكتب الخمسة زلل فاحش. (حم لأحمد في مسنده) بفتح النون يقال لكتاب جمع فيه ما أسنده الصحابة أي روره وللإسناد كمسند الشهاب ومسند الفردوس أي إسناد حديثهما ولم يكتف في الرمز إليه بحرف واحد كما فعل في أولئك لئلا يتصحف بعلامة البخاري والإمام أحمد هو ابن محمد حنبل الناصر للسنة الصابر على المحنة
-[26]- الذي قال فيه الشافعي ما ببغداد أفقه ولا أزهد منه. وقال إمام الحرمين: غسل وجه السنة من غبار البدعة وكشف الغمة عن عقيدة الأمة. ولد ببغداد سنة أربع وخمسين ومئة وروى عن الشافعي وابن مهدي وخلق وعنه الشيخان وغيرهما ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين وارتجت الدنيا لموته. قال ابن المديني: مسنده وهو نحو أربعين ألفا أصل من أصول الإسلام. وقال ابن الصلاح مسند أحمد ونحوه من المسانيد كأبي يعلى والبزار والدارمي وابن راهويه وعبد بن حميد لا يلتحق بالأصول الخمسة وما أشبهها أي كسنن ابن ماجه في الاحتجاج بها والركون إليها. وقال العراقي: وجود الضعيف في مسند أحمد محقق. بل فيه أحاديث موضوعة جمعتها في جزء وتعقبه تلميذه الحافظ ابن حجر بأنه ليس فيه حديث ولا أصل له إلا أربعة منها خبر ابن عوف أنه يدخل الجنة زحفا قال أعني ابن حجر في تجريد زوائد البزار وإذا كان الحديث في مسند أحمد لا يعزى لغيره من المسانيد. (عم لابنه) عبد الله روى عن أبيه وابن معين وخلق وعنه النسائي والطبراني وغيرهما روى علما كثيرا. قال الخطابي: ثقة ثبت ولد سنة ثلاث عشرة ومائتين ومات سنة تسعين ومائتين. (في زوائده) أي زوائد مسند أبيه جمع فيه نحو عشرة آلاف حديث. (ك للحاكم) محمد بن عبد الله بن حمدويه الضبي الشافعي الإمام الرحال المعروف بابن البيع. قال أبو حاتم وغيره: قام الإجماع على ثقته ونسب إلى التشيع وقال الذهبي: ثقة ثبت لكنه يتشيع ويحط على معاوية والله يحب الإنصاف ما الرجل برافضي كما زعمه ابن طاهر أما صدقه في نفسه ومعرفته بهذا الشأن فمجمع عليه. وقال السبكي: اتفق العلماء على أنه من أعظم الأئمة الذين حفظ الله بهم الدين. ولد سنة إحدى وعشرين وثلثمئة وأكثر الرحلة والسماع حتى سمع من نيسابور من نحو ألف شيخ ومن غيرها أكثر ولا تعجب من ذلك فإن ابن النجار ذكر أن أبا سعيد السمعاني له سبعة آلاف شيخ واستملي على ابن حبان وتفقه على ابن أبي هريرة وغيره روى عنه الأئمة: الدارقطني والقفال الشاشي وهما من شيوخه والبيهقي وأكثر عنه وبكتبه تقفه الأستاذ أبو القاسم القشيري ورحل الناس إليه من الآفاق وحدثوا عنه في حياته وأفرد المديني ترجمته وذكر أنه دخل الحمام فاغتسل وقال: آه فخرجت روحه وهو مستور لم يلبس القميص (فإن كان في مستدركه) على الصحيحين ما فاتهما الذي قصد فيه ضبط الزائد عليهما مما على شرطهما أو شرط أحدهما أو هو صحيح (أطلقت) العزواليه عاريا عن التقييد بأن أذكر صورة حرف " ك " يقال أطلقت القول أرسلته من غير قيد ولا شرط وأطلقت البينة شهدت من غير تقييد بتاريخ ذكره الزمخشري (وإلا) بأن كان في تاريخه أو المدخل أو الإكليل أو غيرها من كتبه التي بلغت كما قال السبكي وغيره نحو خمس مئة بل قال عبد الغافر والفارسي: ألفا بل قيل أكثر (بينته) قالوا وقد تساهل الحاكم فيما استدركه على الشيخين لموته قبل تنقيحه أو لكونه ألفه آخر عمره وقد تغير حاله أو لغير ذلك ومن ثم تعقب الذهبي كثيرا منه بالضعف والنكارة وقال: ما أدري هل خفيت عليه فما هو ممن يجهل وإن علم فهذه خيانة عظيمة وجملة ما فيه مما على شرطهما أو أحدهما نحو نصفه وما صح بسنده نحو ربعه وأما قول الماليني: لم أر فيه حديثا واحدا علي شرطهما فأبطله الذهبي بأنه غلو وإسراف قال وما انفرد بنصحيحه ولم يكن مردودا بعلة فهو دائر بين الصحة والحسن وظاهر تصرف الحاكم أنه ممن يرى اندراج الحسن في الصحيح. قال ابن أبي شريف بنحو الاعتراض بتساهله في الصحيح. (خد للبخاري في الأدب) أي في كتاب الأدب المفرد وهو مشهور. (تخ له في التاريخ) أي الكبير فال فيه للعهد إذ هو المعهود المشهور فيما بين القوم وأطلقه لغلبة اشتهاره وتبادر الأذهان إليه ويحتمل أن المراد واحد من الكتب التي صنفها في التاريخ وهي ثلاثة وهي: كبير وأوسط وصغير. والكبير صنفه وعمره ثمانية عشر سنة عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم. قال ابن منده: لو كتب الرجل ثلاثين ألفا ما استغنى عن تاريخ البخاري. وقال السبكي تاريخه لم يسبق إليه ومن ألف بعده في التاريخ أو الأسماء أو الكنى عيال عليه فمنهم مننسبه لنفسه كمسلم وأبي زرعة وأبي حاتم ومنهم من حكاه عنه
(1/17)
الصفحة السابقة || الصفحة التالية
بداية الكتاب || محرك البحث ...المزيد
فلنت اين ليس عندي بيت اخذو بيتي ستون https://h.top4top.io/p_3643lwy3x1.png كافر رقم ...
فلنت اين ليس عندي بيت اخذو بيتي
ستون https://h.top4top.io/p_3643lwy3x1.png
كافر رقم هاتف www https://e.top4top.io/p_3643jew581.jpg
? https://b.top4top.io/p_364324ody1.jpg
ستون https://h.top4top.io/p_3643lwy3x1.png
كافر رقم هاتف www https://e.top4top.io/p_3643jew581.jpg
? https://b.top4top.io/p_364324ody1.jpg
فضاءيون موت قادم من شرق
فضاءيون
موت قادم من شرق
موت قادم من شرق
قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ "أعظمُ ...
قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾
"أعظمُ الغَبْنِ أن تشتريَ الأفنى بالأبقى، وأن يشغلكَ بريقُ العَرَضِ الزائل عن جوهرِ النعيمِ المقيم؛ فمَن آثرَ دنياه على أخراه، فقد أضاعَ المبتدأ والمنتهى."
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا. ...المزيد
"أعظمُ الغَبْنِ أن تشتريَ الأفنى بالأبقى، وأن يشغلكَ بريقُ العَرَضِ الزائل عن جوهرِ النعيمِ المقيم؛ فمَن آثرَ دنياه على أخراه، فقد أضاعَ المبتدأ والمنتهى."
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا. ...المزيد
مقال: جاه الأكارم (7) -الحياء- الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين لما فيه صلاحهم في الدنيا ...
مقال: جاه الأكارم (7) -الحياء-
الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين لما فيه صلاحهم في الدنيا والدين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وبعد.
لكل شيء رأس، ورأس الأخلاق ما كان خير كله وهو الحياء، فمن رُزِقَهُ مَلَك زمام بقية الأخلاق الطيبة، ومن عجز عنه تعسّرت عليه الفضائل وزلت قدمه في مستنقع الأخلاق الذميمة، وهو من مكارم الأخلاق التي تضفي على عيش عباد الله فيما بينهم وُدّا ومحبة، فتُحجز القلوب من الأحقاد والضغائن، والحياء خصلة من خصال الإيمان، وخلق في الإسلام محمود، فمن تحلى به حسُن له إسلامه، وسمت بالعلياء أخلاقه، وهجر المعاصي والمنكرات استحياء من رب الأرض والسموات، وأقبل على طاعة الإله محبة وتعظيما.
والحياء يكسو صاحبه وقارًا واحترامًا، فيصرف عنه أذى السفهاء، ويكف عنه عتاب العقلاء، وهو صفة من صفات الأنبياء، ومن سار على نهجهم من عباد الله الأتقياء، وهو في أخلاق الرجال جميل، وفي أطباع النساء لازم تمتاز به الصالحات البتول، واكتسابه يغطي كل معيب، وضياعه يظهر كل قبيح.
وقيل في معنى الحياء أنه "الحشمة، ضد الوقاحة،... وهو الانقباض والانزواء" [لسان العرب]، وقيل أيضا أنه: "انقباض النَّفس مِن شيءٍ وتركه حذرًا عن اللَّوم فيه" [التعريفات للجرجاني]، وقال ابن حجر: "الحَياء خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ" [فتح الباري]
ولقد جاء في كتاب الله تعالى امتداح الحياء فقال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] فقد فسره بعض العلماء بأنه الحياء.
حياء النبي صلى الله عليه وسلم
وقد عُرف نبينا صلى الله عليه وسلم بالحياء حتى قيل عنه أنه "أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه" [متفق عليه] فحياؤه أشد من حياء الفتاة البكر، وإن كره الشيء لا يتكلّم وإنما يُعرف ويُفهم من تغيّر وجهه صلى الله عليه وسلم.
ومن صور حيائه عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ} [الأحزاب: 53] قال ابن كثير: "قيل: المراد أنَّ دخولكم منزله بغير إذنه، كان يشُقُّ عليه ويتأذَّى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك مِن شدَّة حَيَائه عليه السَّلام، حتى أنزل الله عليه النَّهي عن ذلك" [التفسير]
وإن الحياء قديم في بني البشر منذ أبيهم آدم عليه السلام، والحياء مأمور به وتركه منهي عنه، فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ ممَّا أدرك النَّاس مِن كلام النُّبوَّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [رواه البخاري] قال الخطَّابي: "قال الشَّيخ: معنى قوله (النُّبوَّة الأولى) أنَّ الحَيَاء لم يزل أمره ثابتًا، واستعماله واجبًا منذ زمان النُّبوَّة الأولى، وأنه ما مِن نبيٍّ إلَّا وقد نَدَب إلى الحَيَاء وبُعِث عليه، وأنَّه لم ينسخ فيما نسخ مِن شرائعهم، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها" [معالم السنن للخطَّابي]
• خصلة من خصل الإيمان
والحياء خصلة من خصال الإيمان فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وستون -وفي رواية وسبعون- شعبة، والحياء شعبة من الإيمان) [متفق عليه]، قال الخطَّابي: معنى قوله: (الحَيَاء شعبة مِن الإيمان) "أنَّ الحَيَاء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها، فصار بذلك مِن الإيمان" [معالم السنن]
وقال ابن القيِّم: "خُلق الحَيَاء مِن أفضل الأخلاق وأجلِّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا" [مفتاح دار السَّعادة]
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير) [متفق عليه]، قال ابن رجب: "(الحياء لا يأتي إلَّا بخير): فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِن خصال الإيمان بهذا الاعتبار" [جامع العلوم والحكم]
ولما حاز الحياء مكانة عالية وصف كله بالخيرية، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحياء خير كله)، أو قال: (الحياء كله خير). [مسلم]
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي.
وقد نرى البعض يذم غيره لشدة حيائه، وهذا مجانب للصواب، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، مرَّ على رجل، وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنَّك لتستحِيي حتى كأنَّه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعه، فإنَّ الحياء مِن الإيمان) [رواه البخاري]
قال ابن بطَّال: "معناه أنَّ الحَيَاء مِن أسباب الإيمان وأخلاق أهله؛ وذلك أنَّه لما كان الحَيَاء يمنع مِن الفواحش، ويحمل على الصَّبر والخير، كما يمنع الإيمان صاحبه مِن الفجور، ويقيِّده عن المعاصي، ويحمله على الطَّاعة، صار كالإيمان لمساواته له في ذلك، وإن كان الحَيَاء غريزة، والإيمان فعل المؤمن، فاشتبها مِن هذه الجهة" [شرح البخاري]
ومن أبواب الحياء في المجلس حياء الصغير عند الكبير وحياء الجاهل عند العالم والولد عند والديه فإنه من حسن الأدب، قال ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحت ورقها فوقع في نفسي أنها النخلة فكرهت أن أتكلم وثم أبو بكر وعمر فلما لم يتكلما قال النبي صلى الله عليه وسلم هي النخلة فلما خرجت مع أبي قلت يا أبتاه وقع في نفسي أنها النخلة قال ما منعك أن تقولها لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا قال ما منعني إلا أني لم أرك، ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت. [متفق عليه]
• استحيوا من الله حق الحياء!
وأعظم الحياء أن يستحي العبد من ربه فذاك المقام الأسمى والدرجة الأعلى ومن عرف ربه حقيقة استحيى منه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استحيوا مِن الله حقَّ الحياء). قال: قلنا: يا رسول الله إنَّا لنستحيي، والحمد للَّه. قال: (ليس ذاك، ولكنَّ الاستحياء مِن الله حقَّ الحياء: أن تحفظ الرَّأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتتذكَّر الموت والبِلَى، ومَن أراد الآخرة، ترك زينة الدُّنيا، فمَن فعل ذلك، فقد استحيا مِن الله حقَّ الحياء) [رواه التِّرمذي]، قال ابن رجب: "يدخل فيه حفظ السَّمع والبصر واللِّسان مِن المحرَّمات، وحفظ البطن وما حوى، يتضمَّن حفظ القلب عن الإصرار على ما حرَّم الله، ويتضمَّن أيضًا حفظ البطن مِن إدخال الحرام إليه مِن المآكل والمشارب، ومِن أعظم ما يجب حفظه مِن نواهي الله عزَّ وجلَّ اللِّسان والفرج" [جامع العلوم والحكم]، "ويروى عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصّاه لما بعثه إلى اليمن فقال: (استحي من الله كما تستحي من رجل ذي هيبة من أهلك)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا، فقال: الله أحق أن يستحيا منه" [جامع العلوم والحكم]. ولمَ لا يستحي العبد من ربه وربُه هو الحيي سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله حَيِيٌ سِتِّير يحب الحياءَ والستر) [الآداب للبيهقي]
في حق النساء أولى!
وإن أُمر الرجال بالحياء فهو في حق النساء أولى بلا شك، فمما جاء في حياء النساء، قوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] قال مجاهد: "يعْني: واضعةً ثوبها على وجهها ليست بخرَّاجةٍ ولا وَلَّاجةٍ" [تفسير مجاهد]، وروى ابن جرير عن عمر رضي الله عنه، قال: "واضعة يدها على وجهها مستترة"، وهذا الأصل في النساء أن يكنّ رمزا في الحياء، وإنّ شرع الله ليحث النساء على الحياء ويؤاخذهن به؛ لما في ذلك من صيانة للمجتمع المسلم من الفواحش والفجور.
نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى الآل والصحب أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين لما فيه صلاحهم في الدنيا والدين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وبعد.
لكل شيء رأس، ورأس الأخلاق ما كان خير كله وهو الحياء، فمن رُزِقَهُ مَلَك زمام بقية الأخلاق الطيبة، ومن عجز عنه تعسّرت عليه الفضائل وزلت قدمه في مستنقع الأخلاق الذميمة، وهو من مكارم الأخلاق التي تضفي على عيش عباد الله فيما بينهم وُدّا ومحبة، فتُحجز القلوب من الأحقاد والضغائن، والحياء خصلة من خصال الإيمان، وخلق في الإسلام محمود، فمن تحلى به حسُن له إسلامه، وسمت بالعلياء أخلاقه، وهجر المعاصي والمنكرات استحياء من رب الأرض والسموات، وأقبل على طاعة الإله محبة وتعظيما.
والحياء يكسو صاحبه وقارًا واحترامًا، فيصرف عنه أذى السفهاء، ويكف عنه عتاب العقلاء، وهو صفة من صفات الأنبياء، ومن سار على نهجهم من عباد الله الأتقياء، وهو في أخلاق الرجال جميل، وفي أطباع النساء لازم تمتاز به الصالحات البتول، واكتسابه يغطي كل معيب، وضياعه يظهر كل قبيح.
وقيل في معنى الحياء أنه "الحشمة، ضد الوقاحة،... وهو الانقباض والانزواء" [لسان العرب]، وقيل أيضا أنه: "انقباض النَّفس مِن شيءٍ وتركه حذرًا عن اللَّوم فيه" [التعريفات للجرجاني]، وقال ابن حجر: "الحَياء خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ" [فتح الباري]
ولقد جاء في كتاب الله تعالى امتداح الحياء فقال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] فقد فسره بعض العلماء بأنه الحياء.
حياء النبي صلى الله عليه وسلم
وقد عُرف نبينا صلى الله عليه وسلم بالحياء حتى قيل عنه أنه "أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه" [متفق عليه] فحياؤه أشد من حياء الفتاة البكر، وإن كره الشيء لا يتكلّم وإنما يُعرف ويُفهم من تغيّر وجهه صلى الله عليه وسلم.
ومن صور حيائه عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ} [الأحزاب: 53] قال ابن كثير: "قيل: المراد أنَّ دخولكم منزله بغير إذنه، كان يشُقُّ عليه ويتأذَّى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك مِن شدَّة حَيَائه عليه السَّلام، حتى أنزل الله عليه النَّهي عن ذلك" [التفسير]
وإن الحياء قديم في بني البشر منذ أبيهم آدم عليه السلام، والحياء مأمور به وتركه منهي عنه، فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ ممَّا أدرك النَّاس مِن كلام النُّبوَّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [رواه البخاري] قال الخطَّابي: "قال الشَّيخ: معنى قوله (النُّبوَّة الأولى) أنَّ الحَيَاء لم يزل أمره ثابتًا، واستعماله واجبًا منذ زمان النُّبوَّة الأولى، وأنه ما مِن نبيٍّ إلَّا وقد نَدَب إلى الحَيَاء وبُعِث عليه، وأنَّه لم ينسخ فيما نسخ مِن شرائعهم، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها" [معالم السنن للخطَّابي]
• خصلة من خصل الإيمان
والحياء خصلة من خصال الإيمان فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وستون -وفي رواية وسبعون- شعبة، والحياء شعبة من الإيمان) [متفق عليه]، قال الخطَّابي: معنى قوله: (الحَيَاء شعبة مِن الإيمان) "أنَّ الحَيَاء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها، فصار بذلك مِن الإيمان" [معالم السنن]
وقال ابن القيِّم: "خُلق الحَيَاء مِن أفضل الأخلاق وأجلِّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا" [مفتاح دار السَّعادة]
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير) [متفق عليه]، قال ابن رجب: "(الحياء لا يأتي إلَّا بخير): فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِن خصال الإيمان بهذا الاعتبار" [جامع العلوم والحكم]
ولما حاز الحياء مكانة عالية وصف كله بالخيرية، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحياء خير كله)، أو قال: (الحياء كله خير). [مسلم]
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي.
وقد نرى البعض يذم غيره لشدة حيائه، وهذا مجانب للصواب، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، مرَّ على رجل، وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنَّك لتستحِيي حتى كأنَّه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعه، فإنَّ الحياء مِن الإيمان) [رواه البخاري]
قال ابن بطَّال: "معناه أنَّ الحَيَاء مِن أسباب الإيمان وأخلاق أهله؛ وذلك أنَّه لما كان الحَيَاء يمنع مِن الفواحش، ويحمل على الصَّبر والخير، كما يمنع الإيمان صاحبه مِن الفجور، ويقيِّده عن المعاصي، ويحمله على الطَّاعة، صار كالإيمان لمساواته له في ذلك، وإن كان الحَيَاء غريزة، والإيمان فعل المؤمن، فاشتبها مِن هذه الجهة" [شرح البخاري]
ومن أبواب الحياء في المجلس حياء الصغير عند الكبير وحياء الجاهل عند العالم والولد عند والديه فإنه من حسن الأدب، قال ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحت ورقها فوقع في نفسي أنها النخلة فكرهت أن أتكلم وثم أبو بكر وعمر فلما لم يتكلما قال النبي صلى الله عليه وسلم هي النخلة فلما خرجت مع أبي قلت يا أبتاه وقع في نفسي أنها النخلة قال ما منعك أن تقولها لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا قال ما منعني إلا أني لم أرك، ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت. [متفق عليه]
• استحيوا من الله حق الحياء!
وأعظم الحياء أن يستحي العبد من ربه فذاك المقام الأسمى والدرجة الأعلى ومن عرف ربه حقيقة استحيى منه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استحيوا مِن الله حقَّ الحياء). قال: قلنا: يا رسول الله إنَّا لنستحيي، والحمد للَّه. قال: (ليس ذاك، ولكنَّ الاستحياء مِن الله حقَّ الحياء: أن تحفظ الرَّأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتتذكَّر الموت والبِلَى، ومَن أراد الآخرة، ترك زينة الدُّنيا، فمَن فعل ذلك، فقد استحيا مِن الله حقَّ الحياء) [رواه التِّرمذي]، قال ابن رجب: "يدخل فيه حفظ السَّمع والبصر واللِّسان مِن المحرَّمات، وحفظ البطن وما حوى، يتضمَّن حفظ القلب عن الإصرار على ما حرَّم الله، ويتضمَّن أيضًا حفظ البطن مِن إدخال الحرام إليه مِن المآكل والمشارب، ومِن أعظم ما يجب حفظه مِن نواهي الله عزَّ وجلَّ اللِّسان والفرج" [جامع العلوم والحكم]، "ويروى عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصّاه لما بعثه إلى اليمن فقال: (استحي من الله كما تستحي من رجل ذي هيبة من أهلك)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا، فقال: الله أحق أن يستحيا منه" [جامع العلوم والحكم]. ولمَ لا يستحي العبد من ربه وربُه هو الحيي سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله حَيِيٌ سِتِّير يحب الحياءَ والستر) [الآداب للبيهقي]
في حق النساء أولى!
وإن أُمر الرجال بالحياء فهو في حق النساء أولى بلا شك، فمما جاء في حياء النساء، قوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] قال مجاهد: "يعْني: واضعةً ثوبها على وجهها ليست بخرَّاجةٍ ولا وَلَّاجةٍ" [تفسير مجاهد]، وروى ابن جرير عن عمر رضي الله عنه، قال: "واضعة يدها على وجهها مستترة"، وهذا الأصل في النساء أن يكنّ رمزا في الحياء، وإنّ شرع الله ليحث النساء على الحياء ويؤاخذهن به؛ لما في ذلك من صيانة للمجتمع المسلم من الفواحش والفجور.
نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى الآل والصحب أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
مقال: جاه الأكارم (7) -الحياء- الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين لما فيه صلاحهم في الدنيا ...
مقال: جاه الأكارم (7) -الحياء-
الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين لما فيه صلاحهم في الدنيا والدين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وبعد.
لكل شيء رأس، ورأس الأخلاق ما كان خير كله وهو الحياء، فمن رُزِقَهُ مَلَك زمام بقية الأخلاق الطيبة، ومن عجز عنه تعسّرت عليه الفضائل وزلت قدمه في مستنقع الأخلاق الذميمة، وهو من مكارم الأخلاق التي تضفي على عيش عباد الله فيما بينهم وُدّا ومحبة، فتُحجز القلوب من الأحقاد والضغائن، والحياء خصلة من خصال الإيمان، وخلق في الإسلام محمود، فمن تحلى به حسُن له إسلامه، وسمت بالعلياء أخلاقه، وهجر المعاصي والمنكرات استحياء من رب الأرض والسموات، وأقبل على طاعة الإله محبة وتعظيما.
والحياء يكسو صاحبه وقارًا واحترامًا، فيصرف عنه أذى السفهاء، ويكف عنه عتاب العقلاء، وهو صفة من صفات الأنبياء، ومن سار على نهجهم من عباد الله الأتقياء، وهو في أخلاق الرجال جميل، وفي أطباع النساء لازم تمتاز به الصالحات البتول، واكتسابه يغطي كل معيب، وضياعه يظهر كل قبيح.
وقيل في معنى الحياء أنه "الحشمة، ضد الوقاحة،... وهو الانقباض والانزواء" [لسان العرب]، وقيل أيضا أنه: "انقباض النَّفس مِن شيءٍ وتركه حذرًا عن اللَّوم فيه" [التعريفات للجرجاني]، وقال ابن حجر: "الحَياء خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ" [فتح الباري]
ولقد جاء في كتاب الله تعالى امتداح الحياء فقال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] فقد فسره بعض العلماء بأنه الحياء.
حياء النبي صلى الله عليه وسلم
وقد عُرف نبينا صلى الله عليه وسلم بالحياء حتى قيل عنه أنه "أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه" [متفق عليه] فحياؤه أشد من حياء الفتاة البكر، وإن كره الشيء لا يتكلّم وإنما يُعرف ويُفهم من تغيّر وجهه صلى الله عليه وسلم.
ومن صور حيائه عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ} [الأحزاب: 53] قال ابن كثير: "قيل: المراد أنَّ دخولكم منزله بغير إذنه، كان يشُقُّ عليه ويتأذَّى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك مِن شدَّة حَيَائه عليه السَّلام، حتى أنزل الله عليه النَّهي عن ذلك" [التفسير]
وإن الحياء قديم في بني البشر منذ أبيهم آدم عليه السلام، والحياء مأمور به وتركه منهي عنه، فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ ممَّا أدرك النَّاس مِن كلام النُّبوَّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [رواه البخاري] قال الخطَّابي: "قال الشَّيخ: معنى قوله (النُّبوَّة الأولى) أنَّ الحَيَاء لم يزل أمره ثابتًا، واستعماله واجبًا منذ زمان النُّبوَّة الأولى، وأنه ما مِن نبيٍّ إلَّا وقد نَدَب إلى الحَيَاء وبُعِث عليه، وأنَّه لم ينسخ فيما نسخ مِن شرائعهم، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها" [معالم السنن للخطَّابي]
• خصلة من خصل الإيمان
والحياء خصلة من خصال الإيمان فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وستون -وفي رواية وسبعون- شعبة، والحياء شعبة من الإيمان) [متفق عليه]، قال الخطَّابي: معنى قوله: (الحَيَاء شعبة مِن الإيمان) "أنَّ الحَيَاء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها، فصار بذلك مِن الإيمان" [معالم السنن]
وقال ابن القيِّم: "خُلق الحَيَاء مِن أفضل الأخلاق وأجلِّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا" [مفتاح دار السَّعادة]
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير) [متفق عليه]، قال ابن رجب: "(الحياء لا يأتي إلَّا بخير): فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِن خصال الإيمان بهذا الاعتبار" [جامع العلوم والحكم]
ولما حاز الحياء مكانة عالية وصف كله بالخيرية، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحياء خير كله)، أو قال: (الحياء كله خير). [مسلم]
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي.
وقد نرى البعض يذم غيره لشدة حيائه، وهذا مجانب للصواب، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، مرَّ على رجل، وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنَّك لتستحِيي حتى كأنَّه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعه، فإنَّ الحياء مِن الإيمان) [رواه البخاري]
قال ابن بطَّال: "معناه أنَّ الحَيَاء مِن أسباب الإيمان وأخلاق أهله؛ وذلك أنَّه لما كان الحَيَاء يمنع مِن الفواحش، ويحمل على الصَّبر والخير، كما يمنع الإيمان صاحبه مِن الفجور، ويقيِّده عن المعاصي، ويحمله على الطَّاعة، صار كالإيمان لمساواته له في ذلك، وإن كان الحَيَاء غريزة، والإيمان فعل المؤمن، فاشتبها مِن هذه الجهة" [شرح البخاري]
ومن أبواب الحياء في المجلس حياء الصغير عند الكبير وحياء الجاهل عند العالم والولد عند والديه فإنه من حسن الأدب، قال ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحت ورقها فوقع في نفسي أنها النخلة فكرهت أن أتكلم وثم أبو بكر وعمر فلما لم يتكلما قال النبي صلى الله عليه وسلم هي النخلة فلما خرجت مع أبي قلت يا أبتاه وقع في نفسي أنها النخلة قال ما منعك أن تقولها لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا قال ما منعني إلا أني لم أرك، ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت. [متفق عليه]
• استحيوا من الله حق الحياء!
وأعظم الحياء أن يستحي العبد من ربه فذاك المقام الأسمى والدرجة الأعلى ومن عرف ربه حقيقة استحيى منه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استحيوا مِن الله حقَّ الحياء). قال: قلنا: يا رسول الله إنَّا لنستحيي، والحمد للَّه. قال: (ليس ذاك، ولكنَّ الاستحياء مِن الله حقَّ الحياء: أن تحفظ الرَّأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتتذكَّر الموت والبِلَى، ومَن أراد الآخرة، ترك زينة الدُّنيا، فمَن فعل ذلك، فقد استحيا مِن الله حقَّ الحياء) [رواه التِّرمذي]، قال ابن رجب: "يدخل فيه حفظ السَّمع والبصر واللِّسان مِن المحرَّمات، وحفظ البطن وما حوى، يتضمَّن حفظ القلب عن الإصرار على ما حرَّم الله، ويتضمَّن أيضًا حفظ البطن مِن إدخال الحرام إليه مِن المآكل والمشارب، ومِن أعظم ما يجب حفظه مِن نواهي الله عزَّ وجلَّ اللِّسان والفرج" [جامع العلوم والحكم]، "ويروى عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصّاه لما بعثه إلى اليمن فقال: (استحي من الله كما تستحي من رجل ذي هيبة من أهلك)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا، فقال: الله أحق أن يستحيا منه" [جامع العلوم والحكم]. ولمَ لا يستحي العبد من ربه وربُه هو الحيي سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله حَيِيٌ سِتِّير يحب الحياءَ والستر) [الآداب للبيهقي]
في حق النساء أولى!
وإن أُمر الرجال بالحياء فهو في حق النساء أولى بلا شك، فمما جاء في حياء النساء، قوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] قال مجاهد: "يعْني: واضعةً ثوبها على وجهها ليست بخرَّاجةٍ ولا وَلَّاجةٍ" [تفسير مجاهد]، وروى ابن جرير عن عمر رضي الله عنه، قال: "واضعة يدها على وجهها مستترة"، وهذا الأصل في النساء أن يكنّ رمزا في الحياء، وإنّ شرع الله ليحث النساء على الحياء ويؤاخذهن به؛ لما في ذلك من صيانة للمجتمع المسلم من الفواحش والفجور.
نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى الآل والصحب أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله رب العالمين، هادي المؤمنين لما فيه صلاحهم في الدنيا والدين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وبعد.
لكل شيء رأس، ورأس الأخلاق ما كان خير كله وهو الحياء، فمن رُزِقَهُ مَلَك زمام بقية الأخلاق الطيبة، ومن عجز عنه تعسّرت عليه الفضائل وزلت قدمه في مستنقع الأخلاق الذميمة، وهو من مكارم الأخلاق التي تضفي على عيش عباد الله فيما بينهم وُدّا ومحبة، فتُحجز القلوب من الأحقاد والضغائن، والحياء خصلة من خصال الإيمان، وخلق في الإسلام محمود، فمن تحلى به حسُن له إسلامه، وسمت بالعلياء أخلاقه، وهجر المعاصي والمنكرات استحياء من رب الأرض والسموات، وأقبل على طاعة الإله محبة وتعظيما.
والحياء يكسو صاحبه وقارًا واحترامًا، فيصرف عنه أذى السفهاء، ويكف عنه عتاب العقلاء، وهو صفة من صفات الأنبياء، ومن سار على نهجهم من عباد الله الأتقياء، وهو في أخلاق الرجال جميل، وفي أطباع النساء لازم تمتاز به الصالحات البتول، واكتسابه يغطي كل معيب، وضياعه يظهر كل قبيح.
وقيل في معنى الحياء أنه "الحشمة، ضد الوقاحة،... وهو الانقباض والانزواء" [لسان العرب]، وقيل أيضا أنه: "انقباض النَّفس مِن شيءٍ وتركه حذرًا عن اللَّوم فيه" [التعريفات للجرجاني]، وقال ابن حجر: "الحَياء خُلُق يبعث صاحبه على اجتناب القبيح، ويمنع مِن التقصير في حقِّ ذي الحقِّ" [فتح الباري]
ولقد جاء في كتاب الله تعالى امتداح الحياء فقال تعالى: {وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف: 26] فقد فسره بعض العلماء بأنه الحياء.
حياء النبي صلى الله عليه وسلم
وقد عُرف نبينا صلى الله عليه وسلم بالحياء حتى قيل عنه أنه "أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه" [متفق عليه] فحياؤه أشد من حياء الفتاة البكر، وإن كره الشيء لا يتكلّم وإنما يُعرف ويُفهم من تغيّر وجهه صلى الله عليه وسلم.
ومن صور حيائه عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ} [الأحزاب: 53] قال ابن كثير: "قيل: المراد أنَّ دخولكم منزله بغير إذنه، كان يشُقُّ عليه ويتأذَّى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك مِن شدَّة حَيَائه عليه السَّلام، حتى أنزل الله عليه النَّهي عن ذلك" [التفسير]
وإن الحياء قديم في بني البشر منذ أبيهم آدم عليه السلام، والحياء مأمور به وتركه منهي عنه، فعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ ممَّا أدرك النَّاس مِن كلام النُّبوَّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) [رواه البخاري] قال الخطَّابي: "قال الشَّيخ: معنى قوله (النُّبوَّة الأولى) أنَّ الحَيَاء لم يزل أمره ثابتًا، واستعماله واجبًا منذ زمان النُّبوَّة الأولى، وأنه ما مِن نبيٍّ إلَّا وقد نَدَب إلى الحَيَاء وبُعِث عليه، وأنَّه لم ينسخ فيما نسخ مِن شرائعهم، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل منها" [معالم السنن للخطَّابي]
• خصلة من خصل الإيمان
والحياء خصلة من خصال الإيمان فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وستون -وفي رواية وسبعون- شعبة، والحياء شعبة من الإيمان) [متفق عليه]، قال الخطَّابي: معنى قوله: (الحَيَاء شعبة مِن الإيمان) "أنَّ الحَيَاء يقطع صاحبه عن المعاصي ويحجزه عنها، فصار بذلك مِن الإيمان" [معالم السنن]
وقال ابن القيِّم: "خُلق الحَيَاء مِن أفضل الأخلاق وأجلِّها وأعظمها قدرًا وأكثرها نفعًا" [مفتاح دار السَّعادة]
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (الحَيَاء لا يأتي إلَّا بخير) [متفق عليه]، قال ابن رجب: "(الحياء لا يأتي إلَّا بخير): فإنَّه يكفُّ عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحثُّ على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو مِن خصال الإيمان بهذا الاعتبار" [جامع العلوم والحكم]
ولما حاز الحياء مكانة عالية وصف كله بالخيرية، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الحياء خير كله)، أو قال: (الحياء كله خير). [مسلم]
وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي.
وقد نرى البعض يذم غيره لشدة حيائه، وهذا مجانب للصواب، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، مرَّ على رجل، وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنَّك لتستحِيي حتى كأنَّه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعه، فإنَّ الحياء مِن الإيمان) [رواه البخاري]
قال ابن بطَّال: "معناه أنَّ الحَيَاء مِن أسباب الإيمان وأخلاق أهله؛ وذلك أنَّه لما كان الحَيَاء يمنع مِن الفواحش، ويحمل على الصَّبر والخير، كما يمنع الإيمان صاحبه مِن الفجور، ويقيِّده عن المعاصي، ويحمله على الطَّاعة، صار كالإيمان لمساواته له في ذلك، وإن كان الحَيَاء غريزة، والإيمان فعل المؤمن، فاشتبها مِن هذه الجهة" [شرح البخاري]
ومن أبواب الحياء في المجلس حياء الصغير عند الكبير وحياء الجاهل عند العالم والولد عند والديه فإنه من حسن الأدب، قال ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ولا تحت ورقها فوقع في نفسي أنها النخلة فكرهت أن أتكلم وثم أبو بكر وعمر فلما لم يتكلما قال النبي صلى الله عليه وسلم هي النخلة فلما خرجت مع أبي قلت يا أبتاه وقع في نفسي أنها النخلة قال ما منعك أن تقولها لو كنت قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا قال ما منعني إلا أني لم أرك، ولا أبا بكر تكلمتما فكرهت. [متفق عليه]
• استحيوا من الله حق الحياء!
وأعظم الحياء أن يستحي العبد من ربه فذاك المقام الأسمى والدرجة الأعلى ومن عرف ربه حقيقة استحيى منه، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استحيوا مِن الله حقَّ الحياء). قال: قلنا: يا رسول الله إنَّا لنستحيي، والحمد للَّه. قال: (ليس ذاك، ولكنَّ الاستحياء مِن الله حقَّ الحياء: أن تحفظ الرَّأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتتذكَّر الموت والبِلَى، ومَن أراد الآخرة، ترك زينة الدُّنيا، فمَن فعل ذلك، فقد استحيا مِن الله حقَّ الحياء) [رواه التِّرمذي]، قال ابن رجب: "يدخل فيه حفظ السَّمع والبصر واللِّسان مِن المحرَّمات، وحفظ البطن وما حوى، يتضمَّن حفظ القلب عن الإصرار على ما حرَّم الله، ويتضمَّن أيضًا حفظ البطن مِن إدخال الحرام إليه مِن المآكل والمشارب، ومِن أعظم ما يجب حفظه مِن نواهي الله عزَّ وجلَّ اللِّسان والفرج" [جامع العلوم والحكم]، "ويروى عن معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم وصّاه لما بعثه إلى اليمن فقال: (استحي من الله كما تستحي من رجل ذي هيبة من أهلك)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن كشف العورة خاليا، فقال: الله أحق أن يستحيا منه" [جامع العلوم والحكم]. ولمَ لا يستحي العبد من ربه وربُه هو الحيي سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله حَيِيٌ سِتِّير يحب الحياءَ والستر) [الآداب للبيهقي]
في حق النساء أولى!
وإن أُمر الرجال بالحياء فهو في حق النساء أولى بلا شك، فمما جاء في حياء النساء، قوله تعالى: {فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] قال مجاهد: "يعْني: واضعةً ثوبها على وجهها ليست بخرَّاجةٍ ولا وَلَّاجةٍ" [تفسير مجاهد]، وروى ابن جرير عن عمر رضي الله عنه، قال: "واضعة يدها على وجهها مستترة"، وهذا الأصل في النساء أن يكنّ رمزا في الحياء، وإنّ شرع الله ليحث النساء على الحياء ويؤاخذهن به؛ لما في ذلك من صيانة للمجتمع المسلم من الفواحش والفجور.
نعوذ بالله من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى الآل والصحب أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
الفرقان / وكفى بربِّك هادياً ونصيراً مقتبسات من كلمة "وكفى بربِّك هادياً ونصيراً" لأمير ...
الفرقان / وكفى بربِّك هادياً ونصيراً
مقتبسات من كلمة "وكفى بربِّك هادياً ونصيراً"
لأمير المؤمنين الشيخ المفضال أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-
"فمهما حشدوا وألّبوا فلن تغني جموعهم من أمر الله شيئا، وقد أخبرنا سبحانه في مواطن من كتابه العزيز، أن العبرة ليست بالعدد والعدة والقوة، قال صاحب أضواء البيان بتصرف يسير: "إن الفئة القليلة المتمسكة بدين ربها تغلب الفئة القوية الكافرة التي لم تتمسك به"، ففي غزوة الخندق، ذلك الحصار العسكري الذي نوه الله بشأنه، وبيّن شدته وعِظمه في سورة الأحزاب في قوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 ، 11] وقع هذا الحصار العظيم وأهل الكفر في عدد وعدة وقوة، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ضعف وجوع وقلة من المال والسلاح، حتى ذكر أهل السير، أن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يشد حزامه على الحجارة من شدة الجوع، ومع شدة الحصار والضيق، نقضت بنو قريظة العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، وهذا هو ديدن اليهود، فأصبح المسلمون في موقف حرج وضيق أشد، فكان الذي واجه المسلمون به هذا الموقف الشديد والحصار العسكري الكبير، هو الإيمان والتسليم كما أخبر الله -تعالى- عنهم بقوله، {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] ، وكان من نتائج هذا الإيمان والتسليم، ما قصه الله علينا في محكم كتابه في سورة الأحزاب في قوله، {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].
ولقد أثبت أبناء الإسلام في دولة الخلافة بفضل الله ومنه، أنهم بثباتهم وعدم نكولهم من مصادمة آلة العدو وترسانته الصماء، هم حصن الأمة ودرعها المتين، وأملها المتقد، وخط دفاعها الأول، في وجه العدو الرافضي الحوثي المجوسي النصيري، الذي بات يؤمِّل نفسه أن يُحكم قبضته على ديار أهل السنة، وبدعم منقطع النظير من عباد الصليب وأذنابهم المرتدين، ومما يدل على ذلك، صمود رجالات الأمة في هذا الزمان الذين ثبتوا على أرض الموصل، وأبوا أن يسلموا أرضا حكمت بشرع الله لأهل الكفر وأمم الصليب، إلا بدق الرقاب وسكب الدماء، معتزين بدينهم مستعلين بإيمانهم موقنين صابرين محتسبين، فأوفوا بعهدهم وما بذمتهم، ولم يسلموها إلا على جماجمهم وأشلائهم، فأعذروا بعد ما يقارب سنة من القتال والنزال -نحسبهم والله حسيبهم- رغم أن الصليبيين الحاقدين وكعادتهم مع المسلمين، في الموصل وغيرها من ديار الإسلام، لم يتركوا سلاحا فاتكا مدمرا إلا واستخدموه، ولا محرّما عندهم -زعموا- إلا وألقوا به وجربوه، فأحرقوا البشر والشجر وكل شيء على الأرض عليهم من الله ما يستحقون، ولن يثني ذلك المجاهدين عن جهادهم وسيظل أبناء الإسلام يُرخصون دماءهم وأجسادهم في سبيل خالقهم جل وعلا، ولسان حالهم، {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52].
وليعلم كل موحد مجاهد في دولة الإسلام وخارجها، بأنَّا على يقين، أن سيل الدماء والأشلاء الذي سكبه الثابتون الصابرون في الموصل وسرت، والرقة والرمادي وحماة، أن الله سيجريه في البلاد، فيهلك به كل طاغوت جثم على صدر الأمة، وستنزاح به الستور التي فرقت المسلمين لدهور، فلن نعود أعزة كرماء بديننا إلا بضرب البيض الصفاح، ومصادمة العدو في كل ساح، هذا سبيل فلاحنا في ديننا ودنيانا إن اعتصمنا بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
وإنا بحول الله وقوته باقون ثابتون صابرون محتسبون في دار الإسلام، لن تثنينا كثرة القتل والأسر وألم الجراح، وأنيسنا قول ربنا {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
فيا أهل السنة في العراق والشام واليمن، يا أهل السنة في كل مكان، لقد طاول أبناء الخلافة حشود الرفض وقطعان النصيرية والحوثة في العراق والشام واليمن، وفلوا بفضل الله جيوشهم وجموعهم، فثبوا من مخادعكم، وانفضوا غبار الذل عنكم، واعلموا أن الرافضة والنصيرية لن يقبلوا بأنصاف الحلول، بعدما سلبوا الديار وانتهكوا الأعراض، وقد حل بكم ما حذركم منه نبيكم صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)، فارجعوا إلى دينكم، ارجعوا إلى عزكم وما فيه رفعتكم، وانبذوا فصائل الردة والخسة والعمالة، من تسيرهم أمريكا وحكومات الردة في المنطقة، من يقتاتون بدمائكم وعلى أشلاء أبنائكم، فقولوا لي بربكم، ماذا جنيتم من محافل الذل وفتات الداعمين، سوى مهادنة النصيرية وتسليم دياركم، وأصبح أبناؤكم وقود حرب يُشعلها الصليبي الكافر ضد دولة الإسلام، أو تظنون أنكم اليوم بمنأى من بطش النصيرية وداعميهم، كلا والله، لقد حذرناكم من قبل، ولا زلنا نحذركم من المكر الذي يراد بكم، ولن يغنيَ عنكم المرتد الإخواني التركي شيئا، ولن تُغني عنكم فصائل الردة وداعموهم شيئا، إن اُصطلم لا قدر الله جنود الخلافة وحراس العقيدة في الشام، فإنا نعتقد أنه لولا الله، ثم هؤلاء الشعث الغبر، لكان الأمر على غير ما تشتهون، فأفيقوا من سباتكم يا أهل السنة في الشام، واطردوا آمال السراب عنكم وعودوا إلى ربكم، فقد أقبل النصيرية اليوم وبكل ما يملكون، يدفعهم الروس ودولة المجوس إيران، للمضي قدما في قتال دولة الإسلام، فلا تهولنكم قطعانهم التائهة في أودية الشام وسوحها، فاحملوا على عدوكم حملة رجل واحد، فقد أصبح بفضل الله وحده مكشوف الظهر واهن العظم، فلا تعطوه فرصة لالتقاط أنفاسه، واغتنموا ساعة الإمكان قبل فوات الأوان.
ويا جنود الخلافة وآساد الإسلام في العراق والشام وجزيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وخراسان واليمن وليبيا وسيناء ومصر وشرق آسيا، وغرب إفريقية والصومال وتونس والجزائر والقوقاز وبلاد البنغال وغيرها من البلدان.
قال ربنا في كتابه العزيز: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. اعلموا -يرحمكم الله- أنكم اليوم في عُدوةٍ واحدة، تقارعون أمم الكفر وتصدون حملتهم الغاشمة عن ديار الإسلام، فبثباتكم ثبات لإخوانكم وسلوة لهم في كل ثغر وصقع من الأرض، وفي تجلدكم إرباك لمخططات الصليبيين، واستنزاف حقيقي لمقدراتهم، ودفع وتأخير لصيالهم على معقل الإسلام في هذا الزمان، فاثبتوا يرحمكم الله، {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]".
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
مقتبسات من كلمة "وكفى بربِّك هادياً ونصيراً"
لأمير المؤمنين الشيخ المفضال أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-
"فمهما حشدوا وألّبوا فلن تغني جموعهم من أمر الله شيئا، وقد أخبرنا سبحانه في مواطن من كتابه العزيز، أن العبرة ليست بالعدد والعدة والقوة، قال صاحب أضواء البيان بتصرف يسير: "إن الفئة القليلة المتمسكة بدين ربها تغلب الفئة القوية الكافرة التي لم تتمسك به"، ففي غزوة الخندق، ذلك الحصار العسكري الذي نوه الله بشأنه، وبيّن شدته وعِظمه في سورة الأحزاب في قوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 ، 11] وقع هذا الحصار العظيم وأهل الكفر في عدد وعدة وقوة، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ضعف وجوع وقلة من المال والسلاح، حتى ذكر أهل السير، أن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يشد حزامه على الحجارة من شدة الجوع، ومع شدة الحصار والضيق، نقضت بنو قريظة العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، وهذا هو ديدن اليهود، فأصبح المسلمون في موقف حرج وضيق أشد، فكان الذي واجه المسلمون به هذا الموقف الشديد والحصار العسكري الكبير، هو الإيمان والتسليم كما أخبر الله -تعالى- عنهم بقوله، {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] ، وكان من نتائج هذا الإيمان والتسليم، ما قصه الله علينا في محكم كتابه في سورة الأحزاب في قوله، {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].
ولقد أثبت أبناء الإسلام في دولة الخلافة بفضل الله ومنه، أنهم بثباتهم وعدم نكولهم من مصادمة آلة العدو وترسانته الصماء، هم حصن الأمة ودرعها المتين، وأملها المتقد، وخط دفاعها الأول، في وجه العدو الرافضي الحوثي المجوسي النصيري، الذي بات يؤمِّل نفسه أن يُحكم قبضته على ديار أهل السنة، وبدعم منقطع النظير من عباد الصليب وأذنابهم المرتدين، ومما يدل على ذلك، صمود رجالات الأمة في هذا الزمان الذين ثبتوا على أرض الموصل، وأبوا أن يسلموا أرضا حكمت بشرع الله لأهل الكفر وأمم الصليب، إلا بدق الرقاب وسكب الدماء، معتزين بدينهم مستعلين بإيمانهم موقنين صابرين محتسبين، فأوفوا بعهدهم وما بذمتهم، ولم يسلموها إلا على جماجمهم وأشلائهم، فأعذروا بعد ما يقارب سنة من القتال والنزال -نحسبهم والله حسيبهم- رغم أن الصليبيين الحاقدين وكعادتهم مع المسلمين، في الموصل وغيرها من ديار الإسلام، لم يتركوا سلاحا فاتكا مدمرا إلا واستخدموه، ولا محرّما عندهم -زعموا- إلا وألقوا به وجربوه، فأحرقوا البشر والشجر وكل شيء على الأرض عليهم من الله ما يستحقون، ولن يثني ذلك المجاهدين عن جهادهم وسيظل أبناء الإسلام يُرخصون دماءهم وأجسادهم في سبيل خالقهم جل وعلا، ولسان حالهم، {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52].
وليعلم كل موحد مجاهد في دولة الإسلام وخارجها، بأنَّا على يقين، أن سيل الدماء والأشلاء الذي سكبه الثابتون الصابرون في الموصل وسرت، والرقة والرمادي وحماة، أن الله سيجريه في البلاد، فيهلك به كل طاغوت جثم على صدر الأمة، وستنزاح به الستور التي فرقت المسلمين لدهور، فلن نعود أعزة كرماء بديننا إلا بضرب البيض الصفاح، ومصادمة العدو في كل ساح، هذا سبيل فلاحنا في ديننا ودنيانا إن اعتصمنا بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
وإنا بحول الله وقوته باقون ثابتون صابرون محتسبون في دار الإسلام، لن تثنينا كثرة القتل والأسر وألم الجراح، وأنيسنا قول ربنا {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
فيا أهل السنة في العراق والشام واليمن، يا أهل السنة في كل مكان، لقد طاول أبناء الخلافة حشود الرفض وقطعان النصيرية والحوثة في العراق والشام واليمن، وفلوا بفضل الله جيوشهم وجموعهم، فثبوا من مخادعكم، وانفضوا غبار الذل عنكم، واعلموا أن الرافضة والنصيرية لن يقبلوا بأنصاف الحلول، بعدما سلبوا الديار وانتهكوا الأعراض، وقد حل بكم ما حذركم منه نبيكم صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)، فارجعوا إلى دينكم، ارجعوا إلى عزكم وما فيه رفعتكم، وانبذوا فصائل الردة والخسة والعمالة، من تسيرهم أمريكا وحكومات الردة في المنطقة، من يقتاتون بدمائكم وعلى أشلاء أبنائكم، فقولوا لي بربكم، ماذا جنيتم من محافل الذل وفتات الداعمين، سوى مهادنة النصيرية وتسليم دياركم، وأصبح أبناؤكم وقود حرب يُشعلها الصليبي الكافر ضد دولة الإسلام، أو تظنون أنكم اليوم بمنأى من بطش النصيرية وداعميهم، كلا والله، لقد حذرناكم من قبل، ولا زلنا نحذركم من المكر الذي يراد بكم، ولن يغنيَ عنكم المرتد الإخواني التركي شيئا، ولن تُغني عنكم فصائل الردة وداعموهم شيئا، إن اُصطلم لا قدر الله جنود الخلافة وحراس العقيدة في الشام، فإنا نعتقد أنه لولا الله، ثم هؤلاء الشعث الغبر، لكان الأمر على غير ما تشتهون، فأفيقوا من سباتكم يا أهل السنة في الشام، واطردوا آمال السراب عنكم وعودوا إلى ربكم، فقد أقبل النصيرية اليوم وبكل ما يملكون، يدفعهم الروس ودولة المجوس إيران، للمضي قدما في قتال دولة الإسلام، فلا تهولنكم قطعانهم التائهة في أودية الشام وسوحها، فاحملوا على عدوكم حملة رجل واحد، فقد أصبح بفضل الله وحده مكشوف الظهر واهن العظم، فلا تعطوه فرصة لالتقاط أنفاسه، واغتنموا ساعة الإمكان قبل فوات الأوان.
ويا جنود الخلافة وآساد الإسلام في العراق والشام وجزيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وخراسان واليمن وليبيا وسيناء ومصر وشرق آسيا، وغرب إفريقية والصومال وتونس والجزائر والقوقاز وبلاد البنغال وغيرها من البلدان.
قال ربنا في كتابه العزيز: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. اعلموا -يرحمكم الله- أنكم اليوم في عُدوةٍ واحدة، تقارعون أمم الكفر وتصدون حملتهم الغاشمة عن ديار الإسلام، فبثباتكم ثبات لإخوانكم وسلوة لهم في كل ثغر وصقع من الأرض، وفي تجلدكم إرباك لمخططات الصليبيين، واستنزاف حقيقي لمقدراتهم، ودفع وتأخير لصيالهم على معقل الإسلام في هذا الزمان، فاثبتوا يرحمكم الله، {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]".
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
الفرقان / وكفى بربِّك هادياً ونصيراً مقتبسات من كلمة "وكفى بربِّك هادياً ونصيراً" لأمير ...
الفرقان / وكفى بربِّك هادياً ونصيراً
مقتبسات من كلمة "وكفى بربِّك هادياً ونصيراً"
لأمير المؤمنين الشيخ المفضال أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-
"فمهما حشدوا وألّبوا فلن تغني جموعهم من أمر الله شيئا، وقد أخبرنا سبحانه في مواطن من كتابه العزيز، أن العبرة ليست بالعدد والعدة والقوة، قال صاحب أضواء البيان بتصرف يسير: "إن الفئة القليلة المتمسكة بدين ربها تغلب الفئة القوية الكافرة التي لم تتمسك به"، ففي غزوة الخندق، ذلك الحصار العسكري الذي نوه الله بشأنه، وبيّن شدته وعِظمه في سورة الأحزاب في قوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 ، 11] وقع هذا الحصار العظيم وأهل الكفر في عدد وعدة وقوة، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ضعف وجوع وقلة من المال والسلاح، حتى ذكر أهل السير، أن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يشد حزامه على الحجارة من شدة الجوع، ومع شدة الحصار والضيق، نقضت بنو قريظة العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، وهذا هو ديدن اليهود، فأصبح المسلمون في موقف حرج وضيق أشد، فكان الذي واجه المسلمون به هذا الموقف الشديد والحصار العسكري الكبير، هو الإيمان والتسليم كما أخبر الله -تعالى- عنهم بقوله، {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] ، وكان من نتائج هذا الإيمان والتسليم، ما قصه الله علينا في محكم كتابه في سورة الأحزاب في قوله، {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].
ولقد أثبت أبناء الإسلام في دولة الخلافة بفضل الله ومنه، أنهم بثباتهم وعدم نكولهم من مصادمة آلة العدو وترسانته الصماء، هم حصن الأمة ودرعها المتين، وأملها المتقد، وخط دفاعها الأول، في وجه العدو الرافضي الحوثي المجوسي النصيري، الذي بات يؤمِّل نفسه أن يُحكم قبضته على ديار أهل السنة، وبدعم منقطع النظير من عباد الصليب وأذنابهم المرتدين، ومما يدل على ذلك، صمود رجالات الأمة في هذا الزمان الذين ثبتوا على أرض الموصل، وأبوا أن يسلموا أرضا حكمت بشرع الله لأهل الكفر وأمم الصليب، إلا بدق الرقاب وسكب الدماء، معتزين بدينهم مستعلين بإيمانهم موقنين صابرين محتسبين، فأوفوا بعهدهم وما بذمتهم، ولم يسلموها إلا على جماجمهم وأشلائهم، فأعذروا بعد ما يقارب سنة من القتال والنزال -نحسبهم والله حسيبهم- رغم أن الصليبيين الحاقدين وكعادتهم مع المسلمين، في الموصل وغيرها من ديار الإسلام، لم يتركوا سلاحا فاتكا مدمرا إلا واستخدموه، ولا محرّما عندهم -زعموا- إلا وألقوا به وجربوه، فأحرقوا البشر والشجر وكل شيء على الأرض عليهم من الله ما يستحقون، ولن يثني ذلك المجاهدين عن جهادهم وسيظل أبناء الإسلام يُرخصون دماءهم وأجسادهم في سبيل خالقهم جل وعلا، ولسان حالهم، {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52].
وليعلم كل موحد مجاهد في دولة الإسلام وخارجها، بأنَّا على يقين، أن سيل الدماء والأشلاء الذي سكبه الثابتون الصابرون في الموصل وسرت، والرقة والرمادي وحماة، أن الله سيجريه في البلاد، فيهلك به كل طاغوت جثم على صدر الأمة، وستنزاح به الستور التي فرقت المسلمين لدهور، فلن نعود أعزة كرماء بديننا إلا بضرب البيض الصفاح، ومصادمة العدو في كل ساح، هذا سبيل فلاحنا في ديننا ودنيانا إن اعتصمنا بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
وإنا بحول الله وقوته باقون ثابتون صابرون محتسبون في دار الإسلام، لن تثنينا كثرة القتل والأسر وألم الجراح، وأنيسنا قول ربنا {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
فيا أهل السنة في العراق والشام واليمن، يا أهل السنة في كل مكان، لقد طاول أبناء الخلافة حشود الرفض وقطعان النصيرية والحوثة في العراق والشام واليمن، وفلوا بفضل الله جيوشهم وجموعهم، فثبوا من مخادعكم، وانفضوا غبار الذل عنكم، واعلموا أن الرافضة والنصيرية لن يقبلوا بأنصاف الحلول، بعدما سلبوا الديار وانتهكوا الأعراض، وقد حل بكم ما حذركم منه نبيكم صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)، فارجعوا إلى دينكم، ارجعوا إلى عزكم وما فيه رفعتكم، وانبذوا فصائل الردة والخسة والعمالة، من تسيرهم أمريكا وحكومات الردة في المنطقة، من يقتاتون بدمائكم وعلى أشلاء أبنائكم، فقولوا لي بربكم، ماذا جنيتم من محافل الذل وفتات الداعمين، سوى مهادنة النصيرية وتسليم دياركم، وأصبح أبناؤكم وقود حرب يُشعلها الصليبي الكافر ضد دولة الإسلام، أو تظنون أنكم اليوم بمنأى من بطش النصيرية وداعميهم، كلا والله، لقد حذرناكم من قبل، ولا زلنا نحذركم من المكر الذي يراد بكم، ولن يغنيَ عنكم المرتد الإخواني التركي شيئا، ولن تُغني عنكم فصائل الردة وداعموهم شيئا، إن اُصطلم لا قدر الله جنود الخلافة وحراس العقيدة في الشام، فإنا نعتقد أنه لولا الله، ثم هؤلاء الشعث الغبر، لكان الأمر على غير ما تشتهون، فأفيقوا من سباتكم يا أهل السنة في الشام، واطردوا آمال السراب عنكم وعودوا إلى ربكم، فقد أقبل النصيرية اليوم وبكل ما يملكون، يدفعهم الروس ودولة المجوس إيران، للمضي قدما في قتال دولة الإسلام، فلا تهولنكم قطعانهم التائهة في أودية الشام وسوحها، فاحملوا على عدوكم حملة رجل واحد، فقد أصبح بفضل الله وحده مكشوف الظهر واهن العظم، فلا تعطوه فرصة لالتقاط أنفاسه، واغتنموا ساعة الإمكان قبل فوات الأوان.
ويا جنود الخلافة وآساد الإسلام في العراق والشام وجزيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وخراسان واليمن وليبيا وسيناء ومصر وشرق آسيا، وغرب إفريقية والصومال وتونس والجزائر والقوقاز وبلاد البنغال وغيرها من البلدان.
قال ربنا في كتابه العزيز: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. اعلموا -يرحمكم الله- أنكم اليوم في عُدوةٍ واحدة، تقارعون أمم الكفر وتصدون حملتهم الغاشمة عن ديار الإسلام، فبثباتكم ثبات لإخوانكم وسلوة لهم في كل ثغر وصقع من الأرض، وفي تجلدكم إرباك لمخططات الصليبيين، واستنزاف حقيقي لمقدراتهم، ودفع وتأخير لصيالهم على معقل الإسلام في هذا الزمان، فاثبتوا يرحمكم الله، {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]".
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
مقتبسات من كلمة "وكفى بربِّك هادياً ونصيراً"
لأمير المؤمنين الشيخ المفضال أبي بكر البغدادي -تقبله الله تعالى-
"فمهما حشدوا وألّبوا فلن تغني جموعهم من أمر الله شيئا، وقد أخبرنا سبحانه في مواطن من كتابه العزيز، أن العبرة ليست بالعدد والعدة والقوة، قال صاحب أضواء البيان بتصرف يسير: "إن الفئة القليلة المتمسكة بدين ربها تغلب الفئة القوية الكافرة التي لم تتمسك به"، ففي غزوة الخندق، ذلك الحصار العسكري الذي نوه الله بشأنه، وبيّن شدته وعِظمه في سورة الأحزاب في قوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِّنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب: 10 ، 11] وقع هذا الحصار العظيم وأهل الكفر في عدد وعدة وقوة، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ضعف وجوع وقلة من المال والسلاح، حتى ذكر أهل السير، أن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم يشد حزامه على الحجارة من شدة الجوع، ومع شدة الحصار والضيق، نقضت بنو قريظة العهد الذي كان بينهم وبين المسلمين، وهذا هو ديدن اليهود، فأصبح المسلمون في موقف حرج وضيق أشد، فكان الذي واجه المسلمون به هذا الموقف الشديد والحصار العسكري الكبير، هو الإيمان والتسليم كما أخبر الله -تعالى- عنهم بقوله، {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب: 22] ، وكان من نتائج هذا الإيمان والتسليم، ما قصه الله علينا في محكم كتابه في سورة الأحزاب في قوله، {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].
ولقد أثبت أبناء الإسلام في دولة الخلافة بفضل الله ومنه، أنهم بثباتهم وعدم نكولهم من مصادمة آلة العدو وترسانته الصماء، هم حصن الأمة ودرعها المتين، وأملها المتقد، وخط دفاعها الأول، في وجه العدو الرافضي الحوثي المجوسي النصيري، الذي بات يؤمِّل نفسه أن يُحكم قبضته على ديار أهل السنة، وبدعم منقطع النظير من عباد الصليب وأذنابهم المرتدين، ومما يدل على ذلك، صمود رجالات الأمة في هذا الزمان الذين ثبتوا على أرض الموصل، وأبوا أن يسلموا أرضا حكمت بشرع الله لأهل الكفر وأمم الصليب، إلا بدق الرقاب وسكب الدماء، معتزين بدينهم مستعلين بإيمانهم موقنين صابرين محتسبين، فأوفوا بعهدهم وما بذمتهم، ولم يسلموها إلا على جماجمهم وأشلائهم، فأعذروا بعد ما يقارب سنة من القتال والنزال -نحسبهم والله حسيبهم- رغم أن الصليبيين الحاقدين وكعادتهم مع المسلمين، في الموصل وغيرها من ديار الإسلام، لم يتركوا سلاحا فاتكا مدمرا إلا واستخدموه، ولا محرّما عندهم -زعموا- إلا وألقوا به وجربوه، فأحرقوا البشر والشجر وكل شيء على الأرض عليهم من الله ما يستحقون، ولن يثني ذلك المجاهدين عن جهادهم وسيظل أبناء الإسلام يُرخصون دماءهم وأجسادهم في سبيل خالقهم جل وعلا، ولسان حالهم، {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ} [التوبة: 52].
وليعلم كل موحد مجاهد في دولة الإسلام وخارجها، بأنَّا على يقين، أن سيل الدماء والأشلاء الذي سكبه الثابتون الصابرون في الموصل وسرت، والرقة والرمادي وحماة، أن الله سيجريه في البلاد، فيهلك به كل طاغوت جثم على صدر الأمة، وستنزاح به الستور التي فرقت المسلمين لدهور، فلن نعود أعزة كرماء بديننا إلا بضرب البيض الصفاح، ومصادمة العدو في كل ساح، هذا سبيل فلاحنا في ديننا ودنيانا إن اعتصمنا بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم.
وإنا بحول الله وقوته باقون ثابتون صابرون محتسبون في دار الإسلام، لن تثنينا كثرة القتل والأسر وألم الجراح، وأنيسنا قول ربنا {وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 104].
فيا أهل السنة في العراق والشام واليمن، يا أهل السنة في كل مكان، لقد طاول أبناء الخلافة حشود الرفض وقطعان النصيرية والحوثة في العراق والشام واليمن، وفلوا بفضل الله جيوشهم وجموعهم، فثبوا من مخادعكم، وانفضوا غبار الذل عنكم، واعلموا أن الرافضة والنصيرية لن يقبلوا بأنصاف الحلول، بعدما سلبوا الديار وانتهكوا الأعراض، وقد حل بكم ما حذركم منه نبيكم صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم)، فارجعوا إلى دينكم، ارجعوا إلى عزكم وما فيه رفعتكم، وانبذوا فصائل الردة والخسة والعمالة، من تسيرهم أمريكا وحكومات الردة في المنطقة، من يقتاتون بدمائكم وعلى أشلاء أبنائكم، فقولوا لي بربكم، ماذا جنيتم من محافل الذل وفتات الداعمين، سوى مهادنة النصيرية وتسليم دياركم، وأصبح أبناؤكم وقود حرب يُشعلها الصليبي الكافر ضد دولة الإسلام، أو تظنون أنكم اليوم بمنأى من بطش النصيرية وداعميهم، كلا والله، لقد حذرناكم من قبل، ولا زلنا نحذركم من المكر الذي يراد بكم، ولن يغنيَ عنكم المرتد الإخواني التركي شيئا، ولن تُغني عنكم فصائل الردة وداعموهم شيئا، إن اُصطلم لا قدر الله جنود الخلافة وحراس العقيدة في الشام، فإنا نعتقد أنه لولا الله، ثم هؤلاء الشعث الغبر، لكان الأمر على غير ما تشتهون، فأفيقوا من سباتكم يا أهل السنة في الشام، واطردوا آمال السراب عنكم وعودوا إلى ربكم، فقد أقبل النصيرية اليوم وبكل ما يملكون، يدفعهم الروس ودولة المجوس إيران، للمضي قدما في قتال دولة الإسلام، فلا تهولنكم قطعانهم التائهة في أودية الشام وسوحها، فاحملوا على عدوكم حملة رجل واحد، فقد أصبح بفضل الله وحده مكشوف الظهر واهن العظم، فلا تعطوه فرصة لالتقاط أنفاسه، واغتنموا ساعة الإمكان قبل فوات الأوان.
ويا جنود الخلافة وآساد الإسلام في العراق والشام وجزيرة محمد صلى الله عليه وسلم، وخراسان واليمن وليبيا وسيناء ومصر وشرق آسيا، وغرب إفريقية والصومال وتونس والجزائر والقوقاز وبلاد البنغال وغيرها من البلدان.
قال ربنا في كتابه العزيز: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 140]. اعلموا -يرحمكم الله- أنكم اليوم في عُدوةٍ واحدة، تقارعون أمم الكفر وتصدون حملتهم الغاشمة عن ديار الإسلام، فبثباتكم ثبات لإخوانكم وسلوة لهم في كل ثغر وصقع من الأرض، وفي تجلدكم إرباك لمخططات الصليبيين، واستنزاف حقيقي لمقدراتهم، ودفع وتأخير لصيالهم على معقل الإسلام في هذا الزمان، فاثبتوا يرحمكم الله، {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]".
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
مقال: أليس فيكم عُمَرٌ جديد؟! "هذا نداءٌ لجميع المهاجرين ممَّن لم يلتحقوا بصفوف الدولة ...
مقال: أليس فيكم عُمَرٌ جديد؟!
"هذا نداءٌ لجميع المهاجرين ممَّن لم يلتحقوا بصفوف الدولة الإسلامية في الشام: خذوا حذركم! فإنَّ الصحوات لايفرِّقون بين مهاجرٍ ومهاجر، وأنْ تلحقوا بصفوف الدولة خيرٌ لكم، ولا تظنوا أنَّ انتمائكم لفصيل يكفّهم عنكم…".
بهذه الكلمات دقَّ الشيخ العدناني -تقبله الله تعالى- ناقوس الخطر قبل نحو ثماني سنوات لدى "المهاجرين" في الشام محذّرا إياهم من الحرب التي ستوجّه إليهم والمؤامرة التي ستستهدفهم من قِبل فصائل الصحوات طال الزمان أو قصر، وأن هذه الفصائل المرتدة وإنْ غضّت الطرف عنهم لبعض الوقت فإنها ستقاتلهم لا محالة.
بل كان خطاب الشيخ العدناني أكثر عمقا وفراسة حين قال لجموع المهاجرين -آنذاك-: "لا تظنوا أنَّ انتمائكم لفصيل يكفّهم عنكم" وهو الخطأ الذي توهّمه كثير من هؤلاء المقاتلين الذين ظنوا أنّ عملهم تحت غطاء هذه الفصائل المرتدة سيوفّر لهم الحماية أو يستثنيهم من الملاحقة! فلم ينفعهم ذلك وتم التضييق عليهم ومحاربتهم داخل هذه الفصائل حتى اضطروا للانشقاق عنها وصاروا ملاحقين محاربين في كل مكان من قبل ميليشيا الجولاني المرتد وأتباعه من الشراذم والطغام الذين يخطبون ودَّه بغضب الله تعالى! تماما كما يفعل هو مع طواغيت المنطقة وأجهزة مخابراتها المرتدة.
وعلى إثر التضييق والملاحقة اضطر كثير من المقاتلين الأجانب إلى تشكيل مجموعات باتت تُعرف ب"المستقلين" تضمُّ الفارين من ظلم وبطش ميليشيا الجولاني والفصائل التابعة له، ظنًا منهم أن هذا "الاستقلال الموهوم" سيحميهم من الاستهداف والملاحقة، ولم يدرك هؤلاء المقاتلون أن سبب ملاحقتهم هو مجرد بقائهم على أرض الشام حتى لو لم يقاتلوا النظام؛ لأنّ كل الحلول السياسية المطروحة تشترط إخراجهم من الشام وإعادتهم لبلادهم طوعا أو كرها!، ولذلك كان مصيرهم في السنوات الأخيرة إما أسرى في سجون الجولاني أو جثثا هامدة في شوارع إدلب، ومَن نجا منهم تلقّفته الطائرات المسيّرة لتكمل الدور الذي عجز عنه الجولاني وجنوده!، ومن ينجُ مِن كل ذلك يصبح مطاردا في الغابات والأحراج ينتظر مصيره في أي حملة "جولانية" أو نصيرية قادمة!
وهو ما حصل مؤخرا في الحملة الأمنية التي شنّتها ميليشيا الجولاني على مجموعات المقاتلين الأجانب في جبال التركمان ومحيطها، والتي جاءت تنفيذا للإملاءات الخارجية بهدف تعبيد الطريق أمام تنفيذ الاتفاقيات التركية الروسية، حيث يرى كل من الروس والأتراك ومعهم الصحوات، أن بقاء هذه المجموعات الخارجة عن "الإجماع التركي" يشكّل عائقا أمام إتمام الاتفاقيات، وبالتالي كان الحل بالنسبة إلى مخابرات هذه الدول؛ انتداب الجولاني مرة أخرى ليتولى كبر حملة عسكرية جديدة تستهدف مناطق المقاتلين الأجانب، وسبق ذلك حملة إعلامية عبر اتهامهم بارتكاب "جرائم خطف وقتل وسرقة"، ووصمهم بالخارجية والتكفير وغيرها من التهم الجاهزة التي اتهموا بها الدولة الإسلامية وصدّقهم كثير من هؤلاء المقاتلين حينها!، واليوم يُتهمون بنفس التهم من نفس الجهة التي أيّدوها وأقرّوها على ظلمها! فإذا بهم اليوم يكتوون بنارها، فتأمل.
ولو تفكّر المقاتلون الأجانب ما يعنيه أن تستخدم ميليشيا الجولاني "تهمة" الانتماء للدولة الإسلامية، في شرعنة قتالهم والتأليب عليهم، لعلموا أنّ الحق مع هذه الدولة الإسلامية، فإن ذلك يعني استجلاب وحشد الدعم الدولي والإقليمي في قتالهم، فقتال الدولة الإسلامية هدف مشترك لكل طواغيت الغرب والشرق! فهلّا تتبَّع المقاتلون الأجانب سهام أهل الباطل ليهتدوا بها إلى أهل الحق، ويميزوا الخبيث من الطيب؟!
وبعد سنوات طويلة من القتال في الشام لم يفقه المقاتلون الأجانب حقيقة الصراع بعد، وما زالوا يصمّون آذانهم وأعينهم عن الحق! ويحاولون الوقوف في منطقة رمادية بين الحق والباطل! وما علموا أن "الرمادية" صورة أخرى من صور الباطل!، كما أنهم يرفضون الاعتراف بصحة طريق الدولة الإسلامية ودقة تحذيراتها وصدق نصائحها التي بذلتها لهم منذ أول يوم لهم في الشام، ولكنهم لا يحبون الناصحين!
وما يزال المقاتلون الأجانب يدفعون ثمن تنكّبهم سبيل الرشاد وتأخرهم عن اللحاق بركب الخلافة والاجتماع تحت إمام واحد يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك، ليعيشوا في ظل الدولة الإسلامية أعزة كرماء يقاتلون الطاغوت وجنده أيًّا كان اسمه ورسمه بدلا مِن سرابية قتال النظام النصيري وحده وهم يرون كيف أصبح كثير من الفصائل المرتدة سدا منيعا أمام قتال النظام المرتد! وقد جرّب هؤلاء المقاتلون كيف منعتهم ميليشيا الجولاني بالقوة من قتال النظام النصيري، بل كيف سلمته كثيرا من المناطق تطبيقا لاتفاقيات الخيانة! فكيف يكون الحلّ إذا في قتال النظام النصيري وترك "هياكل" الأنظمة المرتدة الأخرى التي تسرح وتمرح في إدلب ومحيطها؟!
لقد كانت اللمسة المخابراتية واضحة بتصوير وإخراج "قادة المقاتلين الأجانب" بصورة ذليلة بنفس الصورة التي تُخرج بها الحكوماتُ "قادة العصابات والمجرمين!" وكأن القضية "جنائية"!، لكن ذلك لم يُحرّك في عقول هذه المجموعات شيئا ولم يدركوا بعد أن الحرب التي تشنها عليهم ميليشيا الجولاني المرتدة هي نفس الحرب التي يشنها عليهم النظام النصيري المرتد ومخابرات الردة، وما يزال هؤلاء يفرّقون بين قتال طاغوت وآخر! وبين قتال مرتد وآخر!.
وليعلم المقاتلون الأجانب أن حرب ميليشيا الجولاني وأحزابه عليهم لن تتوقف حتى يتم استئصالهم، لأنهم يرونهم "عقبة" في وجه مشاريع التسوية والحلول التي تطرح في المنطقة، فمن سكتوا عنه بالأمس حاربوه اليوم، ومن سيتركونه اليوم لن يتركوه غدا، والسعيد مَن وعظ بغيره.
فيا أيها المقاتلون الأجانب في أرض الشام نكرر لكم نصح ودعوة قادة الدولة الإسلامية ومشايخها وقد صدقوكم: إنّ نجاتكم في اللحاق بركب الدولة الإسلامية وبيعتها والانضواء تحت رايتها والتوبة والبراءة من الرايات العمية التي فارقتمونا لأجلها بالأمس فإذا بها تقاتلكم اليوم بنفس الذرائع والمبررات التي أطلقوها بالأمس.
يا أيها المقاتلون الأجانب -على اختلاف مسمياتكم ودولكم-، لوذوا بالدولة الإسلامية وجنودها الذين ثبتوا على دينهم وعقيدتهم فلم يغيروا ولم يبدلوا واستمروا في قتال النظام النصيري وقتال من يحول دون قتاله من الميليشيات والفصائل المرتدة التي تقاتلكم الآن إرضاء لطواغيت تركيا وروسيا.
يا أيها المقاتلون الأجانب أليس بينكم عُمَرٌ جديد؟! أليس فيكم رجل رشيد يقتدي بالأخيار منكم الذين سبقوكم إلى بيعة الدولة الإسلامية بعد أن أنار الله بصيرتهم فهداهم إلى الحق بفضله، فدونكم بوادي الإيمان وأرياف الخير والبركة فانفروا إليها ففيها الخير والبركة، وإنّ فيها رجالا نحسبهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فتوبوا من تخلّفكم عن البيعة والاجتماع وانفروا إلى بقاع الولاء والبراء والاتّباع، قبل أن تُفنيكم مؤامرات الضباع، ولات حين مندم والرائد لا يكذب أهله.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
"هذا نداءٌ لجميع المهاجرين ممَّن لم يلتحقوا بصفوف الدولة الإسلامية في الشام: خذوا حذركم! فإنَّ الصحوات لايفرِّقون بين مهاجرٍ ومهاجر، وأنْ تلحقوا بصفوف الدولة خيرٌ لكم، ولا تظنوا أنَّ انتمائكم لفصيل يكفّهم عنكم…".
بهذه الكلمات دقَّ الشيخ العدناني -تقبله الله تعالى- ناقوس الخطر قبل نحو ثماني سنوات لدى "المهاجرين" في الشام محذّرا إياهم من الحرب التي ستوجّه إليهم والمؤامرة التي ستستهدفهم من قِبل فصائل الصحوات طال الزمان أو قصر، وأن هذه الفصائل المرتدة وإنْ غضّت الطرف عنهم لبعض الوقت فإنها ستقاتلهم لا محالة.
بل كان خطاب الشيخ العدناني أكثر عمقا وفراسة حين قال لجموع المهاجرين -آنذاك-: "لا تظنوا أنَّ انتمائكم لفصيل يكفّهم عنكم" وهو الخطأ الذي توهّمه كثير من هؤلاء المقاتلين الذين ظنوا أنّ عملهم تحت غطاء هذه الفصائل المرتدة سيوفّر لهم الحماية أو يستثنيهم من الملاحقة! فلم ينفعهم ذلك وتم التضييق عليهم ومحاربتهم داخل هذه الفصائل حتى اضطروا للانشقاق عنها وصاروا ملاحقين محاربين في كل مكان من قبل ميليشيا الجولاني المرتد وأتباعه من الشراذم والطغام الذين يخطبون ودَّه بغضب الله تعالى! تماما كما يفعل هو مع طواغيت المنطقة وأجهزة مخابراتها المرتدة.
وعلى إثر التضييق والملاحقة اضطر كثير من المقاتلين الأجانب إلى تشكيل مجموعات باتت تُعرف ب"المستقلين" تضمُّ الفارين من ظلم وبطش ميليشيا الجولاني والفصائل التابعة له، ظنًا منهم أن هذا "الاستقلال الموهوم" سيحميهم من الاستهداف والملاحقة، ولم يدرك هؤلاء المقاتلون أن سبب ملاحقتهم هو مجرد بقائهم على أرض الشام حتى لو لم يقاتلوا النظام؛ لأنّ كل الحلول السياسية المطروحة تشترط إخراجهم من الشام وإعادتهم لبلادهم طوعا أو كرها!، ولذلك كان مصيرهم في السنوات الأخيرة إما أسرى في سجون الجولاني أو جثثا هامدة في شوارع إدلب، ومَن نجا منهم تلقّفته الطائرات المسيّرة لتكمل الدور الذي عجز عنه الجولاني وجنوده!، ومن ينجُ مِن كل ذلك يصبح مطاردا في الغابات والأحراج ينتظر مصيره في أي حملة "جولانية" أو نصيرية قادمة!
وهو ما حصل مؤخرا في الحملة الأمنية التي شنّتها ميليشيا الجولاني على مجموعات المقاتلين الأجانب في جبال التركمان ومحيطها، والتي جاءت تنفيذا للإملاءات الخارجية بهدف تعبيد الطريق أمام تنفيذ الاتفاقيات التركية الروسية، حيث يرى كل من الروس والأتراك ومعهم الصحوات، أن بقاء هذه المجموعات الخارجة عن "الإجماع التركي" يشكّل عائقا أمام إتمام الاتفاقيات، وبالتالي كان الحل بالنسبة إلى مخابرات هذه الدول؛ انتداب الجولاني مرة أخرى ليتولى كبر حملة عسكرية جديدة تستهدف مناطق المقاتلين الأجانب، وسبق ذلك حملة إعلامية عبر اتهامهم بارتكاب "جرائم خطف وقتل وسرقة"، ووصمهم بالخارجية والتكفير وغيرها من التهم الجاهزة التي اتهموا بها الدولة الإسلامية وصدّقهم كثير من هؤلاء المقاتلين حينها!، واليوم يُتهمون بنفس التهم من نفس الجهة التي أيّدوها وأقرّوها على ظلمها! فإذا بهم اليوم يكتوون بنارها، فتأمل.
ولو تفكّر المقاتلون الأجانب ما يعنيه أن تستخدم ميليشيا الجولاني "تهمة" الانتماء للدولة الإسلامية، في شرعنة قتالهم والتأليب عليهم، لعلموا أنّ الحق مع هذه الدولة الإسلامية، فإن ذلك يعني استجلاب وحشد الدعم الدولي والإقليمي في قتالهم، فقتال الدولة الإسلامية هدف مشترك لكل طواغيت الغرب والشرق! فهلّا تتبَّع المقاتلون الأجانب سهام أهل الباطل ليهتدوا بها إلى أهل الحق، ويميزوا الخبيث من الطيب؟!
وبعد سنوات طويلة من القتال في الشام لم يفقه المقاتلون الأجانب حقيقة الصراع بعد، وما زالوا يصمّون آذانهم وأعينهم عن الحق! ويحاولون الوقوف في منطقة رمادية بين الحق والباطل! وما علموا أن "الرمادية" صورة أخرى من صور الباطل!، كما أنهم يرفضون الاعتراف بصحة طريق الدولة الإسلامية ودقة تحذيراتها وصدق نصائحها التي بذلتها لهم منذ أول يوم لهم في الشام، ولكنهم لا يحبون الناصحين!
وما يزال المقاتلون الأجانب يدفعون ثمن تنكّبهم سبيل الرشاد وتأخرهم عن اللحاق بركب الخلافة والاجتماع تحت إمام واحد يأمرهم بالتوحيد وينهاهم عن الشرك، ليعيشوا في ظل الدولة الإسلامية أعزة كرماء يقاتلون الطاغوت وجنده أيًّا كان اسمه ورسمه بدلا مِن سرابية قتال النظام النصيري وحده وهم يرون كيف أصبح كثير من الفصائل المرتدة سدا منيعا أمام قتال النظام المرتد! وقد جرّب هؤلاء المقاتلون كيف منعتهم ميليشيا الجولاني بالقوة من قتال النظام النصيري، بل كيف سلمته كثيرا من المناطق تطبيقا لاتفاقيات الخيانة! فكيف يكون الحلّ إذا في قتال النظام النصيري وترك "هياكل" الأنظمة المرتدة الأخرى التي تسرح وتمرح في إدلب ومحيطها؟!
لقد كانت اللمسة المخابراتية واضحة بتصوير وإخراج "قادة المقاتلين الأجانب" بصورة ذليلة بنفس الصورة التي تُخرج بها الحكوماتُ "قادة العصابات والمجرمين!" وكأن القضية "جنائية"!، لكن ذلك لم يُحرّك في عقول هذه المجموعات شيئا ولم يدركوا بعد أن الحرب التي تشنها عليهم ميليشيا الجولاني المرتدة هي نفس الحرب التي يشنها عليهم النظام النصيري المرتد ومخابرات الردة، وما يزال هؤلاء يفرّقون بين قتال طاغوت وآخر! وبين قتال مرتد وآخر!.
وليعلم المقاتلون الأجانب أن حرب ميليشيا الجولاني وأحزابه عليهم لن تتوقف حتى يتم استئصالهم، لأنهم يرونهم "عقبة" في وجه مشاريع التسوية والحلول التي تطرح في المنطقة، فمن سكتوا عنه بالأمس حاربوه اليوم، ومن سيتركونه اليوم لن يتركوه غدا، والسعيد مَن وعظ بغيره.
فيا أيها المقاتلون الأجانب في أرض الشام نكرر لكم نصح ودعوة قادة الدولة الإسلامية ومشايخها وقد صدقوكم: إنّ نجاتكم في اللحاق بركب الدولة الإسلامية وبيعتها والانضواء تحت رايتها والتوبة والبراءة من الرايات العمية التي فارقتمونا لأجلها بالأمس فإذا بها تقاتلكم اليوم بنفس الذرائع والمبررات التي أطلقوها بالأمس.
يا أيها المقاتلون الأجانب -على اختلاف مسمياتكم ودولكم-، لوذوا بالدولة الإسلامية وجنودها الذين ثبتوا على دينهم وعقيدتهم فلم يغيروا ولم يبدلوا واستمروا في قتال النظام النصيري وقتال من يحول دون قتاله من الميليشيات والفصائل المرتدة التي تقاتلكم الآن إرضاء لطواغيت تركيا وروسيا.
يا أيها المقاتلون الأجانب أليس بينكم عُمَرٌ جديد؟! أليس فيكم رجل رشيد يقتدي بالأخيار منكم الذين سبقوكم إلى بيعة الدولة الإسلامية بعد أن أنار الله بصيرتهم فهداهم إلى الحق بفضله، فدونكم بوادي الإيمان وأرياف الخير والبركة فانفروا إليها ففيها الخير والبركة، وإنّ فيها رجالا نحسبهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فتوبوا من تخلّفكم عن البيعة والاجتماع وانفروا إلى بقاع الولاء والبراء والاتّباع، قبل أن تُفنيكم مؤامرات الضباع، ولات حين مندم والرائد لا يكذب أهله.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 310
الخميس 21 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00
يتبقى على
13
رجب
1447
| الفجر 00:00 | الظهر 00:00 | العصر 00:00 | المغرب 00:00 | العشاء 00:00 |