مقال: ماضون لا يلتفتون! في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة ...

مقال: ماضون لا يلتفتون!


في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة المتلاطمة ويستعينون بالله عليها حتى يصلوا إلى برّ النجاة، ولا يتأتّى لهم ذلك إلا بمفارقة حياة العبث وعيش الهمج المفتونين بزهرة الحياة الدنيا؛ إذْ هداهم الله تعالى للنفير بعد أن نفرت نفوسهم من عيش الذل والتهافت على الدون، وأيقنوا أنه لا نجاة إلا بالفرار بالدين، ليُعمل بالدين لنصرة الدين.

وظلوا يمضُون للعلياء على ذروة السنام، في الجهاد يعيشون يغدون ويروحون، يتنفسون ويَطعَمُون ولكن ليسوا كسواهم! فهم بالأجر على ذلك موعودون، وقد تزوّدوا من خير الزاد فتراهم يركعون ويسجدون ويبكون ويخشعون، أمنيتُهم أن يتقبّلهم الله ويتقبّل منهم، وهمّهم أن يكون الناس كلهم عبيدا لرب الناس فوق كل أرض وتحت كل سماء، ولو كان في ذلك نزف دمائهم وسيل نفوسهم، إذْ العبودية لله الحقّ في حسابهم أسمى ما يصل إليه الخلق.

ويستغرب الكثيرون مِن أحوال المجاهدين وصبرهم طيلة هذه السنين، ويتساءلون عن ذلك الشموخ والسمو غير المعتاد في هذا الزمان!، ويتهامسون أو يصرخون: لماذا لا يتراجعون أو يتوقفون؟ متى يستسلمون؟ وإلى الحياة والدعة يركنون ويلتفتون؟!

أتُرى يلتفتون وهم ينظرون مِن فوق شواهق الجهاد والاستعلاء على الباطل نحو تلك المهاوي البعيدة والأماني الخادعة، فتميل أنفسهم إليها؟ وتطاوعهم للهبوط في واديها؟ وكيف يفعلون ذلك وهم يبغون الفلاح والنجاة في الدارين؟

فالمجاهدون يعلمون أنّ الالتفاتة إلى ذلك الوادي السحيق هي أولى خطوات السقوط، فالفريسة غالبا ما تقع بين أنياب مفترِسها بكثرة التفاتها إلى الوراء، والعين إن رأت كثيرا أرسلت إلى القلب كثيرا، وأسرعُ بريد إلى القلب بريدُ العين، وقد أنزل الله تبارك وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور"، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28]؛ لأنه بعد النظرة يدخل الفِكْر في القلب وربما يغتر بأهل الراحة الممتلئة قلوبهم خواء وهوى، ولذا قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196 - 197] قال قتادة: "والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك".

وكلما حاول أهل الباطل أن يستميلوا المجاهد ليلتفت إليهم؛ ناداه منادي الإيمان كيف الالتفات والأسارى والأرامل واليتامى والضعفاء ينتظرون نصرتك ويرقبون إقدامك؟، نَعَمْ كيف ينبغي له الالتفات والنكوص؟! وهناك مَن ينتظرون تكبيراته وحمحمة جواده، وكيف يلتفت؟! وما زالت أكفُّ الضراعة تبتهل لباريها كل ليلة أن يُطلّ عليهم ذلك الفارس المجاهد لينتصر للمستضعفين من المسلمين، أولئك الذين حثّ الله على القتال لأجل نصرتهم فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]

وأنّى لذلك المجاهد الشامخ أن يلتفت أو يجد وقتا للتفكير في الالتفات، وأمامه عدو متغطرس لا يدّخر جهدا في حرب الإسلام وأهله، عدو إنْ استضعف المسلمَ قضى عليه وإنْ سايره وداهنه مدّعي الإسلام دمَغه، ولن يرضى منه بغير الكفر بالله والبراءة من دينه!، قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، فلن يَدَعُوكم حتى تحتكموا لطاغوتهم، وترضوا بباطلهم.

وفي المقابل يتحول ذلك العدو الصليبي أو اليهودي ومن شايعهم إلى ثكلى تُوَلْوِل ما إن يحمل المجاهد سلاحه ويقاتله في سبيل الله تعالى وعلى منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، وحاديه في رحلة جهاده: لن ألتفت أو أتراجع ولو وقف كل طواغيت الأرض في طريقي.

لن ألتفت وهدفي الفوز في الدنيا والآخرة، وبين عيني مآلي وقد أوشك، وجنات ربي بقرآن ربي أراها، تتزين بنعيمها وحورها ونسيمها وأنهارها وظلالها وسندسها وإستبرقها وتسنيمها وسلسبيلها ومُلْكها العظيم.

لن ألتفت وتلك النار أحذرها وأخاف أن تكون مصيري، وقد رأيت في آي القرآن زقومها وغسلينها وسعيرها وأغلالها وسلاسلها وسمومها وزمهريرها وحميمها وغساقها، ولئن يصيبني كلُ كدرٍ في الدنيا خير لي من غمسة في النار يذهب بها نعيم أنْعَمِ أهل الدنيا.

ومِن خير ما يعين المجاهد على مواصلة طريقه؛ إخوانه الموحّدون الذين أُشربت قلوبهم حب التوحيد والجهاد، وأدركوا المعنى الحقيقي لرابطة الإيمان وعيش الجسد الواحد، فهم الحبائل من اليمين والشمال للثبات بعد توفيق الله تعالى، وهم العين والأذن واليد والرجل تسهر وتحمّ إن اشتكى، فتلك أخوة الإيمان التي تجّذرت بين صفوف المجاهدين، وهي الأخوة التي لا تُنسي المجاهدين أن ينادوا مَن كان قد خرج من بحر الظلمات، ثم أعجزه المسير أو توقف في المنتصف! فيقولوا له: هلمّ وعُد إلى بر النجاة في ساحات الجهاد، قبل أن تعاود الغرق في ذلك البحر الذي لا قاع له!، فعد وأقبِل وكن خير آيبٍ قبل أن يُحال بينك وبين الهداية، ولات حين مندم.

هذه حياة المجاهدين في أرض الجهاد والإيمان، يتقدمون لا يتراجعون، يتناصحون وبالخير يتواصون، وعلى التقوى والطاعة يتعاونون، بإيمانهم وثباتهم منازل السالكين إلى ربهم -سبحانه- يصعدون، لا يلتفتون إلى الوراء ولكل أصوات التثبيط والإرجاف لا يستمعون، فهم بكتاب ربهم يهتدون، وعلى طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم دعوة وجهادا ماضون، ومِن حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته يتبرأون، والثبات على ذلك يسألون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: ماضون لا يلتفتون! في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة ...

مقال: ماضون لا يلتفتون!


في خضم بحار الفتن المدلهمة يُبحر المجاهدون عكس تلك الأمواج المظلمة المتلاطمة ويستعينون بالله عليها حتى يصلوا إلى برّ النجاة، ولا يتأتّى لهم ذلك إلا بمفارقة حياة العبث وعيش الهمج المفتونين بزهرة الحياة الدنيا؛ إذْ هداهم الله تعالى للنفير بعد أن نفرت نفوسهم من عيش الذل والتهافت على الدون، وأيقنوا أنه لا نجاة إلا بالفرار بالدين، ليُعمل بالدين لنصرة الدين.

وظلوا يمضُون للعلياء على ذروة السنام، في الجهاد يعيشون يغدون ويروحون، يتنفسون ويَطعَمُون ولكن ليسوا كسواهم! فهم بالأجر على ذلك موعودون، وقد تزوّدوا من خير الزاد فتراهم يركعون ويسجدون ويبكون ويخشعون، أمنيتُهم أن يتقبّلهم الله ويتقبّل منهم، وهمّهم أن يكون الناس كلهم عبيدا لرب الناس فوق كل أرض وتحت كل سماء، ولو كان في ذلك نزف دمائهم وسيل نفوسهم، إذْ العبودية لله الحقّ في حسابهم أسمى ما يصل إليه الخلق.

ويستغرب الكثيرون مِن أحوال المجاهدين وصبرهم طيلة هذه السنين، ويتساءلون عن ذلك الشموخ والسمو غير المعتاد في هذا الزمان!، ويتهامسون أو يصرخون: لماذا لا يتراجعون أو يتوقفون؟ متى يستسلمون؟ وإلى الحياة والدعة يركنون ويلتفتون؟!

أتُرى يلتفتون وهم ينظرون مِن فوق شواهق الجهاد والاستعلاء على الباطل نحو تلك المهاوي البعيدة والأماني الخادعة، فتميل أنفسهم إليها؟ وتطاوعهم للهبوط في واديها؟ وكيف يفعلون ذلك وهم يبغون الفلاح والنجاة في الدارين؟

فالمجاهدون يعلمون أنّ الالتفاتة إلى ذلك الوادي السحيق هي أولى خطوات السقوط، فالفريسة غالبا ما تقع بين أنياب مفترِسها بكثرة التفاتها إلى الوراء، والعين إن رأت كثيرا أرسلت إلى القلب كثيرا، وأسرعُ بريد إلى القلب بريدُ العين، وقد أنزل الله تبارك وتعالى على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قوله: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ} [طه: 131]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى لنبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه: لا تنظر إلى هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم، وما فيه من النعم فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة، لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور"، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الكهف: 28]؛ لأنه بعد النظرة يدخل الفِكْر في القلب وربما يغتر بأهل الراحة الممتلئة قلوبهم خواء وهوى، ولذا قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196 - 197] قال قتادة: "والله ما غرُّوا نبيَّ الله، ولا وكل إليهم شيئًا من أمر الله، حتى قبضه الله على ذلك".

وكلما حاول أهل الباطل أن يستميلوا المجاهد ليلتفت إليهم؛ ناداه منادي الإيمان كيف الالتفات والأسارى والأرامل واليتامى والضعفاء ينتظرون نصرتك ويرقبون إقدامك؟، نَعَمْ كيف ينبغي له الالتفات والنكوص؟! وهناك مَن ينتظرون تكبيراته وحمحمة جواده، وكيف يلتفت؟! وما زالت أكفُّ الضراعة تبتهل لباريها كل ليلة أن يُطلّ عليهم ذلك الفارس المجاهد لينتصر للمستضعفين من المسلمين، أولئك الذين حثّ الله على القتال لأجل نصرتهم فقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَّنَا مِنْ لَّدُنْكَ نَصِيرًا} [النساء: 75]

وأنّى لذلك المجاهد الشامخ أن يلتفت أو يجد وقتا للتفكير في الالتفات، وأمامه عدو متغطرس لا يدّخر جهدا في حرب الإسلام وأهله، عدو إنْ استضعف المسلمَ قضى عليه وإنْ سايره وداهنه مدّعي الإسلام دمَغه، ولن يرضى منه بغير الكفر بالله والبراءة من دينه!، قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120]، وقال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]، فلن يَدَعُوكم حتى تحتكموا لطاغوتهم، وترضوا بباطلهم.

وفي المقابل يتحول ذلك العدو الصليبي أو اليهودي ومن شايعهم إلى ثكلى تُوَلْوِل ما إن يحمل المجاهد سلاحه ويقاتله في سبيل الله تعالى وعلى منهاج نبيه صلى الله عليه وسلم، وحاديه في رحلة جهاده: لن ألتفت أو أتراجع ولو وقف كل طواغيت الأرض في طريقي.

لن ألتفت وهدفي الفوز في الدنيا والآخرة، وبين عيني مآلي وقد أوشك، وجنات ربي بقرآن ربي أراها، تتزين بنعيمها وحورها ونسيمها وأنهارها وظلالها وسندسها وإستبرقها وتسنيمها وسلسبيلها ومُلْكها العظيم.

لن ألتفت وتلك النار أحذرها وأخاف أن تكون مصيري، وقد رأيت في آي القرآن زقومها وغسلينها وسعيرها وأغلالها وسلاسلها وسمومها وزمهريرها وحميمها وغساقها، ولئن يصيبني كلُ كدرٍ في الدنيا خير لي من غمسة في النار يذهب بها نعيم أنْعَمِ أهل الدنيا.

ومِن خير ما يعين المجاهد على مواصلة طريقه؛ إخوانه الموحّدون الذين أُشربت قلوبهم حب التوحيد والجهاد، وأدركوا المعنى الحقيقي لرابطة الإيمان وعيش الجسد الواحد، فهم الحبائل من اليمين والشمال للثبات بعد توفيق الله تعالى، وهم العين والأذن واليد والرجل تسهر وتحمّ إن اشتكى، فتلك أخوة الإيمان التي تجّذرت بين صفوف المجاهدين، وهي الأخوة التي لا تُنسي المجاهدين أن ينادوا مَن كان قد خرج من بحر الظلمات، ثم أعجزه المسير أو توقف في المنتصف! فيقولوا له: هلمّ وعُد إلى بر النجاة في ساحات الجهاد، قبل أن تعاود الغرق في ذلك البحر الذي لا قاع له!، فعد وأقبِل وكن خير آيبٍ قبل أن يُحال بينك وبين الهداية، ولات حين مندم.

هذه حياة المجاهدين في أرض الجهاد والإيمان، يتقدمون لا يتراجعون، يتناصحون وبالخير يتواصون، وعلى التقوى والطاعة يتعاونون، بإيمانهم وثباتهم منازل السالكين إلى ربهم -سبحانه- يصعدون، لا يلتفتون إلى الوراء ولكل أصوات التثبيط والإرجاف لا يستمعون، فهم بكتاب ربهم يهتدون، وعلى طريق نبيهم صلى الله عليه وسلم دعوة وجهادا ماضون، ومِن حولهم وقوتهم إلى حول الله وقوته يتبرأون، والثبات على ذلك يسألون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 327
الخميس 23 رجب 1443 هـ
...المزيد

اليه5 خط في حديث ادم ف رحمان احب ان اشكر ويرى خريطتي وعدالتي قال عمر

اليه5 خط
في حديث ادم ف رحمان احب ان اشكر ويرى خريطتي وعدالتي
قال عمر


ولادة ارطغل تركي منذ7 كريمساس بارتي دوما عيد زهور كرز تايوان ربيعي تذروها رياح

ولادة ارطغل تركي منذ7
كريمساس بارتي دوما
عيد زهور كرز تايوان ربيعي تذروها رياح

كواسر الجهاد (4) خطة الحرب الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على ...

كواسر الجهاد (4) خطة الحرب


الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد.

ما إنْ نُقلِّبُ صفحاتِ المجد التليد لهذه الأمة حتى نرى أسماء لامعة برزت في فتوحات المسلمين شرقا وغربا، إنْ ذُكر الجهاد ذُكروا وإن طُرِقت عزة المسلمين حضرت فعالهم قبل أسمائهم في الأذهان، أُنيطت بهم تلك الديار التي حُكمت بشرع الله لقرون، ودخل الناس بها في دين الله أفواجا، أولئك كانوا للحروب رجالا، يقودونها ويديرون رحاها بإيمان راسخ، ثم بشجاعة ودهاء.

يصيغون خطّة الحرب، ويذيقون العدو المُرّ والكَرب، أعطاهم الله حسن الرأي والنظر والشورى؛ فالشورى تزيد الخيارات بين يدي القائد المحنّك، وتزيده قوة.

إذْ ليس كل شجاع تتأتّى له القيادة، وليس كل ذي رأي يلين له زمام السيادة، إنما صاحبها من اجتمعت فيه هذه الصفات جميعا، قَالَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأَبِي عُبَيْد الثقفيٍ: "اسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وَأَشْرِكْهُمْ فِي الأَمْرِ، وَلا تَجْتَهِدْ مُسْرِعًا حَتَّى تَتَبَيَّنَ، فَإِنَّهَا الْحَرْبُ، ‌وَالْحَرْبُ ‌لا ‌يُصْلِحُهَا ‌إِلا ‌الرَّجُلُ ‌الْمَكِيثُ الَّذِي يَعْرِفُ الْفُرْصَةَ وَالْكَفَّ". [تاريخ الطبري].

وكما قيل:
الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعان
هُوَ أولٌ وهيِ المَحَلُّ الثَّاني

وإن أعظم مَن قاد معركة واستخدم أدواتها على أكمل وجه وأتى بكل أسبابها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مؤيَّد من عِند الله سبحانه وتعالى فوق فطنته وذكائه، فلقد كان عليه الصلاة والسلام شجاعا غير هيّاب، صاحب رأيٍ ونظر، مشاورا لأصحابه، وكان الأكثر مشاورة عليه الصلاة والسلام، ويتضح ذلك جليّا في غزوة بدر، لمّا قال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغورت". [سيرة ابن هشام].


• الاستفادة من التضاريس

ومن أساليب حربه عليه الصلاة والسلام الاستفادة من التضاريس الطبيعية لحماية جيشه وأن يختار هو مكان المعركة لا عدوّه، من ذلك ما كان في غزوة أحد، حيث رتّب جيشه حسب ما تقتضيه أرض المعركة، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال، وتعبّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبع مائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. [سيرة ابن هشام]

أما في معركة الأحزاب فقد غيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب الحرب الدفاعي إلى طريقة جديدة لم تألفها العرب، فلما سمع بالأحزاب وَبِمَا أَجْمَعُوا لَهُ مِنَ الأَمْرِ، ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فحفروه في مدة وجيزة، فأعجزت خيل المشركين وانبهروا، ثم كتب الله عليهم الهزيمة، وكفى الله المؤمنين القتال.

هكذا كانت فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تنويع التخطيط للمعركة وإدارتها على وجه الخصوص، وكذلك التخطيط العام حيث إنه في سنة ثمان دخل مكة وهو على رأس جيش قوامه عشرة آلاف، يسير بهذا العدد الكبير دون أن يعلم به أحد، فما فجأهم إلا وهو على مشارف مكة، فلم تستطع قريش مواجهته فأذعنوا ودخلوا في الإسلام، وهم الذين جمعوا نفس العدد يوم الأحزاب فشتتهم الله ومزقهم.

ومن أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب أنه كان إذا سمع عدوًا يجمع له فإنه يعاجله ويباغته قبل أن يقدم إليه، وهذا في الكثير من السرايا والغزوات؛ وتلك خطة محكمة في تشتيت جموع الكافرين قبل تكثّرها، وإدخال الوهن النفسي وإشعارهم بالاختراق الأمني.

• تعبئة جديدة لجيش المسلمين

وقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وترك رجالا دهاة في سياسة الحرب، ذاق أعداؤهم أشد العذاب ورأوا منهم ما يسحر العقول والألباب، من حسن تدبير وحنكة ودراية في الحروب وتجديد في الخطة، ففي اليرموك خرج خالد رضي الله عنه، في تعبئة لم تعرفها العرب قبل ذلك؛ فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وقسم المهام على جيشه، على الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة "الأنفال" وآيات الجهاد المقداد بن الأسود.

ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، قال خالد لأبي عبيدة: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أراك الله، أسمع لك وأطع. فقال له خالد: إن هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة، وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها من وراء الميمنة والميسرة، حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا من ورائهم. فقال له: نِعْمَ ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخّر عن القَلْبِ إلى وراءِ الجيش كله، لكي إذا رآه المنهزم استحيى منه، ورجع إلى القتال. [البداية والنهاية]، ولقد هزم الله الروم في هذه المعركة وكانت أعدادهم أضعاف أعداد المسلمين ولكن بفضل الله وتأييده ثم بحسن التخطيط والتدبير كان النصر للمؤمنين.


• لأرمين ملوك العجم بملوك العرب

ولقد كان المسلمون يَقدُرون لكل حرب قَدرها، ولقد خطط عمر بن الخطاب لمعركة القادسية وهو في المدينة وكان سعد بن أبي وقاص ينقل له الأخبار بدقائق تفاصيلها، وقال عمر: والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب، وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد عرّف العرفاء، وأمّر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.

وقال عمر لسعد: اكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه ولا تدل بشيء، واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم.

فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم لنا إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية وكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم، فلا تشكّن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن؛ فإنه خرابها، إن شاء الله. وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة. [البداية والنهاية] وكان من خطة سعد ألا يهجم جيشه حتى يكبّر أربع تكبيرات؛ لما في ذلك من القوة والشعور بعظمة تلك الكلمة، ولتكون الحملة حملة رجل واحد، فكان لتلك الخطة أثر قوي في المعركة رغم حرص الفرس على إشغال المسلمين عنها.

وكل ذلك كان لهم بمحض توفيق من الله سبحانه وتعالى، فما لشجاع ولا لعاقل توفيقٌ إلا بأمر الله.

وقد أمرنا الله بالتزود من كل ما يقوي شأن الجهاد من أساليب الحرب وعلومها والابتكار فيها، ومع الدُّربة والتجرُبة يتولّد في الأمة القادة المجربين والأبطال الميامين، الذين لا يخلو منهم عصر بحال.

وقد حظيت دولة الإسلام بمخططين وقادة مهَرة فتح الله على أيديهم معسكرات ومدنا ومطارات، من أولئك الشيخ أبو عبد الرحمن البيلاوي وأبو عمر الشيشاني تقبلهما الله، وغيرهم من أماجد دولة الإسلام ممن عرفهم الناس وممن لم يعرفونهم.

فهذا الميدان يا بني الإسلام فخذوا من علوم الحرب وخططها، فالحرب مع اليهود والنصارى طويلة والجهاد ماض إلى قيام الساعة، ولا يموتن أحدكم ولم تغبرّ قدماه في سبيل الله، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 326
الخميس 16 رجب 1443 هـ
...المزيد

كواسر الجهاد (4) خطة الحرب الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على ...

كواسر الجهاد (4) خطة الحرب


الحمد لله ناصر الموحدين ومذلّ المشركين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد.

ما إنْ نُقلِّبُ صفحاتِ المجد التليد لهذه الأمة حتى نرى أسماء لامعة برزت في فتوحات المسلمين شرقا وغربا، إنْ ذُكر الجهاد ذُكروا وإن طُرِقت عزة المسلمين حضرت فعالهم قبل أسمائهم في الأذهان، أُنيطت بهم تلك الديار التي حُكمت بشرع الله لقرون، ودخل الناس بها في دين الله أفواجا، أولئك كانوا للحروب رجالا، يقودونها ويديرون رحاها بإيمان راسخ، ثم بشجاعة ودهاء.

يصيغون خطّة الحرب، ويذيقون العدو المُرّ والكَرب، أعطاهم الله حسن الرأي والنظر والشورى؛ فالشورى تزيد الخيارات بين يدي القائد المحنّك، وتزيده قوة.

إذْ ليس كل شجاع تتأتّى له القيادة، وليس كل ذي رأي يلين له زمام السيادة، إنما صاحبها من اجتمعت فيه هذه الصفات جميعا، قَالَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأَبِي عُبَيْد الثقفيٍ: "اسمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وَأَشْرِكْهُمْ فِي الأَمْرِ، وَلا تَجْتَهِدْ مُسْرِعًا حَتَّى تَتَبَيَّنَ، فَإِنَّهَا الْحَرْبُ، ‌وَالْحَرْبُ ‌لا ‌يُصْلِحُهَا ‌إِلا ‌الرَّجُلُ ‌الْمَكِيثُ الَّذِي يَعْرِفُ الْفُرْصَةَ وَالْكَفَّ". [تاريخ الطبري].

وكما قيل:
الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشُّجعان
هُوَ أولٌ وهيِ المَحَلُّ الثَّاني

وإن أعظم مَن قاد معركة واستخدم أدواتها على أكمل وجه وأتى بكل أسبابها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو مؤيَّد من عِند الله سبحانه وتعالى فوق فطنته وذكائه، فلقد كان عليه الصلاة والسلام شجاعا غير هيّاب، صاحب رأيٍ ونظر، مشاورا لأصحابه، وكان الأكثر مشاورة عليه الصلاة والسلام، ويتضح ذلك جليّا في غزوة بدر، لمّا قال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُب فغورت". [سيرة ابن هشام].


• الاستفادة من التضاريس

ومن أساليب حربه عليه الصلاة والسلام الاستفادة من التضاريس الطبيعية لحماية جيشه وأن يختار هو مكان المعركة لا عدوّه، من ذلك ما كان في غزوة أحد، حيث رتّب جيشه حسب ما تقتضيه أرض المعركة، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد، في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد منكم حتى نأمره بالقتال، وتعبّأ رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال، وهو في سبع مائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير، أخا بني عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض، والرماة خمسون رجلا، فقال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك. [سيرة ابن هشام]

أما في معركة الأحزاب فقد غيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوب الحرب الدفاعي إلى طريقة جديدة لم تألفها العرب، فلما سمع بالأحزاب وَبِمَا أَجْمَعُوا لَهُ مِنَ الأَمْرِ، ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِينَةِ، فحفروه في مدة وجيزة، فأعجزت خيل المشركين وانبهروا، ثم كتب الله عليهم الهزيمة، وكفى الله المؤمنين القتال.

هكذا كانت فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تنويع التخطيط للمعركة وإدارتها على وجه الخصوص، وكذلك التخطيط العام حيث إنه في سنة ثمان دخل مكة وهو على رأس جيش قوامه عشرة آلاف، يسير بهذا العدد الكبير دون أن يعلم به أحد، فما فجأهم إلا وهو على مشارف مكة، فلم تستطع قريش مواجهته فأذعنوا ودخلوا في الإسلام، وهم الذين جمعوا نفس العدد يوم الأحزاب فشتتهم الله ومزقهم.

ومن أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب أنه كان إذا سمع عدوًا يجمع له فإنه يعاجله ويباغته قبل أن يقدم إليه، وهذا في الكثير من السرايا والغزوات؛ وتلك خطة محكمة في تشتيت جموع الكافرين قبل تكثّرها، وإدخال الوهن النفسي وإشعارهم بالاختراق الأمني.

• تعبئة جديدة لجيش المسلمين

وقد مضى النبي صلى الله عليه وسلم وترك رجالا دهاة في سياسة الحرب، ذاق أعداؤهم أشد العذاب ورأوا منهم ما يسحر العقول والألباب، من حسن تدبير وحنكة ودراية في الحروب وتجديد في الخطة، ففي اليرموك خرج خالد رضي الله عنه، في تعبئة لم تعرفها العرب قبل ذلك؛ فخرج في ستة وثلاثين كردوسا إلى الأربعين، كل كردوس ألف رجل عليهم أمير، وقسم المهام على جيشه، على الأقباض عبد الله بن مسعود، والقاضي يومئذ أبو الدرداء، وقاصهم الذي يعظهم ويحثهم على القتال أبو سفيان بن حرب، وقارئهم الذي يدور على الناس فيقرأ سورة "الأنفال" وآيات الجهاد المقداد بن الأسود.

ولما أقبلت الروم في خيلائها وفخرها قد سدت أقطار تلك البقعة سهلها ووعرها، قال خالد لأبي عبيدة: إني مشير بأمر، فقال: قل ما أراك الله، أسمع لك وأطع. فقال له خالد: إن هؤلاء القوم لا بد لهم من حملة عظيمة لا محيد لهم عنها، وإني أخشى على الميمنة والميسرة، وقد رأيت أن أفرق الخيل فرقتين وأجعلها من وراء الميمنة والميسرة، حتى إذا صدموهم كانوا لهم ردءا من ورائهم. فقال له: نِعْمَ ما رأيت. فكان خالد في أحد الخيلين من وراء الميمنة، وجعل قيس بن هبيرة في الخيل الأخرى، وأمر أبا عبيدة أن يتأخّر عن القَلْبِ إلى وراءِ الجيش كله، لكي إذا رآه المنهزم استحيى منه، ورجع إلى القتال. [البداية والنهاية]، ولقد هزم الله الروم في هذه المعركة وكانت أعدادهم أضعاف أعداد المسلمين ولكن بفضل الله وتأييده ثم بحسن التخطيط والتدبير كان النصر للمؤمنين.


• لأرمين ملوك العجم بملوك العرب

ولقد كان المسلمون يَقدُرون لكل حرب قَدرها، ولقد خطط عمر بن الخطاب لمعركة القادسية وهو في المدينة وكان سعد بن أبي وقاص ينقل له الأخبار بدقائق تفاصيلها، وقال عمر: والله لأرمين ملوك العجم بملوك العرب، وكتب إلى سعد أن يجعل الأمراء على القبائل، والعرفاء على كل عشرة عريفا على الجيوش، وأن يواعدهم إلى القادسية، ففعل ذلك سعد عرّف العرفاء، وأمّر على القبائل، وولى على الطلائع، والمقدمات، والمجنبات والساقات، والرجالة، والركبان، كما أمر أمير المؤمنين عمر.

وقال عمر لسعد: اكتب إلي بجميع أحوالكم وتفاصيلها، وكيف تنزلون وأين يكون منكم عدوكم، واجعلني بكتبك إلي كأني أنظر إليكم، واجعلني من أمركم على الجلية، وخف الله وارجه ولا تدل بشيء، واعلم أن الله قد توكل لهذا الأمر بما لا خلف له، فاحذر أن يصرفه عنك ويستبدل بكم غيركم.

فكتب إليه سعد يصف له كيفية تلك المنازل والأراضي بحيث كأنه يشاهدها، وكتب إليه يخبره بأن الفرس قد جردوا لحربه رستم وأمثاله، فهم يطلبوننا ونحن نطلبهم، وأمر الله بعد ماض، وقضاؤه مسلم لنا إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية وكتب إليه عمر: قد جاءني كتابك وفهمته، فإذا لقيت عدوك ومنحك الله أدبارهم، فإنه قد ألقي في روعي أنكم ستهزمونهم، فلا تشكّن في ذلك، فإذا هزمتهم فلا تنزع عنهم حتى تقتحم عليهم المدائن؛ فإنه خرابها، إن شاء الله. وجعل عمر يدعو لسعد خاصة وله وللمسلمين عامة. [البداية والنهاية] وكان من خطة سعد ألا يهجم جيشه حتى يكبّر أربع تكبيرات؛ لما في ذلك من القوة والشعور بعظمة تلك الكلمة، ولتكون الحملة حملة رجل واحد، فكان لتلك الخطة أثر قوي في المعركة رغم حرص الفرس على إشغال المسلمين عنها.

وكل ذلك كان لهم بمحض توفيق من الله سبحانه وتعالى، فما لشجاع ولا لعاقل توفيقٌ إلا بأمر الله.

وقد أمرنا الله بالتزود من كل ما يقوي شأن الجهاد من أساليب الحرب وعلومها والابتكار فيها، ومع الدُّربة والتجرُبة يتولّد في الأمة القادة المجربين والأبطال الميامين، الذين لا يخلو منهم عصر بحال.

وقد حظيت دولة الإسلام بمخططين وقادة مهَرة فتح الله على أيديهم معسكرات ومدنا ومطارات، من أولئك الشيخ أبو عبد الرحمن البيلاوي وأبو عمر الشيشاني تقبلهما الله، وغيرهم من أماجد دولة الإسلام ممن عرفهم الناس وممن لم يعرفونهم.

فهذا الميدان يا بني الإسلام فخذوا من علوم الحرب وخططها، فالحرب مع اليهود والنصارى طويلة والجهاد ماض إلى قيام الساعة، ولا يموتن أحدكم ولم تغبرّ قدماه في سبيل الله، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 326
الخميس 16 رجب 1443 هـ
...المزيد

وجدتها تستحم كان يا مكان وحسناء رسوم وغيره مراكب صفرا او سودا عل قوقل فاعجبتك صادقwww

وجدتها تستحم كان يا مكان
وحسناء رسوم
وغيره مراكب صفرا او سودا عل قوقل
فاعجبتك صادقwww

صحيفة النبأ / مقال: سلاح الرعب قضت حكمة الله تعالى في خلقه أن يصطفي منهم الأنبياء والأمم ...

صحيفة النبأ / مقال: سلاح الرعب


قضت حكمة الله تعالى في خلقه أن يصطفي منهم الأنبياء والأمم ويفضّل بعضهم على بعض، فجعل الخيرية لهذه الأمة على باقي الأمم، وفضّل نبيها محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، وكان مِن معالم تفضيل الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنْ خصّه بمزايا وأُعطيات لم يُعطها لغيره من الأنبياء، ومنها النصر بالرعب، حيث ورد في صحيح البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي؛ نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر... )، فكان الرعب ينزل بقلوب الكافرين قبل نزول جيش النبي صلى الله عليه وسلم بساحتهم على بعد مسافة شهر! فكفى بدبيبه ارتجاجا في خفقات صدورهم.

والنصر بالرعب ميزة أعطيت لأمة النبي صلى الله عليه وسلم مِن بعده، فكان الرعب يسبق تحرّك جيوش المسلمين ويضرب نفوسَ عدوهم قبل أن تضربها سيوفُهم، وشواهد ذلك في غزوات الصحابة والتابعين وتابعيهم كثيرة معروفة في كتب السير والمغازي.

غير أنّ هذه العطية والنصرة لا تُعطى إلا لمن سار على طريق النبي صلى الله عليه وسلم واتبع هداه، فكان التوحيد منهجه والجهاد سبيله قولا وعملا، فامتثل أمر الله تعالى بالإعداد والجهاد، فعندها وحسب يكون إرهاب الكافرين ثمرة لذلك الامتثال، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، فمن لم يمتثل لأمر الله تعالى بالجهاد -بعد تحقيق التوحيد- لن يتحقق له النصر بالرعب.

بل إنّ مَن حاد عن نهج النبوة وتخلّف عن الجهاد في سبيل الله تعالى وأخلد إلى الأرض؛ انقلبت هذه العطية ضدّه، فقذف الله في قلبه الوهن وسلّط عليه الذل! يؤكد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت). [رواه أحمد].

وقد أيّد الله تعالى عباده المؤمنين قديمًا بالرعب في مواطن كثيرة سطّرها القرآن الكريم، منها يوم بدر إذْ قال الله تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}، ويوم أحد حيث قال سبحانه: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ}، ويوم إجلاء بني النضير إذْ قال المَلِك الجليل: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}، فهؤلاء اليهود قد بلغ بهم الرعب مبلغًا حتى خلّعوا أبواب بيوتهم وسقوفها!، وقال جلّ جلاله في يوم الأحزاب في يهود بني قريظة: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا}، وهذا وقع فيهم بعد غدرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وتحالفهم مع المشركين ضد المسلمين، والأمثلة سوى ذلك كثيرة.

وقد وصف المفسّرون عند تناولهم لهذه الآيات الرعب بقولهم: "هو الخوف الشديد، الذي هو جند الله الأكبر، الذي لا ينفع معه عدد ولا عدة، ولا قوة ولا شدة". وما يزال الرعب مددا إلهيّا يمدُّ الله به عباده المؤمنين حتى يومنا هذا، ويشهد لحضور جندي الرعب اليوم في معارك المجاهدين؛ تتابع التصريحات والتحذيرات التي تكثر على ألسنة قادة الصليبيين والمرتدين عقب كل هجوم أو تقدّم ميداني جديد يحرزه جنود الخلافة في أيّ بقعة من بقاع الأرض، وقد رأينا كيف دبّ الرعب والهلع في قلوب الكافرين يوم اقتحم الأسود (سجن غويران) رغم أنف أمريكا في ملحمة عمّ صداها أرجاء المعمورة، فأسرع المرتدون إلى تحصين سجونهم واستنفار قواتهم خارج الشام في العراق، فكان الضرب في (غويران) والرعب في كل مكان!

وكم عاش الصليبيون أياما وليالي سود بفعل الهجمات المباركة التي شنّها أبطال الإسلام في قلب أوروبا الصليبية في ذروة اشتداد الحملة الصليبية على دار الخلافة، وكيف حققت تلك العمليات المباركة إلى جانب النكاية؛ خسائر اقتصادية واستنزافا أمنيا كبيرا فرضه عليهم الرعب الذي حاولوا دفعه بدفع ملايين الدولارات لرفع الجهوزية الأمنية لقواتهم وتحصين مطاراتهم ومراكز مدنهم وأجهزة استخباراتهم.

هذا مع أنّ الرعب جندي واحد فقط من جنود الله تعالى، والله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفتح: 4]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: ولو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة؛ ولهذا قال: {وكان الله عليما حكيما}"، فإن كان هذا صنيع جندي واحد من جنود الله بهم فكيف بغيره؟!

وفي هذا إشارةٌ وتسليةٌ مِن القويّ المنّان لأهل الإيمان أنْ يمضوا في طريقهم ويواصلوا جهادهم على كل حال مهما أصابهم من المحن والجراح، ومهما تأخر نزول النصر عليهم؛ فهو قادر -سبحانه- أن ينصر دينه بجندي واحد من جنوده، لكنها حكمته تعالى وسُنّة الابتلاء التي قدّرها على جميع خلقه ليختبرهم، فمنهم مَن آمن ومنهم مَن كفر!.

ولعل أيضا في الرعب عِوَض للقلة المؤمنة عن كثرة الغثاء المتخلفين عن أمر الله تعالى، وهذا مِن رحمة الله تعالى بعباده المجاهدين الذين سلكوا طريقا قلّ سالكوه، فأبدلهم الله تعالى خيرا من ذلك؛ ولايته ومعيّته التي يشعرون بها في كل مسلك يسلكونه وكل واد ينزلونه، تلك المعيّة التي جعلت المجاهدين يستعذبون العذاب ويستسهلون الصعاب وهم يدفعون ضريبة العزّ والثبات مِن دمائهم راضين محتسبين مطمئنين، بينما يدفع غيرهم كلّ يوم ضريبة الذلّ والنكوص أضعافا وأضعافا.

وكما أنّ الرعب تأييدٌ إلهيٌ لعباده الذين وحّدوه حقّ التوحيد، فهو أيضا سلاح من أسلحة الحروب المعاصرة ينبغي على المجاهدين أن يسعوا في تطويره وتصويبه نحو صدور عدوهم بشتى الوسائل في الميدان العسكري والأمني، لما له مِن نتائج لا تخفى على معنويات العدو الذي بات يعيش الرعب والاستنفار الدائم -بفضل الله تعالى- في كل نقاط التماس والاشتباك مع مجاهدي الدولة الإسلامية! فهاتوا لنا ساحة واحدة يأمن فيها جنود العدو على أنفسهم! أو ينامون آمنين طيلة ليلهم؟! والمجاهدون يتربصون بهم ويقعدون لهم كل مرصد.

وللمجاهد الإعلامي أيضا دور وسهم في إرهاب الكافرين وبثّ الرعب في صدورهم إذا ما أحسن استغلال ما في يديه مِن الوسائل، فالحرب الإعلامية وسلاح الرعب قرينان لا ينفكان، وبالإخلاص يُهدى المسلم إلى سبل النجاح والتوفيق في سائر أعماله وعلى رأسها الجهاد، وتأملّ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، قال المفسرون: أي "بالعون والنصر والهداية"، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 326
الخميس 16 رجب 1443 هـ
...المزيد

الذين يضهرون من ازواجهم ما هم امهاتهم امهاتهم اللائي ولدنهم وانه لقول زور

الذين يضهرون من ازواجهم ما هم امهاتهم
امهاتهم اللائي ولدنهم وانه لقول زور

صحيفة النبأ / مقال: سلاح الرعب قضت حكمة الله تعالى في خلقه أن يصطفي منهم الأنبياء والأمم ...

صحيفة النبأ / مقال: سلاح الرعب


قضت حكمة الله تعالى في خلقه أن يصطفي منهم الأنبياء والأمم ويفضّل بعضهم على بعض، فجعل الخيرية لهذه الأمة على باقي الأمم، وفضّل نبيها محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء، وكان مِن معالم تفضيل الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أنْ خصّه بمزايا وأُعطيات لم يُعطها لغيره من الأنبياء، ومنها النصر بالرعب، حيث ورد في صحيح البخاري أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أُعطيتُ خمسًا لم يُعطهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي؛ نُصرتُ بالرعب مسيرة شهر... )، فكان الرعب ينزل بقلوب الكافرين قبل نزول جيش النبي صلى الله عليه وسلم بساحتهم على بعد مسافة شهر! فكفى بدبيبه ارتجاجا في خفقات صدورهم.

والنصر بالرعب ميزة أعطيت لأمة النبي صلى الله عليه وسلم مِن بعده، فكان الرعب يسبق تحرّك جيوش المسلمين ويضرب نفوسَ عدوهم قبل أن تضربها سيوفُهم، وشواهد ذلك في غزوات الصحابة والتابعين وتابعيهم كثيرة معروفة في كتب السير والمغازي.

غير أنّ هذه العطية والنصرة لا تُعطى إلا لمن سار على طريق النبي صلى الله عليه وسلم واتبع هداه، فكان التوحيد منهجه والجهاد سبيله قولا وعملا، فامتثل أمر الله تعالى بالإعداد والجهاد، فعندها وحسب يكون إرهاب الكافرين ثمرة لذلك الامتثال، كما قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]، فمن لم يمتثل لأمر الله تعالى بالجهاد -بعد تحقيق التوحيد- لن يتحقق له النصر بالرعب.

بل إنّ مَن حاد عن نهج النبوة وتخلّف عن الجهاد في سبيل الله تعالى وأخلد إلى الأرض؛ انقلبت هذه العطية ضدّه، فقذف الله في قلبه الوهن وسلّط عليه الذل! يؤكد ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ولينزعنَّ الله مِن صدور عدوِّكم المهابة منكم، وليقذفنَّ الله في قلوبكم الوَهَن، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوَهْن؟ قال: حبُّ الدُّنيا، وكراهية الموت). [رواه أحمد].

وقد أيّد الله تعالى عباده المؤمنين قديمًا بالرعب في مواطن كثيرة سطّرها القرآن الكريم، منها يوم بدر إذْ قال الله تعالى: {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}، ويوم أحد حيث قال سبحانه: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ}، ويوم إجلاء بني النضير إذْ قال المَلِك الجليل: {وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ}، فهؤلاء اليهود قد بلغ بهم الرعب مبلغًا حتى خلّعوا أبواب بيوتهم وسقوفها!، وقال جلّ جلاله في يوم الأحزاب في يهود بني قريظة: {وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا}، وهذا وقع فيهم بعد غدرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم وتحالفهم مع المشركين ضد المسلمين، والأمثلة سوى ذلك كثيرة.

وقد وصف المفسّرون عند تناولهم لهذه الآيات الرعب بقولهم: "هو الخوف الشديد، الذي هو جند الله الأكبر، الذي لا ينفع معه عدد ولا عدة، ولا قوة ولا شدة". وما يزال الرعب مددا إلهيّا يمدُّ الله به عباده المؤمنين حتى يومنا هذا، ويشهد لحضور جندي الرعب اليوم في معارك المجاهدين؛ تتابع التصريحات والتحذيرات التي تكثر على ألسنة قادة الصليبيين والمرتدين عقب كل هجوم أو تقدّم ميداني جديد يحرزه جنود الخلافة في أيّ بقعة من بقاع الأرض، وقد رأينا كيف دبّ الرعب والهلع في قلوب الكافرين يوم اقتحم الأسود (سجن غويران) رغم أنف أمريكا في ملحمة عمّ صداها أرجاء المعمورة، فأسرع المرتدون إلى تحصين سجونهم واستنفار قواتهم خارج الشام في العراق، فكان الضرب في (غويران) والرعب في كل مكان!

وكم عاش الصليبيون أياما وليالي سود بفعل الهجمات المباركة التي شنّها أبطال الإسلام في قلب أوروبا الصليبية في ذروة اشتداد الحملة الصليبية على دار الخلافة، وكيف حققت تلك العمليات المباركة إلى جانب النكاية؛ خسائر اقتصادية واستنزافا أمنيا كبيرا فرضه عليهم الرعب الذي حاولوا دفعه بدفع ملايين الدولارات لرفع الجهوزية الأمنية لقواتهم وتحصين مطاراتهم ومراكز مدنهم وأجهزة استخباراتهم.

هذا مع أنّ الرعب جندي واحد فقط من جنود الله تعالى، والله تعالى يقول: {وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفتح: 4]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: ولو أرسل عليهم ملكا واحدا لأباد خضراءهم، ولكنه تعالى شرع لعباده المؤمنين الجهاد والقتال، لما له في ذلك من الحكمة البالغة والحجة القاطعة، والبراهين الدامغة؛ ولهذا قال: {وكان الله عليما حكيما}"، فإن كان هذا صنيع جندي واحد من جنود الله بهم فكيف بغيره؟!

وفي هذا إشارةٌ وتسليةٌ مِن القويّ المنّان لأهل الإيمان أنْ يمضوا في طريقهم ويواصلوا جهادهم على كل حال مهما أصابهم من المحن والجراح، ومهما تأخر نزول النصر عليهم؛ فهو قادر -سبحانه- أن ينصر دينه بجندي واحد من جنوده، لكنها حكمته تعالى وسُنّة الابتلاء التي قدّرها على جميع خلقه ليختبرهم، فمنهم مَن آمن ومنهم مَن كفر!.

ولعل أيضا في الرعب عِوَض للقلة المؤمنة عن كثرة الغثاء المتخلفين عن أمر الله تعالى، وهذا مِن رحمة الله تعالى بعباده المجاهدين الذين سلكوا طريقا قلّ سالكوه، فأبدلهم الله تعالى خيرا من ذلك؛ ولايته ومعيّته التي يشعرون بها في كل مسلك يسلكونه وكل واد ينزلونه، تلك المعيّة التي جعلت المجاهدين يستعذبون العذاب ويستسهلون الصعاب وهم يدفعون ضريبة العزّ والثبات مِن دمائهم راضين محتسبين مطمئنين، بينما يدفع غيرهم كلّ يوم ضريبة الذلّ والنكوص أضعافا وأضعافا.

وكما أنّ الرعب تأييدٌ إلهيٌ لعباده الذين وحّدوه حقّ التوحيد، فهو أيضا سلاح من أسلحة الحروب المعاصرة ينبغي على المجاهدين أن يسعوا في تطويره وتصويبه نحو صدور عدوهم بشتى الوسائل في الميدان العسكري والأمني، لما له مِن نتائج لا تخفى على معنويات العدو الذي بات يعيش الرعب والاستنفار الدائم -بفضل الله تعالى- في كل نقاط التماس والاشتباك مع مجاهدي الدولة الإسلامية! فهاتوا لنا ساحة واحدة يأمن فيها جنود العدو على أنفسهم! أو ينامون آمنين طيلة ليلهم؟! والمجاهدون يتربصون بهم ويقعدون لهم كل مرصد.

وللمجاهد الإعلامي أيضا دور وسهم في إرهاب الكافرين وبثّ الرعب في صدورهم إذا ما أحسن استغلال ما في يديه مِن الوسائل، فالحرب الإعلامية وسلاح الرعب قرينان لا ينفكان، وبالإخلاص يُهدى المسلم إلى سبل النجاح والتوفيق في سائر أعماله وعلى رأسها الجهاد، وتأملّ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}، قال المفسرون: أي "بالعون والنصر والهداية"، ويزيد الله الذين اهتدوا هدى، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 326
الخميس 16 رجب 1443 هـ
...المزيد

مقال: كواسر الجهاد (3) اغتيال أئمة الكفر الحمد لله الذي كتب القتال، والصلاة والسلام على ...

مقال: كواسر الجهاد (3) اغتيال أئمة الكفر


الحمد لله الذي كتب القتال، والصلاة والسلام على الضحوك القتال، نبينا محمد وعلى الصحب والآل، أما بعد.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: ١٢٣]، وإن أهم مَن يجب الغلظة عليهم مَن كانوا أشد محاربة لله وكانوا طواغيت يسيّرون غيرهم إلى مهاوي الكفر والردة، فأولئك أئمة الكفر وقد خصّ الله ذكرهم بالقتل وحضّ على قطف رؤوسهم بالتحديد، لأنهم قوائم الكفر وأعمدته، ولتأثيرهم فيمن يتبعهم من جنود ومؤيدين، رعاعٍ بُلْهٍ لا رأي لهم صمّ بكم عمي، فقال تعالى: {وَإِنْ نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} [التوبة: ١٢]

فأنجع طريقة فيهم أن يتقصدهم المؤمنون بالاغتيالات، لأنها أردع في أمثالهم وأرعب في قلوب أتباعهم، ولأنهم قد اغتروا بزيف أمنهم وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم أو حَرَسُهم أو إجراءاتُهم من الله، فيأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا.

والاغتيالات باب عظيم من أبواب الجهاد في سبيل الله، قد عمل به النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من رؤوس الكفر، واختار له من الصحابة أهل التضحية والصدق والجد والفطنة والحذر ورباطة الجأش، فتلك صفات من يقوم بمهامِّ الاغتيالات.

وفي القرآن الإشارة إلى اغتيال الكافرين، قال تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} [التوبة: ٥] قال القرطبي رحمه الله: "{وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} أي اقعدوا لهم في موضع الغرة حيث يُرصدون وهذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة". اهـ، قال ابن العربي رحمه الله: "المسألة السابعة: قوله (واقعدوا لهم كل مرصد) قال علماؤنا: في هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة" أ.هـ.


• أولى الاغتيالات في عهد النبي صلى الله عليه وسلم

ومن أولى عمليات الاغتيال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما وقعت في رجل يهودي يقال له (أبو عفك)، وهو شيخ من بني عمرو بن عوف، وكان شيخا كبيرا قد بلغ عشرين ومائة سنة حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فكان يحرض على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في الإسلام، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ظفره الله بما ظفره، فحسده وبغى فقال وذكر قصيدة تتضمن هجو النبي صلى الله عليه وسلم وذم من اتبعه. قال سالم بن عمير: علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه فأمهل، فطلب له غرة حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء في الصيف في بني عمرو بن عوف فأقبل سالم بن عمير فوضع السيف على كبده حتى خش في الفراش وصاح عدو الله فثاب إليه أناس ممن هم على قوله فأدخلوه منزله وقبروه وقالوا: من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه. [الواقدي]


• أبو نائلة يشارك في اغتيال أخيه!

ومن كانت غايته رضى الله سبحانه وتعالى والقتال لإعلاء كلمة الله؛ هان عليه كل ما في سبيلها ولو كان قتل ذي القرابة المحارب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "(من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله)، فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال: نعم، قال فأذن لي أن أقول شيئا، قال: قل فأتاه محمد بن مسلمة، وسأله السلف بوسق أو وسقين، فقال: نعم ارهنوني، ثم اتفقوا على أن يرهنوه السلاح، فواعده أن يأتيه، فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة -وهو أخو كعب من الرضاعة- فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته أين تخرج هذه الساعة فقال: إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة!، قالت: أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم، قال إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب، قال ويدخل محمد بن مسلمة معه أبو عبس بن جبر والحارث بن أوس وعباد بن بشر، فقال: إذا ما جاء فإني قائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب، فاستأذنوا منه مرتين ليشموا رأسه، فلما استمكن منه قال دونكم فقتلوه، ثم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه". [البخاري]


• فائدة

وليست عمليات الاغتيال من أنواع الغدر، بل هي أسلوب جهادي من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذه القصة قال الإمام النووي رحمه الله: (قال -القاضي عياض-: ولا يحل لأحد أن يقول: إنّ قتله كان غدرا وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأمر به فضرب عنقه). [شرح صحيح مسلم]

• "اغتيال حتى العظم!"

ومن أولئك الطواغيت الذين سفكت دماؤهم أيضا (أبو رافع اليهودي)، فسارع الصحابة من الخزرج للفوز بقطف رأسه، وذلك أنه لما قتل الأوسُ كعبَ بن الأشرف، تذكرت الخزرج رجلا هو في العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم مثله فتذاكروا ابن أبي الحقيق بخيبر فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم، ثم "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة في ناس معهم فانطلقوا حتى دنوا من الحصن، ثم يسّر الله له دخوله، قال: ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن فتعشوا عند أبي رافع وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل ثم رجعوا إلى بيوتهم فلما هدأت الأصوات ولا أسمع حركة خرجت، قال: ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته ففتحت به باب الحصن... ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل، فقلت: يا أبا رافع قال من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح فلم تغن شيئا، قال: ثم جئت كأني أغيثه فقلت: ما لك يا أبا رافع وغيرت صوتي فقال: ألا أعجبك لأمك الويل دخل علي رجل فضربني بالسيف، قال: فعمدت له أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا فصاح وقام أهله، قال: ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث فإذا هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم أنكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم! ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فأسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل فقلت انطلقوا فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعى أبا رافع، قال فقمت أمشي ما بي قلبة فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته". [البخاري]


• أفلح الوجه.. ابن أنيس

وفي نموذج آخر للعمليات المهمة التي يقوم لها الأفذاذ، قال عبد الله بن أنيس رضي الله عنه: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزوني، وهو بعرنة، فأته فاقتله)، فأخذ الأمر بجد ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم إلا صفة يعرفه بها، فقال له: "إذا رأيته وجدت له إقشعريرة"، قال: فخرجت متوشحا بسيفي حتى وقعت عليه، وهو بعرنة، فلما انتهيت إليه قال: من الرجل؟ قلت: رجل من العرب سمع بك، وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لهذا، قال: أجل أنا في ذلك، قال: فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته، ثم خرجت، وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآني فقال: (أفلح الوجه) قال: قلت: قتلته يا رسول الله، قال: (صدقت). [أحمد]

• اغتيال العنسي بمعاونة امرأته!

أما عدو الله الأسود العنسي، فقد اشتد ملكه واستغلظ أمره وارتد خلق من أهل اليمن وعامله المسلمون بالتقية، وتزوج بامرأة شهر بن باذان وهي ابنة عم فيروز الديلمي واسمها زاذ، وكانت صالحة مؤمنة.

وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم وَبَر بن يُحَنَّس بكتاب يأمر المؤمنين في اليمن بالقيام على دين الله والنهوض في الحرب والعمل في الأسْوَد: إما غِيلةً وإما مصادمةً، وتحريض المؤمنين لذلك.

ثم بدؤوا ودبروا طريقة لاغتيال الأسود العنسي وعاونهم في ذلك امرأته، فأخبرتهم بالطريقة المناسبة والوقت المناسب لذلك وهيّأت بعض الأمور لتلك العملية النوعية، فلما كانت تلك الليلة وتسللوا من النقب (الفتحة من الجدار) حتى دخلوا القصر، قال ابن كثير: "فتقدم إليه فيروز الديلمي والأسود نائم على فراش من حرير، قد غرق رأسه في جسده، وهو سكران يغط، والمرأة جالسة عنده، فلما قام فيروز على الباب أجلسه شيطانه وتكلم على لسانه -هو مع ذلك يغط- فقال: مالي ومالك يا فيروز؟ فخشي إن رجع يهلك وتهلك المرأة، فعاجله وخالطه وهو مثل الجمل فأخذ رأسه فدق عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتله، ثم قام فأخبر أصحابه بقتله، فدخلوا عليه ليحتزوا رأسه، فحركه شيطانه فاضطرب، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره، وأخذت المرأة بشعره، وجعل يبربر بلسانه فاحتز الآخر رقبته، فخار كأشد خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس إلى المقصورة، فقالوا: ما هذا ما هذا؟ فقالت المرأة: النبي يوحى إليه، فرجعوا، وجلس قيس وداذويه وفيروز يأتمرون كيف يعلمون أشياعهم، فاتفقوا على أنه إذا كان الصباح ينادون بشعارهم الذي بينهم وبين المسلمين، فلما كان الصباح قام أحدهم، وهو قيس على سور الحصن فنادى بشعارهم، فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن، فنادى قيس ويقال: وبر بن يحنس، الأذان: أشهد أن محمدا رسول الله، وأن عبهلة كذاب، وألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابه وتبعهم الناس يأخذونهم ويرصدونهم في كل طريق يأسرونهم، وظهر الإسلام وأهله"، وقد رضي النبي صلى الله عليه وسلم عن صنيعهم وأثنى عليهم، فقال: "قُتل العنسي البارحة قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين قيل: ومن؟ قال: فيروز فيروز". [البداية والنهاية]

وهذا السبيل الذي يُنكي في أئمة الردة اليوم من حكام ووزراء وجنرالات وضباط ومخاتير ورؤساء عشائر خائنين مرتدين، فتلك سنة نبوية فيهم، فطوبى لمن رزقه الله فلق هامة أحدهم أو حز رقبته، فإنه بذلك يذلل الطريق أمام تحكيم شرع الله في أرضه وتعبيد الناس له سبحانه، فيا فوز المبادرين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 325
الخميس 9 رجب 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
27 رجب 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً