ماذا لو تُرك الجهاد؟ لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من ...

ماذا لو تُرك الجهاد؟


لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من قبلنا، وما يشرع الله سبحانه وتعالى من شرائع إلا وفيها من الحكمة والخير ما فيها؛ وإن كان الناس يرون في ظاهرها وبوادرها ما تكره نفوسهم، وهي بلا شك خير لهم وأحسن عاقبة، وإن الجهاد شرع من العزيز الحكيم، شرعه لغايات حميدة، وحكم جليلة، وقد قدر الله تعالى سننا لا تتخلف ولا تحابي من نكص وترك هذه الفريضة وركن إلى الفانية الزائلة، فالذل والهوان والعذاب الأليم هذا ما ينتظر المتخلفين الناكصين، لعلهم يرجعون إلى شرع الله الحكيم.

ويصرُّ الناسُ في عصرنا على عدم الاعتراف بأن تتابع المصائب والبلايا التي تحلّ بهم هو بسبب ترك الجهاد ومفارقة سبيله، رغم عيشهم في تلك النكبات وتفاقمها وكثرة شكايتهم منها، إلا أنهم أُغرِقوا في غمراتها وأَغرقوا أنفسهم في دركاتها حتى استمكنت من قلوبهم فلا يرون سبيلا للخروج منها، وما ذاك إلا بسبب عذاب الله المضروب عليهم بتخلّفهم عن الجهاد لقوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وأيّ ألم أشد من أنْ ينشب المرء في حال سيئ يتجرعه ولا يكاد يخرج منه، وتذهب عليه دنياه وآخرته ويعيش يكدح لغيره ويشقى للفناء، حتى يكون همّه والبهائم سواء "مطعم ومشرب وشهوة"، بعد أنْ أكرمه الله بشريعة السماء لتسمو بها البشرية جمعاء.

وإنّ أعظم ما يتهدّد في حياة الناس بتعطيل الجهاد هو مقام التوحيد لله تعالى فتكثر الآلهة وتتعدد ويتعاظم الشرك ويتمدد! ويصير الطواغيت في عرف الناس أولياء أمر يُضحّى في سبيلهم، أو يُنظر إليهم أنهم آثار وأمجاد للسابقين وقدوات لللاحقين!، أو يألفُ الناس الشرك أو يعتقدون أن التحريم والتحليل من حقهم!، أو تصبح المزارات الشركية من الدين الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، أو يُنظر للملحدين الذين يُنكرون وجود الخالق سبحانه أنهم رموز تحرر!، فهذا الكفر بأنواعه وأشكاله المناقض للتوحيد يصبح شيئا طبيعيا بترك الجهاد ومن حق كل مشرك أن يدعو لشركه، وإنما شُرع الجهاد في سبيل الله لتُؤطر الخليقة كلها لعبادة خالقها وفاطرها جلّ جلاله.

وينتج عن ترك الجهاد أيضا أن يضيع في الناس الولاء والبراء، فيصبح عابد الطاغوت ومن يعبد الله سواء فيما لهم وعليهم، مع أن الله تعالى لم يساو بينهم بل قال سبحانه: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، ثم لن يتحقق التوحيد إلا بالبراءة ممن غضب الله عليهم؛ لأن الله لا يرضى بموالاة ومحبة ونصرة مَن حادّوه وعاندوه وأبوا شرعه، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وإنما شرع الجهاد ليظهر البراء من هؤلاء صيانة للتوحيد، فإنه متى ما اختلط الناس اختلط الكفر بالإيمان، ولذلك جاء النهي عن المُقام بين ظهراني المشركين؛ لأن أهل الحق لا يلتقون مع أهل الباطل في الدنيا ولا في الآخرة، وبترك الولاء والبراء يَحِق سخط الله وعذابه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}.

وبترك الجهاد لن يتميّز الفسطاطان الإيمان والكفر، وهو الأمر الذي لا بد منه؛ ليظهر الحق الذي لا نفاق فيه والباطل الذي لا إيمان فيه، ولتَحُقَ كلمة العذاب على الكافرين وتقوم الحجة الواضحة، وذلك لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، قال الله: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}، قال ابن كثير: "أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل، لقيام الحجة عليه، {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ} أي: يؤمن من آمن {عَنْ بَيِّنَةٍ} أي: حجة وبصيرة".

وما آلت الأمور إلى تحزّب فسطاط الكفر وتجمّعه في "خمس وثمانين دولة" لهدف واحد وهو حرب أهل الإيمان؛ إلا بالجهاد في سبيل الله، فقد أعلنوها رفضا لشرع الله خالقهم، وظنوا أنهم رادّون الخلافة وصادّون الناس عن سبيل الله، ولكن الله ناصر دينه {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، وآخر ذلك اجتماع دول "التحالف الدولي" الكفري في المغرب، كرسالة لتحويل المعركة إلى أرض إفريقية بعد أن اشتدت أغصان الخلافة فيها وبدأ يعلو بنيانها، فأنى لهم ذلك وهم يتسوّلون المال بعد كل الحروب الماضية التي خاضوها مع دولة الخلافة، ثمّ لم يجدوا بُدا من الإقرار بخطر الدولة الإسلامية في العراق والشام وخراسان، وأنها "تهديد لا يزال قائما"، فلن يزول التهديد لفسطاط الكفر ما أقيم الجهاد في سبيل الله وأسرجت خيول العزّ وتواصل التحريض في الإعلام والميدان.

ثم هل سيأتي حكم الشريعة إن تُرك الجهاد؟! أولسنا نرى الكثيرين يخضعون في حلّ قضاياهم وخصوماتهم لحكم الجاهلية وقوانين الكفر، وقد أُحْكِم الخِناق اليوم على الناس فوجدوا أنفسهم أمام هذه القوانين الجاهلية، وكل ذلك من الفتنة المترتبة على ترك الجهاد، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، ومن هنا يُعلم ضرورة الجهاد الذي زهّد فيه كثير من الناس وطعنوا في القائمين به، فهلا كفوا عن المجاهدين ألسنتهم! أو منعوا أبناءهم أن يكونوا جنودا للطاغوت!

وهناك أحكام تغيب لزاما إن تُرك الجهاد إذ لا تتحقق إلا به، كحكم الجزية صغارا على أهل الكتاب؛ جزاء استحبابهم الكفر والمُقام عليه، في حين يختلف الحال تماما بترك الجهاد فيصيرون "إخوة وطن" بل وحكّاما على بلاد المسلمين أو قضاة على رقاب الناس وأموالهم.

كما يغيب بترك الجهاد حدّ الردة، وكيف يكون والمرتدون هم أهل السطوة وحملة السلاح في البلاد، وهم الواجهة في الإعلام والصحف، وهم كتّاب المناهج؟! فهم بين علماني محارب للدين أو مستهزئ به أو ممجّدٍ للكافرين، ثم لا يجد تاركو الجهاد إلا أسلمة هؤلاء المرتدين ليسوّغوا القعود ويزيّنوه، وتقع الأمة ضحية لهؤلاء الناهشين لدينها وأخلاقها.

وكما ستغيب أحكام أخرى في الدين كالرق والهجرة لدار الإسلام وهيمنة الشريعة على بلاد المسلمين… وكلها لن تتأتّى إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، وهو جواب تساؤل البعض عن جدوى تعلم هذه الأحكام اليوم في ظلّ حكم الطواغيت المتسلطين على الديار.

ولقد ضلّ المزيّنون لترك الجهاد ضلالا بعيدا إذْ عطلوا أكبر الشرائع وأعظم الأحكام في دين الله ليعيش الناس على حالة التخدير والضعف والعجز، ثم البحث عن فقه التنازلات والتراجعات بحجة ضغط الواقع دون السعي إلى تغييره والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

في حين وفّق الله المجاهدين لمعرفة عظيم ثغرهم لحفظ شريعة الإسلام، وصحة طريقهم للوصول إلى تحكيمها فعرفوا ولزِموا؛ فقُدُما قُدُما يا أجناد الخلافة في الجهاد، أروا الله العبودية في الجهاد، وشرِّدوا بتحالف الكفر وأنصاره استهدافًا واستنزافًا في كل واد، والله ولي المتقين والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: الرضا بالقضاء الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن ...

مقال: الرضا بالقضاء


الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

إن الله كما يحب أن يُشكر على نعمه فإنه يحب أن يرضى العباد بقضائه، فالخير منه والشر قدر من أقداره ولحِكم أراده، وكُلٌ يُبتلى بما يكره فإن الجنة إنما حفت بالمكاره، وربما كان ذلك فقدانا لرفقاء كانوا للمرء أدنَونَ أدنَونَ منه لقلبه ونفسه، أو كان قدرا في ذات العبد أو ضيقا في العيش أو ذهاب محبوب أو غيرها من صنوف الأقدار المكتوبة على العبد، وليس للمسلم سوى التسليم والرضا بما قدّر عليه ربُّه وقضى.


• الابتلاء يكون بالخير والشر

وإن عموم البلاء للمؤمنين يكون بالخير وبالشر، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، قال ابن زيد: "نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر} يقول: "نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يقول: وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها". [تفسر الطبري]

فلا بد للمؤمن أن يوطّن نفسه على سنن الله تعالى، التي كتبها على العباد، وأول ما يكون ذلك بالتحلي بالصبر الجميل، ويجاهد نفسه على قبول الأقدار التي كتبها الله تعالى عليه، خيرها وشرها، وهذا من أركان الإيمان.


• الصبر الجميل بلا شكوى!

والصبر له أنواع كثيرة أعلاها ما حمل صاحبه على عدم الشكوى واحتواء اللسان والنفس عن القلق ما استطاع لذلك سبيلا، فهنيئا لمن رزقه الله صبرا جميلا، فتلقت نفسه الابتلاءات والمصائب بصدر رحب، ونفس راضية، فالصبر الجميل هو المانع لصاحبه من الشكوى لغير الله تعالى، ويرى صاحبه أن كل ما يصيبه منحة لا محنة، فتطيب نفسه وتسكن، قال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف : 86]، مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف : 18] قيل: "إن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا جزع فيه" [تفسير الطبري]، فالشكوى إلى اللّه لا تنافي الصبر الجميل، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللّهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى) [رواه الطبراني]، دعاء حمل كل أشكال التسليم والاستغاثة بالله تعالى، فهو المأمول سبحانه بأن يلهم العبد الصبر، وأن يحفظه من كل زلل ووزر، دوما عاقبة الصبر تكون خيرا للعباد في الأولى والآخرة.

وإن سخط العبد مما أصابه فقد جرّ على نفسه السخط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) [رواه الترمذي]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فمن رضي عن ربه رضي الله عنه بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده، رضا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه ورضا بعدَه هو ثمرة رضاه عنه ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين ومن أعظم أسباب حصول الرضا؛ أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد". [مدارج السالكين]


• الفرق بين الرضا والصبر

قال ابن رجب الحنبلي: "والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكفّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق" [جامع العلوم والحكم]، فمن استقبل قضاء الله تعالى بالرضا والتسليم، وإن كانت نفسه متألّمة من القضاء الذي وقعه به، فسيعوضه الله تعالى عوضا حسنا وجبالا من الحسنات، يوم لا ينفع مال ولا جاه، ومن المنازل ما لا يبلغه العبد إلا بتلك البلايا والصبر عليها.

وإذا علم العبد أنه لا محيد له عن قدر الله وأن لله في أقداره حِكَما عظيمة وأن الأمر كله لله ونحن عبيد له سبحانه هان عليه كل شيء، عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبُيّ بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي؟ فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك" [أحمد].

فما كتب عليك فلن يصيب غيرك وما كُتب على غيرك فلن يصيبك، فإن القدَرَ كائنٌ فيمن كُتب عليه وحده، وهذا هو الإيمان بالقدر.

خرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)، قال ابن رجب رحمه الله: "واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال، والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال الله عز وجل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].

قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: "أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر". [جامع العلوم والحكم]

وإن كان بعض القضاء فيمن يفقد أخاه أليما، فإنه في المفقود قد يكون خيرا كحال الشهداء في سبيل الله فإنهم أحياء كما قال الله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، وليسوا أحياء فقط بل هم فرحين سعداء {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وأعلى من هذا أنهم يريدون أن يبشروا إخوانهم في الدنيا أن يُقبلوا على القتل في سبيل الله والشهادة لما رأوه من عظيم النعيم، قال ربنا سبحانه: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 170 - 171]

وإذا علمنا هذا فيمن يُقتل في سبيل الله فذلك أدعى للرضى بقضاء الله، بل والشوق إلى الحصول على نفس العاقبة فإنها نِعْمَ الخاتمة، وذلك الرضى مطلوب في سائر الأحوال التي يتقلب فيها المؤمن، وتلك حقيقة الإيمان، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: الرضا بالقضاء الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن ...

مقال: الرضا بالقضاء


الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

إن الله كما يحب أن يُشكر على نعمه فإنه يحب أن يرضى العباد بقضائه، فالخير منه والشر قدر من أقداره ولحِكم أراده، وكُلٌ يُبتلى بما يكره فإن الجنة إنما حفت بالمكاره، وربما كان ذلك فقدانا لرفقاء كانوا للمرء أدنَونَ أدنَونَ منه لقلبه ونفسه، أو كان قدرا في ذات العبد أو ضيقا في العيش أو ذهاب محبوب أو غيرها من صنوف الأقدار المكتوبة على العبد، وليس للمسلم سوى التسليم والرضا بما قدّر عليه ربُّه وقضى.


• الابتلاء يكون بالخير والشر

وإن عموم البلاء للمؤمنين يكون بالخير وبالشر، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، قال ابن زيد: "نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر} يقول: "نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يقول: وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها". [تفسر الطبري]

فلا بد للمؤمن أن يوطّن نفسه على سنن الله تعالى، التي كتبها على العباد، وأول ما يكون ذلك بالتحلي بالصبر الجميل، ويجاهد نفسه على قبول الأقدار التي كتبها الله تعالى عليه، خيرها وشرها، وهذا من أركان الإيمان.


• الصبر الجميل بلا شكوى!

والصبر له أنواع كثيرة أعلاها ما حمل صاحبه على عدم الشكوى واحتواء اللسان والنفس عن القلق ما استطاع لذلك سبيلا، فهنيئا لمن رزقه الله صبرا جميلا، فتلقت نفسه الابتلاءات والمصائب بصدر رحب، ونفس راضية، فالصبر الجميل هو المانع لصاحبه من الشكوى لغير الله تعالى، ويرى صاحبه أن كل ما يصيبه منحة لا محنة، فتطيب نفسه وتسكن، قال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف : 86]، مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف : 18] قيل: "إن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا جزع فيه" [تفسير الطبري]، فالشكوى إلى اللّه لا تنافي الصبر الجميل، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللّهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى) [رواه الطبراني]، دعاء حمل كل أشكال التسليم والاستغاثة بالله تعالى، فهو المأمول سبحانه بأن يلهم العبد الصبر، وأن يحفظه من كل زلل ووزر، دوما عاقبة الصبر تكون خيرا للعباد في الأولى والآخرة.

وإن سخط العبد مما أصابه فقد جرّ على نفسه السخط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) [رواه الترمذي]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فمن رضي عن ربه رضي الله عنه بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده، رضا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه ورضا بعدَه هو ثمرة رضاه عنه ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين ومن أعظم أسباب حصول الرضا؛ أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد". [مدارج السالكين]


• الفرق بين الرضا والصبر

قال ابن رجب الحنبلي: "والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكفّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق" [جامع العلوم والحكم]، فمن استقبل قضاء الله تعالى بالرضا والتسليم، وإن كانت نفسه متألّمة من القضاء الذي وقعه به، فسيعوضه الله تعالى عوضا حسنا وجبالا من الحسنات، يوم لا ينفع مال ولا جاه، ومن المنازل ما لا يبلغه العبد إلا بتلك البلايا والصبر عليها.

وإذا علم العبد أنه لا محيد له عن قدر الله وأن لله في أقداره حِكَما عظيمة وأن الأمر كله لله ونحن عبيد له سبحانه هان عليه كل شيء، عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبُيّ بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي؟ فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك" [أحمد].

فما كتب عليك فلن يصيب غيرك وما كُتب على غيرك فلن يصيبك، فإن القدَرَ كائنٌ فيمن كُتب عليه وحده، وهذا هو الإيمان بالقدر.

خرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)، قال ابن رجب رحمه الله: "واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال، والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال الله عز وجل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].

قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: "أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر". [جامع العلوم والحكم]

وإن كان بعض القضاء فيمن يفقد أخاه أليما، فإنه في المفقود قد يكون خيرا كحال الشهداء في سبيل الله فإنهم أحياء كما قال الله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، وليسوا أحياء فقط بل هم فرحين سعداء {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وأعلى من هذا أنهم يريدون أن يبشروا إخوانهم في الدنيا أن يُقبلوا على القتل في سبيل الله والشهادة لما رأوه من عظيم النعيم، قال ربنا سبحانه: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 170 - 171]

وإذا علمنا هذا فيمن يُقتل في سبيل الله فذلك أدعى للرضى بقضاء الله، بل والشوق إلى الحصول على نفس العاقبة فإنها نِعْمَ الخاتمة، وذلك الرضى مطلوب في سائر الأحوال التي يتقلب فيها المؤمن، وتلك حقيقة الإيمان، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: الرحى دائرة! ليست كل أيام الجهاد فتح مكة! كلا، فلقد حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ...

مقال: الرحى دائرة!


ليست كل أيام الجهاد فتح مكة! كلا، فلقد حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في شعب أبي طالب حتى أكلوا أوراق الشجر! فيوم كبدر ويوم كأحد ويوم كشعب أبي طالب... إنها سُنّة الله تعالى التي كتبها على خلقه ولو استثنى الله منها أحدًا لاستثنى منها نبيَّه وصفيّه صلى الله عليه وسلم، وما يجري اليوم في أرض سيناء لا يخرج عن هذه السُنّة التي لا تتبدل ولا تتغير، ومع ذلك فلم تتوقف رحى الجهاد عن الدوران على اختلاف الأزمنة والأحوال ولن تتوقف لأنه وعد الله تعالى وقدره الغالب.

قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}، قال ابن كثير: "أي نديل عليكم الأعداء تارة -وإن كانت العاقبة لكم-، لما لنا في ذلك من الحكم"، ومن هذه الحكم: "ليتبين المؤمن من المنافق"، ومنها: "ليتخذ منكم شهداء لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل مِن وجود أسبابها".

في أعقاب معاهدة "كامب ديفيد" تم تقسيم سيناء إلى ثلاث مناطق إحداها منزوعة السلاح وهي المنطقة الحدودية مع دويلة اليهود، ثم ما لبثت أن سمحت دويلة اليهود للجيش المصري بإدخال آليات ومعدات عسكرية ثقيلة للتصدي لخطر الجهاد الذي تصاعد في سيناء، وقبل نحو "ستة أشهر فقط" أجرى الجانبان تعديلا آخر على الاتفاقية سمح بموجبه الجيش اليهودي لحليفه المصري "بزيادة عدد قوات حرس الحدود وإمكاناتها بالمنطقة الحدودية برفح"، وبعد أشهر قليلة من هذا التعديل بدأ انتشار الميليشيات المسلحة الموالية للجيش المصري في هذه المنطقة الحدودية بشكل كبير بعد أن حرمهم الجيش المصري دخولها طوال السنوات الماضية.

وكان من آخر فصول الحرب الدائرة في سيناء بين المجاهدين وتحالف اليهود والمرتدين؛ تسليح خونة القبائل الذين حنّوا لعصور المخدرات فزُجَّ بهم في مقدمة الحملات وباتوا يتلقون الضربات عن الجيش المصري الذي أنهكته الحرب لسنوات خلت، فتم نشرهم عبر الدروب الفرعية والمدقات لسد الثغرات وقطع الإمدادات عن المجاهدين، ترافق ذلك مع تكثيف الغارات اليهودية دعما لتحركات المرتدين على الأرض، وبعد سنوات من الحصار والقصف العنيف من الجيشين اليهودي والمصري؛ اضطر المجاهدون للانحياز نحو قرى أخرى يواصلون فيها جهادهم، وعندها انتفشت الميليشيات المرتدة التي تسلحت على أعين اليهود وبرضاهم، وأصبحت تدخل هذه القرى المدمّرة الفارغة وتعلن فيها انتصارات على بقايا العشش والخنادق! وبرغم خلو القرى من المجاهدين فإن المرتدين بالكاد استطاعوا دخولها خشية العبوات والألغام التي ما زالت تعصف بهم.

أما مصير هذه القرى التي خلت من الشريعة وأنصارها، فهي مقبلة على حقبة جاهلية تعود فيها المنطقة إلى سابق عهدها مرتعا للعصابات وتجار المخدرات ومسرحا لضباط وجواسيس الموساد، فلقد أبوا حكم الشريعة وعدلها وعدلوا عنها، فليجرِّبوا إذن حكم الطاغوت وليتجرّعوا غصصه كما حدث بأشياعهم من قبل، ولا يظلم ربك أحدا.

فخونة القبائل اليوم يعيشون حالة من الفوضى العارمة، فالأسلحة والآليات في كل مكان، وبعد انتهاء دورهم فهم بين أمرين لا ثالث لهما: أن يسحب الطاغوت منهم كل شيء فيعودوا صفرا كما كانوا من قبل، أو يُبقي بعض الامتيازات في أيدي بعضهم ويسحبها من أيدي آخرين، فيقتل بعضُهم بعضًا عليها! وعلى كلا الحالتين فثأر المجاهدين لن يخطئهم وفاتورة حسابهم تضاعفت، ولئن كان المجاهدون بالأمس يجتهدون بحثا عن عناصر هذه الميليشيات ورصدا لرؤوسهم، فإنهم اليوم لم يعودوا بحاجة إلى ذلك، فعناصر وقادة الميليشيات جاهروا بردتهم عبر الشاشات.

ومِن عجائب ما نسمعه اليوم أن بيادق الموساد وتجار المخدرات الذين بالكاد يستيقظون! يتهمون المجاهدين بـ "الخارجية!" ألا إنّ التاريخ شهد أنّ معظم الميليشيات التي زعمت قتال الدولة الإسلامية بدعوى "الخارجية" لم تقاتلها إلا في سبيل الطاغوت وتحت ظلاله! مِن لدن صحوات العراق والشام وليبيا وخراسان، وليس انتهاء بالميليشيات في سيناء.

إنّ خونة القبائل اليوم لا يقاتلون دفاعا عن أرضهم كما يزعمون، بل هم يقاتلون لصالح الجيش المرتد الذي دمّر منازلهم وهجّر قراهم وجرّف مزارعهم وارتكب عشرات المجازر بحقهم! إنها تركيبة الصحوات وقد خبرناها؛ خليط هجين من الخيانة والدياثة والمهانة! صورة لا يفسّرها إلا طبيعة العلاقة بين فرعون وأتباعه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}، قال ابن كثير: "استخف عقولهم، فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له".

فخونة القبائل يقاتلون في سبيل طاغوتهم "السيسيّ" الذي يقاتل دفاعا وتأمينا لحدود دويلة اليهود وتنفيذا لمخططات مخابراتهم، وحقّ أن يُطلق على هذه الميليشيات لقب (الميليشيات الموسادية) فهي رهن إشارتهم وآخر بيادقهم إن شاء الله تعالى.

وقد فرّق الله تعالى في كتابه بين حال هؤلاء المرتدين وحال عباده المؤمنين فقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}، واستخلص المفسّرون فائدة مهمة من هذه الآية أن "الجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت من شعب الكفر ومقتضياته".

وإن مما يسرُّ الخاطر ما يصلنا من أخبار المنقطعين في خنادق الإيمان والقتال، الذين أخذوا بالعزيمة على قلة عددهم وعُددهم واختاروا أن يقاتلوا حتى آخر رمق في معركة غير متكافئة يقاتلون جيوشا وحشودا من المرتدين، فيقتلون ويُقتلون ويرحلون لا يعرفهم أحد في تطبيق عملي للإخلاص لله تعالى قلَّ نظيره، يقاتلون تحت عينه سبحانه لا دافع لهم إلا الفوز بمرضاته، نسأله تعالى أن يعلي ذكرهم ويكبت عدوهم والشانئين.

وفي هذا المقام نتوجه بواجب التحريض الشرعي لأهل مصر، فنقول لهم ماذا تنتظرون؟ فلم تبقَ شعيرة من شعائر الإسلام إلا حاربها الطاغوت المصري وكان آخرها الصلاة فأغلق أبواب المساجد في ليالي رمضان كما لم يفعله طاغوت قبله! فماذا تخشون؟ أتخشون مِن الموت فهو بيد الله وحده {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا}، أم تخشون مِن الأسر فأنتم تؤسرون وتُعذبون بسبب وبغير سبب! أم تخشون على فوات الدنيا فماذا أبقى لكم الطاغوت منها؟! لقد آن لكم أن تتحركوا جهادا في سبيل الله تعالى ودفاعا عن عرى الإسلام التي نُقضت في بلادكم عروة عروة! بإعلان الجهاد ضد الطاغوت وجنوده وأوليائه ومؤيّديه فما أكثر الأهداف المشروعة في بلادكم، فبادروا قبل أن تجري عليكم سنة الاستبدال فهي لم تحابِ أحدا.

أما المجاهدون في سيناء فلقد صبروا برغم تتابع المحن وطول الحصار، حتى شحّ زادهم وما شحّ إيمانهم، ووهنت عظامهم وما وهن دينهم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من بقي يُعدّ العدة لمواصلة الطريق، ولئن ظنّ المرتدون واليهود أنهم قضوا على جذوة الجهاد في سيناء فإن ظنونهم ستخيب كما خابت ظنون الصليبيين من قبل، فهم كلما ضيقوا على المجاهدين في بقعة من الأرض فاجأهم المجاهدون في بقعة أخرى أخطر عليهم وأنكى بهم كما جرى مؤخرا في غرب سيناء، فرحى الجهاد ما زالت دائرة في أرض المناجاة وستبقى كذلك -بإذن الله- حتى يتيهوا فيها كما تاه أسلافهم من قبل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: الرحى دائرة! ليست كل أيام الجهاد فتح مكة! كلا، فلقد حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ...

مقال: الرحى دائرة!


ليست كل أيام الجهاد فتح مكة! كلا، فلقد حوصر النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في شعب أبي طالب حتى أكلوا أوراق الشجر! فيوم كبدر ويوم كأحد ويوم كشعب أبي طالب... إنها سُنّة الله تعالى التي كتبها على خلقه ولو استثنى الله منها أحدًا لاستثنى منها نبيَّه وصفيّه صلى الله عليه وسلم، وما يجري اليوم في أرض سيناء لا يخرج عن هذه السُنّة التي لا تتبدل ولا تتغير، ومع ذلك فلم تتوقف رحى الجهاد عن الدوران على اختلاف الأزمنة والأحوال ولن تتوقف لأنه وعد الله تعالى وقدره الغالب.

قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ}، قال ابن كثير: "أي نديل عليكم الأعداء تارة -وإن كانت العاقبة لكم-، لما لنا في ذلك من الحكم"، ومن هذه الحكم: "ليتبين المؤمن من المنافق"، ومنها: "ليتخذ منكم شهداء لأن الشهادة عند الله من أرفع المنازل، ولا سبيل لنيلها إلا بما يحصل مِن وجود أسبابها".

في أعقاب معاهدة "كامب ديفيد" تم تقسيم سيناء إلى ثلاث مناطق إحداها منزوعة السلاح وهي المنطقة الحدودية مع دويلة اليهود، ثم ما لبثت أن سمحت دويلة اليهود للجيش المصري بإدخال آليات ومعدات عسكرية ثقيلة للتصدي لخطر الجهاد الذي تصاعد في سيناء، وقبل نحو "ستة أشهر فقط" أجرى الجانبان تعديلا آخر على الاتفاقية سمح بموجبه الجيش اليهودي لحليفه المصري "بزيادة عدد قوات حرس الحدود وإمكاناتها بالمنطقة الحدودية برفح"، وبعد أشهر قليلة من هذا التعديل بدأ انتشار الميليشيات المسلحة الموالية للجيش المصري في هذه المنطقة الحدودية بشكل كبير بعد أن حرمهم الجيش المصري دخولها طوال السنوات الماضية.

وكان من آخر فصول الحرب الدائرة في سيناء بين المجاهدين وتحالف اليهود والمرتدين؛ تسليح خونة القبائل الذين حنّوا لعصور المخدرات فزُجَّ بهم في مقدمة الحملات وباتوا يتلقون الضربات عن الجيش المصري الذي أنهكته الحرب لسنوات خلت، فتم نشرهم عبر الدروب الفرعية والمدقات لسد الثغرات وقطع الإمدادات عن المجاهدين، ترافق ذلك مع تكثيف الغارات اليهودية دعما لتحركات المرتدين على الأرض، وبعد سنوات من الحصار والقصف العنيف من الجيشين اليهودي والمصري؛ اضطر المجاهدون للانحياز نحو قرى أخرى يواصلون فيها جهادهم، وعندها انتفشت الميليشيات المرتدة التي تسلحت على أعين اليهود وبرضاهم، وأصبحت تدخل هذه القرى المدمّرة الفارغة وتعلن فيها انتصارات على بقايا العشش والخنادق! وبرغم خلو القرى من المجاهدين فإن المرتدين بالكاد استطاعوا دخولها خشية العبوات والألغام التي ما زالت تعصف بهم.

أما مصير هذه القرى التي خلت من الشريعة وأنصارها، فهي مقبلة على حقبة جاهلية تعود فيها المنطقة إلى سابق عهدها مرتعا للعصابات وتجار المخدرات ومسرحا لضباط وجواسيس الموساد، فلقد أبوا حكم الشريعة وعدلها وعدلوا عنها، فليجرِّبوا إذن حكم الطاغوت وليتجرّعوا غصصه كما حدث بأشياعهم من قبل، ولا يظلم ربك أحدا.

فخونة القبائل اليوم يعيشون حالة من الفوضى العارمة، فالأسلحة والآليات في كل مكان، وبعد انتهاء دورهم فهم بين أمرين لا ثالث لهما: أن يسحب الطاغوت منهم كل شيء فيعودوا صفرا كما كانوا من قبل، أو يُبقي بعض الامتيازات في أيدي بعضهم ويسحبها من أيدي آخرين، فيقتل بعضُهم بعضًا عليها! وعلى كلا الحالتين فثأر المجاهدين لن يخطئهم وفاتورة حسابهم تضاعفت، ولئن كان المجاهدون بالأمس يجتهدون بحثا عن عناصر هذه الميليشيات ورصدا لرؤوسهم، فإنهم اليوم لم يعودوا بحاجة إلى ذلك، فعناصر وقادة الميليشيات جاهروا بردتهم عبر الشاشات.

ومِن عجائب ما نسمعه اليوم أن بيادق الموساد وتجار المخدرات الذين بالكاد يستيقظون! يتهمون المجاهدين بـ "الخارجية!" ألا إنّ التاريخ شهد أنّ معظم الميليشيات التي زعمت قتال الدولة الإسلامية بدعوى "الخارجية" لم تقاتلها إلا في سبيل الطاغوت وتحت ظلاله! مِن لدن صحوات العراق والشام وليبيا وخراسان، وليس انتهاء بالميليشيات في سيناء.

إنّ خونة القبائل اليوم لا يقاتلون دفاعا عن أرضهم كما يزعمون، بل هم يقاتلون لصالح الجيش المرتد الذي دمّر منازلهم وهجّر قراهم وجرّف مزارعهم وارتكب عشرات المجازر بحقهم! إنها تركيبة الصحوات وقد خبرناها؛ خليط هجين من الخيانة والدياثة والمهانة! صورة لا يفسّرها إلا طبيعة العلاقة بين فرعون وأتباعه: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ}، قال ابن كثير: "استخف عقولهم، فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له".

فخونة القبائل يقاتلون في سبيل طاغوتهم "السيسيّ" الذي يقاتل دفاعا وتأمينا لحدود دويلة اليهود وتنفيذا لمخططات مخابراتهم، وحقّ أن يُطلق على هذه الميليشيات لقب (الميليشيات الموسادية) فهي رهن إشارتهم وآخر بيادقهم إن شاء الله تعالى.

وقد فرّق الله تعالى في كتابه بين حال هؤلاء المرتدين وحال عباده المؤمنين فقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ}، واستخلص المفسّرون فائدة مهمة من هذه الآية أن "الجهاد في سبيل الله من آثار الإيمان ومقتضياته ولوازمه، كما أن القتال في سبيل الطاغوت من شعب الكفر ومقتضياته".

وإن مما يسرُّ الخاطر ما يصلنا من أخبار المنقطعين في خنادق الإيمان والقتال، الذين أخذوا بالعزيمة على قلة عددهم وعُددهم واختاروا أن يقاتلوا حتى آخر رمق في معركة غير متكافئة يقاتلون جيوشا وحشودا من المرتدين، فيقتلون ويُقتلون ويرحلون لا يعرفهم أحد في تطبيق عملي للإخلاص لله تعالى قلَّ نظيره، يقاتلون تحت عينه سبحانه لا دافع لهم إلا الفوز بمرضاته، نسأله تعالى أن يعلي ذكرهم ويكبت عدوهم والشانئين.

وفي هذا المقام نتوجه بواجب التحريض الشرعي لأهل مصر، فنقول لهم ماذا تنتظرون؟ فلم تبقَ شعيرة من شعائر الإسلام إلا حاربها الطاغوت المصري وكان آخرها الصلاة فأغلق أبواب المساجد في ليالي رمضان كما لم يفعله طاغوت قبله! فماذا تخشون؟ أتخشون مِن الموت فهو بيد الله وحده {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا}، أم تخشون مِن الأسر فأنتم تؤسرون وتُعذبون بسبب وبغير سبب! أم تخشون على فوات الدنيا فماذا أبقى لكم الطاغوت منها؟! لقد آن لكم أن تتحركوا جهادا في سبيل الله تعالى ودفاعا عن عرى الإسلام التي نُقضت في بلادكم عروة عروة! بإعلان الجهاد ضد الطاغوت وجنوده وأوليائه ومؤيّديه فما أكثر الأهداف المشروعة في بلادكم، فبادروا قبل أن تجري عليكم سنة الاستبدال فهي لم تحابِ أحدا.

أما المجاهدون في سيناء فلقد صبروا برغم تتابع المحن وطول الحصار، حتى شحّ زادهم وما شحّ إيمانهم، ووهنت عظامهم وما وهن دينهم، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من بقي يُعدّ العدة لمواصلة الطريق، ولئن ظنّ المرتدون واليهود أنهم قضوا على جذوة الجهاد في سيناء فإن ظنونهم ستخيب كما خابت ظنون الصليبيين من قبل، فهم كلما ضيقوا على المجاهدين في بقعة من الأرض فاجأهم المجاهدون في بقعة أخرى أخطر عليهم وأنكى بهم كما جرى مؤخرا في غرب سيناء، فرحى الجهاد ما زالت دائرة في أرض المناجاة وستبقى كذلك -بإذن الله- حتى يتيهوا فيها كما تاه أسلافهم من قبل، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: أيامنا بعد رمضان الحمد لله واهب النعم، مُزيل النِقم، والصلاة والسلام على نبينا محمد ...

مقال: أيامنا بعد رمضان


الحمد لله واهب النعم، مُزيل النِقم، والصلاة والسلام على نبينا محمد صاحب جوامع الكلم وعلى آله وصحبه أولي التُقى والقيم، وبعد.

فما إن غربت شمس رمضان إلا وقد كُتِب الناس فريقان، فائزون كان رمضان لهم أنيسا مرشدا، ومحرومون فاجأهم خروجه كما فاجأهم دخوله.

وأيام الناس بعد رمضان على أحوال، فمنهم من يعود أدراجه كما كان قبل رمضان! ومنهم من يكون في خيرية عظيمة بعد رمضان.

وما كان السلف رحمهم الله يركنون إلى ما عملوه في رمضان بل كانوا على وَجَل ألا يقبل الله منهم ويخشون أن يكونوا من المحرومين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا" [التفسير]. وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: "يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه" [لطائف المعارف]، وعن ابن مسعود رضي اللَّه عنه: أَنه كان يخرج في آخر ليلة من رمضان، فينادي: "من هذا الْمقبول الليلة فنهنيه، ومن هذا المحروم المردود الليلة فنعزيه، أَيها المقبول هنيئا، وأَيها المحروم المردود جبر الله مصِيبتك" [مختصر قيام الليل للمروزي]. وصارت تلك مصيبة لأن المحروم في رمضان أصابته دعوة جبريل ونبينا عليهما الصلاة والسلام بأن يرغم أنفه، ولأنه أبعد بعد رمضان من العمل الصالح والتوفيق له من رمضان" [لطائف المعارف]


• العامل بحسب عزمه لما بعد رمضان

وأولى الناس في الاستفادة مِن رمضان هم الذين عزموا على صلاح أحوالهم في رمضان وبعد رمضان، أما مَن عزم على العودة لمعاصيه فإنه من الخاسرين، قال الإمام ابن رجب رحمه الله: "فأما مقابلة نعمة التوفيق كصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده فهو من فعل من بدل نعمة الله كفرا، فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه عليه مردود وباب الرحمة في وجهه مسدود! قال كعب: من صام رمضان وهو يحدّث نفسه إذا أفطر من رمضان لم يعص الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدّث نفسه إذا أفطر عصى ربه فصيامه عليه مردود" [لطائف المعارف]

وأيام أهل الصلاح بعد رمضان طاعة وعبادة؛ إذْ كان رمضان محفّزا لهم وفترته ارتقاء في المنازل، وأما من قعد عن العبادة وهجر القرآن بعد رمضان فأولئك الذين لا يعرفون الله، قيل لبشر الحافي: إن قوما يتعبدون في رمضان ويجتهدون في الأعمال، فإذا انسلخ تركوا! قال: بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان". وخرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته: "أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا وقمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم"، وقال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ويدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم"، قال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: "اللهم سلِّمني إلى رمضان وسلِّم لي رمضان وتسلَّمه مني متقبلًا" [لطائف المعارف]


• السلف بعد رمضان

وإن حقيقة العيد عند أسلافنا من الأئمة رحمهم الله تدل على حسن الفقه لأيام العبادة بعد رمضان، قال أبو منصور الشيرازي في مجلسه بالْحرم الْمقدس يوم العيد: "ليس العِيد لمن غُرِفَ له إنما العيد لمن غُفِرَ له"، ويقول ابن رجب: "ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب، إنما العيد لمن غفرت له الذنوب، في ليلة العيد تفرّق خلق العتق والمغفرة على العبيد؛ فمن ناله منها شيء فله عيد، وإلا فهو مطرود بعيد" [لطائف المعارف]، وعن مفضل بن لاحق أبي بشر، قال: سمعت عدي بن أرطاة، يخطب بعد انقضاء شهر رمضان فيقول: "كأن كبدا لم تظمأ، وكأن عينا لم تسهر، فقد ذهب الظمأ وأبقي الأجر، فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنئه، ومن المردود منا فنعزيه؟ فأما أنت أيها المقبول فهنيئا هنيئا، وأما أنت أيها المردود فجبر الله مصيبتك. قال: ثم يبكي ويبكي. [الصيام للفريابي]

يقول ابن الجوزي: "ليس العيد ثوبًا يجر الخيلاء جره، ولا تناول مطعم بكف شره لا يؤمن شرّه، إنما العيد لبس توبة عاص تائب يسر بقدوم قلب غائب" [التبصرة]، وقال الحسن البصري: "إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون" [لطائف المعارف]، ودخل رجل على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه يوم عيد الفطر، فوجده يتناول خبزًا فيه خشونة، فقال: يا أمير المؤمنين، يوم عيد وخبز خشن! فقال عليّ: اليوم عيد مَن قُبِلَ صيامه وقيامه، عيد من غفر ذنبه وشكر سعيه وقبل عمله".

• من علامات القبول

فكن أخي المسلم في الأعمال الصالحة عاملا يرجو الجنة ويعمل دهره كله لمرضاة ربه سبحانه، ولا يتوقف العبد الصالح عن العمل بعد رمضان بل يزداد فيه أملا أن يتقبل الله منه ما عمله في رمضان وأن تكون تلك سجيته ودأبه، عن محمد بن يزيد قال: رأيت وهيب بن الورد صلى ذات يوم العيد، فلما انصرف الناس جعلوا يمرون به، فنظر إليهم ثم زفر ثم قال: لئن كان هؤلاء القوم أصبحوا مستيقنين أنه قد تُقُبِّل منهم شهرهم هذا لكان ينبغي لهم أن يكونوا مشاغيل بأداء الشكر عما هم فيه، وإن كانت الأخرى لقد كان ينبغي لهم أن يصبحوا أشغل وأشغل". [صفة الصفوة]

وقال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، والحسنة تقول أختي أختي، فاجعل للحسنات تتابعا وللخيرات استمرارا، فإنها علامة القبول إن شاء الله.

ومن ذلك صيام الست من شوال، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر). [مسلم]

اللهم تقبل من الصائمين صيامهم ومن القائمين قيامهم ومن المجاهدين جهادهم، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 337
الخميس 4 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: أيامنا بعد رمضان الحمد لله واهب النعم، مُزيل النِقم، والصلاة والسلام على نبينا محمد ...

مقال: أيامنا بعد رمضان


الحمد لله واهب النعم، مُزيل النِقم، والصلاة والسلام على نبينا محمد صاحب جوامع الكلم وعلى آله وصحبه أولي التُقى والقيم، وبعد.

فما إن غربت شمس رمضان إلا وقد كُتِب الناس فريقان، فائزون كان رمضان لهم أنيسا مرشدا، ومحرومون فاجأهم خروجه كما فاجأهم دخوله.

وأيام الناس بعد رمضان على أحوال، فمنهم من يعود أدراجه كما كان قبل رمضان! ومنهم من يكون في خيرية عظيمة بعد رمضان.

وما كان السلف رحمهم الله يركنون إلى ما عملوه في رمضان بل كانوا على وَجَل ألا يقبل الله منهم ويخشون أن يكونوا من المحرومين، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]، قال ابن كثير رحمه الله: "أي: هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وجلون من مكره بهم، كما قال الحسن البصري: إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا" [التفسير]. وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: "يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه ومن هذا المحروم فنعزيه" [لطائف المعارف]، وعن ابن مسعود رضي اللَّه عنه: أَنه كان يخرج في آخر ليلة من رمضان، فينادي: "من هذا الْمقبول الليلة فنهنيه، ومن هذا المحروم المردود الليلة فنعزيه، أَيها المقبول هنيئا، وأَيها المحروم المردود جبر الله مصِيبتك" [مختصر قيام الليل للمروزي]. وصارت تلك مصيبة لأن المحروم في رمضان أصابته دعوة جبريل ونبينا عليهما الصلاة والسلام بأن يرغم أنفه، ولأنه أبعد بعد رمضان من العمل الصالح والتوفيق له من رمضان" [لطائف المعارف]


• العامل بحسب عزمه لما بعد رمضان

وأولى الناس في الاستفادة مِن رمضان هم الذين عزموا على صلاح أحوالهم في رمضان وبعد رمضان، أما مَن عزم على العودة لمعاصيه فإنه من الخاسرين، قال الإمام ابن رجب رحمه الله: "فأما مقابلة نعمة التوفيق كصيام شهر رمضان بارتكاب المعاصي بعده فهو من فعل من بدل نعمة الله كفرا، فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة المعاصي بعد انقضاء الصيام فصيامه عليه مردود وباب الرحمة في وجهه مسدود! قال كعب: من صام رمضان وهو يحدّث نفسه إذا أفطر من رمضان لم يعص الله دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدّث نفسه إذا أفطر عصى ربه فصيامه عليه مردود" [لطائف المعارف]

وأيام أهل الصلاح بعد رمضان طاعة وعبادة؛ إذْ كان رمضان محفّزا لهم وفترته ارتقاء في المنازل، وأما من قعد عن العبادة وهجر القرآن بعد رمضان فأولئك الذين لا يعرفون الله، قيل لبشر الحافي: إن قوما يتعبدون في رمضان ويجتهدون في الأعمال، فإذا انسلخ تركوا! قال: بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان". وخرج عمر بن عبد العزيز رحمه الله في يوم عيد فطر فقال في خطبته: "أيها الناس إنكم صمتم لله ثلاثين يومًا وقمتم ثلاثين ليلة وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبل منكم"، وقال معلى بن الفضل: كانوا يدعون الله تعالى ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ويدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم"، قال يحيى بن أبي كثير كان من دعائهم: "اللهم سلِّمني إلى رمضان وسلِّم لي رمضان وتسلَّمه مني متقبلًا" [لطائف المعارف]


• السلف بعد رمضان

وإن حقيقة العيد عند أسلافنا من الأئمة رحمهم الله تدل على حسن الفقه لأيام العبادة بعد رمضان، قال أبو منصور الشيرازي في مجلسه بالْحرم الْمقدس يوم العيد: "ليس العِيد لمن غُرِفَ له إنما العيد لمن غُفِرَ له"، ويقول ابن رجب: "ليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعاته تزيد، ليس العيد لمن تجمل باللباس والركوب، إنما العيد لمن غفرت له الذنوب، في ليلة العيد تفرّق خلق العتق والمغفرة على العبيد؛ فمن ناله منها شيء فله عيد، وإلا فهو مطرود بعيد" [لطائف المعارف]، وعن مفضل بن لاحق أبي بشر، قال: سمعت عدي بن أرطاة، يخطب بعد انقضاء شهر رمضان فيقول: "كأن كبدا لم تظمأ، وكأن عينا لم تسهر، فقد ذهب الظمأ وأبقي الأجر، فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنئه، ومن المردود منا فنعزيه؟ فأما أنت أيها المقبول فهنيئا هنيئا، وأما أنت أيها المردود فجبر الله مصيبتك. قال: ثم يبكي ويبكي. [الصيام للفريابي]

يقول ابن الجوزي: "ليس العيد ثوبًا يجر الخيلاء جره، ولا تناول مطعم بكف شره لا يؤمن شرّه، إنما العيد لبس توبة عاص تائب يسر بقدوم قلب غائب" [التبصرة]، وقال الحسن البصري: "إن الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته فسبق قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا فالعجب من اللاعب الضاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون" [لطائف المعارف]، ودخل رجل على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه يوم عيد الفطر، فوجده يتناول خبزًا فيه خشونة، فقال: يا أمير المؤمنين، يوم عيد وخبز خشن! فقال عليّ: اليوم عيد مَن قُبِلَ صيامه وقيامه، عيد من غفر ذنبه وشكر سعيه وقبل عمله".

• من علامات القبول

فكن أخي المسلم في الأعمال الصالحة عاملا يرجو الجنة ويعمل دهره كله لمرضاة ربه سبحانه، ولا يتوقف العبد الصالح عن العمل بعد رمضان بل يزداد فيه أملا أن يتقبل الله منه ما عمله في رمضان وأن تكون تلك سجيته ودأبه، عن محمد بن يزيد قال: رأيت وهيب بن الورد صلى ذات يوم العيد، فلما انصرف الناس جعلوا يمرون به، فنظر إليهم ثم زفر ثم قال: لئن كان هؤلاء القوم أصبحوا مستيقنين أنه قد تُقُبِّل منهم شهرهم هذا لكان ينبغي لهم أن يكونوا مشاغيل بأداء الشكر عما هم فيه، وإن كانت الأخرى لقد كان ينبغي لهم أن يصبحوا أشغل وأشغل". [صفة الصفوة]

وقال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، ومن جزاء السيئة السيئة بعدها، والحسنة تقول أختي أختي، فاجعل للحسنات تتابعا وللخيرات استمرارا، فإنها علامة القبول إن شاء الله.

ومن ذلك صيام الست من شوال، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر). [مسلم]

اللهم تقبل من الصائمين صيامهم ومن القائمين قيامهم ومن المجاهدين جهادهم، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 337
الخميس 4 شوال 1443 هـ
...المزيد

ثم جاء فارس ليتربع عل العرش -ملك -اومن ربما صورة Press New game

ثم جاء فارس ليتربع عل العرش -ملك -اومن


ربما صورة
Press New game

مقال: فلتفرحوا بفضل الله ورحمته ودَّ الشيطان أنْ لو كان الناس كلهم معه في نار جهنم، وودَّ ...

مقال: فلتفرحوا بفضل الله ورحمته


ودَّ الشيطان أنْ لو كان الناس كلهم معه في نار جهنم، وودَّ الكفار أنْ لو كان كل الناس مثلهم في الكفر والضلال والفجور، كما قاله العليم الحكيم: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]

فتلك أمنية أعداء الإسلام لأهل الإسلام، ولكنهم لم يكونوا ليقفوا عند هذا الحد فحسب، بل قاتلوا واتخذوا القوة لإدخال الناس في الكفر وإخراج المسلمين من دينهم، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]

ويصطفي الله ويجتبي للهداية إلى طريقه وصراطه المستقيم مَن شاء مِن عباده، الذين استمسكوا بدينهم وعضوا عليه بالنواجذ، وكانوا فقار الظهر لأمة الإسلام، علموا أنهم لو مالوا أو انكسروا لما بقي لأمتهم منقذ بعد الله تعالى، فهم للإسلام عاشوا ولتحكيمه ماتوا، وهم الذين عزّوا فما كانوا للشياطين ولا للكافرين أولياء، بل عادوهم وكفروا بهم وجاهروا لهم بالبغضاء، وجاهدوهم جهادا، وقاتلوهم لسانا وسنانا.

إن فضل الله تعالى على الدولة الإسلامية بالهداية إلى الطريق القويم لهو الفضل الذي لا يساويه فضل، ويظهر هذا الفضل إذا نظرنا لكثرة الحُسّاد والأعداء والناقمين وأي شيء ينقمون؟!

إن الدولة الإسلامية اتخذت الخلافة على منهاج النبوة مشروعا واضحا من أول يوم لها، وإنْ لم يرض عنها طواغيت اليوم وجَهِدَ أسلافُهُم لمنعِ عودةِ الخلافة بكل ما استطاعوا، كما اتخذت دولة الإسلام الجهاد في سبيل الله طريقا لإقامة هذه الخلافة والحفاظ عليها إذْ لا سواه يتحقق به إقامة الدين كاملا، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، وما وجدنا في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم دربا يوصل ليكون الدين كله لله إلا الجهاد.. إلا {وَقَاتِلُوهُمْ}، ولم نجد طريقا يردع الكافرين ويكفّ أذاهم عن المسلمين وحرماتهم إلا الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} [النساء: 75]، بل وجدنا في كتاب الله تعالى أنه سبحانه يَعيب على المسلمين أنْ يخشوا أعداءهم، فقال تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: 13].

وهؤلاء الكفار والمنافقون لا ينقمون من الدولة الإسلامية شيئا سوى تحكيم شرع الله تعالى، وإلا فأين صحوات العار وأحزاب الشنار وجماعات الضرار عن الحكم بشرع الله بعدما شاء الله أن ينحاز جنود الخلافة من المدن في الشام والعراق وليبيا وخراسان؟

ما الذي حلّ بدلا مِن حكم الشريعة؟! أليست أحكام الكفر والجاهلية؟! ألم يقل قادة الدولة الإسلامية إنّ الصحوات لا يقاتلوننا إلا لهذا الأمر! ولو قدّر الله ذهاب حكم الدولة الإسلامية فلن تروا شرع الله يحكم؟ ولقد وقع ما حذّره قادة وأمراء دولة الإسلام.

والمتأمل يجد أنّ غياب حكم الشريعة بانحياز الدولة الإسلامية ثم مجيء حكم الصحوات والجماعات والأحزاب؛ كان أعظم حجة أقيمت على العباد -لو كانوا يعقلون-، ليعلموا حقيقة حرب أولئك المرتدين وقتالهم لدولة الإسلام وهدف تلك التحالفات والتجمعات والتكتلات التي تآمرت على المجاهدين.

لقد كانت دولة الإسلام حلما ولكنها اليوم باتت قدرا مقدورا وواقعا موجودا بفضل الله تعالى، ولقد ظنَّت أكثر الجماعات والتنظيمات أن الخلافة دعاوى وشعارات وألقاب من نادى بها توّجهُ الناس تاجها وفتحوا له البلاد والأسماع، لكن الأمر ليس كما يظنون بل هو الذي جرى للمرسلين -عليهم السلام-، قال تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [غافر: 5]، فلا يقوم بخلافة النبوة إذًا إلا من شاء الله أن يتفضل عليه ليصبر على تكاليفها وأعبائها.

إنّ فضل الهداية إلى صراط الله هو الذي لا يقدرون عليه، ولا هم يقدرون أن يمنعوا فضل الله بحسدهم ولا بمكرهم ولا باتخاذهم القوة، قال تعالى: {لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 29]

وذاكم الفضل الذي به يكون الفرح كما قال سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] قال المفسرون: "فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها"، فالفضل بالقرآن وتطبيق أحكام القرآن وسلوك طريق القرآن في حياة الناس، وتلبية نداءات القرآن بالجهاد في سبيل الله تعالى وتوحيده -سبحانه- وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، فهذا هو الفضل الذي حريٌ أنْ يفرح به مَن آتاه الله تعالى إيّاه.

فطيبوا يا أجناد الخلافة نفسا ولتفرحوا بما آتاكم الله من الفضل والنعمة، فأنتم للمسلمين فخر، وعلى الكافرين لظى ونار، وأنتم حُماة العرض ومن يُعيد للمسلمين عزّهم وديارهم، فالأعناق إليكم مشرئبة والوفود ستأتيكم راغبة وراهبة -بإذن الله تعالى- ما استمسكتم بهذا الدين العظيم، فتمسّكوا بهذا الغرز ما حييتم وموتوا عليه كيف شئتم، والله مولاكم نعم المولى ونعم النصير.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 337
الخميس 4 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: فلتفرحوا بفضل الله ورحمته ودَّ الشيطان أنْ لو كان الناس كلهم معه في نار جهنم، وودَّ ...

مقال: فلتفرحوا بفضل الله ورحمته


ودَّ الشيطان أنْ لو كان الناس كلهم معه في نار جهنم، وودَّ الكفار أنْ لو كان كل الناس مثلهم في الكفر والضلال والفجور، كما قاله العليم الحكيم: {وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: 109]

فتلك أمنية أعداء الإسلام لأهل الإسلام، ولكنهم لم يكونوا ليقفوا عند هذا الحد فحسب، بل قاتلوا واتخذوا القوة لإدخال الناس في الكفر وإخراج المسلمين من دينهم، قال تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217]

ويصطفي الله ويجتبي للهداية إلى طريقه وصراطه المستقيم مَن شاء مِن عباده، الذين استمسكوا بدينهم وعضوا عليه بالنواجذ، وكانوا فقار الظهر لأمة الإسلام، علموا أنهم لو مالوا أو انكسروا لما بقي لأمتهم منقذ بعد الله تعالى، فهم للإسلام عاشوا ولتحكيمه ماتوا، وهم الذين عزّوا فما كانوا للشياطين ولا للكافرين أولياء، بل عادوهم وكفروا بهم وجاهروا لهم بالبغضاء، وجاهدوهم جهادا، وقاتلوهم لسانا وسنانا.

إن فضل الله تعالى على الدولة الإسلامية بالهداية إلى الطريق القويم لهو الفضل الذي لا يساويه فضل، ويظهر هذا الفضل إذا نظرنا لكثرة الحُسّاد والأعداء والناقمين وأي شيء ينقمون؟!

إن الدولة الإسلامية اتخذت الخلافة على منهاج النبوة مشروعا واضحا من أول يوم لها، وإنْ لم يرض عنها طواغيت اليوم وجَهِدَ أسلافُهُم لمنعِ عودةِ الخلافة بكل ما استطاعوا، كما اتخذت دولة الإسلام الجهاد في سبيل الله طريقا لإقامة هذه الخلافة والحفاظ عليها إذْ لا سواه يتحقق به إقامة الدين كاملا، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، وما وجدنا في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم دربا يوصل ليكون الدين كله لله إلا الجهاد.. إلا {وَقَاتِلُوهُمْ}، ولم نجد طريقا يردع الكافرين ويكفّ أذاهم عن المسلمين وحرماتهم إلا الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} [النساء: 75]، بل وجدنا في كتاب الله تعالى أنه سبحانه يَعيب على المسلمين أنْ يخشوا أعداءهم، فقال تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [التوبة: 13].

وهؤلاء الكفار والمنافقون لا ينقمون من الدولة الإسلامية شيئا سوى تحكيم شرع الله تعالى، وإلا فأين صحوات العار وأحزاب الشنار وجماعات الضرار عن الحكم بشرع الله بعدما شاء الله أن ينحاز جنود الخلافة من المدن في الشام والعراق وليبيا وخراسان؟

ما الذي حلّ بدلا مِن حكم الشريعة؟! أليست أحكام الكفر والجاهلية؟! ألم يقل قادة الدولة الإسلامية إنّ الصحوات لا يقاتلوننا إلا لهذا الأمر! ولو قدّر الله ذهاب حكم الدولة الإسلامية فلن تروا شرع الله يحكم؟ ولقد وقع ما حذّره قادة وأمراء دولة الإسلام.

والمتأمل يجد أنّ غياب حكم الشريعة بانحياز الدولة الإسلامية ثم مجيء حكم الصحوات والجماعات والأحزاب؛ كان أعظم حجة أقيمت على العباد -لو كانوا يعقلون-، ليعلموا حقيقة حرب أولئك المرتدين وقتالهم لدولة الإسلام وهدف تلك التحالفات والتجمعات والتكتلات التي تآمرت على المجاهدين.

لقد كانت دولة الإسلام حلما ولكنها اليوم باتت قدرا مقدورا وواقعا موجودا بفضل الله تعالى، ولقد ظنَّت أكثر الجماعات والتنظيمات أن الخلافة دعاوى وشعارات وألقاب من نادى بها توّجهُ الناس تاجها وفتحوا له البلاد والأسماع، لكن الأمر ليس كما يظنون بل هو الذي جرى للمرسلين -عليهم السلام-، قال تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [غافر: 5]، فلا يقوم بخلافة النبوة إذًا إلا من شاء الله أن يتفضل عليه ليصبر على تكاليفها وأعبائها.

إنّ فضل الهداية إلى صراط الله هو الذي لا يقدرون عليه، ولا هم يقدرون أن يمنعوا فضل الله بحسدهم ولا بمكرهم ولا باتخاذهم القوة، قال تعالى: {لِّئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد: 29]

وذاكم الفضل الذي به يكون الفرح كما قال سبحانه: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58] قال المفسرون: "فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها"، فالفضل بالقرآن وتطبيق أحكام القرآن وسلوك طريق القرآن في حياة الناس، وتلبية نداءات القرآن بالجهاد في سبيل الله تعالى وتوحيده -سبحانه- وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، فهذا هو الفضل الذي حريٌ أنْ يفرح به مَن آتاه الله تعالى إيّاه.

فطيبوا يا أجناد الخلافة نفسا ولتفرحوا بما آتاكم الله من الفضل والنعمة، فأنتم للمسلمين فخر، وعلى الكافرين لظى ونار، وأنتم حُماة العرض ومن يُعيد للمسلمين عزّهم وديارهم، فالأعناق إليكم مشرئبة والوفود ستأتيكم راغبة وراهبة -بإذن الله تعالى- ما استمسكتم بهذا الدين العظيم، فتمسّكوا بهذا الغرز ما حييتم وموتوا عليه كيف شئتم، والله مولاكم نعم المولى ونعم النصير.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 337
الخميس 4 شوال 1443 هـ
...المزيد

مقال: سلفنا في رمضان (3) الخشوع الحمد لله الذي لا تفارق ذكره قلوب الخاشعين، والصلاة والسلام ...

مقال: سلفنا في رمضان (3) الخشوع


الحمد لله الذي لا تفارق ذكره قلوب الخاشعين، والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام العابدين، وعلى آله وصحبه الأوّابين الطاهرين، وبعد.

فما شيء أرقى درجة أن يحوزه المرء في رمضان من الخشوع لله تعالى، وإدراكه معاني العبودية وشعوره بعظمة ربه سبحانه وكبريائه، وغوصه في معاني القرآن التي تُجلّي جلالة هذا الكتاب الذي لو أُنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله.

وتلك أعظم ثمار رمضان، التي يجدها أهل القنوت وطول الصلاة، الراكعون الساجدون المبتهلون المتبتلون.

ولا شك أن من يدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم رمضان، قد عملوا فيه بكل ما أطاقوه مما لا يستطيعه محبو الراحة والتسليات، حتى رأى أولئك أعمالهم في رمضان كنزا عظيما لو لم يتقبله الله لخسروا خسرانا مبينا، قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون 60 - 61]

فحتّامَ يقسو القلب وتخنقه الأقفال؟ وحتّامَ تجفّ العين؟ وإلى متى لا يتدبر القارئ كتاب ربه؟ يمر رمضان ورمضان وتمر الآيات على القلوب وكأنّ عليها الران والأكنّة، آيات بينات وأمثال واضحات، ووعيد وقوارع تهز الجبال، وترغيب في الجنة لا يقعد بعده عن التشمير إلا محروم أو جبان، أما من خشع قلبه فقد تاب وأناب وعقد العزم على ألا يُرضي إلا الله وألا يخاف إلا من الله.


• الخشوع تجديد للإيمان

ومن المعلوم أن العبادات هي قرة أعين المحبين، فنالت قلوبهم ثمرة ذلك من الخشوع والطمأنينة والأنس بالله تعالى، فالخشوع متى حضر حرك مكنونات النفس من الإنابة والتفكر، ومن حُرم الخشوع ابتُلي بثقل العبادات وقعودِ الجوارح عن الطاعات، وتفتّح القلب للصوارف والشواغل، فلا بد للعبد مِن تعاهد قلبه حتى لا يبلى إيمانه.

وأخشع الناس قلوبا هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: {...وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]، وقال الله في زكريا وآله عليهم السلام: {وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]، وعن عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: "(اقرأ علي)، قلت: يا رسول الله آقرأ عليك وعليك أُنزل، قال: (نعم) فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا} قال: (حسبك الآن)، فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان". [متفق عليه].

وأثنى الله على أهل العلم الخاشعين فقال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109]، وذلك لأن الغاية من العلم الخشية كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].


• من معاني الخشوع

قال ابن تيمية رحمه الله: "والخشوع يتضمن معنيين: أحدهما: التواضع والذل، والثاني: السكون والطمأنينة، وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة، فخشوع القلب يتضمن عبوديته للّه وطمأنينته أيضا؛ ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمن هذا، وهذا؛ التواضع والسكون، وعن ابن عباس في قوله: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون : 2] قال: مخبتون أذلاء، وعن الحسن وقتادة: خائفون، وعن مقاتل: متواضعون، وعن علِيّ: الخشوع في القلب وأن تلِين للمرء المسلم كنفك، ولا تلتفت يمينا ولا شمالا، وقال مجاهد: غَضُّ البصر وخَفْض الْجناَح، وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة يهاب الرحمن أن يشد بصره، أو أن يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا، وعن عمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود، ولكنه السكون وحب حسن الهيئة في الصلاة، وعن ابن سِيرِين وغيره: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء، وينظرون يميناً وشمالاً حتى نزلت هذه: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ} الآية [المؤمنون : 1-2] فجعلوا بعد ذلك أبصارهم حيث يسجدون، وما رؤي أحد منهم بعد ذلك ينظر إلا إلى الأرض، وعن عطاء: هو ألا تعبث بشيء من جسدك وأنت في الصلاة. وأبصر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال: (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه). [مجموع الفتاوى]

ومما يعين على الخشوع في قيام رمضان أن تُحرّك القلوب بالآيات مع الوقوف على المواضع التي فيها العجائب؛ لينتبه القارئ والسامع، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا تهذوا القرآن كهذِّ الشعر! ولا تنثروه نثر الدقل! وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب" [مصنف ابن أبي شيبة].


• الخشوع في الصلاة

وإن خشوع القلب يظهر على الجوارح، قال ابن القيم رحمه الله: "وأَجمع العارفون على أن الخشوع محلُه القلب، وثمرته على الجوارح، وهي تُظهره" [منازل السائرين].

والخشوع في الصلاة هو رُوحها، قال ابن القيم رحمه الله: "سرُّ الصلاة وروحها ولبُّها، هو إقبال العبد على الله بكليّته فيها، فكما أنه لا ينبغي أن يصرف وجهه عن القبلة إلى غيرها فيها، فكذلك لا ينبغي له أن يصرف قلبه عن ربِّه إلى غيره فيها، بل يجعل الكعبة التي هي بيت الله، قبلة وجهه وبدنه، ورب البيت -تبارك وتعالى- قبلة قلبه وروحه، وعلى حسب إقبال العبد على الله في صلاته، يكون إقبال الله عليه، وإذا أعرضَ أعرض الله عنه، كما تدين تُدان، والإقبال في الصلاة على ثلاثة منازل: إقبال العبد على قلبه فيحفظه ويصلحه من أمراض الشهوات والوساوس والخطرات المُبطلة لثواب صلاته أو المنقصة لها، وإقباله على الله بمراقبته فيها حتى يعبده كأنه يراه، وإقباله على معاني كلام الله وتفاصيله، وعبودية الصلاة ليعطيها حقها من الخشوع والطمأنينة وغير ذلك، فباستكمال هذه المراتب الثلاث يكون قد أقام الصلاة حقًا، ويكون إقبال الله على المصلي بحسب ذلك" [أسرار الصلاة]


• السلف والخشوع في الصلاة

أما أحوال السلف في الخشوع في الصلاة فهذه بعض أخبارهم، فقد كان العنبس بن عقبة رحمه الله يسجد حتى تقع العصافير على ظهره فكأنه جذم حائط. [الزهد للإمام أحمد]

وقال ابن وهب: "رأيت الثوري في المسجد الحرام بعد المغرب صلى ثم سجد سجدة فلم يرفع رأسه حتى نودي بصلاة العشاء" [حلية الأولياء]، وأخبر أبو بكر بن عياش رحمه الله عن حبيب بن أبي ثابت رحمه الله يقول عنه: "فلو رأيته قلت ميت، -يعني من طول السجود-" [سير أعلام النبلاء]، وكان الإمام البخاري رحمه الله يصلي ذات ليلة، فلسعه الزنبور سبع عشرة مرة، فلما قضى الصلاة قال: "انظروا كم آذاني" [فتح الباري]

وفقدان الخشوع في الناس بداية ذهاب الدين، قال حذيفة رضي الله عنه: "أول ما تفقدون من دينكم الخشوع وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة" [حلية الأولياء]، وقال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.

ولقد عاتب الله تعالى خير القرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخشع قلوبهم ولا تقسو، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد : 16]، قال ابن كثير رحمه الله: "يقول الله تعالى: أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي: تلين عند الذكر والموعظة وسماع القرآن، فتفهمه وتنقادُ له وتسمع له وتطيعه... عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} إلا أربع سنين" [التفسير]، أي أن ذلك نزل في ابتداء الإسلام يحذرهم الله صنيع أهل الكتاب الذين قست قلوبهم بعدما طالت عليهم المدة، فكيف بحالنا اليوم في عصر القسوة؟!

ومن الدعاء النافع ما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" [مسلم]، فمن حرص على هذا الدعاء فحري أن يرزقه الله قلبا خاشعا. ومن خشع قلبه لمولاه وأدرك عظيم شأن ربه سبحانه وعظيم كلامه وأحكامه علم أنه لو بذل في سبيل ذلك نفسه ودمه وماله لكان يسيرا، وأن دين الله يستحق المزيد من العطاء، وبهذا يدرك المجاهد في سبيل الله صحة طريقه بقتاله الذين ساووا رب السماوات والأرض بسفهاء أهل الأرض من المشرَّعين وأهل الدساتير، وأن الجهاد من خير العبادات وله يُجبي الله خيرة عباده.

ومن فاتته هذه المنزلة في رمضان فمتى سيحصلها؟، فاحرص عليها أخي المسلم فلربما تدرك ذلك في آخر ليلة من رمضان، فيكون ختامك مسكا.

اللهم أعنا على حسن العبادة واجعلنا لك خاشعين منيبين مخبتين واجعلنا ذكّارين شكّارين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 336
الخميس 27 رمضان 1443 هـ
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
7 شعبان 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً