مقال: فلتفرحوا بفضل الله ورحمته ودَّ الشيطان أنْ لو كان الناس كلهم معه في نار جهنم، وودَّ ...

مقال: فلتفرحوا بفضل الله ورحمته


ودَّ الشيطان أنْ لو كان الناس كلهم معه في نار جهنم، وودَّ الكفار أنْ لو كان كل الناس مثلهم في الكفر والضلال والفجور، كما قاله العليم الحكيم: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]

فتلك أمنية أعداء الإسلام لأهل الإسلام، ولكنهم لم يكونوا ليقفوا عند هذا الحد فحسب، بل قاتلوا واتخذوا القوة لإدخال الناس في الكفر وإخراج المسلمين من دينهم، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]

ويصطفي الله ويجتبي للهداية إلى طريقه وصراطه المستقيم مَن شاء مِن عباده، الذين استمسكوا بدينهم وعضوا عليه بالنواجذ، وكانوا فقار الظهر لأمة الإسلام، علموا أنهم لو مالوا أو انكسروا لما بقي لأمتهم منقذ بعد الله تعالى، فهم للإسلام عاشوا ولتحكيمه ماتوا، وهم الذين عزّوا فما كانوا للشياطين ولا للكافرين أولياء، بل عادوهم وكفروا بهم وجاهروا لهم بالبغضاء، وجاهدوهم جهادا، وقاتلوهم لسانا وسنانا.

إن فضل الله تعالى على الدولة الإسلامية بالهداية إلى الطريق القويم لهو الفضل الذي لا يساويه فضل، ويظهر هذا الفضل إذا نظرنا لكثرة الحُسّاد والأعداء والناقمين وأي شيء ينقمون؟!

إن الدولة الإسلامية اتخذت الخلافة على منهاج النبوة مشروعا واضحا من أول يوم لها، وإنْ لم يرض عنها طواغيت اليوم وجَهِدَ أسلافُهُم لمنعِ عودةِ الخلافة بكل ما استطاعوا، كما اتخذت دولة الإسلام الجهاد في سبيل الله طريقا لإقامة هذه الخلافة والحفاظ عليها إذْ لا سواه يتحقق به إقامة الدين كاملا، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، وما وجدنا في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم دربا يوصل ليكون الدين كله لله إلا الجهاد.. إلا {وَقَاتِلُوهُمْ}، ولم نجد طريقا يردع الكافرين ويكفّ أذاهم عن المسلمين وحرماتهم إلا الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} [النساء: 75]، بل وجدنا في كتاب الله تعالى أنه سبحانه يَعيب على المسلمين أنْ يخشوا أعداءهم، فقال تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: 13].

وهؤلاء الكفار والمنافقون لا ينقمون من الدولة الإسلامية شيئا سوى تحكيم شرع الله تعالى، وإلا فأين صحوات العار وأحزاب الشنار وجماعات الضرار عن الحكم بشرع الله بعدما شاء الله أن ينحاز جنود الخلافة من المدن في الشام والعراق وليبيا وخراسان؟

ما الذي حلّ بدلا مِن حكم الشريعة؟! أليست أحكام الكفر والجاهلية؟! ألم يقل قادة الدولة الإسلامية إنّ الصحوات لا يقاتلوننا إلا لهذا الأمر! ولو قدّر الله ذهاب حكم الدولة الإسلامية فلن تروا شرع الله يحكم؟ ولقد وقع ما حذّره قادة وأمراء دولة الإسلام.

والمتأمل يجد أنّ غياب حكم الشريعة بانحياز الدولة الإسلامية ثم مجيء حكم الصحوات والجماعات والأحزاب؛ كان أعظم حجة أقيمت على العباد -لو كانوا يعقلون-، ليعلموا حقيقة حرب أولئك المرتدين وقتالهم لدولة الإسلام وهدف تلك التحالفات والتجمعات والتكتلات التي تآمرت على المجاهدين.

لقد كانت دولة الإسلام حلما ولكنها اليوم باتت قدرا مقدورا وواقعا موجودا بفضل الله تعالى، ولقد ظنَّت أكثر الجماعات والتنظيمات أن الخلافة دعاوى وشعارات وألقاب من نادى بها توّجهُ الناس تاجها وفتحوا له البلاد والأسماع، لكن الأمر ليس كما يظنون بل هو الذي جرى للمرسلين -عليهم السلام-، قال تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [غافر: 5]، فلا يقوم بخلافة النبوة إذًا إلا من شاء الله أن يتفضل عليه ليصبر على تكاليفها وأعبائها.

إنّ فضل الهداية إلى صراط الله هو الذي لا يقدرون عليه، ولا هم يقدرون أن يمنعوا فضل الله بحسدهم ولا بمكرهم ولا باتخاذهم القوة، قال تعالى: {لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 29]

وذاكم الفضل الذي به يكون الفرح كما قال سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] قال المفسرون: "فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها"، فالفضل بالقرآن وتطبيق أحكام القرآن وسلوك طريق القرآن في حياة الناس، وتلبية نداءات القرآن بالجهاد في سبيل الله تعالى وتوحيده -سبحانه- وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، فهذا هو الفضل الذي حريٌ أنْ يفرح به مَن آتاه الله تعالى إيّاه.

فطيبوا يا أجناد الخلافة نفسا ولتفرحوا بما آتاكم الله من الفضل والنعمة، فأنتم للمسلمين فخر، وعلى الكافرين لظى ونار، وأنتم حُماة العرض ومن يُعيد للمسلمين عزّهم وديارهم، فالأعناق إليكم مشرئبة والوفود ستأتيكم راغبة وراهبة -بإذن الله تعالى- ما استمسكتم بهذا الدين العظيم، فتمسّكوا بهذا الغرز ما حييتم وموتوا عليه كيف شئتم، والله مولاكم نعم المولى ونعم النصير.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 337
الخميس 4 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: فلتفرحوا بفضل الله ورحمته ودَّ الشيطان أنْ لو كان الناس كلهم معه في نار جهنم، وودَّ ...

مقال: فلتفرحوا بفضل الله ورحمته


ودَّ الشيطان أنْ لو كان الناس كلهم معه في نار جهنم، وودَّ الكفار أنْ لو كان كل الناس مثلهم في الكفر والضلال والفجور، كما قاله العليم الحكيم: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]

فتلك أمنية أعداء الإسلام لأهل الإسلام، ولكنهم لم يكونوا ليقفوا عند هذا الحد فحسب، بل قاتلوا واتخذوا القوة لإدخال الناس في الكفر وإخراج المسلمين من دينهم، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]

ويصطفي الله ويجتبي للهداية إلى طريقه وصراطه المستقيم مَن شاء مِن عباده، الذين استمسكوا بدينهم وعضوا عليه بالنواجذ، وكانوا فقار الظهر لأمة الإسلام، علموا أنهم لو مالوا أو انكسروا لما بقي لأمتهم منقذ بعد الله تعالى، فهم للإسلام عاشوا ولتحكيمه ماتوا، وهم الذين عزّوا فما كانوا للشياطين ولا للكافرين أولياء، بل عادوهم وكفروا بهم وجاهروا لهم بالبغضاء، وجاهدوهم جهادا، وقاتلوهم لسانا وسنانا.

إن فضل الله تعالى على الدولة الإسلامية بالهداية إلى الطريق القويم لهو الفضل الذي لا يساويه فضل، ويظهر هذا الفضل إذا نظرنا لكثرة الحُسّاد والأعداء والناقمين وأي شيء ينقمون؟!

إن الدولة الإسلامية اتخذت الخلافة على منهاج النبوة مشروعا واضحا من أول يوم لها، وإنْ لم يرض عنها طواغيت اليوم وجَهِدَ أسلافُهُم لمنعِ عودةِ الخلافة بكل ما استطاعوا، كما اتخذت دولة الإسلام الجهاد في سبيل الله طريقا لإقامة هذه الخلافة والحفاظ عليها إذْ لا سواه يتحقق به إقامة الدين كاملا، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، وما وجدنا في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم دربا يوصل ليكون الدين كله لله إلا الجهاد.. إلا {وَقَاتِلُوهُمْ}، ولم نجد طريقا يردع الكافرين ويكفّ أذاهم عن المسلمين وحرماتهم إلا الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} [النساء: 75]، بل وجدنا في كتاب الله تعالى أنه سبحانه يَعيب على المسلمين أنْ يخشوا أعداءهم، فقال تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: 13].

وهؤلاء الكفار والمنافقون لا ينقمون من الدولة الإسلامية شيئا سوى تحكيم شرع الله تعالى، وإلا فأين صحوات العار وأحزاب الشنار وجماعات الضرار عن الحكم بشرع الله بعدما شاء الله أن ينحاز جنود الخلافة من المدن في الشام والعراق وليبيا وخراسان؟

ما الذي حلّ بدلا مِن حكم الشريعة؟! أليست أحكام الكفر والجاهلية؟! ألم يقل قادة الدولة الإسلامية إنّ الصحوات لا يقاتلوننا إلا لهذا الأمر! ولو قدّر الله ذهاب حكم الدولة الإسلامية فلن تروا شرع الله يحكم؟ ولقد وقع ما حذّره قادة وأمراء دولة الإسلام.

والمتأمل يجد أنّ غياب حكم الشريعة بانحياز الدولة الإسلامية ثم مجيء حكم الصحوات والجماعات والأحزاب؛ كان أعظم حجة أقيمت على العباد -لو كانوا يعقلون-، ليعلموا حقيقة حرب أولئك المرتدين وقتالهم لدولة الإسلام وهدف تلك التحالفات والتجمعات والتكتلات التي تآمرت على المجاهدين.

لقد كانت دولة الإسلام حلما ولكنها اليوم باتت قدرا مقدورا وواقعا موجودا بفضل الله تعالى، ولقد ظنَّت أكثر الجماعات والتنظيمات أن الخلافة دعاوى وشعارات وألقاب من نادى بها توّجهُ الناس تاجها وفتحوا له البلاد والأسماع، لكن الأمر ليس كما يظنون بل هو الذي جرى للمرسلين -عليهم السلام-، قال تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [غافر: 5]، فلا يقوم بخلافة النبوة إذًا إلا من شاء الله أن يتفضل عليه ليصبر على تكاليفها وأعبائها.

إنّ فضل الهداية إلى صراط الله هو الذي لا يقدرون عليه، ولا هم يقدرون أن يمنعوا فضل الله بحسدهم ولا بمكرهم ولا باتخاذهم القوة، قال تعالى: {لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 29]

وذاكم الفضل الذي به يكون الفرح كما قال سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] قال المفسرون: "فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها"، فالفضل بالقرآن وتطبيق أحكام القرآن وسلوك طريق القرآن في حياة الناس، وتلبية نداءات القرآن بالجهاد في سبيل الله تعالى وتوحيده -سبحانه- وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، فهذا هو الفضل الذي حريٌ أنْ يفرح به مَن آتاه الله تعالى إيّاه.

فطيبوا يا أجناد الخلافة نفسا ولتفرحوا بما آتاكم الله من الفضل والنعمة، فأنتم للمسلمين فخر، وعلى الكافرين لظى ونار، وأنتم حُماة العرض ومن يُعيد للمسلمين عزّهم وديارهم، فالأعناق إليكم مشرئبة والوفود ستأتيكم راغبة وراهبة -بإذن الله تعالى- ما استمسكتم بهذا الدين العظيم، فتمسّكوا بهذا الغرز ما حييتم وموتوا عليه كيف شئتم، والله مولاكم نعم المولى ونعم النصير.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 337
الخميس 4 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: سلفنا في رمضان (3) الخشوع الحمد لله الذي لا تفارق ذكره قلوب الخاشعين، والصلاة والسلام ...

مقال: سلفنا في رمضان (3) الخشوع


الحمد لله الذي لا تفارق ذكره قلوب الخاشعين، والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام العابدين، وعلى آله وصحبه الأوّابين الطاهرين، وبعد.

فما شيء أرقى درجة أن يحوزه المرء في رمضان من الخشوع لله تعالى، وإدراكه معاني العبودية وشعوره بعظمة ربه سبحانه وكبريائه، وغوصه في معاني القرآن التي تُجلّي جلالة هذا الكتاب الذي لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله.

وتلك أعظم ثمار رمضان، التي يجدها أهل القنوت وطول الصلاة، الراكعون الساجدون المبتهلون المتبتلون.

ولا شك أن من يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان، قد عملوا فيه بكل ما أطاقوه مما لا يستطيعه محبو الراحة والتسليات، حتى رأى أولئك أعمالهم في رمضان كنزا عظيما لو لم يتقبله الله لخسروا خسرانا مبينا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون 60 - 61]

فحتّامَ يقسو القلب وتخنقه الأقفال؟ وحتّامَ تجفّ العين؟ وإلى متى لا يتدبر القارئ كتاب ربه؟ يمر رمضان ورمضان وتمر الآيات على القلوب وكأنّ عليها الران والأكنّة، آيات بينات وأمثال واضحات، ووعيد وقوارع تهز الجبال، وترغيب في الجنة لا يقعد بعده عن التشمير إلا محروم أو جبان، أما من خشع قلبه فقد تاب وأناب وعقد العزم على ألا يُرضي إلا الله وألا يخاف إلا من الله.


• الخشوع تجديد للإيمان

ومن المعلوم أن العبادات هي قرة أعين المحبين، فنالت قلوبهم ثمرة ذلك من الخشوع والطمأنينة والأنس بالله تعالى، فالخشوع متى حضر حرك مكنونات النفس من الإنابة والتفكر، ومن حُرم الخشوع ابتُلي بثقل العبادات وقعودِ الجوارح عن الطاعات، وتفتّح القلب للصوارف والشواغل، فلا بد للعبد مِن تعاهد قلبه حتى لا يبلى إيمانه.

وأخشع الناس قلوبا هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: {...وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]، وقال الله في زكريا وآله عليهم السلام: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]، وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "(اقرأ علي)، قلت: يا رسول الله آقرأ عليك وعليك أُنزل، قال: (نعم) فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا} قال: (حسبك الآن)، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان". [متفق عليه].

وأثنى الله على أهل العلم الخاشعين فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109]، وذلك لأن الغاية من العلم الخشية كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].


• من معاني الخشوع

قال ابن تيمية رحمه الله: "والخشوع يتضمن معنيين: أحدهما: التواضع والذل، والثاني: السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمن عبوديته للّه وطمأنينته أيضا؛ ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمن هذا، وهذا؛ التواضع والسكون، وعن ابن عباس في قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون : 2] قال: مخبتون أذلاء، وعن الحسن وقتادة: خائفون، وعن مقاتل: متواضعون، وعن علِيّ: الخشوع في القلب وأن تلِين للمرء المسلم كنفك، ولا تلتفت يمينا ولا شمالا، وقال مجاهد: غَضُّ البصر وخَفْض الْجناَح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشد بصره، أو أن يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحب حسن الهيئة في الصلاة، وعن ابن سِيرِين وغيره: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يميناً وشمالاً حتى نزلت هذه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} الآية [المؤمنون : 1-2] فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض، وعن عطاء: هو ألا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة. وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). [مجموع الفتاوى]

ومما يعين على الخشوع في قيام رمضان أن تُحرّك القلوب بالآيات مع الوقوف على المواضع التي فيها العجائب؛ لينتبه القارئ والسامع، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا تهذوا القرآن كهذِّ الشعر! ولا تنثروه نثر الدقل! وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب" [مصنف ابن أبي شيبة].


• الخشوع في الصلاة

وإن خشوع القلب يظهر على الجوارح، قال ابن القيم رحمه الله: "وأَجمع العارفون على أن الخشوع محلُه القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تُظهره" [منازل السائرين].

والخشوع في الصلاة هو رُوحها، قال ابن القيم رحمه الله: "سرُّ الصلاة وروحها ولبُّها، هو إقبال العبد على الله بكليّته فيها، فكما أنه لا ينبغي أن يصرف وجهه عن القبلة إلى غيرها فيها، فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربِّه إلى غيره فيها، بل يجعل الكعبة التي هي بيت الله، قبلة وجهه وبدنه، ورب البيت -تبارك وتعالى- قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته، يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرضَ أعرض الله عنه، كما تدين تُدان، والإقبال في الصلاة على ثلاثة منازل: إقبال العبد على قلبه فيحفظه ويصلحه من أمراض الشهوات والوساوس والخطرات المُبطلة لثواب صلاته أو المنقصة لها، وإقباله على الله بمراقبته فيها حتى يعبده كأنه يراه، وإقباله على معاني كلام الله وتفاصيله، وعبودية الصلاة ليعطيها حقها من الخشوع والطمأنينة وغير ذلك، فباستكمال هذه المراتب الثلاث يكون قد أقام الصلاة حقًا، ويكون إقبال الله على المصلي بحسب ذلك" [أسرار الصلاة]


• السلف والخشوع في الصلاة

أما أحوال السلف في الخشوع في الصلاة فهذه بعض أخبارهم، فقد كان العنبس بن عقبة رحمه الله يسجد حتى تقع العصافير على ظهره فكأنه جذم حائط. [الزهد للإمام أحمد]

وقال ابن وهب: "رأيت الثوري في المسجد الحرام بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي بصلاة العشاء" [حلية الأولياء]، وأخبر أبو بكر بن عياش رحمه الله عن حبيب بن أبي ثابت رحمه الله يقول عنه: "فلو رأيته قلت ميت، -يعني من طول السجود-" [سير أعلام النبلاء]، وكان الإمام البخاري رحمه الله يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة قال: "انظروا كم آذاني" [فتح الباري]

وفقدان الخشوع في الناس بداية ذهاب الدين، قال حذيفة رضي الله عنه: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة" [حلية الأولياء]، وقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.

ولقد عاتب الله تعالى خير القرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخشع قلوبهم ولا تقسو، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد : 16]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول الله تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقادُ له وتسمع له وتطيعه... عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} إلا أربع سنين" [التفسير]، أي أن ذلك نزل في ابتداء الإسلام يحذرهم الله صنيع أهل الكتاب الذين قست قلوبهم بعدما طالت عليهم المدة، فكيف بحالنا اليوم في عصر القسوة؟!

ومن الدعاء النافع ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" [مسلم]، فمن حرص على هذا الدعاء فحري أن يرزقه الله قلبا خاشعا. ومن خشع قلبه لمولاه وأدرك عظيم شأن ربه سبحانه وعظيم كلامه وأحكامه علم أنه لو بذل في سبيل ذلك نفسه ودمه وماله لكان يسيرا، وأن دين الله يستحق المزيد من العطاء، وبهذا يدرك المجاهد في سبيل الله صحة طريقه بقتاله الذين ساووا رب السماوات والأرض بسفهاء أهل الأرض من المشرَّعين وأهل الدساتير، وأن الجهاد من خير العبادات وله يُجبي الله خيرة عباده.

ومن فاتته هذه المنزلة في رمضان فمتى سيحصلها؟، فاحرص عليها أخي المسلم فلربما تدرك ذلك في آخر ليلة من رمضان، فيكون ختامك مسكا.

اللهم أعنا على حسن العبادة واجعلنا لك خاشعين منيبين مخبتين واجعلنا ذكّارين شكّارين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 336
الخميس 27 رمضان 1443 هـ
...المزيد

مقال: سلفنا في رمضان (3) الخشوع الحمد لله الذي لا تفارق ذكره قلوب الخاشعين، والصلاة والسلام ...

مقال: سلفنا في رمضان (3) الخشوع


الحمد لله الذي لا تفارق ذكره قلوب الخاشعين، والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام العابدين، وعلى آله وصحبه الأوّابين الطاهرين، وبعد.

فما شيء أرقى درجة أن يحوزه المرء في رمضان من الخشوع لله تعالى، وإدراكه معاني العبودية وشعوره بعظمة ربه سبحانه وكبريائه، وغوصه في معاني القرآن التي تُجلّي جلالة هذا الكتاب الذي لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله.

وتلك أعظم ثمار رمضان، التي يجدها أهل القنوت وطول الصلاة، الراكعون الساجدون المبتهلون المتبتلون.

ولا شك أن من يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان، قد عملوا فيه بكل ما أطاقوه مما لا يستطيعه محبو الراحة والتسليات، حتى رأى أولئك أعمالهم في رمضان كنزا عظيما لو لم يتقبله الله لخسروا خسرانا مبينا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون 60 - 61]

فحتّامَ يقسو القلب وتخنقه الأقفال؟ وحتّامَ تجفّ العين؟ وإلى متى لا يتدبر القارئ كتاب ربه؟ يمر رمضان ورمضان وتمر الآيات على القلوب وكأنّ عليها الران والأكنّة، آيات بينات وأمثال واضحات، ووعيد وقوارع تهز الجبال، وترغيب في الجنة لا يقعد بعده عن التشمير إلا محروم أو جبان، أما من خشع قلبه فقد تاب وأناب وعقد العزم على ألا يُرضي إلا الله وألا يخاف إلا من الله.


• الخشوع تجديد للإيمان

ومن المعلوم أن العبادات هي قرة أعين المحبين، فنالت قلوبهم ثمرة ذلك من الخشوع والطمأنينة والأنس بالله تعالى، فالخشوع متى حضر حرك مكنونات النفس من الإنابة والتفكر، ومن حُرم الخشوع ابتُلي بثقل العبادات وقعودِ الجوارح عن الطاعات، وتفتّح القلب للصوارف والشواغل، فلا بد للعبد مِن تعاهد قلبه حتى لا يبلى إيمانه.

وأخشع الناس قلوبا هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: {...وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]، وقال الله في زكريا وآله عليهم السلام: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]، وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "(اقرأ علي)، قلت: يا رسول الله آقرأ عليك وعليك أُنزل، قال: (نعم) فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا} قال: (حسبك الآن)، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان". [متفق عليه].

وأثنى الله على أهل العلم الخاشعين فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109]، وذلك لأن الغاية من العلم الخشية كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].


• من معاني الخشوع

قال ابن تيمية رحمه الله: "والخشوع يتضمن معنيين: أحدهما: التواضع والذل، والثاني: السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمن عبوديته للّه وطمأنينته أيضا؛ ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمن هذا، وهذا؛ التواضع والسكون، وعن ابن عباس في قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون : 2] قال: مخبتون أذلاء، وعن الحسن وقتادة: خائفون، وعن مقاتل: متواضعون، وعن علِيّ: الخشوع في القلب وأن تلِين للمرء المسلم كنفك، ولا تلتفت يمينا ولا شمالا، وقال مجاهد: غَضُّ البصر وخَفْض الْجناَح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشد بصره، أو أن يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحب حسن الهيئة في الصلاة، وعن ابن سِيرِين وغيره: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يميناً وشمالاً حتى نزلت هذه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} الآية [المؤمنون : 1-2] فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض، وعن عطاء: هو ألا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة. وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). [مجموع الفتاوى]

ومما يعين على الخشوع في قيام رمضان أن تُحرّك القلوب بالآيات مع الوقوف على المواضع التي فيها العجائب؛ لينتبه القارئ والسامع، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا تهذوا القرآن كهذِّ الشعر! ولا تنثروه نثر الدقل! وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب" [مصنف ابن أبي شيبة].


• الخشوع في الصلاة

وإن خشوع القلب يظهر على الجوارح، قال ابن القيم رحمه الله: "وأَجمع العارفون على أن الخشوع محلُه القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تُظهره" [منازل السائرين].

والخشوع في الصلاة هو رُوحها، قال ابن القيم رحمه الله: "سرُّ الصلاة وروحها ولبُّها، هو إقبال العبد على الله بكليّته فيها، فكما أنه لا ينبغي أن يصرف وجهه عن القبلة إلى غيرها فيها، فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربِّه إلى غيره فيها، بل يجعل الكعبة التي هي بيت الله، قبلة وجهه وبدنه، ورب البيت -تبارك وتعالى- قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته، يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرضَ أعرض الله عنه، كما تدين تُدان، والإقبال في الصلاة على ثلاثة منازل: إقبال العبد على قلبه فيحفظه ويصلحه من أمراض الشهوات والوساوس والخطرات المُبطلة لثواب صلاته أو المنقصة لها، وإقباله على الله بمراقبته فيها حتى يعبده كأنه يراه، وإقباله على معاني كلام الله وتفاصيله، وعبودية الصلاة ليعطيها حقها من الخشوع والطمأنينة وغير ذلك، فباستكمال هذه المراتب الثلاث يكون قد أقام الصلاة حقًا، ويكون إقبال الله على المصلي بحسب ذلك" [أسرار الصلاة]


• السلف والخشوع في الصلاة

أما أحوال السلف في الخشوع في الصلاة فهذه بعض أخبارهم، فقد كان العنبس بن عقبة رحمه الله يسجد حتى تقع العصافير على ظهره فكأنه جذم حائط. [الزهد للإمام أحمد]

وقال ابن وهب: "رأيت الثوري في المسجد الحرام بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي بصلاة العشاء" [حلية الأولياء]، وأخبر أبو بكر بن عياش رحمه الله عن حبيب بن أبي ثابت رحمه الله يقول عنه: "فلو رأيته قلت ميت، -يعني من طول السجود-" [سير أعلام النبلاء]، وكان الإمام البخاري رحمه الله يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة قال: "انظروا كم آذاني" [فتح الباري]

وفقدان الخشوع في الناس بداية ذهاب الدين، قال حذيفة رضي الله عنه: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة" [حلية الأولياء]، وقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.

ولقد عاتب الله تعالى خير القرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخشع قلوبهم ولا تقسو، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد : 16]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول الله تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقادُ له وتسمع له وتطيعه... عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} إلا أربع سنين" [التفسير]، أي أن ذلك نزل في ابتداء الإسلام يحذرهم الله صنيع أهل الكتاب الذين قست قلوبهم بعدما طالت عليهم المدة، فكيف بحالنا اليوم في عصر القسوة؟!

ومن الدعاء النافع ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" [مسلم]، فمن حرص على هذا الدعاء فحري أن يرزقه الله قلبا خاشعا. ومن خشع قلبه لمولاه وأدرك عظيم شأن ربه سبحانه وعظيم كلامه وأحكامه علم أنه لو بذل في سبيل ذلك نفسه ودمه وماله لكان يسيرا، وأن دين الله يستحق المزيد من العطاء، وبهذا يدرك المجاهد في سبيل الله صحة طريقه بقتاله الذين ساووا رب السماوات والأرض بسفهاء أهل الأرض من المشرَّعين وأهل الدساتير، وأن الجهاد من خير العبادات وله يُجبي الله خيرة عباده.

ومن فاتته هذه المنزلة في رمضان فمتى سيحصلها؟، فاحرص عليها أخي المسلم فلربما تدرك ذلك في آخر ليلة من رمضان، فيكون ختامك مسكا.

اللهم أعنا على حسن العبادة واجعلنا لك خاشعين منيبين مخبتين واجعلنا ذكّارين شكّارين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 336
الخميس 27 رمضان 1443 هـ
...المزيد

الجهاد يا أمة الجهاد كلما تقادمت الأيام واستجدت الأحداث على الساحة ندرك ضرورة الجهاد لأمة ...

الجهاد يا أمة الجهاد


كلما تقادمت الأيام واستجدت الأحداث على الساحة ندرك ضرورة الجهاد لأمة الإسلام وأهمية الجماعة الواحدة والراية الواحدة للمسلمين، وهو عين ما أمرنا الله تعالى به لصلاح ديننا ودنيانا.

وما كان المسلمون في الرعيل الأول يظنون إسلاما بلا جهاد، فقد بدأت عتبات تثبيت هذا الدين ونزلت شرائعه في المدينة والجهاد له الحيّز الكبير في حياة المسلمين، ثم مضى المهاجرون والأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان على هذا الصراط، فعبد المسلمون ربهم على عزّ وتمكين لقرون طويلة.

إن الجهاد منوط بالخيرية في هذه الأمة فنحن أمة الجهاد ونبينا صلى الله عليه وسلم كان إماما للمجاهدين فقد غزا بنفسه وبعث السرايا وعقد الألوية، وحمل السيف والرمح ولبِسَ الدرع والمغفر، وشُج وجهه وكُسرت رباعيته وسال الدم من وجهه وإصبعه صلى الله عليه وسلم، وركب الخيل ومضى مجاهدا في الحرّ، وظل صابرا في شدة القرّ، كل ذلك ولم يكن شابا -عليه الصلاة والسلام- بل أول ما بدأ رحلة جهاده بالسيف وعمره أكثر من ثلاث وخمسين سنة، فجاهد واغبرّت قدماه في سبيل هذا الدين وهو أكرم الخلق على ربه سبحانه.

وحيثما يذمّ الله تعالى المنافقين القاعدين والمتخلفين عن الجهاد يبين حال نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمر بالاقتداء به ليكون المثل لكل مسلم، فقال تعالى في سورة التوبة بعد ذكْر من رضوا بأن يكونوا مع الخوالف: {لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}، وقال بعد ذكر المنافقين في الأحزاب وتهرّبهم وتمنّيهم لو كانوا في البوادي بعيدا يسألون عن أخبار المسلمين، قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.

فتلك السنة النبوية وذاكم الدين القويم، إيمان بالله وجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.

والجهاد فريضة هذا الزمان وهو كالصلاة والصيام لا فرق فكلها فرض عين على المسلم أينما كان، فلا عذر لأحد بالغ عاقل أن يترك الجهاد.

إن بلاد المسلمين اليوم خالية من المحاكم الشرعية التي تحكمهم بالكتاب والسنة، باستثناء محاكم الدولة الإسلامية -أعزها الله- وكفى بهذا موجِبا للجهاد، فكيف بأسباب أخرى كحقوق المستضعفين من الأسرى الذين ملئت بهم السجون، وما يُصيب المسلمين من القتل والتشريد والتجويع، وقد دهم العدو بلاد المسلمين وغزاها من قرون ووضع عليها الوكلاء من عبيده المرتدين، وكل ذلك يوجب الجهاد على المسلمين قاطبة، وأقوال علماء الإسلام في ذلك معروفة، ولذلك يجب على كل مسلم أن يتعلم حمل السلاح والإعداد وأن يشتري السلاح ليجاهد في سبيل الله، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ويا عجبا لمليار وأكثر ينتسبون إلى الإسلام من إندونيسيا شرقا إلى إسبانيا غربا ومن أوربا شمالا إلى وسط إفريقية جنوبا لا يجدون محاكم تحكمهم بشريعة الإسلام، ثم هم لا يجاهدون ولا ينصرون المجاهدين؟!!

إن الجهاد حياة ونجاة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال ابن جرير: "عن ابن اسحاق: أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم"، وترك الجهاد هلكة وتهلكة، قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال المفسرون: "الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد".

ومَن تتبع سير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لوجد أنهم بايعوه على الجهاد ما دامت فيهم عين تطرف حتى كان حداؤهم رضي الله عنهم كما أخرجه البخاري ومسلم: "نحن الذين بايعوا محمدا.. على الجهاد ما بقينا أبدا"، فأين المبايعين اليوم على الجهاد ما بقوا أبدا؟

وبعد الجهاد يبدأ البلاء بالمؤمن ليُختبر في إيمانه، ولذلك عدّ النبي صلى الله عليه وسلم من مات دون أن يغزو ولا أن يعزم عليه أنه في شعبة من شعب النفاق، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق!)، وما أكثر من يموت اليوم قاعدا هو وأبوه وأجداده!، ما حمل أحدهم سلاحا ولا رأوه إلا بيد جنود الطاغوت المرتدين، ورثوا القعود جيلا عن جيل والله المستعان.

فإياكم يا معشر هذا الجيل بعد أن سمعتم بالخلافة قد أُعيدت أن تترددوا في الجهاد أو تطيبوا نفسا بالقعود، وإنكم لطالما ذقتم مرارة الذل فجربوا حلاوة العز بالجهاد في سبيل الله تعالى.

ومن رام محبة الله فليجاهد في سبيل الله؛ فالمحب يسترخص الغالي والنفيس لمحبوبه، والذين وعد الله بمجيئهم إذا ارتد فئام من الناس وصفهم ربُّنا سبحانه بالجهاد في سبيله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}، وفي ذلك إشارة لكل صادق يريد محبة الله تعالى أن يجاهد ولا تأخذه في الله لومة لائم!!

وللجهاد طرق عديدة لمن لم يستطع حضور ساحة الجهاد، فإما أن يجاهد بماله، أو يقتل الكافر بسلاح أو سم أو يخنقه أو يغرقه أو يرميه من شاهق، أو يقصد ماله فيغنمه أو يتلف له متجره أو مركبته أو مزرعته بتحريق أو تخريب أو هدم، فأموال المرتدين مِن قادةٍ وقُضاة وجنود في المتناول، ومَن يصدق الله يهيئ له الأسباب.

ومهما جرّب المجرّبون من طرق وسبل أخرى للنهوض بأمة الإسلام فلن يجدوا أقصر وأصوب من طريق الجهاد الذي سار عليه صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون رضوان الله عليهم، فالجهاد الجهاد يا أمة الجهاد، والخلافة الخلافة يا أمة الإسلام فخر المسلمين وعزهم وغيظ الكافرين ورعبهم، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 336
الخميس 27 رمضان 1443 هـ
...المزيد

الجهاد يا أمة الجهاد كلما تقادمت الأيام واستجدت الأحداث على الساحة ندرك ضرورة الجهاد لأمة ...

الجهاد يا أمة الجهاد


كلما تقادمت الأيام واستجدت الأحداث على الساحة ندرك ضرورة الجهاد لأمة الإسلام وأهمية الجماعة الواحدة والراية الواحدة للمسلمين، وهو عين ما أمرنا الله تعالى به لصلاح ديننا ودنيانا.

وما كان المسلمون في الرعيل الأول يظنون إسلاما بلا جهاد، فقد بدأت عتبات تثبيت هذا الدين ونزلت شرائعه في المدينة والجهاد له الحيّز الكبير في حياة المسلمين، ثم مضى المهاجرون والأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان على هذا الصراط، فعبد المسلمون ربهم على عزّ وتمكين لقرون طويلة.

إن الجهاد منوط بالخيرية في هذه الأمة فنحن أمة الجهاد ونبينا صلى الله عليه وسلم كان إماما للمجاهدين فقد غزا بنفسه وبعث السرايا وعقد الألوية، وحمل السيف والرمح ولبِسَ الدرع والمغفر، وشُج وجهه وكُسرت رباعيته وسال الدم من وجهه وإصبعه صلى الله عليه وسلم، وركب الخيل ومضى مجاهدا في الحرّ، وظل صابرا في شدة القرّ، كل ذلك ولم يكن شابا -عليه الصلاة والسلام- بل أول ما بدأ رحلة جهاده بالسيف وعمره أكثر من ثلاث وخمسين سنة، فجاهد واغبرّت قدماه في سبيل هذا الدين وهو أكرم الخلق على ربه سبحانه.

وحيثما يذمّ الله تعالى المنافقين القاعدين والمتخلفين عن الجهاد يبين حال نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمر بالاقتداء به ليكون المثل لكل مسلم، فقال تعالى في سورة التوبة بعد ذكْر من رضوا بأن يكونوا مع الخوالف: {لَٰكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ}، وقال بعد ذكر المنافقين في الأحزاب وتهرّبهم وتمنّيهم لو كانوا في البوادي بعيدا يسألون عن أخبار المسلمين، قال سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.

فتلك السنة النبوية وذاكم الدين القويم، إيمان بالله وجهاد في سبيل الله، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.

والجهاد فريضة هذا الزمان وهو كالصلاة والصيام لا فرق فكلها فرض عين على المسلم أينما كان، فلا عذر لأحد بالغ عاقل أن يترك الجهاد.

إن بلاد المسلمين اليوم خالية من المحاكم الشرعية التي تحكمهم بالكتاب والسنة، باستثناء محاكم الدولة الإسلامية -أعزها الله- وكفى بهذا موجِبا للجهاد، فكيف بأسباب أخرى كحقوق المستضعفين من الأسرى الذين ملئت بهم السجون، وما يُصيب المسلمين من القتل والتشريد والتجويع، وقد دهم العدو بلاد المسلمين وغزاها من قرون ووضع عليها الوكلاء من عبيده المرتدين، وكل ذلك يوجب الجهاد على المسلمين قاطبة، وأقوال علماء الإسلام في ذلك معروفة، ولذلك يجب على كل مسلم أن يتعلم حمل السلاح والإعداد وأن يشتري السلاح ليجاهد في سبيل الله، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ويا عجبا لمليار وأكثر ينتسبون إلى الإسلام من إندونيسيا شرقا إلى إسبانيا غربا ومن أوربا شمالا إلى وسط إفريقية جنوبا لا يجدون محاكم تحكمهم بشريعة الإسلام، ثم هم لا يجاهدون ولا ينصرون المجاهدين؟!!

إن الجهاد حياة ونجاة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} قال ابن جرير: "عن ابن اسحاق: أي: للحرب الذي أعزكم الله بها بعد الذل، وقوّاكم بعد الضعف، ومنعكم بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم"، وترك الجهاد هلكة وتهلكة، قال تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قال المفسرون: "الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد".

ومَن تتبع سير أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لوجد أنهم بايعوه على الجهاد ما دامت فيهم عين تطرف حتى كان حداؤهم رضي الله عنهم كما أخرجه البخاري ومسلم: "نحن الذين بايعوا محمدا.. على الجهاد ما بقينا أبدا"، فأين المبايعين اليوم على الجهاد ما بقوا أبدا؟

وبعد الجهاد يبدأ البلاء بالمؤمن ليُختبر في إيمانه، ولذلك عدّ النبي صلى الله عليه وسلم من مات دون أن يغزو ولا أن يعزم عليه أنه في شعبة من شعب النفاق، فقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: (من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق!)، وما أكثر من يموت اليوم قاعدا هو وأبوه وأجداده!، ما حمل أحدهم سلاحا ولا رأوه إلا بيد جنود الطاغوت المرتدين، ورثوا القعود جيلا عن جيل والله المستعان.

فإياكم يا معشر هذا الجيل بعد أن سمعتم بالخلافة قد أُعيدت أن تترددوا في الجهاد أو تطيبوا نفسا بالقعود، وإنكم لطالما ذقتم مرارة الذل فجربوا حلاوة العز بالجهاد في سبيل الله تعالى.

ومن رام محبة الله فليجاهد في سبيل الله؛ فالمحب يسترخص الغالي والنفيس لمحبوبه، والذين وعد الله بمجيئهم إذا ارتد فئام من الناس وصفهم ربُّنا سبحانه بالجهاد في سبيله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ}، وفي ذلك إشارة لكل صادق يريد محبة الله تعالى أن يجاهد ولا تأخذه في الله لومة لائم!!

وللجهاد طرق عديدة لمن لم يستطع حضور ساحة الجهاد، فإما أن يجاهد بماله، أو يقتل الكافر بسلاح أو سم أو يخنقه أو يغرقه أو يرميه من شاهق، أو يقصد ماله فيغنمه أو يتلف له متجره أو مركبته أو مزرعته بتحريق أو تخريب أو هدم، فأموال المرتدين مِن قادةٍ وقُضاة وجنود في المتناول، ومَن يصدق الله يهيئ له الأسباب.

ومهما جرّب المجرّبون من طرق وسبل أخرى للنهوض بأمة الإسلام فلن يجدوا أقصر وأصوب من طريق الجهاد الذي سار عليه صلى الله عليه وسلم وصحابته والتابعون رضوان الله عليهم، فالجهاد الجهاد يا أمة الجهاد، والخلافة الخلافة يا أمة الإسلام فخر المسلمين وعزهم وغيظ الكافرين ورعبهم، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 336
الخميس 27 رمضان 1443 هـ
...المزيد

مؤسسة البتار - هدم الأسوار مؤسسة البتار الإعلامية المناصرة للدولة الإسلامية تقدم الإصدار ...

مؤسسة البتار - هدم الأسوار


مؤسسة البتار الإعلامية المناصرة للدولة الإسلامية تقدم
الإصدار المرئي: [ هدم الأسوار ]




لمشاهدة الإصدار قم بنسخ الرابط التالي وضعه في محرك البحث:
https://pomf2.lain.la/f/sdpqbayu.mp4


أو بالتواصل معنا على منصة التيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

صحيفة النبأ (530) - معضلة المشروع الكردي مؤسسة البتار المناصرة للدولة الإسلامية ...

صحيفة النبأ (530) - معضلة المشروع الكردي



مؤسسة البتار المناصرة للدولة الإسلامية تُقدّم:

قراءة لافتتاحية صحيفة النبأ للعدد 530
بعنوان: معضلة المشروع الكردي



للاستماع للقراءة الصوتية، انسخ الرابط التالي وضعه في محرك البحث:
https://files.fm/u/erduu9cafj


لطلب القراءة الصوتية أو ملف الصحيفة على منصة التيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

سبحان الله وبحمده12% قال نرسم وبيت مقدس ايام درع وحراسة test22newwinda.com

سبحان الله وبحمده12% قال نرسم وبيت مقدس ايام درع وحراسة
test22newwinda.com

ما قول جابر ف5 +14انكر اصوات لصوت حمير +عجمي/طير يقول تدفع10 مليار ندخل ف جهنم ...

ما قول جابر ف5 +14انكر اصوات لصوت حمير +عجمي/طير
يقول تدفع10 مليار ندخل ف جهنم
اذروايس لا نحدثك ونهجركم شرك مليا

مكتو ب بين عينيه كافر11 مومن64 كولني100% يقرؤها كل مشرك نجس

مكتو ب بين عينيه كافر11
مومن64 كولني100% يقرؤها كل مشرك نجس

يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
3 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً