مقتطفات وفوائد من كتاب (الفوائد) -للإمام ابن القيم رحمه الله- قال رحمه الله: "إذا أصبح ...

مقتطفات وفوائد من كتاب (الفوائد)


-للإمام ابن القيم رحمه الله-


قال رحمه الله: "إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمّه، وفرّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإنْ أصبح وأمسى والدنيا همّه حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها! ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق! ولسانه عن ذكره بذكرهم! وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم!، فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره، فكل مَن أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]. قال سفيان بن عيينة: "لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن. فقال له قائل: فأين في القرآن "أعط أخاك تمرة فإن لم يقبل فأعطه جمرة؟" فقال في قوله: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا}".


• التوفيق إلى الدعاء

أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فتتيقن حينئذ أن الحسنات مِن نعمه فتشكره عليها، وتتضرّع إليه أن لا يقطعها عنك، وأن السيئات مِن خذلانه وعقوبته، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك، وقد أجمع العارفون على أنّ كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر فأصله خذلانه لعبده، وأجمَعوا أنّ التوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك!، فإذا كان كل خير فأصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد؛ فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يُفتح له، ومتى أضلّه عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا دونه.

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه.

وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك، يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك، فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به، والخذلان في مواضعه اللائقة به، وهو العليم الحكيم، وما أُتيَ مَن أُتيَ إلا مِن قِبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر مَن ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء، وملاك ذلك الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد.


• قسوة القلب

ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، أبعد القلوب من الله القلب القاسي، إذا قسا القلب قحطت العين.

قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة.

كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ. من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها.


• مواعظ متفرقة

شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد.

إذا غُذي القلب بالتذكر، وسُقي بالتفكّر، ونُقّي من الدغل، رأى العجائب وأُلهم الحكمة.

ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى، وأما من قتل قلبه فأحيى الهوى، فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه.

خراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر.

إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا، قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد.

الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عنه وهج الدنيا.

من وطّن قلبه عند ربه، سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق.

لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.

إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته، واستخلصه لعبادته، فشغل همه به، ولسانه بذكره، وجوارحه بخدمته.

القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة.

إياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلا، ولأيامك وأنفاسك أمدا، ومن كل سواه بد ولا بد لك منه.

• حسن التوكل على الله

من ترك الاختيار والتدبير في طلب زيادة دنيا أو جاه أو في خوف نقصان أو في التخلص من عدو؛ توكلا على الله وثقة بتدبيره له وحسن اختياره له، فألقى كنفه بين يديه وسلّم الأمر إليه، ورضي بما يقضيه له؛ استراح من الهموم والغموم والأحزان، ومن أبى إلا تدبيره لنفسه، وقع في النكد والنصب وسوء الحال والتعب، فلا عيش يصفو، ولا قلب يفرح، ولا عمل يزكو، ولا أمل يقوم، ولا راحة تدوم، والله سبحانه سهّل لخلقه السبيل إليه وحجبهم عنه بالتدبير، فمن رضي بتدبير الله له، وسكن إلى اختياره، وسلّم لحكمه، أزال ذلك الحجاب، فأفضى القلب إلى ربه، واطمأن إليه وسكن.

المتوكل لا يسأل غير الله ولا يرد على الله ولا يدخر مع الله.

من شغل بنفسه شغل عن غيره، ومن شغل بربه شغل عن نفسه.

الإخلاص هو ما لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا عدو فيفسده، ولا يعجب به صاحبه فيبطله. الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام.

الناس في الدنيا معذّبون على قدر هممهم بها.


• ستة مواطن للقلب

للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها: ثلاثة سافلة، وثلاثة عالية، فالسافلة: دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدو يوسوس له، فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها. والثلاثة العالية: علم يتبين له، وعقل يرشده، وإله يعبده، والقلوب جوّالة في هذه المواطن.

إتباع الهوى وطول الأمل مادة كل فساد، فإن اتّباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدا، وطول الأمل ينسي الآخرة، ويصد عن الاستعداد لها.

لا يشم عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه، أو يداهن غيره!!

إذا أراد الله بعبد خيرا جعله معترفا بذنبه، ممسكا عن ذنب غيره، جوادا بما عنده، زاهدا فيما عند غيره، محتملا لأذى غيره، وإن أراد به شرا عكس ذلك عليه.


• الهمة العليّة

الهمّة العليّة لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء: تعرّف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة، وملاحظة لمنةٍ تزداد بملاحظتها شكرا أو طاعة، وتذكر بذنب تزداد بتذكره توبة وخشية، فإذا تعلّقت الهمّة بسوى هذه الثلاثة جالت في أودية الوساوس والخطرات.

من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده، فصيّرته مِن خدمها وعبيدها وأذلّته، ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلّت له.

إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادّة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟" ا.هـ


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

مقتطفات وفوائد من كتاب (الفوائد) -للإمام ابن القيم رحمه الله- قال رحمه الله: "إذا أصبح ...

مقتطفات وفوائد من كتاب (الفوائد)


-للإمام ابن القيم رحمه الله-


قال رحمه الله: "إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمّل الله سبحانه حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمّه، وفرّغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإنْ أصبح وأمسى والدنيا همّه حمّله الله همومها وغمومها وأنكادها! ووكله إلى نفسه، فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق! ولسانه عن ذكره بذكرهم! وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم!، فهو يكدح كدح الوحش في خدمة غيره، كالكير ينفخ بطنه ويعصر أضلاعه في نفع غيره، فكل مَن أعرض عن عبودية الله وطاعته ومحبته بُلي بعبودية المخلوق ومحبته وخدمته، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]. قال سفيان بن عيينة: "لا تأتون بمثل مشهور للعرب إلا جئتكم به من القرآن. فقال له قائل: فأين في القرآن "أعط أخاك تمرة فإن لم يقبل فأعطه جمرة؟" فقال في قوله: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا}".


• التوفيق إلى الدعاء

أساس كل خير أن تعلم أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فتتيقن حينئذ أن الحسنات مِن نعمه فتشكره عليها، وتتضرّع إليه أن لا يقطعها عنك، وأن السيئات مِن خذلانه وعقوبته، فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكلك في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك، وقد أجمع العارفون على أنّ كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكل شر فأصله خذلانه لعبده، وأجمَعوا أنّ التوفيق أن لا يكلك الله إلى نفسك، وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك!، فإذا كان كل خير فأصله التوفيق، وهو بيد الله لا بيد العبد؛ فمفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجأ والرغبة والرهبة إليه، فمتى أعطى العبد هذا المفتاح فقد أراد أن يُفتح له، ومتى أضلّه عن المفتاح بقي باب الخير مرتجا دونه.

قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه.

وعلى قدر نية العبد وهمته ومراده ورغبته في ذلك، يكون توفيقه سبحانه وإعانته، فالمعونة من الله تنزل على العباد على قدر هممهم وثباتهم ورغبتهم ورهبتهم، والخذلان ينزل عليهم على حسب ذلك، فالله سبحانه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين، يضع التوفيق في مواضعه اللائقة به، والخذلان في مواضعه اللائقة به، وهو العليم الحكيم، وما أُتيَ مَن أُتيَ إلا مِن قِبل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء، ولا ظفر مَن ظفر بمشيئة الله وعونه إلا بقيامه بالشكر وصدق الافتقار والدعاء، وملاك ذلك الصبر، فإنه من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس فلا بقاء للجسد.


• قسوة القلب

ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، أبعد القلوب من الله القلب القاسي، إذا قسا القلب قحطت العين.

قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة.

كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ. من أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها.


• مواعظ متفرقة

شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد.

إذا غُذي القلب بالتذكر، وسُقي بالتفكّر، ونُقّي من الدغل، رأى العجائب وأُلهم الحكمة.

ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى، وأما من قتل قلبه فأحيى الهوى، فالمعرفة والحكمة عارية على لسانه.

خراب القلب من الأمن والغفلة، وعمارته من الخشية والذكر.

إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا، قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة، وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك الموائد.

الشوق إلى الله ولقائه نسيم يهب على القلب يروح عنه وهج الدنيا.

من وطّن قلبه عند ربه، سكن واستراح، ومن أرسله في الناس اضطرب واشتد به القلق.

لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.

إذا أحب الله عبدا اصطنعه لنفسه واجتباه لمحبته، واستخلصه لعبادته، فشغل همه به، ولسانه بذكره، وجوارحه بخدمته.

القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم، وزينته التقوى، ويجوع ويظمأ كما يجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة والمحبة والتوكل والإنابة والخدمة.

إياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلا، ولأيامك وأنفاسك أمدا، ومن كل سواه بد ولا بد لك منه.

• حسن التوكل على الله

من ترك الاختيار والتدبير في طلب زيادة دنيا أو جاه أو في خوف نقصان أو في التخلص من عدو؛ توكلا على الله وثقة بتدبيره له وحسن اختياره له، فألقى كنفه بين يديه وسلّم الأمر إليه، ورضي بما يقضيه له؛ استراح من الهموم والغموم والأحزان، ومن أبى إلا تدبيره لنفسه، وقع في النكد والنصب وسوء الحال والتعب، فلا عيش يصفو، ولا قلب يفرح، ولا عمل يزكو، ولا أمل يقوم، ولا راحة تدوم، والله سبحانه سهّل لخلقه السبيل إليه وحجبهم عنه بالتدبير، فمن رضي بتدبير الله له، وسكن إلى اختياره، وسلّم لحكمه، أزال ذلك الحجاب، فأفضى القلب إلى ربه، واطمأن إليه وسكن.

المتوكل لا يسأل غير الله ولا يرد على الله ولا يدخر مع الله.

من شغل بنفسه شغل عن غيره، ومن شغل بربه شغل عن نفسه.

الإخلاص هو ما لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا عدو فيفسده، ولا يعجب به صاحبه فيبطله. الرضا سكون القلب تحت مجاري الأحكام.

الناس في الدنيا معذّبون على قدر هممهم بها.


• ستة مواطن للقلب

للقلب ستة مواطن يجول فيها لا سابع لها: ثلاثة سافلة، وثلاثة عالية، فالسافلة: دنيا تتزين له، ونفس تحدثه، وعدو يوسوس له، فهذه مواطن الأرواح السافلة التي لا تزال تجول فيها. والثلاثة العالية: علم يتبين له، وعقل يرشده، وإله يعبده، والقلوب جوّالة في هذه المواطن.

إتباع الهوى وطول الأمل مادة كل فساد، فإن اتّباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدا، وطول الأمل ينسي الآخرة، ويصد عن الاستعداد لها.

لا يشم عبد رائحة الصدق ويداهن نفسه، أو يداهن غيره!!

إذا أراد الله بعبد خيرا جعله معترفا بذنبه، ممسكا عن ذنب غيره، جوادا بما عنده، زاهدا فيما عند غيره، محتملا لأذى غيره، وإن أراد به شرا عكس ذلك عليه.


• الهمة العليّة

الهمّة العليّة لا تزال حائمة حول ثلاثة أشياء: تعرّف لصفة من الصفات العليا تزداد بمعرفتها محبة وإرادة، وملاحظة لمنةٍ تزداد بملاحظتها شكرا أو طاعة، وتذكر بذنب تزداد بتذكره توبة وخشية، فإذا تعلّقت الهمّة بسوى هذه الثلاثة جالت في أودية الوساوس والخطرات.

من عشق الدنيا نظرت إلى قدرها عنده، فصيّرته مِن خدمها وعبيدها وأذلّته، ومن أعرض عنها نظرت إلى كبر قدره فخدمته وذلّت له.

إنما يقطع السفر ويصل المسافر بلزوم الجادّة وسير الليل، فإذا حاد المسافر عن الطريق، ونام الليل كله، فمتى يصل إلى مقصده؟" ا.هـ


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ما تزال الأحداث والوقائع تتزاحم في ساحة الشام لتثبت يوما بعد ...

والذين كفروا بعضهم أولياء بعض


ما تزال الأحداث والوقائع تتزاحم في ساحة الشام لتثبت يوما بعد يوم صحة الطريق الذي سلكته الدولة الإسلامية -مبكّرا- في مفاصلتها لمحاور المشركين كافة، وتبعًا لذلك صحة الموقف الشرعي والحكم الذي اتخذته تجاه هذه المحاور والأنظمة المختلفة المرتبطة بقضية الشام، والذي استقته -قطعا- من منهاج النبوة الأصيل الذي ما زالت توالي وتعادي عليه بفضل الله تعالى.

فمنذ بداية القتال في الشام، انفردت الدولة الإسلامية بموقفها الواضح البيّن من جميع الحكومات المرتدة التي تورطت في الساحة السورية، ووضعتها في خانة واحدة وأسقطت عليها حُكمًا واحدًا ولم تفرّق بين طاغوت وآخر، فرأت -بنور الله تعالى وهدايته- أبعد بكثير ممّا رآه الذين تنكّبوا طريق الأنبياء ولو تسمّوا بأسمائهم.

نستذكر هذا الكلام اليوم، ونحن نرى بداية تهافت طواغيت العرب نحو "إعادة العلاقات إلى طبيعتها" مع النظام النصيري المرتد، والذي انقسموا نحوه سابقًا إلى فريقين؛ فريق تحالف معه، وآخر ادّعى بأنه مُعارِض له "صديق للشعب السوري"، ليتضح لاحقا أن كلا الفريقين واحد تحكمه مصالحه وحسب، في حين أمضت فصائل صحوات الردة في الشام سنوات طويلة تعزف على أنغام هذا "الوهم" متوكلةً على هذه الأنظمة والمحاور، مستعينةً بها في صراعها مع النظام النصيري، متهمين الدولة الإسلامية بـ"التهور والجنون وعدم الحنكة والسياسة"!

إنّ ما جرى في الآونة الأخيرة مِن زيارات واتصالات بين بعض الدول العربية مع النظام النصيري ما هو إلا مناورة تولّت كبرها هذه الأنظمة المرتدة تمهيدًا وإفساحًا للطريق أمام أخواتها لمدّ جسور العلاقة مع النظام النصيري مجددًا، لإعادته إلى "الحضن العربي"!.

ما جرى قد لا يكون سوى البداية وما خفي منه أعظم، لكن كل ذلك سرعان ما سيطفو على السطح قريبا، ويصبح "أمرا واقعا" تنقاد له الحكومات المرتدة، وتنقاد تبعًا لها أيضا فصائل وصحوات الردة التي عقدت الولاء لكثير من هذه الحكومات في الخفاء.

في أروقة السياسة والسياسيين لن تجد سوى تفسير واحد لذلك وهو "المصلحة الاقتصادية" و"التقلبات السياسية" التي استجدت على الساحة بعد بقاء النظام النصيري على رأس الحكم بفضل الدعم الروسي والإيراني، وخيانة الصحوات.

لكن أحدا لن يفسّر ذلك تفسيرا شرعيا عقديا ويقول إن ما جرى باختصار هو نموذج حيٌّ عمليٌّ على أن "ملة الكفر واحدة"، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[الأنفال: 73]، قال أبو جعفر -رحمه الله- مفسّرا الآية: "إنّ بعضهم -أي الكافرين- أنصار بعض دون المؤمنين". فالكافرون في هذا الزمان وكل زمان بعضهم أولياء وحلفاء وأنصار بعض في حربهم ضد المسلمين.

ولقد أوضح الخليفة أبو بكر البغدادي -رحمه الله- حقيقة هذه الأنظمة والحكومات المرتدة، سواء منها الموالية للنظام أو تلك التي تدعي محاربته فقال الشيخ: "أما أنتم يا أهلنا في الشام: فلكم الله لكم الله، الجميع يتاجر بكم، والكل ينهش فيكم، متسابقًا للصعود على أكتافكم، بل أشلائكم!، فحسبكم الله، حسبكم الله؛ النصيرية تسفك دماءكم وتنتهك أعراضكم وتهدّم بيوتكم، بزعم قتال الإرهاب لحمايتكم!، اليهود والصليبيون يتآمرون على الإسلام، ويكيدون للمجاهدين ويحاربونهم، متباكين عليكم، متاجرين بدمائكم وقضيتكم، الطواغيت من حكام بلاد المسلمين: يشترون الذمم، ويجنّدون الأذناب، ويصنعون الأتباع، بزعم إغاثتكم!، اللصوص والسّرّاق وقطاع الطرق: ينهبون أموالكم وخيراتكم، ويمصون دماءكم، باسمكم وزعم نصرتكم والدفاع عنكم وحمايتكم".

واليوم يرى العالم بأسره هذه الحقيقة ممثلة بجهود طواغيت العرب الرامية لإعادة النظام النصيري إلى ما يسمّونها "جامعة الدول العربية" ولتذهب دماء أطفال الشام أدراج الرياح!

ومن الأمثلة الأخرى على تولّي الكافرين لبعضهم وأنهم ملة واحدة، زيارة الطاغوت "بن زايد" للطاغوت "أردوغان" والتي فسّرها "السياسيون" أيضًا بلغة "المصالح والأزمات الاقتصادية" بينما أتعب المرقّعون للطاغوت "أردوغان" أنفسهم في محاولة تبرير هذه الزيارة والتقارب بين محور "الموالاة" لليهود مع محور "المقاومة" زعموا!، وليس من قبيل الصدفة أن يكون طواغيت دويلة الإمارات هم أول المبادرين إلى زيارة الطاغوت بشار وتهيئة الأجواء لعودة العلاقات معه، فما الفرق بينهم إذا؟!

إن الدولة الاسلامية لم تفرّق بين جميع هذه "المحاور" ولم تنخدع بها يوما، ولم تُسلسل "السلاسل" وتدشّن "الحلقات" في التحذير من طاغوت والإمساك عن آخر!، وتقسيم الطواغيت الكافرين وتصنيفهم إلى تصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان، كما يفعل قادة ومخرِّفوا الجماعات والتنظيمات التي غرقت في الوحل!

لقد تحالف "أصدقاء الثورة" و"أصدقاء النظام" وكل هذه المحاور في حلف واحد ضد الدولة الإسلامية، وشاركوا بكل ما يستطيعون وحشدوا أحباشهم وأوباشهم لإسقاط حكم الشريعة الذي أقامته الدولة الإسلامية بعد سنوات من تعطيل الشريعة وغيابها عن واقع المسلمين وأذهانهم، بينما ينشغل البعض بمحاولة التفريق بين هذه المحاور!

أما جنود الدولة الإسلامية وكماتها الأبطال في الشام فقد شغلوا أنفسهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم فأضرموا نار الغارات وأداروا رحى المعمعات ضد النصيرية جيشا وميليشيات، ولم يشغلوا أنفسهم بالسراب الذي تحسبه ظمأى الصحوات ماء! وكيف يجد الماء من ترك معين الكتاب والسنة الذي لا ينضب وانكب على وجهه لاهثا خلف وعود الأنظمة والمخابرات، تائها في لعبة المحاور والاصطفافات، التي تتساوى فيها الأحزاب والحكومات وتتشابه فيها المصائر والنهايات!

إن جنود الخلافة في بوادي الشام فعلوا ما أمرهم به الله تعالى في الآية التي تقدّم تفسيرها، فكفاهم الله هذه "الفتنة" ووقاهم هذا "الفساد الكبير" الذي اجتاح الفصائل والجماعات، فساد في الاعتقاد والمنهج والتطبيق، قال تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، قال الطبري: "إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين، تكن فتنة في الأرض". وهل هناك أعظم فتنة من الشرك؟! وهل هناك واجب أعظم وآكد من التعاون والنصرة على الدين، على الولاء والبراء على المفاصلة التامة بين معسكر التوحيد ومعسكر الشرك والتنديد؟

وفي الختام نذكر المسلمين في الشام أن يتعظوا ويعتبروا مِن كلِّ هذه التجارب، وأن لا يُكرِّروا الوقوع في نفس الحُفر، وأن يعرفوا صديقهم مِن عدوهم، فيكونوا عونًا للمجاهدين، وليبْشروا فإنّ جنود الخلافة عازمون بإذن الله تعالى على إذكاء جذوة الجهاد في شام الإيمان والتمحيص حتى ينزل الروم بدابق، ويقضي الله أمرا كان مفعولا، والله لا يخلف الميعاد.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

والذين كفروا بعضهم أولياء بعض ما تزال الأحداث والوقائع تتزاحم في ساحة الشام لتثبت يوما بعد ...

والذين كفروا بعضهم أولياء بعض


ما تزال الأحداث والوقائع تتزاحم في ساحة الشام لتثبت يوما بعد يوم صحة الطريق الذي سلكته الدولة الإسلامية -مبكّرا- في مفاصلتها لمحاور المشركين كافة، وتبعًا لذلك صحة الموقف الشرعي والحكم الذي اتخذته تجاه هذه المحاور والأنظمة المختلفة المرتبطة بقضية الشام، والذي استقته -قطعا- من منهاج النبوة الأصيل الذي ما زالت توالي وتعادي عليه بفضل الله تعالى.

فمنذ بداية القتال في الشام، انفردت الدولة الإسلامية بموقفها الواضح البيّن من جميع الحكومات المرتدة التي تورطت في الساحة السورية، ووضعتها في خانة واحدة وأسقطت عليها حُكمًا واحدًا ولم تفرّق بين طاغوت وآخر، فرأت -بنور الله تعالى وهدايته- أبعد بكثير ممّا رآه الذين تنكّبوا طريق الأنبياء ولو تسمّوا بأسمائهم.

نستذكر هذا الكلام اليوم، ونحن نرى بداية تهافت طواغيت العرب نحو "إعادة العلاقات إلى طبيعتها" مع النظام النصيري المرتد، والذي انقسموا نحوه سابقًا إلى فريقين؛ فريق تحالف معه، وآخر ادّعى بأنه مُعارِض له "صديق للشعب السوري"، ليتضح لاحقا أن كلا الفريقين واحد تحكمه مصالحه وحسب، في حين أمضت فصائل صحوات الردة في الشام سنوات طويلة تعزف على أنغام هذا "الوهم" متوكلةً على هذه الأنظمة والمحاور، مستعينةً بها في صراعها مع النظام النصيري، متهمين الدولة الإسلامية بـ"التهور والجنون وعدم الحنكة والسياسة"!

إنّ ما جرى في الآونة الأخيرة مِن زيارات واتصالات بين بعض الدول العربية مع النظام النصيري ما هو إلا مناورة تولّت كبرها هذه الأنظمة المرتدة تمهيدًا وإفساحًا للطريق أمام أخواتها لمدّ جسور العلاقة مع النظام النصيري مجددًا، لإعادته إلى "الحضن العربي"!.

ما جرى قد لا يكون سوى البداية وما خفي منه أعظم، لكن كل ذلك سرعان ما سيطفو على السطح قريبا، ويصبح "أمرا واقعا" تنقاد له الحكومات المرتدة، وتنقاد تبعًا لها أيضا فصائل وصحوات الردة التي عقدت الولاء لكثير من هذه الحكومات في الخفاء.

في أروقة السياسة والسياسيين لن تجد سوى تفسير واحد لذلك وهو "المصلحة الاقتصادية" و"التقلبات السياسية" التي استجدت على الساحة بعد بقاء النظام النصيري على رأس الحكم بفضل الدعم الروسي والإيراني، وخيانة الصحوات.

لكن أحدا لن يفسّر ذلك تفسيرا شرعيا عقديا ويقول إن ما جرى باختصار هو نموذج حيٌّ عمليٌّ على أن "ملة الكفر واحدة"، كما قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}[الأنفال: 73]، قال أبو جعفر -رحمه الله- مفسّرا الآية: "إنّ بعضهم -أي الكافرين- أنصار بعض دون المؤمنين". فالكافرون في هذا الزمان وكل زمان بعضهم أولياء وحلفاء وأنصار بعض في حربهم ضد المسلمين.

ولقد أوضح الخليفة أبو بكر البغدادي -رحمه الله- حقيقة هذه الأنظمة والحكومات المرتدة، سواء منها الموالية للنظام أو تلك التي تدعي محاربته فقال الشيخ: "أما أنتم يا أهلنا في الشام: فلكم الله لكم الله، الجميع يتاجر بكم، والكل ينهش فيكم، متسابقًا للصعود على أكتافكم، بل أشلائكم!، فحسبكم الله، حسبكم الله؛ النصيرية تسفك دماءكم وتنتهك أعراضكم وتهدّم بيوتكم، بزعم قتال الإرهاب لحمايتكم!، اليهود والصليبيون يتآمرون على الإسلام، ويكيدون للمجاهدين ويحاربونهم، متباكين عليكم، متاجرين بدمائكم وقضيتكم، الطواغيت من حكام بلاد المسلمين: يشترون الذمم، ويجنّدون الأذناب، ويصنعون الأتباع، بزعم إغاثتكم!، اللصوص والسّرّاق وقطاع الطرق: ينهبون أموالكم وخيراتكم، ويمصون دماءكم، باسمكم وزعم نصرتكم والدفاع عنكم وحمايتكم".

واليوم يرى العالم بأسره هذه الحقيقة ممثلة بجهود طواغيت العرب الرامية لإعادة النظام النصيري إلى ما يسمّونها "جامعة الدول العربية" ولتذهب دماء أطفال الشام أدراج الرياح!

ومن الأمثلة الأخرى على تولّي الكافرين لبعضهم وأنهم ملة واحدة، زيارة الطاغوت "بن زايد" للطاغوت "أردوغان" والتي فسّرها "السياسيون" أيضًا بلغة "المصالح والأزمات الاقتصادية" بينما أتعب المرقّعون للطاغوت "أردوغان" أنفسهم في محاولة تبرير هذه الزيارة والتقارب بين محور "الموالاة" لليهود مع محور "المقاومة" زعموا!، وليس من قبيل الصدفة أن يكون طواغيت دويلة الإمارات هم أول المبادرين إلى زيارة الطاغوت بشار وتهيئة الأجواء لعودة العلاقات معه، فما الفرق بينهم إذا؟!

إن الدولة الاسلامية لم تفرّق بين جميع هذه "المحاور" ولم تنخدع بها يوما، ولم تُسلسل "السلاسل" وتدشّن "الحلقات" في التحذير من طاغوت والإمساك عن آخر!، وتقسيم الطواغيت الكافرين وتصنيفهم إلى تصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان، كما يفعل قادة ومخرِّفوا الجماعات والتنظيمات التي غرقت في الوحل!

لقد تحالف "أصدقاء الثورة" و"أصدقاء النظام" وكل هذه المحاور في حلف واحد ضد الدولة الإسلامية، وشاركوا بكل ما يستطيعون وحشدوا أحباشهم وأوباشهم لإسقاط حكم الشريعة الذي أقامته الدولة الإسلامية بعد سنوات من تعطيل الشريعة وغيابها عن واقع المسلمين وأذهانهم، بينما ينشغل البعض بمحاولة التفريق بين هذه المحاور!

أما جنود الدولة الإسلامية وكماتها الأبطال في الشام فقد شغلوا أنفسهم بما فيه صلاح دينهم وآخرتهم فأضرموا نار الغارات وأداروا رحى المعمعات ضد النصيرية جيشا وميليشيات، ولم يشغلوا أنفسهم بالسراب الذي تحسبه ظمأى الصحوات ماء! وكيف يجد الماء من ترك معين الكتاب والسنة الذي لا ينضب وانكب على وجهه لاهثا خلف وعود الأنظمة والمخابرات، تائها في لعبة المحاور والاصطفافات، التي تتساوى فيها الأحزاب والحكومات وتتشابه فيها المصائر والنهايات!

إن جنود الخلافة في بوادي الشام فعلوا ما أمرهم به الله تعالى في الآية التي تقدّم تفسيرها، فكفاهم الله هذه "الفتنة" ووقاهم هذا "الفساد الكبير" الذي اجتاح الفصائل والجماعات، فساد في الاعتقاد والمنهج والتطبيق، قال تعالى: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، قال الطبري: "إلا تفعلوا ما أمرتكم به من التعاون والنصرة على الدين، تكن فتنة في الأرض". وهل هناك أعظم فتنة من الشرك؟! وهل هناك واجب أعظم وآكد من التعاون والنصرة على الدين، على الولاء والبراء على المفاصلة التامة بين معسكر التوحيد ومعسكر الشرك والتنديد؟

وفي الختام نذكر المسلمين في الشام أن يتعظوا ويعتبروا مِن كلِّ هذه التجارب، وأن لا يُكرِّروا الوقوع في نفس الحُفر، وأن يعرفوا صديقهم مِن عدوهم، فيكونوا عونًا للمجاهدين، وليبْشروا فإنّ جنود الخلافة عازمون بإذن الله تعالى على إذكاء جذوة الجهاد في شام الإيمان والتمحيص حتى ينزل الروم بدابق، ويقضي الله أمرا كان مفعولا، والله لا يخلف الميعاد.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 314
الخميس 20 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

مقال: سلوى الحزين الحمد لله رب العالمين المنعِم المتفضِّل على عباده المؤمنين، والصلاة والسلام ...

مقال: سلوى الحزين


الحمد لله رب العالمين المنعِم المتفضِّل على عباده المؤمنين، والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فالإنسان له مواطن ضعف ومواطن قوة، وكلما رأى الشيطانُ من الإنسان ضعفا سعى لانتهاز الفرصة؛ لأنه عدوٌ لدود له، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]، فهو يسعى لإشغال المؤمنين عن عبادة الله بكل حيلة، فإن رآه حريصا على إتمام عباداته وعمله بالمستحبات فإنه يسعى ليصرفه عن ذلك كله، فيبدأ بصرفه عن المستحبات ثم ما يليها من كمال المفروضات من الخشوع والتدبر ثم التمادي حتى يسلبه الإيمان، فهو عدو لا يكل ولا يملُّ في حربه على عباد الله بكل وسائله وطرقه المتعددة، ومن مظاهر عداوته استغلاله بعض حالات الضعف للإنسان ليزيده ضعفا، ومن ذلك حرصه على إدخال الهموم والأحزان على العباد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10]، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره". [طريق الهجرتين]


• القرآن ينهى عن الحزن

والحزن يكون على ما مضى، والهم على الحاضر والمستقبل، وقد جاء النهي صريحا عن الحزن في القرآن، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، وقال تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127].

بل إن من نعيم الجنة ألا حزن فيها فأهل الجنة يحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34].

وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن) [متفق عليه]، فالحزن لا فائدة منه فهو لا يقدم ولا يؤخر شيئا، بل هو مشتِّت للقلب، مُشغل عن العمل، لا تستقيم معه الحال، ولا يهدأ لصاحبه بال، وهو يُضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، وهو مدخل من مداخل الشيطان ليقعد بالمرء عن عمل الصالحات.

والقَدَر الذي نتج عنه ما تكرهه النفس هو مكتوب سابقا وهو حاصل لا محالة، فما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وكل مصيبة قدرها الله فلا رادّ لها، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11].

وللحزن أسباب كثيرة وأعظم ما يدفعها إدراكُ القلب أن الله تعالى لن يقدّر على عبده إلا خيرا وهو أعلم بما يصلح لعباده، وعلمُه أن ليس كل محابّ المرء صالحة وخيرا محضا لقلبه ونفسه، وليس كل ما تكرهه النفس شرا محضا قال تعالى: {فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، فالخير كل الخير فيما قدّره رب العزة جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، فهنا تطيب النفس راضية بما قدره الله عليها وتستقبل المحن وكأنها منح.

ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة حسنة، فعندما توفي ابنه قال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون). [البخاري] فالمؤمن وإن أصابه الحزن لمصيبة ألمّت به فإنه يسلّم لله ويرضى، وهو ما يسمى بـ"الصبر الجميل" قال النبي يعقوب عليه السلام: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 83] وهو الذي لا سخط فيه ولا جزع، بتسليم وإذعان ورضى.

ولا يكونن المرء أسيرا للأحزان فيدفعه ذلك للتسخط والاعتراض على أقدار الله والجزع، وسَعِد من بثّ شكايته إلى الله وأكثر من الدعاء الصادق الخالص، فإن له في ذلك أسوة وقدوة بنبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام حيث قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]. وينبغي للمسلم ألا يجعل لليأس طريقا إلى قلبه؛ فذلك حال الغافلين البُعداء عن الله، المعرضين عن أبوابه، ولذا حذّر يعقوب عليه السلام أبناءه من ذلك وهو الذي امتلأ حزنا وأسى على فراق ابنيْه، فقال: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87 ].

• محبة الله دواء الأحزان

والمُسَلَّم من ذلك هو المُسْلم العارف بالله تعالى، فمن عرف ربه أحبه ومن أحبه هان عليه كل شيء، ولن يجد الشيطان حينئذ مدخلا لقلب مُلئ حُبا لله، قال ابن الجوزي رحمه الله: "ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشا من العارفين بالله عز وجل؛ فإن العارف بربه مستأنس به في خلوته، فإن عمّت نعمه، علم من أهداها، وإن مَرَّ مُرٌّ حلا مذاقه في فيه، لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل ربه فتعوق مقصوده، صار مراده ما جرى به الأقدار، بعد يقينه بحكمة الله، وثقته بحسن تدبيره، وصفة العارف بالله قلبه مراقبٌ لمعروفه، وقائمٌ بين يدي الله، ناظرٌ بعين اليقين إليه، فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذَّبها...، فهذا الذي لا همَّ عليه في الدنيا، ولا غمَّ عنده وقت الرحيل عنها، ولا وحشة له في القلب، ولا خوف عليه يوم المحشر". [صيد الخاطر]

وبهذه المعرفة تحقق للنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضى الله عنه الحفظ والرعاية عندما كانا في الغار وجاءهم جمع المشركين يبحثون عنهما فقال أبو بكر يا رسول الله: لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فجاءه الجواب اليقيني: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "من أحب الله انكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كلِّ جانب، فإنه لا حزن مع الله أبداً، ولهذا أخبر الله تعالى عن نبيه أنه قال لصاحبه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] فدل على أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن". [طريق الهجرتين]

وقال رحمه الله: "القلب خُلق لمعرفة فاطره، ومحبته، وتوحيده، والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبَّ إليه من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، وأجلّ في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم، ولا سرور، ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقده فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان، مسارعة من كل صوبٍ إليه، ورهن مقيم عليه"، وقال: "الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك... وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حسّ به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشدَّ، كان الصدر أفسح وأشرح". [زاد المعاد]


• الحزن منه المذموم والمحمود

والحزن لم يُذّم كله، قال ابن الصباغ الشافعي رحمه الله: "الحزن يكون على ثلاثة أضرب: واحد منها مذموم، ولا يقرب إلى الله تعالى، ولا يكفر السيئات، وهو الحزن على ما لم ينله من الدنيا وزينتها، قال الله تعالى: {لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ}. والضرب الثاني: ما يلحق العبد من الحزن بطروق مصيبة تلحقه في أهله وماله، فذاك مما طبعه الله تعالى عليه، ولا يحصل بقصده واختياره، بخلاف الأول؛ لأنه يحصل بمحبة الدنيا واختياره لها، فهذا الضرب يكون كفارة له، وهو مندوب إلى صرفه عن نفسه، بتذكر فناء الدنيا وفنائه فيها. والضرب الثالث: هو قربة وطاعة، وهو حزنه على ما مضى من ذنوبه، وعلى ما فاته من طاعة ربه، وعلى تخلّفه عن السابقين بالدرجات في الطاعات". [الطريق السالم إلى الله]

اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 313
الخميس 13 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

مقال: سلوى الحزين الحمد لله رب العالمين المنعِم المتفضِّل على عباده المؤمنين، والصلاة والسلام ...

مقال: سلوى الحزين


الحمد لله رب العالمين المنعِم المتفضِّل على عباده المؤمنين، والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فالإنسان له مواطن ضعف ومواطن قوة، وكلما رأى الشيطانُ من الإنسان ضعفا سعى لانتهاز الفرصة؛ لأنه عدوٌ لدود له، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} [فاطر: 6]، فهو يسعى لإشغال المؤمنين عن عبادة الله بكل حيلة، فإن رآه حريصا على إتمام عباداته وعمله بالمستحبات فإنه يسعى ليصرفه عن ذلك كله، فيبدأ بصرفه عن المستحبات ثم ما يليها من كمال المفروضات من الخشوع والتدبر ثم التمادي حتى يسلبه الإيمان، فهو عدو لا يكل ولا يملُّ في حربه على عباد الله بكل وسائله وطرقه المتعددة، ومن مظاهر عداوته استغلاله بعض حالات الضعف للإنسان ليزيده ضعفا، ومن ذلك حرصه على إدخال الهموم والأحزان على العباد، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "ولا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، قال تعالى: {إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة: 10]، فالحزن مرض من أمراض القلب يمنعه من نهوضه وسيره وتشميره". [طريق الهجرتين]


• القرآن ينهى عن الحزن

والحزن يكون على ما مضى، والهم على الحاضر والمستقبل، وقد جاء النهي صريحا عن الحزن في القرآن، قال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، وقال تعالى: {وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل: 127].

بل إن من نعيم الجنة ألا حزن فيها فأهل الجنة يحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن، قال تعالى: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ} [فاطر: 34].

وقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن) [متفق عليه]، فالحزن لا فائدة منه فهو لا يقدم ولا يؤخر شيئا، بل هو مشتِّت للقلب، مُشغل عن العمل، لا تستقيم معه الحال، ولا يهدأ لصاحبه بال، وهو يُضعف القلب، ويوهن العزم، ويضر الإرادة، وهو مدخل من مداخل الشيطان ليقعد بالمرء عن عمل الصالحات.

والقَدَر الذي نتج عنه ما تكرهه النفس هو مكتوب سابقا وهو حاصل لا محالة، فما أصاب المرء لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وكل مصيبة قدرها الله فلا رادّ لها، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [التغابن: 11].

وللحزن أسباب كثيرة وأعظم ما يدفعها إدراكُ القلب أن الله تعالى لن يقدّر على عبده إلا خيرا وهو أعلم بما يصلح لعباده، وعلمُه أن ليس كل محابّ المرء صالحة وخيرا محضا لقلبه ونفسه، وليس كل ما تكرهه النفس شرا محضا قال تعالى: {فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19]، فالخير كل الخير فيما قدّره رب العزة جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، فهنا تطيب النفس راضية بما قدره الله عليها وتستقبل المحن وكأنها منح.

ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة حسنة، فعندما توفي ابنه قال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون). [البخاري] فالمؤمن وإن أصابه الحزن لمصيبة ألمّت به فإنه يسلّم لله ويرضى، وهو ما يسمى بـ"الصبر الجميل" قال النبي يعقوب عليه السلام: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} [يوسف: 83] وهو الذي لا سخط فيه ولا جزع، بتسليم وإذعان ورضى.

ولا يكونن المرء أسيرا للأحزان فيدفعه ذلك للتسخط والاعتراض على أقدار الله والجزع، وسَعِد من بثّ شكايته إلى الله وأكثر من الدعاء الصادق الخالص، فإن له في ذلك أسوة وقدوة بنبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام حيث قال: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86]. وينبغي للمسلم ألا يجعل لليأس طريقا إلى قلبه؛ فذلك حال الغافلين البُعداء عن الله، المعرضين عن أبوابه، ولذا حذّر يعقوب عليه السلام أبناءه من ذلك وهو الذي امتلأ حزنا وأسى على فراق ابنيْه، فقال: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87 ].

• محبة الله دواء الأحزان

والمُسَلَّم من ذلك هو المُسْلم العارف بالله تعالى، فمن عرف ربه أحبه ومن أحبه هان عليه كل شيء، ولن يجد الشيطان حينئذ مدخلا لقلب مُلئ حُبا لله، قال ابن الجوزي رحمه الله: "ليس في الدنيا ولا في الآخرة أطيب عيشا من العارفين بالله عز وجل؛ فإن العارف بربه مستأنس به في خلوته، فإن عمّت نعمه، علم من أهداها، وإن مَرَّ مُرٌّ حلا مذاقه في فيه، لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل ربه فتعوق مقصوده، صار مراده ما جرى به الأقدار، بعد يقينه بحكمة الله، وثقته بحسن تدبيره، وصفة العارف بالله قلبه مراقبٌ لمعروفه، وقائمٌ بين يدي الله، ناظرٌ بعين اليقين إليه، فقد سرى من بركة معرفته إلى الجوارح ما هذَّبها...، فهذا الذي لا همَّ عليه في الدنيا، ولا غمَّ عنده وقت الرحيل عنها، ولا وحشة له في القلب، ولا خوف عليه يوم المحشر". [صيد الخاطر]

وبهذه المعرفة تحقق للنبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبي بكر رضى الله عنه الحفظ والرعاية عندما كانا في الغار وجاءهم جمع المشركين يبحثون عنهما فقال أبو بكر يا رسول الله: لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فجاءه الجواب اليقيني: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40]، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "من أحب الله انكشفت عن قلبه الهموم والغموم والأحزان، وعمر قلبه بالسرور والأفراح، وأقبلت إليه وفود التهاني والبشائر من كلِّ جانب، فإنه لا حزن مع الله أبداً، ولهذا أخبر الله تعالى عن نبيه أنه قال لصاحبه: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة: 40] فدل على أنه لا حزن مع الله، وأن من كان الله معه فما له وللحزن". [طريق الهجرتين]

وقال رحمه الله: "القلب خُلق لمعرفة فاطره، ومحبته، وتوحيده، والسرور به، والابتهاج بحبه، والرضى عنه، والتوكل عليه، والحب فيه، والبغض فيه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، ودوام ذكره، وأن يكون أحبَّ إليه من كل ما سواه، وأرجى عنده من كل ما سواه، وأجلّ في قلبه من كل ما سواه، ولا نعيم، ولا سرور، ولا لذة، بل ولا حياة إلا بذلك، وهذا له بمنزلة الغذاء والصحة والحياة، فإذا فقده فقد غذاءه وصحته وحياته، فالهموم والغموم والأحزان، مسارعة من كل صوبٍ إليه، ورهن مقيم عليه"، وقال: "الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبته بكل القلب، والإقبال عليه، والتنعم بعبادته، فلا شيء أشرحُ لصدر العبد من ذلك... وللمحبة تأثير عجيب في انشراح الصدر، وطيب النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا من له حسّ به، وكلما كانت المحبة أقوى وأشدَّ، كان الصدر أفسح وأشرح". [زاد المعاد]


• الحزن منه المذموم والمحمود

والحزن لم يُذّم كله، قال ابن الصباغ الشافعي رحمه الله: "الحزن يكون على ثلاثة أضرب: واحد منها مذموم، ولا يقرب إلى الله تعالى، ولا يكفر السيئات، وهو الحزن على ما لم ينله من الدنيا وزينتها، قال الله تعالى: {لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ}. والضرب الثاني: ما يلحق العبد من الحزن بطروق مصيبة تلحقه في أهله وماله، فذاك مما طبعه الله تعالى عليه، ولا يحصل بقصده واختياره، بخلاف الأول؛ لأنه يحصل بمحبة الدنيا واختياره لها، فهذا الضرب يكون كفارة له، وهو مندوب إلى صرفه عن نفسه، بتذكر فناء الدنيا وفنائه فيها. والضرب الثالث: هو قربة وطاعة، وهو حزنه على ما مضى من ذنوبه، وعلى ما فاته من طاعة ربه، وعلى تخلّفه عن السابقين بالدرجات في الطاعات". [الطريق السالم إلى الله]

اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن ومن العجز والكسل ومن الجبن والبخل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 313
الخميس 13 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

فاصبر لحكم ربك بينما يسير المؤمن في طريق الجنة الذي تحفّه المكاره يحتاج فيه إلى من يُذكّره، ...

فاصبر لحكم ربك


بينما يسير المؤمن في طريق الجنة الذي تحفّه المكاره يحتاج فيه إلى من يُذكّره، لأنه يجد أعداء كُثر وناقمين أكثر وعوائق لا تنتهي في هذا الطريق، وأقواما لا يحتملون الحقّ فضلا عن اتباعه، وقد كان نبيُّنا محمد عليه الصلاة والسلام يجد شدّة في قيامه بأمر هذا الدين، فكان ذو العزة والجلال سبحانه ينزّل عليه القرآن ويأمره بالصبر والتصبر، لذا تكرّر في القرآن ورود قوله تعالى: {فَاصْبِرْ}.

غير أن هنالك مواضع ثلاثة في القرآن خصَّصت ذلك بالصبر لحكم الله تعالى، والمعنيُّ به الحكم القدَري الكوني والحكم الشرعي الواجب على الناس أخذه والقيام به، وتلك وصايا يحتاجها كل مسلم سلّم لحكم الله وانقاد له وعمل على تنفيذه ونذرَ نفسه له.

أما الموضع الأول فقوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الإنسان: 24 - 25]، قال الإمام ابن جرير رحمه الله: "يقول: اصبر لما امتحنك به ربُّك من فرائضه، وتبليغ رسالاته، والقيام بما ألزمك القيام به في تنزيله الذي أوحاه إليك، {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} أي: ولا تطع في معصية الله من مشركي قومك، آثما يريد بركوبه معاصيه، أو كفورا: يعنى جحودا لنعمه عنده وآلائه قِبَلَه، فهو يكفر به، ويعبد غيره".

وقد جاء هذا الأمر بالصبر على أحكام الدين وعدم طاعة الكافرين؛ لأنهم يحاولون إغواء المؤمن بالترغيب أو الترهيب، فيسعون لثنيه عن دينه ابتداء بالترغيب في الدنيا وتزيينها وإغراءه بالمناصب فيها ومسالمته؛ ليدع ما هو عليه من الحق، وقد عرضوا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المُلك والأموال والجاه مقابل أن يتنازل عن دينه، فأنزل الله عليه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} فلمّا لم يجدوا فائدة من ذلك أقبلوا على الترهيب، فهددوه وتوعدوه وعزموا على قتله أو طرده، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}.

وفي كلا نوعي الضغط -الترغيب والترهيب- أمرَه الله تعالى بعدم طاعتهم، بل يصبر لهذا الدين ويصدع به ولا يطمع في ترغيبهم ولا يجزع من ترهيبهم، وهذا "الضغط" هو ما أسقط جماعات كثيرة في زماننا، فتركوا شرع الله والحكم به وآثروا مسالمة الطواغيت ورضخوا للترغيب والترهيب معًا والعياذ بالله.

وأما الموضع الثاني قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]، قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين بما أتيتهم به من هذا القرآن، وهذا الدين، وامضِ لما أمرك به ربك، ولا يثنيك عن تبليغ ما أُمرت بتبليغه تكذيبهم إياك وأذاهم لك، وقوله: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} الذي حبسه في بطنه، وهو يونس بن مَتَّى صلى الله عليه وسلم فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك، كما عاقبه فحبسه في بطنه: {إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} يقول: إذ نادى وهو مغموم، قد أثقله الغمّ وكظمه".

فتبليغ الدين ونقله إلى أرض الواقع يحتاج إلى صبر وتكاليف باهظة، واستمرار وعزيمة قوية، وإن غلب في الناس الإعراض فليس ذلك بعذر لترك دين الله والقيام به، فإنّ عاقبة الأمر نصر لأولياء الرحمن وسحق لأولياء الشيطان.

أما الموضع الثالث فهو قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: اصبر على أذاهم ولا تبالهم، فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من الناس". وهذه بشرى قرآنية لمن صبر على أمر الله وحكمه، وثبت على هدفه بتحكيم شرع الله وأطْر الخلق عليه، فإنه مُحاط بعناية الله وكلاءته، وهو يسير في دربه على مرأى ربه واطّلاعه عليه في كل شيء يصيبه، وكل عمل يقوم به، وكل شدة يلقاها وجهد يَجهده في إعداده أو رباطه أو غزوه أو شغله بسلاحه أو تربصه بعدوه، وهذا يُكسبه طمأنينة وأمانا وشعورا بعدم الوحدة والخذلان، فالله تعالى هو وليّه ومؤيّده وناصره.

أما أحزاب وفصائل الردة فإنّ أول ما تبحث عنه هو الحليف الشرقي أو الغربي، فمنه يستمدون أسباب بقائهم ووجودهم! وفي المقابل يسارعون إلى اتهام جنود الخلافة بالعمالة للدول والحكومات المختلفة!، لأنهم لا يستوعبون كيانا يقوم بلا حليف ولا داعم، ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى هو خير ناصر ومعين لعباده المؤمنين، فإن الله قد أمرهم بالجهاد وتكفل لهم بالولاية والنصرة فقال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.

فتذكّر أيها المجاهد أنّ الله يراك وليس بغافل عنك أينما كنت وأنه لن يضيّعك، ومتى أدرك المسلم ذلك تطلّع للمعالي ليُرضي ربه وينال ولايته ونصرته، والمجاهد يزداد بذلك قوة في جهاده وتنكيلا في أعدائه، وإنا لنحسب أن أجناد الخلافة اليوم لم يعوّلوا على أحد يطمع أن يثنيهم عن جهادهم؛ لعلمهم أن الله تعالى يراهم وهو مطلع عليهم، وقد عقدوا العزم ألا يُرضوا الناس بسخط الله، وهذا من أعظم أبواب التوحيد التي دخلها من استحقها، وحُجب عنها من خان وغيّر وبدّل.

ومِن أكثر ما يعين المجاهد على الثبات في معركة الصبر لحكم الله؛ هو التزوّد بذكره سبحانه وتعالى، ألم تر أن الله أتبع الأمر بالصبر، الحثّ على ذكره وعبادته، ففي الموضع الأول في سورة الإنسان قال: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، وقال في الموضع الثاني في سورة القلم: {لَّوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} فتداركته نعمة ربه حينما كان من المسبحين، وفي الموضع الثالث في آية الطور قال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}، فمن أكثَرَ من ذكر الله تعالى مع ما يشمله الذكر من معاني وعبادات أوسع؛ صبّره الله على هذا الأمر العظيم وأعانه عليه، ورزقه الثبات والمضيّ والعناية والتأييد، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 313
الخميس 13 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

فاصبر لحكم ربك بينما يسير المؤمن في طريق الجنة الذي تحفّه المكاره يحتاج فيه إلى من يُذكّره، ...

فاصبر لحكم ربك


بينما يسير المؤمن في طريق الجنة الذي تحفّه المكاره يحتاج فيه إلى من يُذكّره، لأنه يجد أعداء كُثر وناقمين أكثر وعوائق لا تنتهي في هذا الطريق، وأقواما لا يحتملون الحقّ فضلا عن اتباعه، وقد كان نبيُّنا محمد عليه الصلاة والسلام يجد شدّة في قيامه بأمر هذا الدين، فكان ذو العزة والجلال سبحانه ينزّل عليه القرآن ويأمره بالصبر والتصبر، لذا تكرّر في القرآن ورود قوله تعالى: {فَاصْبِرْ}.

غير أن هنالك مواضع ثلاثة في القرآن خصَّصت ذلك بالصبر لحكم الله تعالى، والمعنيُّ به الحكم القدَري الكوني والحكم الشرعي الواجب على الناس أخذه والقيام به، وتلك وصايا يحتاجها كل مسلم سلّم لحكم الله وانقاد له وعمل على تنفيذه ونذرَ نفسه له.

أما الموضع الأول فقوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الإنسان: 24 - 25]، قال الإمام ابن جرير رحمه الله: "يقول: اصبر لما امتحنك به ربُّك من فرائضه، وتبليغ رسالاته، والقيام بما ألزمك القيام به في تنزيله الذي أوحاه إليك، {وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} أي: ولا تطع في معصية الله من مشركي قومك، آثما يريد بركوبه معاصيه، أو كفورا: يعنى جحودا لنعمه عنده وآلائه قِبَلَه، فهو يكفر به، ويعبد غيره".

وقد جاء هذا الأمر بالصبر على أحكام الدين وعدم طاعة الكافرين؛ لأنهم يحاولون إغواء المؤمن بالترغيب أو الترهيب، فيسعون لثنيه عن دينه ابتداء بالترغيب في الدنيا وتزيينها وإغراءه بالمناصب فيها ومسالمته؛ ليدع ما هو عليه من الحق، وقد عرضوا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم المُلك والأموال والجاه مقابل أن يتنازل عن دينه، فأنزل الله عليه: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} فلمّا لم يجدوا فائدة من ذلك أقبلوا على الترهيب، فهددوه وتوعدوه وعزموا على قتله أو طرده، قال تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}.

وفي كلا نوعي الضغط -الترغيب والترهيب- أمرَه الله تعالى بعدم طاعتهم، بل يصبر لهذا الدين ويصدع به ولا يطمع في ترغيبهم ولا يجزع من ترهيبهم، وهذا "الضغط" هو ما أسقط جماعات كثيرة في زماننا، فتركوا شرع الله والحكم به وآثروا مسالمة الطواغيت ورضخوا للترغيب والترهيب معًا والعياذ بالله.

وأما الموضع الثاني قوله تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} [القلم: 48]، قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فاصبر يا محمد لقضاء ربك وحكمه فيك، وفي هؤلاء المشركين بما أتيتهم به من هذا القرآن، وهذا الدين، وامضِ لما أمرك به ربك، ولا يثنيك عن تبليغ ما أُمرت بتبليغه تكذيبهم إياك وأذاهم لك، وقوله: {وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ} الذي حبسه في بطنه، وهو يونس بن مَتَّى صلى الله عليه وسلم فيعاقبك ربك على تركك تبليغ ذلك، كما عاقبه فحبسه في بطنه: {إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ} يقول: إذ نادى وهو مغموم، قد أثقله الغمّ وكظمه".

فتبليغ الدين ونقله إلى أرض الواقع يحتاج إلى صبر وتكاليف باهظة، واستمرار وعزيمة قوية، وإن غلب في الناس الإعراض فليس ذلك بعذر لترك دين الله والقيام به، فإنّ عاقبة الأمر نصر لأولياء الرحمن وسحق لأولياء الشيطان.

أما الموضع الثالث فهو قوله تعالى: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} [الطور: 48]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: اصبر على أذاهم ولا تبالهم، فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، والله يعصمك من الناس". وهذه بشرى قرآنية لمن صبر على أمر الله وحكمه، وثبت على هدفه بتحكيم شرع الله وأطْر الخلق عليه، فإنه مُحاط بعناية الله وكلاءته، وهو يسير في دربه على مرأى ربه واطّلاعه عليه في كل شيء يصيبه، وكل عمل يقوم به، وكل شدة يلقاها وجهد يَجهده في إعداده أو رباطه أو غزوه أو شغله بسلاحه أو تربصه بعدوه، وهذا يُكسبه طمأنينة وأمانا وشعورا بعدم الوحدة والخذلان، فالله تعالى هو وليّه ومؤيّده وناصره.

أما أحزاب وفصائل الردة فإنّ أول ما تبحث عنه هو الحليف الشرقي أو الغربي، فمنه يستمدون أسباب بقائهم ووجودهم! وفي المقابل يسارعون إلى اتهام جنود الخلافة بالعمالة للدول والحكومات المختلفة!، لأنهم لا يستوعبون كيانا يقوم بلا حليف ولا داعم، ونسوا أو تناسوا أن الله تعالى هو خير ناصر ومعين لعباده المؤمنين، فإن الله قد أمرهم بالجهاد وتكفل لهم بالولاية والنصرة فقال سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}.

فتذكّر أيها المجاهد أنّ الله يراك وليس بغافل عنك أينما كنت وأنه لن يضيّعك، ومتى أدرك المسلم ذلك تطلّع للمعالي ليُرضي ربه وينال ولايته ونصرته، والمجاهد يزداد بذلك قوة في جهاده وتنكيلا في أعدائه، وإنا لنحسب أن أجناد الخلافة اليوم لم يعوّلوا على أحد يطمع أن يثنيهم عن جهادهم؛ لعلمهم أن الله تعالى يراهم وهو مطلع عليهم، وقد عقدوا العزم ألا يُرضوا الناس بسخط الله، وهذا من أعظم أبواب التوحيد التي دخلها من استحقها، وحُجب عنها من خان وغيّر وبدّل.

ومِن أكثر ما يعين المجاهد على الثبات في معركة الصبر لحكم الله؛ هو التزوّد بذكره سبحانه وتعالى، ألم تر أن الله أتبع الأمر بالصبر، الحثّ على ذكره وعبادته، ففي الموضع الأول في سورة الإنسان قال: {وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}، وقال في الموضع الثاني في سورة القلم: {لَّوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} فتداركته نعمة ربه حينما كان من المسبحين، وفي الموضع الثالث في آية الطور قال: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ}، فمن أكثَرَ من ذكر الله تعالى مع ما يشمله الذكر من معاني وعبادات أوسع؛ صبّره الله على هذا الأمر العظيم وأعانه عليه، ورزقه الثبات والمضيّ والعناية والتأييد، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 313
الخميس 13 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

مقال: جاه الأكارم (8) - الصمت - الحمد لله هادي عباده لطرق الرشاد، الذي أنزل القرآن دليلا لما ...

مقال: جاه الأكارم (8) - الصمت -


الحمد لله هادي عباده لطرق الرشاد، الذي أنزل القرآن دليلا لما فيه صلاح العباد، والصلاة والسلام على نبينا محمد مَن عمَّ خيره الورى في كل سهل وواد، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التناد، وبعد.

فالخطايا يركب بعضها بعضا، ومن رام اجتناب أعلاها فعليه دفع أدناها وسدّ بابها الأول، وقد جاء عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أوصى أحد عماله وولاته وهو الأحنف بن قيس فقال له: "مَن كثر ضحكه قلت هيبته، ومَن كثر مزاحه استخف به، ومَن أكثر من شيء عُرف به، ومَن كثر كلامه كثر سقطه، ومَن كثر سقطه قلّ حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومَن قلّ ورعه مات قلبه" [شعب الإيمان]

ومِن طرق سدّ الشر الأخذ بخلق الصمت الذي يعتبر علاجا للكثير من مصائب الكلام وسقطات اللسان، وهو سمة أهل النهى والألباب، ومنقبة للأبرار الأخيار، كما أن تركه وإكثار الكلام مذمّة ودليل جهل وخفة عقل، وباب استدراج لمعاصي الأقوال وسوءِ الأعمال، وسبب من أسباب قسوة القلب، وهو مما يكرهه الله لعباده، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله كره لكم قيل وقال...) [رواه أحمد]

ونال الصمت نصيبا من التوصية به من قِبَل أخيار هذه الأمة من سلفها الصالح ومن بعدهم حتى ألّف بعضهم فيه المصنفات والأجزاء الحديثية، ترغيبا فيه وتذكيرا بفضائله؛ لما له من حضور بيّن في مقام الآداب.

أما معنى الصمت لغةً فقيل إنه مأخوذ من: "صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وصُموتًا وصُماتًا: سَكَتَ، وأَصْمَتَ مثله، والتصْميتُ: التسكيتُ، ويُقال لغير الناطق: صامت ولا يقال ساكت، وَيُقَال: أَخذه الصُّمات، إِذا سكت فلم يتكلم". [المعجم الوسيط]، أما في الاصطلاح فقيل إنه: "إمساك عن قوله الباطل دون الحق".

قال النيسابوري: "ترك الكلام له أربعة أسماء:
1- الصمت، وهو أعمّها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم: (مال ناطق أو صامت).
2- والسكوت، وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام.
3- والإنصات، هو السكوت مع استماع قال تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204].
4- والإصاخة، وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه، كالسرِّ والصوت من المكان البعيد" [غرائب القرآن ورغائب الفرقان]

والقدوة في هذا الخلق هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان طويل الصمت، قليل الضحك، وكان يوصي أصحابه بذلك، فقد أوصى أبا ذر فقال له: (عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك، وإياك والضحك فإنه يميت القلوب ويذهب نور الوجه). [شعب الإيمان]

وهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان ممن عرف مكانة الصمت وخطر اللسان، فأخذ بطرف لسانه وقال: "هذا الذي أوردني الموارد" [رواه النسائي].

وكثرة الصمت تورث الهيبة، فعن علي رضي الله عنه قال: "بكثرة الصمت تكون الهيبة".

والصمت من السمت الحسن للمرء الذي ينبغي تعلمه والحرص عليه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "تعلموا الصمت كما تتعلمون الكلام، فإن الصمت حكم عظيم، وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم، ولا تتكلم في شيء لا يعنيك، ولا تكن مضحاكا من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب" -يعني إلى غير حاجة-. [رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق]، وقال عبد الله بن أبي زكريا: "عالجت الصمت ثنتي عشرة سنةً، فما بلغت منه ما كنت أرجو، وتخوفت منه فتكلمت". [الصمت لابن أبي الدنيا]

والصمت أعظم الحكمة فعن وهيب بن الورد رحمه الله، قال: كان يقال: "الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس". [الصمت لابن أبي الدنيا]

وقال: أبو عمر الضرير: "سمعت رياحًا القيسي، يقول: قال لي عتبة: يا رياح إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت فبئس الناظر أنا، يا رياح، إنَّ لها موقفًا تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول". [حلية الأولياء]

وأكثر ما يحمل الإنسان على كثرة الكلام جهله بأن كلامه من عمله، قال عمر بن عبد العزيز: "من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح" [رواه البيهقي]

والصمت وقاية من آفات اللسان، وإنْ كثر لغط العبد كثرت هفوات لسانه بكلام لا يجني منه سوى الآثام، ولقد جاء القرآن الكريم مبينا أن الكلام محسوب على العباد؛ لأن الله تعالى جعل لهم ملائكة كتبة حافظين، قال تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]

قال ابن كثير: "{مَّا يَلْفِظُ} أي: ابن آدم {مِنْ قَوْلٍ} أي: ما يتكلم بكلمة {إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي: إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12] [التفسير] وقال الشوكاني: أي: "ما يتكلم من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه، أي: على ذلك اللافظ رقيب، أي: ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب: الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر ملك الشمال، والعتيد: الحاضر المهيأ". [فتح القدير]

وقال السمعاني: "أي: رقيب حاضر، قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء، حتى قوله لجاريته: اسقيني الماء، وناوليني نعلي، أو أعطيني ردائي، ويقال: يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء". [تفسير القرآن]

ومن استحضر سمع الله لكلامه وعلم أنه موقوف ومسؤول يوم القيامة عما يقول كثر صمته، فعن أبي هريرة -رضي اللّه عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) [رواه البخاري] قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث آداب وسنن، منها التأكيد في لزوم الصمت، وقول الخير أفضل من الصمت؛ لأن قول الخير غنيمة، والسكوت سلامة، والغنيمة أفضل من السلامة" [التمهيد]

وقال النووي: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فليقل خيرًا أو ليصمت) فمعناه: أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا" [شرح صحيح مسلم]

وعن سهل بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) [رواه البخاري]

قال ابن عبد البر: "في هذا الحديث دليل على أن أكبر الكبائر إنما هي من الفم والفرج، وما بين اللحيين الفم، وما بين الرجلين الفرج، ومن الفم ما يتولد من اللسان وهو كلمة الكفر، وقذف المحصنات، وأخذ أعراض المسلمين، ومن الفم أيضا شرب الخمر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلمًا، ومن الفرج الزنى واللواط" [الاستذكار]، وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: "فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عما لا يعنيه ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة... فإن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلا في خير سلم، وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر" [فتح الباري]

ومن ملك لسانه فقد ملك خيرا كثيرا، وكفى نفسه شرا كثيرا، ونجّى نفسه من حُفَرٍ عديدة ومزالق شتى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) [رواه الترمذي]، وعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صمت نجا). [رواه الترمذي]

ربنا وفقنا لما تحب وترضى وارحم ضعفنا وقنا شر نفوسنا، أنت ولينا وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


•المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 312
الخميس 6 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

مقال: جاه الأكارم (8) - الصمت - الحمد لله هادي عباده لطرق الرشاد، الذي أنزل القرآن دليلا لما ...

مقال: جاه الأكارم (8) - الصمت -


الحمد لله هادي عباده لطرق الرشاد، الذي أنزل القرآن دليلا لما فيه صلاح العباد، والصلاة والسلام على نبينا محمد مَن عمَّ خيره الورى في كل سهل وواد، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التناد، وبعد.

فالخطايا يركب بعضها بعضا، ومن رام اجتناب أعلاها فعليه دفع أدناها وسدّ بابها الأول، وقد جاء عن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أوصى أحد عماله وولاته وهو الأحنف بن قيس فقال له: "مَن كثر ضحكه قلت هيبته، ومَن كثر مزاحه استخف به، ومَن أكثر من شيء عُرف به، ومَن كثر كلامه كثر سقطه، ومَن كثر سقطه قلّ حياؤه، ومَن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومَن قلّ ورعه مات قلبه" [شعب الإيمان]

ومِن طرق سدّ الشر الأخذ بخلق الصمت الذي يعتبر علاجا للكثير من مصائب الكلام وسقطات اللسان، وهو سمة أهل النهى والألباب، ومنقبة للأبرار الأخيار، كما أن تركه وإكثار الكلام مذمّة ودليل جهل وخفة عقل، وباب استدراج لمعاصي الأقوال وسوءِ الأعمال، وسبب من أسباب قسوة القلب، وهو مما يكرهه الله لعباده، قال عليه الصلاة والسلام: (إن الله كره لكم قيل وقال...) [رواه أحمد]

ونال الصمت نصيبا من التوصية به من قِبَل أخيار هذه الأمة من سلفها الصالح ومن بعدهم حتى ألّف بعضهم فيه المصنفات والأجزاء الحديثية، ترغيبا فيه وتذكيرا بفضائله؛ لما له من حضور بيّن في مقام الآداب.

أما معنى الصمت لغةً فقيل إنه مأخوذ من: "صَمَتَ يَصْمُتُ صَمْتًا وصُموتًا وصُماتًا: سَكَتَ، وأَصْمَتَ مثله، والتصْميتُ: التسكيتُ، ويُقال لغير الناطق: صامت ولا يقال ساكت، وَيُقَال: أَخذه الصُّمات، إِذا سكت فلم يتكلم". [المعجم الوسيط]، أما في الاصطلاح فقيل إنه: "إمساك عن قوله الباطل دون الحق".

قال النيسابوري: "ترك الكلام له أربعة أسماء:
1- الصمت، وهو أعمّها حتى إنه يستعمل فيما ليس يقوى على النطق كقولهم: (مال ناطق أو صامت).
2- والسكوت، وهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام.
3- والإنصات، هو السكوت مع استماع قال تعالى: {فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204].
4- والإصاخة، وهو الاستماع إلى ما يصعب إدراكه، كالسرِّ والصوت من المكان البعيد" [غرائب القرآن ورغائب الفرقان]

والقدوة في هذا الخلق هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فنبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان طويل الصمت، قليل الضحك، وكان يوصي أصحابه بذلك، فقد أوصى أبا ذر فقال له: (عليك بطول الصمت فإنه مطردة للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك، وإياك والضحك فإنه يميت القلوب ويذهب نور الوجه). [شعب الإيمان]

وهذا أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان ممن عرف مكانة الصمت وخطر اللسان، فأخذ بطرف لسانه وقال: "هذا الذي أوردني الموارد" [رواه النسائي].

وكثرة الصمت تورث الهيبة، فعن علي رضي الله عنه قال: "بكثرة الصمت تكون الهيبة".

والصمت من السمت الحسن للمرء الذي ينبغي تعلمه والحرص عليه، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "تعلموا الصمت كما تتعلمون الكلام، فإن الصمت حكم عظيم، وكن إلى أن تسمع أحرص منك إلى أن تتكلم، ولا تتكلم في شيء لا يعنيك، ولا تكن مضحاكا من غير عجب، ولا مشاء إلى غير أرب" -يعني إلى غير حاجة-. [رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق]، وقال عبد الله بن أبي زكريا: "عالجت الصمت ثنتي عشرة سنةً، فما بلغت منه ما كنت أرجو، وتخوفت منه فتكلمت". [الصمت لابن أبي الدنيا]

والصمت أعظم الحكمة فعن وهيب بن الورد رحمه الله، قال: كان يقال: "الحكمة عشرة أجزاء: فتسعة منها في الصمت، والعاشرة عزلة الناس". [الصمت لابن أبي الدنيا]

وقال: أبو عمر الضرير: "سمعت رياحًا القيسي، يقول: قال لي عتبة: يا رياح إن كنت كلما دعتني نفسي إلى الكلام تكلمت فبئس الناظر أنا، يا رياح، إنَّ لها موقفًا تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول". [حلية الأولياء]

وأكثر ما يحمل الإنسان على كثرة الكلام جهله بأن كلامه من عمله، قال عمر بن عبد العزيز: "من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم، كان ما يفسد أكثر مما يصلح" [رواه البيهقي]

والصمت وقاية من آفات اللسان، وإنْ كثر لغط العبد كثرت هفوات لسانه بكلام لا يجني منه سوى الآثام، ولقد جاء القرآن الكريم مبينا أن الكلام محسوب على العباد؛ لأن الله تعالى جعل لهم ملائكة كتبة حافظين، قال تعالى: {مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18]

قال ابن كثير: "{مَّا يَلْفِظُ} أي: ابن آدم {مِنْ قَوْلٍ} أي: ما يتكلم بكلمة {إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} أي: إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10 - 12] [التفسير] وقال الشوكاني: أي: "ما يتكلم من كلام، فيلفظه ويرميه من فيه إلا لديه، أي: على ذلك اللافظ رقيب، أي: ملك يرقب قوله ويكتبه، والرقيب: الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين، وكاتب الشر ملك الشمال، والعتيد: الحاضر المهيأ". [فتح القدير]

وقال السمعاني: "أي: رقيب حاضر، قال الحسن: يكتب الملكان كل شيء، حتى قوله لجاريته: اسقيني الماء، وناوليني نعلي، أو أعطيني ردائي، ويقال: يكتب كل شيء حتى صفيره بشرب الماء". [تفسير القرآن]

ومن استحضر سمع الله لكلامه وعلم أنه موقوف ومسؤول يوم القيامة عما يقول كثر صمته، فعن أبي هريرة -رضي اللّه عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) [رواه البخاري] قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث آداب وسنن، منها التأكيد في لزوم الصمت، وقول الخير أفضل من الصمت؛ لأن قول الخير غنيمة، والسكوت سلامة، والغنيمة أفضل من السلامة" [التمهيد]

وقال النووي: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (فليقل خيرًا أو ليصمت) فمعناه: أنه إذا أراد أن يتكلم؛ فإن كان ما يتكلم به خيرًا محققًا يثاب عليه واجبًا أو مندوبًا فليتكلم، وإن لم يظهر له أنه خير يثاب عليه فليمسك عن الكلام، سواء ظهر له أنه حرام أو مكروه أو مباح مستوي الطرفين؛ فعلى هذا يكون الكلام المباح مأمورًا بتركه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انجراره إلى المحرم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا" [شرح صحيح مسلم]

وعن سهل بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) [رواه البخاري]

قال ابن عبد البر: "في هذا الحديث دليل على أن أكبر الكبائر إنما هي من الفم والفرج، وما بين اللحيين الفم، وما بين الرجلين الفرج، ومن الفم ما يتولد من اللسان وهو كلمة الكفر، وقذف المحصنات، وأخذ أعراض المسلمين، ومن الفم أيضا شرب الخمر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلمًا، ومن الفرج الزنى واللواط" [الاستذكار]، وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: "فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عما لا يعنيه ضمن له الرسول صلى الله عليه وسلم الجنة... فإن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلا في خير سلم، وقال ابن بطال: دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه، فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر" [فتح الباري]

ومن ملك لسانه فقد ملك خيرا كثيرا، وكفى نفسه شرا كثيرا، ونجّى نفسه من حُفَرٍ عديدة ومزالق شتى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه، قال: كف عليك هذا، قلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك، وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) [رواه الترمذي]، وعن عبد الله بن عمرو-رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صمت نجا). [رواه الترمذي]

ربنا وفقنا لما تحب وترضى وارحم ضعفنا وقنا شر نفوسنا، أنت ولينا وأنت حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


•المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 312
الخميس 6 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

لماذا تخيفهم الخلافة! بلغَ نبأ للطاغوت فرعون أنّ مُلكه سيفنى على يد رجلٍ مِن بني إسرائيل، ...

لماذا تخيفهم الخلافة!



بلغَ نبأ للطاغوت فرعون أنّ مُلكه سيفنى على يد رجلٍ مِن بني إسرائيل، فارتعد لذلك وأصدر أمرا بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل، حتى شُكي إليه أنّ فعله هذا سيؤول إلى فناء مَن يخدمهم ما يعني اضطرارهم للعمل مكانهم، عندها جعل القتل عاما دون عام!، فوُلد موسى عليه السلام في العام الذي يُقتل فيه الأولاد كقدر قاهر لفرعون وأضرابه من الطغاة، وتربّى على نفقة فرعون، ثم ما هي إلا سنوات وإذْ بمُلْك فرعون ينهار ويفنى فأغرقه الله هو وجنوده، ورغم كل ما فعله فرعون مِن تدابير وقاية فإنها لم تمنع نفاذ قدر الله فيه.

قال ابن كثير رحمه الله: "وكثيرًا ما يذكر الله تعالى قصة موسى عليه السلام، مع فرعون في كتابه العزيز؛ لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حَذر من موسى كل الحذر، فسخّره القدر أن رَبَّى هذا الذي يُحذَّر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله، وليس له وزير سوى أخيه هارون عليه السلام، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية، والنفس الخبيثة الأبية، وقوّى رأسه وتولّى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجهرم على الله، وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل،... حتى أحلّ الله بهم بأسه الذي لا يُرَد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين".

وعلى هذا يسير كل طواغيت العصر اليوم محاولين أن يمنعوا قدر الله الذي يعلمونه، ولكن هيهات هيهات، فقد قدِمت أمريكا بجيوش جرارة إلى العراق وقادت حربا شرسة ضد المجاهدين وهي تعلم أن المجاهدين يريدون إقامة الخلافة حتى قال طاغوتهم "بوش" يومها: "الإرهابيون يعدون العراق جبهة مركزية في حربهم ضد الإنسانية، ويتحتم علينا الاعتراف بكون العراق جبهة مركزية في حربنا على الإرهاب، يعتقد المسلحون بأن السيطرة على أحد البلدان سيحشد جماهير المسلمين، وذلك سيمكنهم من الإطاحة بالحكومات المعتدلة في المنطقة وتأسيس إمبراطورية إسلامية أصولية تمتد من إسبانيا إلى إندونيسيا".

صدق وهو الكذوب، فما هي إلا سنوات حتى أُعلنت الخلافة تحقيقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، وامتدت ولاياتها إلى أصقاع من الأرض إيذانا بفتح أعظم تحظى به أمة الإسلام قريبا إن شاء الله.

فكوّنت أمريكا الصليبية تحالفا عالميا يلج إليه كل يوم ثعلب من الثعالب الطغاة؛ للقضاء على الخلافة؛ فيزداد ثباتها وتصلّبها ويظهر خيرها للمسلمين ليستبين لهم صدق منهجها وتفرّدها بحمْل دفة الصراع ضد أمم الكفر أجمعين.

وما تزال الخلافة قائمة إلى اليوم بفضل الله وتأييده، رغم أنوف طواغيت أمريكا والتحالف الصليبي، الذين يعلمون هدف الدولة الإسلامية المنوط بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها)، وبُشْراه عليه الصلاة والسلام بفتح روما، فهؤلاء الطواغيت يدفعون قدرا لا محالة واقع، وإن جيّشوا الجيوش عسكريا وإعلاميا واستخباريا وغيرها.

إذْ صارت الخلافة بالنسبة لدول التحالف الصليبي كابوسا ومصدر قلق ما فتئوا يُعربون عنه بين حين وآخر، حتى غدا أشد ما يظنون وأخوف ما يخافون، وكلما نشط أجناد الخلافة في صقع أو بلد نادى طواغيت ذلك البلد -بتباكٍ واستنجاد- العالمَ بأسرِه بدُوله ومنظماته؛ لدعمهم في حرب جنود الخلافة، ما يعني يأسهم جميعا مِن تصدي تلك الدول بمفردها لمن عندهم من مجاهدي دولة الإسلام رغم قلتهم بالنسبة للجيوش المحيطة بهم، أوَقد بلغ بهم الخوف من الخلافة إلى هذه الدرجة؟!

إن القوم يعلمون أن الخلافة حُلُمٌ كان يطلبه المسلمون من سنين، يجمع شتاتهم بإمام واحد يقودهم بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

تخيفهم الخلافة؛ لأنها تفتح لأبناء المسلمين سوق الجهاد في سبيل الله الذي أوصده الطواغيت وصدوا الناس عنه لعقود طويلة.

وتخيفهم الخلافة؛ لأنها لا تُنصّب خليفتها بصناديق الاقتراع، بل بصناديق الذخيرة والرصاص، ولأنها لا توقِّع على حفظ مصالح الصليبيين واليهود، إنما تحفظ أمور الدين.

وتخيفهم الخلافة؛ لأنها لا تلتزم بقوانين أمم الكفر بل تضعها تحت أقدامها وتدوس بسنابك خيلها قاعات مؤتمراتها وتغزوها فاتحة إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.

وتخيفهم الخلافة؛ لوضوح مشروعها وهدفها بردِّ جميع الديار التي حُكمت يوما بشرع الله، الأمر الذي يُفقد الطواغيت هيمنتهم العالمية والغطرسة والجبروت الذي يفرحون به الآن، ويهدد طرق ملاحتهم وتجارتهم.

وإن إيصال الإرهاب إلى الكافرين أمر إلهي ومنهج نبوي قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، فهذا خطاب القرآن للمؤمنين أن يعدوا ما استطاعوا من القوة التي ترهب العدو وتخيفه ثم يتكفل الله سبحانه بإيصال "الرعب" إلى قلوب الكافرين، ذالكم الجندي من جنود الله يسلطه على الكافرين، وهو خصيصة خصَّ الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته مِن بعده، قال صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسا لم يُعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر).

وإن التمكين للمستضعفين وعدٌ لمن آمن بالله وصدَق مع الله، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}، وليكونن ذلك وإن حَذِر الكافرون وحذّروا، وإن قلقوا واستنفروا، قال تعالى بعدها: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}.

وإن وُجد الذين يريدون أن يُغيّروا فإنّ الله وعدهم بأن يغيّر لهم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، وخاصة إن عملوا بأسباب التغيير من الصبر واليقين لتنال الإمامة في الدين، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} فمن لم يصبر ويحتمل الشدائد في سبيل الله أو كان شاكا في نصر الله له حُرم الإمامة في الدين والتوفيق للتمكين، ومع شدة تهديد الكافرين وأمم الصليب للموحدين وأنصارهم يزداد يقينهم بالله العظيم، فهذه سُنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فحين سمعت بنو إسرائيل تهديد فرعون شكوا ذلك لموسى عليه السلام فقال لهم: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فحتما ستكون العاقبة للمتقين، وحتما سيورث الله الأرض عباده الصالحين، {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}، والحمد لله رب العالمين.


•المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 312
الخميس 6 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

لماذا تخيفهم الخلافة! بلغَ نبأ للطاغوت فرعون أنّ مُلكه سيفنى على يد رجلٍ مِن بني إسرائيل، ...

لماذا تخيفهم الخلافة!



بلغَ نبأ للطاغوت فرعون أنّ مُلكه سيفنى على يد رجلٍ مِن بني إسرائيل، فارتعد لذلك وأصدر أمرا بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل، حتى شُكي إليه أنّ فعله هذا سيؤول إلى فناء مَن يخدمهم ما يعني اضطرارهم للعمل مكانهم، عندها جعل القتل عاما دون عام!، فوُلد موسى عليه السلام في العام الذي يُقتل فيه الأولاد كقدر قاهر لفرعون وأضرابه من الطغاة، وتربّى على نفقة فرعون، ثم ما هي إلا سنوات وإذْ بمُلْك فرعون ينهار ويفنى فأغرقه الله هو وجنوده، ورغم كل ما فعله فرعون مِن تدابير وقاية فإنها لم تمنع نفاذ قدر الله فيه.

قال ابن كثير رحمه الله: "وكثيرًا ما يذكر الله تعالى قصة موسى عليه السلام، مع فرعون في كتابه العزيز؛ لأنها من أعجب القصص، فإن فرعون حَذر من موسى كل الحذر، فسخّره القدر أن رَبَّى هذا الذي يُحذَّر منه على فراشه ومائدته بمنزلة الولد، ثم ترعرع وعقد الله له سببا أخرجه من بين أظهرهم، ورزقه النبوة والرسالة والتكليم، وبعثه إليه ليدعوه إلى الله تعالى ليعبده ويرجع إليه، هذا ما كان عليه فرعون من عظمة المملكة والسلطان، فجاءه برسالة الله، وليس له وزير سوى أخيه هارون عليه السلام، فتمرد فرعون واستكبر وأخذته الحمية، والنفس الخبيثة الأبية، وقوّى رأسه وتولّى بركنه، وادعى ما ليس له، وتجهرم على الله، وعتا وبغى وأهان حزب الإيمان من بني إسرائيل،... حتى أحلّ الله بهم بأسه الذي لا يُرَد، وأغرقهم في صبيحة واحدة أجمعين".

وعلى هذا يسير كل طواغيت العصر اليوم محاولين أن يمنعوا قدر الله الذي يعلمونه، ولكن هيهات هيهات، فقد قدِمت أمريكا بجيوش جرارة إلى العراق وقادت حربا شرسة ضد المجاهدين وهي تعلم أن المجاهدين يريدون إقامة الخلافة حتى قال طاغوتهم "بوش" يومها: "الإرهابيون يعدون العراق جبهة مركزية في حربهم ضد الإنسانية، ويتحتم علينا الاعتراف بكون العراق جبهة مركزية في حربنا على الإرهاب، يعتقد المسلحون بأن السيطرة على أحد البلدان سيحشد جماهير المسلمين، وذلك سيمكنهم من الإطاحة بالحكومات المعتدلة في المنطقة وتأسيس إمبراطورية إسلامية أصولية تمتد من إسبانيا إلى إندونيسيا".

صدق وهو الكذوب، فما هي إلا سنوات حتى أُعلنت الخلافة تحقيقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة)، وامتدت ولاياتها إلى أصقاع من الأرض إيذانا بفتح أعظم تحظى به أمة الإسلام قريبا إن شاء الله.

فكوّنت أمريكا الصليبية تحالفا عالميا يلج إليه كل يوم ثعلب من الثعالب الطغاة؛ للقضاء على الخلافة؛ فيزداد ثباتها وتصلّبها ويظهر خيرها للمسلمين ليستبين لهم صدق منهجها وتفرّدها بحمْل دفة الصراع ضد أمم الكفر أجمعين.

وما تزال الخلافة قائمة إلى اليوم بفضل الله وتأييده، رغم أنوف طواغيت أمريكا والتحالف الصليبي، الذين يعلمون هدف الدولة الإسلامية المنوط بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوى لي منها)، وبُشْراه عليه الصلاة والسلام بفتح روما، فهؤلاء الطواغيت يدفعون قدرا لا محالة واقع، وإن جيّشوا الجيوش عسكريا وإعلاميا واستخباريا وغيرها.

إذْ صارت الخلافة بالنسبة لدول التحالف الصليبي كابوسا ومصدر قلق ما فتئوا يُعربون عنه بين حين وآخر، حتى غدا أشد ما يظنون وأخوف ما يخافون، وكلما نشط أجناد الخلافة في صقع أو بلد نادى طواغيت ذلك البلد -بتباكٍ واستنجاد- العالمَ بأسرِه بدُوله ومنظماته؛ لدعمهم في حرب جنود الخلافة، ما يعني يأسهم جميعا مِن تصدي تلك الدول بمفردها لمن عندهم من مجاهدي دولة الإسلام رغم قلتهم بالنسبة للجيوش المحيطة بهم، أوَقد بلغ بهم الخوف من الخلافة إلى هذه الدرجة؟!

إن القوم يعلمون أن الخلافة حُلُمٌ كان يطلبه المسلمون من سنين، يجمع شتاتهم بإمام واحد يقودهم بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

تخيفهم الخلافة؛ لأنها تفتح لأبناء المسلمين سوق الجهاد في سبيل الله الذي أوصده الطواغيت وصدوا الناس عنه لعقود طويلة.

وتخيفهم الخلافة؛ لأنها لا تُنصّب خليفتها بصناديق الاقتراع، بل بصناديق الذخيرة والرصاص، ولأنها لا توقِّع على حفظ مصالح الصليبيين واليهود، إنما تحفظ أمور الدين.

وتخيفهم الخلافة؛ لأنها لا تلتزم بقوانين أمم الكفر بل تضعها تحت أقدامها وتدوس بسنابك خيلها قاعات مؤتمراتها وتغزوها فاتحة إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا.

وتخيفهم الخلافة؛ لوضوح مشروعها وهدفها بردِّ جميع الديار التي حُكمت يوما بشرع الله، الأمر الذي يُفقد الطواغيت هيمنتهم العالمية والغطرسة والجبروت الذي يفرحون به الآن، ويهدد طرق ملاحتهم وتجارتهم.

وإن إيصال الإرهاب إلى الكافرين أمر إلهي ومنهج نبوي قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}، فهذا خطاب القرآن للمؤمنين أن يعدوا ما استطاعوا من القوة التي ترهب العدو وتخيفه ثم يتكفل الله سبحانه بإيصال "الرعب" إلى قلوب الكافرين، ذالكم الجندي من جنود الله يسلطه على الكافرين، وهو خصيصة خصَّ الله بها نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته مِن بعده، قال صلى الله عليه وسلم: (أعطيت خمسا لم يُعطهن أحدٌ من الأنبياء قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر).

وإن التمكين للمستضعفين وعدٌ لمن آمن بالله وصدَق مع الله، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ}، وليكونن ذلك وإن حَذِر الكافرون وحذّروا، وإن قلقوا واستنفروا، قال تعالى بعدها: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}.

وإن وُجد الذين يريدون أن يُغيّروا فإنّ الله وعدهم بأن يغيّر لهم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}، وخاصة إن عملوا بأسباب التغيير من الصبر واليقين لتنال الإمامة في الدين، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} فمن لم يصبر ويحتمل الشدائد في سبيل الله أو كان شاكا في نصر الله له حُرم الإمامة في الدين والتوفيق للتمكين، ومع شدة تهديد الكافرين وأمم الصليب للموحدين وأنصارهم يزداد يقينهم بالله العظيم، فهذه سُنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فحين سمعت بنو إسرائيل تهديد فرعون شكوا ذلك لموسى عليه السلام فقال لهم: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فحتما ستكون العاقبة للمتقين، وحتما سيورث الله الأرض عباده الصالحين، {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}، والحمد لله رب العالمين.


•المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 312
الخميس 6 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
13 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً