اخرة. جيريمي. 0الجن
خريطة
لارعاد مسلم
في فرنسا
مساعدة
الإبلاغ عن المادة
تعديل تدوينة
مقال: حربٌ على العقيدة تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين ...
مقال: حربٌ على العقيدة
تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين لم تكن في أصلها حروبا عقائدية، وإنما كانت حروبا سياسية سيادية، أو اقتصادية على الثروات والمعادن والسدود، أو وطنية على المعابر والحدود… فربطوا الناس بالأرض لا بالسماء! وحصروهم بين الحدود! فصار الوطن أكبر معبوداتهم! والطين سقف غاياتهم! وعلّقوا قلوبهم بالدنيا لا بالدين، فصارت الدنيا أكبر همّهم ومبلغ علمهم.
رافقَ ذلك تحريفٌ ممنهجٌ لعقيدة الإسلام تولى كبره دعاة جهنم الذين اجتهدوا في إفساد عقيدة الإسلام وتبديلها تحت دعاوى كثيرة ليس أولها "حوار الأديان" وليس آخرها "الإنسانية" ذلك الدين الجديد الذي يُراد له أن يُهيمن على العباد والبلاد ويزاحم الإسلام في كل ميدان.
وبعد عقود من تزوير التاريخ وتحريف العقيدة، نشأ أقوام يرون في "الوطن" إلها يُعبد من دون الله تعالى، يساوون لأجله بين المسلم والكافر! ويعقدون عليه الولاء والبراء، وينعتون قتلاه بنعوت "الشهادة" ولو كانوا من غير المسلمين! ويُقدّمون مقامه على كل ما سواه ولو كان مقام توحيد رب العالمين، فصار الوطن أكبر طاغوت في الأرض!
إن ضياع الدين وفساد العقيدة هو المصيبة العظمى التي لا تعلوها مصيبة! وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قلّما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات: (… وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا…) [رواه الترمذي]، والحقيقة التي لا مفرَّ مِن الاعتراف بها أن مصيبة الناس اليوم في دينهم! فإن كل مصائب الدنيا تهون إلا المصيبة في الدين! بل إن المصائب والهموم الدنيوية التي أرهقت كاهل الناس اليوم متفرّعة عن المصيبة العظمى وهي الشرك وفساد الإيمان! قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "أي لو آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات".
فلا والله ما آمن بالله وكتبه ورسله من ردّ صريح القرآن وصحيح السنة وزعم أن النصارى مؤمنون يدخلون الجنة وألصق بهم ألقاب "الشهادة"، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه باب: "لا يُقال فلان شهيد" ويعني بذلك أنه لا يُقطع بالشهادة لأحد من المسلمين إلا من شهد له النبي أو الوحي بذلك، وزنادقة اليوم يريدون أن يُدخلوا في جنة الله تعالى مَن يشرك به ويزعم أن الله ثالث ثلاثة!! وأن عيسى ابن الله!! وأن عيسى هو الله!!، والله تعالى يقول في كتابه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}، ويقول جلّ جلاله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}. وزنادقة عصرنا يردّون قول الله تعالى الفصل، وحكمه العدل في النصارى الكافرين، كل ذلك انتصارا لوطنهم المعبود الذي جعلوه محور الكون وقدّموه على خالق الكون سبحانه! ثم يزعمون أن الله تعالى سينصرهم! وهم قد خالفوا كل أسباب النصر وعملوا بضدها.
وقد بقي المرجئة وأشياعهم من سائر الطوائف، لا يذكرون من نواقض الإيمان إلا "إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة"، ومعلومٌ أن تكفير النصارى معلوم من الدين بالضرورة، فماذا بقي لهؤلاء اليوم وقد أنكروا المعلوم من الدين بالضرورة؟!، بل لم يكتفوا بذلك وسعوا إلى شرعنة كفرهم بخرافات لم يسبقهم إليها أحد.
إن كفر النصارى مسألة قطعية لا ظنية، ظاهرة لا خفية، فإن كان المنتسبون إلى الإسلام لا يعلمون ذلك؟ فماذا يعرفون عن الإسلام؟ يعرفون أنّ النصراني الكافر شهيد في الجنة والمسلم المجاهد خارجيٌ في النار؟! أهؤلاء جاهلون أم معرضون معاندون؟!
إنّ هؤلاء لم تأت عندهم حقيقة الإسلام وهو التسليم والانقياد والخضوع لأمر الله تعالى، بل هم أرادوا إخضاع الإسلام وآيات القرآن وجنة الرحمن ورحمته سبحانه لأهوائهم وأقيستهم العقلية العاطفية انتصارًا للوطن المعبود! في جرأة على الله تعالى وعلى عقيدة الإسلام لم نشهدها من قبل، هي نتاج حقب وعقود سوداء من حروب التحريف والإفساد التي شنّها المرجئة والسرورية و"الإخوان" على عقيدة الإسلام.
إن ذلك الانحراف حصاد الإرجاء العارم الذي تدين به أكثر الجماعات والطوائف المنتسبة زورا إلى الإسلام، إنه نتاج سنوات من التلقي عن دعاة الفضائيات ومشايخ الطاغوت، ولقد حذّرت دولة الإسلام -في خطاباتها ومنابرها الإعلامية- كثيرا من هؤلاء الأدعياء وأنهم خطر على عقيدة المسلمين! ونصحت وبيّنت وأعذرت إلى الله تعالى، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، ولا يحبون الناصحين.
إنها حرب شاملة على الإسلام وأهله الذين يؤمنون بالله ربًا خالقًا متصرّفا في كونه، ويؤمنون به إلهًا معبودًا يفردونه بالعبادة، ولا يشركون معه في العبادة أيّ معبود، وطنًا كان أو وثنًا، ويؤمنون بأسمائه وصفاته تعالى ومِن ذلك؛ عذابه الذي يُصيب به من يشاء، ورحمته الواسعة التي قرّر في كتابه أنه سيكتبها لمن آمنوا بآياته؛ {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}، الذي قال وأقسم صلى الله عليه وسلم: (والذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ، لا يهودِيٌّ، ولا نصرانِيٌّ، ثُمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النارِ) [مسلم]، وزنادقة اليوم يردّون ذلك ويرفضون!
ولقد أمرنا الله تعالى أن ندعو في كل صلاة بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي طريق الإسلام، وأن يجنّبنا طريق (المغضوب عليهم) وهم اليهود، وطريق (الضالين) وهم النصارى! فما اهتدى إلى طريقه المستقيم مَن لم يكفّر النصارى أو دعا لهم بالجنة المحرّمة عليهم! بل مَن يضمن لنا أن هؤلاء لن يتخذوا الموقف نفسه مع اليهود في يوم من الأيام؟! ونسمع بأوصاف "الشهادة" تُطلق على "يهودي" قُتل برصاص "الصهاينة"؟!
إن ما جرى ويجري ما هو إلا فصل من فصول حرب مستعرة يشنّها الكفار والمرتدون على عقيدة الإسلام؛ تورّط بها جنود مسلّحون وآخرون بعمائم ولحى وكتّاب ونشطاء وخطباء كلهم يدعون إلى جهنم! وهو ما يحتّم على المسلمين الربانيين أن يتصدوا لهذه الهجمة الشرسة على عقيدة الإسلام ولا سبيل لمواجهة هذه الحرب إلا بحرب مضادة قوامها الجهاد على منهاج النبوة، وما سواه فباطل لن يلبث إلا أن يكون فصلا آخر مِن فصول الحرب على الإسلام، والعاقبة للمتقين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 340
الخميس 25 شوال 1443 هـ ...المزيد
تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين لم تكن في أصلها حروبا عقائدية، وإنما كانت حروبا سياسية سيادية، أو اقتصادية على الثروات والمعادن والسدود، أو وطنية على المعابر والحدود… فربطوا الناس بالأرض لا بالسماء! وحصروهم بين الحدود! فصار الوطن أكبر معبوداتهم! والطين سقف غاياتهم! وعلّقوا قلوبهم بالدنيا لا بالدين، فصارت الدنيا أكبر همّهم ومبلغ علمهم.
رافقَ ذلك تحريفٌ ممنهجٌ لعقيدة الإسلام تولى كبره دعاة جهنم الذين اجتهدوا في إفساد عقيدة الإسلام وتبديلها تحت دعاوى كثيرة ليس أولها "حوار الأديان" وليس آخرها "الإنسانية" ذلك الدين الجديد الذي يُراد له أن يُهيمن على العباد والبلاد ويزاحم الإسلام في كل ميدان.
وبعد عقود من تزوير التاريخ وتحريف العقيدة، نشأ أقوام يرون في "الوطن" إلها يُعبد من دون الله تعالى، يساوون لأجله بين المسلم والكافر! ويعقدون عليه الولاء والبراء، وينعتون قتلاه بنعوت "الشهادة" ولو كانوا من غير المسلمين! ويُقدّمون مقامه على كل ما سواه ولو كان مقام توحيد رب العالمين، فصار الوطن أكبر طاغوت في الأرض!
إن ضياع الدين وفساد العقيدة هو المصيبة العظمى التي لا تعلوها مصيبة! وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قلّما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات: (… وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا…) [رواه الترمذي]، والحقيقة التي لا مفرَّ مِن الاعتراف بها أن مصيبة الناس اليوم في دينهم! فإن كل مصائب الدنيا تهون إلا المصيبة في الدين! بل إن المصائب والهموم الدنيوية التي أرهقت كاهل الناس اليوم متفرّعة عن المصيبة العظمى وهي الشرك وفساد الإيمان! قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "أي لو آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات".
فلا والله ما آمن بالله وكتبه ورسله من ردّ صريح القرآن وصحيح السنة وزعم أن النصارى مؤمنون يدخلون الجنة وألصق بهم ألقاب "الشهادة"، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه باب: "لا يُقال فلان شهيد" ويعني بذلك أنه لا يُقطع بالشهادة لأحد من المسلمين إلا من شهد له النبي أو الوحي بذلك، وزنادقة اليوم يريدون أن يُدخلوا في جنة الله تعالى مَن يشرك به ويزعم أن الله ثالث ثلاثة!! وأن عيسى ابن الله!! وأن عيسى هو الله!!، والله تعالى يقول في كتابه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}، ويقول جلّ جلاله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}. وزنادقة عصرنا يردّون قول الله تعالى الفصل، وحكمه العدل في النصارى الكافرين، كل ذلك انتصارا لوطنهم المعبود الذي جعلوه محور الكون وقدّموه على خالق الكون سبحانه! ثم يزعمون أن الله تعالى سينصرهم! وهم قد خالفوا كل أسباب النصر وعملوا بضدها.
وقد بقي المرجئة وأشياعهم من سائر الطوائف، لا يذكرون من نواقض الإيمان إلا "إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة"، ومعلومٌ أن تكفير النصارى معلوم من الدين بالضرورة، فماذا بقي لهؤلاء اليوم وقد أنكروا المعلوم من الدين بالضرورة؟!، بل لم يكتفوا بذلك وسعوا إلى شرعنة كفرهم بخرافات لم يسبقهم إليها أحد.
إن كفر النصارى مسألة قطعية لا ظنية، ظاهرة لا خفية، فإن كان المنتسبون إلى الإسلام لا يعلمون ذلك؟ فماذا يعرفون عن الإسلام؟ يعرفون أنّ النصراني الكافر شهيد في الجنة والمسلم المجاهد خارجيٌ في النار؟! أهؤلاء جاهلون أم معرضون معاندون؟!
إنّ هؤلاء لم تأت عندهم حقيقة الإسلام وهو التسليم والانقياد والخضوع لأمر الله تعالى، بل هم أرادوا إخضاع الإسلام وآيات القرآن وجنة الرحمن ورحمته سبحانه لأهوائهم وأقيستهم العقلية العاطفية انتصارًا للوطن المعبود! في جرأة على الله تعالى وعلى عقيدة الإسلام لم نشهدها من قبل، هي نتاج حقب وعقود سوداء من حروب التحريف والإفساد التي شنّها المرجئة والسرورية و"الإخوان" على عقيدة الإسلام.
إن ذلك الانحراف حصاد الإرجاء العارم الذي تدين به أكثر الجماعات والطوائف المنتسبة زورا إلى الإسلام، إنه نتاج سنوات من التلقي عن دعاة الفضائيات ومشايخ الطاغوت، ولقد حذّرت دولة الإسلام -في خطاباتها ومنابرها الإعلامية- كثيرا من هؤلاء الأدعياء وأنهم خطر على عقيدة المسلمين! ونصحت وبيّنت وأعذرت إلى الله تعالى، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، ولا يحبون الناصحين.
إنها حرب شاملة على الإسلام وأهله الذين يؤمنون بالله ربًا خالقًا متصرّفا في كونه، ويؤمنون به إلهًا معبودًا يفردونه بالعبادة، ولا يشركون معه في العبادة أيّ معبود، وطنًا كان أو وثنًا، ويؤمنون بأسمائه وصفاته تعالى ومِن ذلك؛ عذابه الذي يُصيب به من يشاء، ورحمته الواسعة التي قرّر في كتابه أنه سيكتبها لمن آمنوا بآياته؛ {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}، الذي قال وأقسم صلى الله عليه وسلم: (والذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ، لا يهودِيٌّ، ولا نصرانِيٌّ، ثُمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النارِ) [مسلم]، وزنادقة اليوم يردّون ذلك ويرفضون!
ولقد أمرنا الله تعالى أن ندعو في كل صلاة بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي طريق الإسلام، وأن يجنّبنا طريق (المغضوب عليهم) وهم اليهود، وطريق (الضالين) وهم النصارى! فما اهتدى إلى طريقه المستقيم مَن لم يكفّر النصارى أو دعا لهم بالجنة المحرّمة عليهم! بل مَن يضمن لنا أن هؤلاء لن يتخذوا الموقف نفسه مع اليهود في يوم من الأيام؟! ونسمع بأوصاف "الشهادة" تُطلق على "يهودي" قُتل برصاص "الصهاينة"؟!
إن ما جرى ويجري ما هو إلا فصل من فصول حرب مستعرة يشنّها الكفار والمرتدون على عقيدة الإسلام؛ تورّط بها جنود مسلّحون وآخرون بعمائم ولحى وكتّاب ونشطاء وخطباء كلهم يدعون إلى جهنم! وهو ما يحتّم على المسلمين الربانيين أن يتصدوا لهذه الهجمة الشرسة على عقيدة الإسلام ولا سبيل لمواجهة هذه الحرب إلا بحرب مضادة قوامها الجهاد على منهاج النبوة، وما سواه فباطل لن يلبث إلا أن يكون فصلا آخر مِن فصول الحرب على الإسلام، والعاقبة للمتقين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 340
الخميس 25 شوال 1443 هـ ...المزيد
مقال: حربٌ على العقيدة تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين ...
مقال: حربٌ على العقيدة
تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين لم تكن في أصلها حروبا عقائدية، وإنما كانت حروبا سياسية سيادية، أو اقتصادية على الثروات والمعادن والسدود، أو وطنية على المعابر والحدود… فربطوا الناس بالأرض لا بالسماء! وحصروهم بين الحدود! فصار الوطن أكبر معبوداتهم! والطين سقف غاياتهم! وعلّقوا قلوبهم بالدنيا لا بالدين، فصارت الدنيا أكبر همّهم ومبلغ علمهم.
رافقَ ذلك تحريفٌ ممنهجٌ لعقيدة الإسلام تولى كبره دعاة جهنم الذين اجتهدوا في إفساد عقيدة الإسلام وتبديلها تحت دعاوى كثيرة ليس أولها "حوار الأديان" وليس آخرها "الإنسانية" ذلك الدين الجديد الذي يُراد له أن يُهيمن على العباد والبلاد ويزاحم الإسلام في كل ميدان.
وبعد عقود من تزوير التاريخ وتحريف العقيدة، نشأ أقوام يرون في "الوطن" إلها يُعبد من دون الله تعالى، يساوون لأجله بين المسلم والكافر! ويعقدون عليه الولاء والبراء، وينعتون قتلاه بنعوت "الشهادة" ولو كانوا من غير المسلمين! ويُقدّمون مقامه على كل ما سواه ولو كان مقام توحيد رب العالمين، فصار الوطن أكبر طاغوت في الأرض!
إن ضياع الدين وفساد العقيدة هو المصيبة العظمى التي لا تعلوها مصيبة! وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قلّما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات: (… وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا…) [رواه الترمذي]، والحقيقة التي لا مفرَّ مِن الاعتراف بها أن مصيبة الناس اليوم في دينهم! فإن كل مصائب الدنيا تهون إلا المصيبة في الدين! بل إن المصائب والهموم الدنيوية التي أرهقت كاهل الناس اليوم متفرّعة عن المصيبة العظمى وهي الشرك وفساد الإيمان! قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "أي لو آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات".
فلا والله ما آمن بالله وكتبه ورسله من ردّ صريح القرآن وصحيح السنة وزعم أن النصارى مؤمنون يدخلون الجنة وألصق بهم ألقاب "الشهادة"، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه باب: "لا يُقال فلان شهيد" ويعني بذلك أنه لا يُقطع بالشهادة لأحد من المسلمين إلا من شهد له النبي أو الوحي بذلك، وزنادقة اليوم يريدون أن يُدخلوا في جنة الله تعالى مَن يشرك به ويزعم أن الله ثالث ثلاثة!! وأن عيسى ابن الله!! وأن عيسى هو الله!!، والله تعالى يقول في كتابه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}، ويقول جلّ جلاله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}. وزنادقة عصرنا يردّون قول الله تعالى الفصل، وحكمه العدل في النصارى الكافرين، كل ذلك انتصارا لوطنهم المعبود الذي جعلوه محور الكون وقدّموه على خالق الكون سبحانه! ثم يزعمون أن الله تعالى سينصرهم! وهم قد خالفوا كل أسباب النصر وعملوا بضدها.
وقد بقي المرجئة وأشياعهم من سائر الطوائف، لا يذكرون من نواقض الإيمان إلا "إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة"، ومعلومٌ أن تكفير النصارى معلوم من الدين بالضرورة، فماذا بقي لهؤلاء اليوم وقد أنكروا المعلوم من الدين بالضرورة؟!، بل لم يكتفوا بذلك وسعوا إلى شرعنة كفرهم بخرافات لم يسبقهم إليها أحد.
إن كفر النصارى مسألة قطعية لا ظنية، ظاهرة لا خفية، فإن كان المنتسبون إلى الإسلام لا يعلمون ذلك؟ فماذا يعرفون عن الإسلام؟ يعرفون أنّ النصراني الكافر شهيد في الجنة والمسلم المجاهد خارجيٌ في النار؟! أهؤلاء جاهلون أم معرضون معاندون؟!
إنّ هؤلاء لم تأت عندهم حقيقة الإسلام وهو التسليم والانقياد والخضوع لأمر الله تعالى، بل هم أرادوا إخضاع الإسلام وآيات القرآن وجنة الرحمن ورحمته سبحانه لأهوائهم وأقيستهم العقلية العاطفية انتصارًا للوطن المعبود! في جرأة على الله تعالى وعلى عقيدة الإسلام لم نشهدها من قبل، هي نتاج حقب وعقود سوداء من حروب التحريف والإفساد التي شنّها المرجئة والسرورية و"الإخوان" على عقيدة الإسلام.
إن ذلك الانحراف حصاد الإرجاء العارم الذي تدين به أكثر الجماعات والطوائف المنتسبة زورا إلى الإسلام، إنه نتاج سنوات من التلقي عن دعاة الفضائيات ومشايخ الطاغوت، ولقد حذّرت دولة الإسلام -في خطاباتها ومنابرها الإعلامية- كثيرا من هؤلاء الأدعياء وأنهم خطر على عقيدة المسلمين! ونصحت وبيّنت وأعذرت إلى الله تعالى، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، ولا يحبون الناصحين.
إنها حرب شاملة على الإسلام وأهله الذين يؤمنون بالله ربًا خالقًا متصرّفا في كونه، ويؤمنون به إلهًا معبودًا يفردونه بالعبادة، ولا يشركون معه في العبادة أيّ معبود، وطنًا كان أو وثنًا، ويؤمنون بأسمائه وصفاته تعالى ومِن ذلك؛ عذابه الذي يُصيب به من يشاء، ورحمته الواسعة التي قرّر في كتابه أنه سيكتبها لمن آمنوا بآياته؛ {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}، الذي قال وأقسم صلى الله عليه وسلم: (والذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ، لا يهودِيٌّ، ولا نصرانِيٌّ، ثُمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النارِ) [مسلم]، وزنادقة اليوم يردّون ذلك ويرفضون!
ولقد أمرنا الله تعالى أن ندعو في كل صلاة بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي طريق الإسلام، وأن يجنّبنا طريق (المغضوب عليهم) وهم اليهود، وطريق (الضالين) وهم النصارى! فما اهتدى إلى طريقه المستقيم مَن لم يكفّر النصارى أو دعا لهم بالجنة المحرّمة عليهم! بل مَن يضمن لنا أن هؤلاء لن يتخذوا الموقف نفسه مع اليهود في يوم من الأيام؟! ونسمع بأوصاف "الشهادة" تُطلق على "يهودي" قُتل برصاص "الصهاينة"؟!
إن ما جرى ويجري ما هو إلا فصل من فصول حرب مستعرة يشنّها الكفار والمرتدون على عقيدة الإسلام؛ تورّط بها جنود مسلّحون وآخرون بعمائم ولحى وكتّاب ونشطاء وخطباء كلهم يدعون إلى جهنم! وهو ما يحتّم على المسلمين الربانيين أن يتصدوا لهذه الهجمة الشرسة على عقيدة الإسلام ولا سبيل لمواجهة هذه الحرب إلا بحرب مضادة قوامها الجهاد على منهاج النبوة، وما سواه فباطل لن يلبث إلا أن يكون فصلا آخر مِن فصول الحرب على الإسلام، والعاقبة للمتقين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 340
الخميس 25 شوال 1443 هـ ...المزيد
تزعم كتب التاريخ المزوّر أنّ الحملات والحروب التي داهمت بلاد المسلمين لم تكن في أصلها حروبا عقائدية، وإنما كانت حروبا سياسية سيادية، أو اقتصادية على الثروات والمعادن والسدود، أو وطنية على المعابر والحدود… فربطوا الناس بالأرض لا بالسماء! وحصروهم بين الحدود! فصار الوطن أكبر معبوداتهم! والطين سقف غاياتهم! وعلّقوا قلوبهم بالدنيا لا بالدين، فصارت الدنيا أكبر همّهم ومبلغ علمهم.
رافقَ ذلك تحريفٌ ممنهجٌ لعقيدة الإسلام تولى كبره دعاة جهنم الذين اجتهدوا في إفساد عقيدة الإسلام وتبديلها تحت دعاوى كثيرة ليس أولها "حوار الأديان" وليس آخرها "الإنسانية" ذلك الدين الجديد الذي يُراد له أن يُهيمن على العباد والبلاد ويزاحم الإسلام في كل ميدان.
وبعد عقود من تزوير التاريخ وتحريف العقيدة، نشأ أقوام يرون في "الوطن" إلها يُعبد من دون الله تعالى، يساوون لأجله بين المسلم والكافر! ويعقدون عليه الولاء والبراء، وينعتون قتلاه بنعوت "الشهادة" ولو كانوا من غير المسلمين! ويُقدّمون مقامه على كل ما سواه ولو كان مقام توحيد رب العالمين، فصار الوطن أكبر طاغوت في الأرض!
إن ضياع الدين وفساد العقيدة هو المصيبة العظمى التي لا تعلوها مصيبة! وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قلّما كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات: (… وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا…) [رواه الترمذي]، والحقيقة التي لا مفرَّ مِن الاعتراف بها أن مصيبة الناس اليوم في دينهم! فإن كل مصائب الدنيا تهون إلا المصيبة في الدين! بل إن المصائب والهموم الدنيوية التي أرهقت كاهل الناس اليوم متفرّعة عن المصيبة العظمى وهي الشرك وفساد الإيمان! قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}، قال ابن كثير: "أي لو آمنت قلوبهم بما جاءتهم به الرسل، وصدقت به واتبعته، واتقوا بفعل الطاعات وترك المحرمات".
فلا والله ما آمن بالله وكتبه ورسله من ردّ صريح القرآن وصحيح السنة وزعم أن النصارى مؤمنون يدخلون الجنة وألصق بهم ألقاب "الشهادة"، وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه باب: "لا يُقال فلان شهيد" ويعني بذلك أنه لا يُقطع بالشهادة لأحد من المسلمين إلا من شهد له النبي أو الوحي بذلك، وزنادقة اليوم يريدون أن يُدخلوا في جنة الله تعالى مَن يشرك به ويزعم أن الله ثالث ثلاثة!! وأن عيسى ابن الله!! وأن عيسى هو الله!!، والله تعالى يقول في كتابه: {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ}، ويقول جلّ جلاله: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}. وزنادقة عصرنا يردّون قول الله تعالى الفصل، وحكمه العدل في النصارى الكافرين، كل ذلك انتصارا لوطنهم المعبود الذي جعلوه محور الكون وقدّموه على خالق الكون سبحانه! ثم يزعمون أن الله تعالى سينصرهم! وهم قد خالفوا كل أسباب النصر وعملوا بضدها.
وقد بقي المرجئة وأشياعهم من سائر الطوائف، لا يذكرون من نواقض الإيمان إلا "إنكار ما هو معلوم من الدين بالضرورة"، ومعلومٌ أن تكفير النصارى معلوم من الدين بالضرورة، فماذا بقي لهؤلاء اليوم وقد أنكروا المعلوم من الدين بالضرورة؟!، بل لم يكتفوا بذلك وسعوا إلى شرعنة كفرهم بخرافات لم يسبقهم إليها أحد.
إن كفر النصارى مسألة قطعية لا ظنية، ظاهرة لا خفية، فإن كان المنتسبون إلى الإسلام لا يعلمون ذلك؟ فماذا يعرفون عن الإسلام؟ يعرفون أنّ النصراني الكافر شهيد في الجنة والمسلم المجاهد خارجيٌ في النار؟! أهؤلاء جاهلون أم معرضون معاندون؟!
إنّ هؤلاء لم تأت عندهم حقيقة الإسلام وهو التسليم والانقياد والخضوع لأمر الله تعالى، بل هم أرادوا إخضاع الإسلام وآيات القرآن وجنة الرحمن ورحمته سبحانه لأهوائهم وأقيستهم العقلية العاطفية انتصارًا للوطن المعبود! في جرأة على الله تعالى وعلى عقيدة الإسلام لم نشهدها من قبل، هي نتاج حقب وعقود سوداء من حروب التحريف والإفساد التي شنّها المرجئة والسرورية و"الإخوان" على عقيدة الإسلام.
إن ذلك الانحراف حصاد الإرجاء العارم الذي تدين به أكثر الجماعات والطوائف المنتسبة زورا إلى الإسلام، إنه نتاج سنوات من التلقي عن دعاة الفضائيات ومشايخ الطاغوت، ولقد حذّرت دولة الإسلام -في خطاباتها ومنابرها الإعلامية- كثيرا من هؤلاء الأدعياء وأنهم خطر على عقيدة المسلمين! ونصحت وبيّنت وأعذرت إلى الله تعالى، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، ولا يحبون الناصحين.
إنها حرب شاملة على الإسلام وأهله الذين يؤمنون بالله ربًا خالقًا متصرّفا في كونه، ويؤمنون به إلهًا معبودًا يفردونه بالعبادة، ولا يشركون معه في العبادة أيّ معبود، وطنًا كان أو وثنًا، ويؤمنون بأسمائه وصفاته تعالى ومِن ذلك؛ عذابه الذي يُصيب به من يشاء، ورحمته الواسعة التي قرّر في كتابه أنه سيكتبها لمن آمنوا بآياته؛ {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ}، الذي قال وأقسم صلى الله عليه وسلم: (والذي نفْسُ محمدٍ بيدِهِ، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمةِ، لا يهودِيٌّ، ولا نصرانِيٌّ، ثُمَّ يموتُ ولم يؤمِنْ بالذي أُرْسِلْتُ به، إلَّا كان من أصحابِ النارِ) [مسلم]، وزنادقة اليوم يردّون ذلك ويرفضون!
ولقد أمرنا الله تعالى أن ندعو في كل صلاة بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أي طريق الإسلام، وأن يجنّبنا طريق (المغضوب عليهم) وهم اليهود، وطريق (الضالين) وهم النصارى! فما اهتدى إلى طريقه المستقيم مَن لم يكفّر النصارى أو دعا لهم بالجنة المحرّمة عليهم! بل مَن يضمن لنا أن هؤلاء لن يتخذوا الموقف نفسه مع اليهود في يوم من الأيام؟! ونسمع بأوصاف "الشهادة" تُطلق على "يهودي" قُتل برصاص "الصهاينة"؟!
إن ما جرى ويجري ما هو إلا فصل من فصول حرب مستعرة يشنّها الكفار والمرتدون على عقيدة الإسلام؛ تورّط بها جنود مسلّحون وآخرون بعمائم ولحى وكتّاب ونشطاء وخطباء كلهم يدعون إلى جهنم! وهو ما يحتّم على المسلمين الربانيين أن يتصدوا لهذه الهجمة الشرسة على عقيدة الإسلام ولا سبيل لمواجهة هذه الحرب إلا بحرب مضادة قوامها الجهاد على منهاج النبوة، وما سواه فباطل لن يلبث إلا أن يكون فصلا آخر مِن فصول الحرب على الإسلام، والعاقبة للمتقين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 340
الخميس 25 شوال 1443 هـ ...المزيد
(وَذلِكُم ظَنُّكُمُ الَّذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَرداكُم فَأَصبَحتُم مِنَ الخاسِرينَ﴾، يجب على ...
(وَذلِكُم ظَنُّكُمُ الَّذي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَرداكُم فَأَصبَحتُم مِنَ الخاسِرينَ﴾، يجب على المسلم أن يتوقّع الخير وينتظره، ولا يسيء الظن بربه فيرديه كما مضت به الآيات البينات.
#تأملات
#تأملات
مؤسسة الفرقان - قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ مقتطف من كلمة "قَاتِلُوهُمْ ...
مؤسسة الفرقان - قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
مقتطف من كلمة "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ"
للشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر -حفظه الله تعالى-
أما رسالتنا الثانية: فإلى المنتكسين الذين ساروا في طريق الجهاد وذاقوا حلاوته، وعرفوا المجاهدين وعاشروهم ورأوا الفضائل والكرامات التي يمنّ الله بها عليهم، ثمّ ركنوا إلى الدنيا، أما تخافون من الله بخلعكم يد الطاعة وترككم الجماعة في أحلك الظروف، أما سمعتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له)، واعلموا أنكم خذلتم المسلمين في موطن أحبّوا فيه نصرتكم، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خذل مسلما في موضع يحب نصرته فيه خذله اللّه في موضع يحب نصرته فيه)، فما الذي دهاكم هل ضمنتم الجنة فاكتفيتم، أم أن الأرض كلّها قد حكمت بشرع الله ومن الكفار انتهيتم، أم أنه أتعبكم الجهاد وكثرة الجلاد، فهل وجدتم الراحة في مجاورة النساء والأولاد، أم هل عزّت عليكم الحياة وهان عليكم نصر دين الله!، أم أنكم جبنتم وتخاذلتم واختلقتم الأعذار وهربتم، ألا تعلمون أنّ الله سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، واعلموا أن رجوعكم إلى صفوف الجماعة خير لكم من بقائكم أذلة تتقاذفكم الأهواء، وتخافون أن يشار إليكم بأنكم كنتم جنودا في صفوف الدولة الإسلامية لكيلا يفترسكم الأعداء، ولكن إذا آثرتم الحياة الدنيا الفانية، على الدار الآخرة الباقية، فإنّ الله غنيّ عن العالمين، فتوبوا وأوبوا وارجعوا إلى صفوف المجاهدين، وانصروا إخوانكم المسلمين، وقارعوا أعداء الملة والدين فما وضعت الحرب أوزارها فعلام أذلتم خيلكم، ولا يتبادرنّ إلى أذهانكم أنّنا ذكرنا ما ذكرناه لأنّنا نشكو قلّة الرجال كلّا والله، فإننا بخير وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقلّ بالخذلان لا بعدد الرجال، ولكن ذكرناه نصيحة وإشفاقا عليكم فأنتم أولى الناس بالنصح، ألا هل بلغت اللهمّ فاشهد.
أما رسالتنا الثالثة: فإلى الأمة الإسلامية وإلى أبنائها القاعدين عن الجهاد الراضين بالذلّ والاستعباد، ها هم حكام بلادكم من الطواغيت يسارعون في استرضاء واستجداء اليهود ويعقدون معهم الاجتماعات والاتفاقيات وليس ذلك بجديد، فعمالتهم لليهود قديمة ولكنّها ظهرت للعلن بعد أن أصبحت الظروف مهيّأة لها، فبعد أن رأى الطواغيت خنوع شعوبهم وتعلّقهم الشديد بالدنيا، أبرزوا أنيابهم وبان زيف ادعاءاتهم، ضاربين بعرض الحائط كلّ الشعارات التي كانوا يمنّونهم بها من معاداتهم لليهود ونصرتهم للفلسطينيين، ألا فليعلم الجميع أنّ بيت المقدس لن يفتح إلا على أيدي الموحدين وعباد الله المجاهدين، لا على أيدي الطواغيت وزبانيتهم من عبيد السياسات والمصالح والأهواء، الذين تتغير مبادئهم وفق ما يمليه عليهم أسيادهم، أمّا الأمر الذي لا يتغير عندهم هو عداوتهم للإسلام والمسلمين وحربهم لعباد الله الموحدين، لأن رجال دولة الإسلام أعزّها الله كشفوا عوارهم وكذبهم وبيّنوا للناس عمالتهم وكفرهم، وأنّهم دمى يحركها الصليبيون واليهود، ولكنّ العجب كيف لأذناب الطواغيت ومؤيّديهم أن يواكبوا كلّ هذه التقلّبات العنيفة في السياسات والمبادئ ويرقّعوها، وهم يميلون بهم من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال فيظنّها الحمقى سياسة وحنكة، ولكنّهم في الحقيقة يفتحون عليهم في كلّ مرة مستعينين ببلاعمتهم ودعاة ضلالهم بابا من أبواب جهنم يدعون الناس إلى الدخول فيها منه، فبالرّغم من كفرهم البواح باستبدالهم لأحكام شرع الله بالقوانين الوضعية التي تفرضها الأمم المتحدة الكافرة والقوانين التي يحكمون بها اليوم المستمدة من أهواء البشر، يحاولون جاهدين جرجرة الناس إلى الكفر يوما بعد يوم، فبعد بدعة حوار الأديان خرجوا عليهم بدين جديد يسمّونه "الدين الإبراهيميّ" فلا ندري أيّ إبراهيم يقصدون، فإن كانوا يقصدون إبراهيم النبيّ عليه السلام، فإننا نشهد أنه بريء منهم ومن كفرهم وشركهم، ولا يطالب بجمع الأديان في دين واحد إلا كلّ عدو لله مكذب لرسوله فلقد قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}، وما دعاهم إلى ذلك الكفر إلا وطنيّتهم وقوميّتهم الشركية التي يؤمنون بها، والتي يصنّفون الناس عليها لا على أساس شرعيّ ودينيّ، بل على أساس مناطقيّ دنيويّ، فيساوون بين المسلم والكافر إن كانوا أبناء بلد واحد، ولهم نفس الحقوق، والله عزّ وجلّ يقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} [القلم: 35 - 37]، بل ويشجّعونهم على حبّ بعضهم ونصرة بضعهم لبعض باختلاف أديانهم ولو كان ذلك على مسلم من بلد آخر بدعوى الوطنية ويجعلونها معقدا للولاء والبراء والعياذ بالله، ولقد خرجوا عليهم مؤخرا بدعوى قديمة جديدة، وهي المؤاخاة بين الشيعة الرافضة وأهل السنة وأن الحرب التي اندلعت خلال السنين الماضية كانت بسبب متشددين
من الطائفتين (بزعمهم)، وأنهم أبناء دين واحد بمذاهب مختلفة، ألا من زعم أنّ الكفار إخوانه وأنّ الرافضة المشركين الذين لا يخفى شركهم على أحد والذين يجاهرون بالطعن في عرض أمّ المؤمنين وشتم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ أنهم إخوانه في الوطن وشركاؤه، فهم والله إخوانه وهو شريكهم في العذاب في نار جهنم وبئس المصير، ألهذه الدرجة يا أبناء الإسلام يستخفّ الطواغيت بكم وبدينكم، أيّ حال وصلتم إليه وأيّ وهن سكن قلوبكم وإلى أيّ مرحلة وصل حبّ الدنيا حتى آثرتموها على دينكم وأعراضكم وكرامتكم، فو الله إن لم تستفيقوا وترجعوا إلى دينكم ليركبنّكم الكفار والمشركون قتلا وتشريدا، ولسوف يذلّونكم ذلا لا ترفعون بعده رأسا، وهل هناك ذلّ أكبر من أن يغلبكم الطواغيت بتشريعاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان على النساء بجعلهم لهنّ حقوقا فرضتها الأمم الكافرة تمنعكم من القوامة عليهنّ، فوا أسفاه على أحفاد الفاتحين، ووا أسفاه على أبناء القبائل المسلمة التي أبت الضيم والذلّ وكسرت كسرى وقيصر كيف يستعبدون اليوم من أجل الدنيا وشهواتها، فإلى أبناء الإسلام الرازحين تحت قهر الطواغيت، إنّ في كتاب الله من الثواب على الجهاد ما هو خير لكم من الحياة، وفيه مما ينبغي للمسلم أن يحبّ أن يخصّ به، فهو التجارة الرابحة التي دلّ الله عليها ونجّى بها من الخزي وألحق بها العزّة والكرامة، فانفضوا عنكم غبار الذلّ والهوان واستعينوا بالملك الدّيّان وقاتلوا كل طاغوت جبان، فإن أبيتم فلقد قال ربّنا سبحانه وتعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]
وأما رسالتنا الرابعة: فإلى الكفار والمشركين والملاحدة والمرتدين وكلّ من حارب الله ورسوله وعادى عباده الموحدين وقاتل دولة المسلمين، إلى من كان لديه منكم بقية سمع أو عقل فليراجع نفسه قبل أن يحفر بيديه رمسه، وأما إذا نسيتم فنذكركم، بأنّنا لا نقاتلكم من أجل مال أو سلطة أو جاه أو حفنة تراب أو قومية أو دنيا فانية، إنما نقاتلكم من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله، كلمة التوحيد التي من أجلها قامت السماوات والأرض، نقاتلكم لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، حتى نزيل الشرك ونطهّر الأرض منه، وحتى يعبد الله وحده ولا يشرك به، وحتى يحكم بشرع الله بين الناس وتقام الحدود ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتنسف القوانين والدساتير الوضعية التي تتحاكمون إليها، وكلّ البدع والضلالات التي هي من صنع البشر وأهل الأهواء أتباع الشيطان، هذا ما قاتلناكم ونقاتلكم وسنقاتلكم لأجله إن شاء الله، فإمّا أن يتمّ الله لنا هذا الأمر أو نهلك دونه ونقتّل، واعلموا أنّ إسلامكم أحبّ إلينا من قتلكم وتشريدكم، وإنّنا ندعوكم إلى الإسلام قبل القدرة عليكم، فإن أبيتم إلا الكفر والعصيان والبغي والعدوان فليس لكم عندنا إلا السيف مصلتا، والغلظة والشدّة وليس لكم من القتل مناص، ونحن على يقين أنّ الله سبحانه وتعالى سيمكّننا منكم وسينصرنا عليكم بحوله وقوته، وأنّنا سنعيد تحكيم الشريعة الإسلامية في كلّ المناطق التي انحاز المجاهدون منها إن شاء الله (برغم من أنفه لازال في الرّغم).
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
مقتطف من كلمة "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ"
للشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر -حفظه الله تعالى-
أما رسالتنا الثانية: فإلى المنتكسين الذين ساروا في طريق الجهاد وذاقوا حلاوته، وعرفوا المجاهدين وعاشروهم ورأوا الفضائل والكرامات التي يمنّ الله بها عليهم، ثمّ ركنوا إلى الدنيا، أما تخافون من الله بخلعكم يد الطاعة وترككم الجماعة في أحلك الظروف، أما سمعتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له)، واعلموا أنكم خذلتم المسلمين في موطن أحبّوا فيه نصرتكم، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خذل مسلما في موضع يحب نصرته فيه خذله اللّه في موضع يحب نصرته فيه)، فما الذي دهاكم هل ضمنتم الجنة فاكتفيتم، أم أن الأرض كلّها قد حكمت بشرع الله ومن الكفار انتهيتم، أم أنه أتعبكم الجهاد وكثرة الجلاد، فهل وجدتم الراحة في مجاورة النساء والأولاد، أم هل عزّت عليكم الحياة وهان عليكم نصر دين الله!، أم أنكم جبنتم وتخاذلتم واختلقتم الأعذار وهربتم، ألا تعلمون أنّ الله سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، واعلموا أن رجوعكم إلى صفوف الجماعة خير لكم من بقائكم أذلة تتقاذفكم الأهواء، وتخافون أن يشار إليكم بأنكم كنتم جنودا في صفوف الدولة الإسلامية لكيلا يفترسكم الأعداء، ولكن إذا آثرتم الحياة الدنيا الفانية، على الدار الآخرة الباقية، فإنّ الله غنيّ عن العالمين، فتوبوا وأوبوا وارجعوا إلى صفوف المجاهدين، وانصروا إخوانكم المسلمين، وقارعوا أعداء الملة والدين فما وضعت الحرب أوزارها فعلام أذلتم خيلكم، ولا يتبادرنّ إلى أذهانكم أنّنا ذكرنا ما ذكرناه لأنّنا نشكو قلّة الرجال كلّا والله، فإننا بخير وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقلّ بالخذلان لا بعدد الرجال، ولكن ذكرناه نصيحة وإشفاقا عليكم فأنتم أولى الناس بالنصح، ألا هل بلغت اللهمّ فاشهد.
أما رسالتنا الثالثة: فإلى الأمة الإسلامية وإلى أبنائها القاعدين عن الجهاد الراضين بالذلّ والاستعباد، ها هم حكام بلادكم من الطواغيت يسارعون في استرضاء واستجداء اليهود ويعقدون معهم الاجتماعات والاتفاقيات وليس ذلك بجديد، فعمالتهم لليهود قديمة ولكنّها ظهرت للعلن بعد أن أصبحت الظروف مهيّأة لها، فبعد أن رأى الطواغيت خنوع شعوبهم وتعلّقهم الشديد بالدنيا، أبرزوا أنيابهم وبان زيف ادعاءاتهم، ضاربين بعرض الحائط كلّ الشعارات التي كانوا يمنّونهم بها من معاداتهم لليهود ونصرتهم للفلسطينيين، ألا فليعلم الجميع أنّ بيت المقدس لن يفتح إلا على أيدي الموحدين وعباد الله المجاهدين، لا على أيدي الطواغيت وزبانيتهم من عبيد السياسات والمصالح والأهواء، الذين تتغير مبادئهم وفق ما يمليه عليهم أسيادهم، أمّا الأمر الذي لا يتغير عندهم هو عداوتهم للإسلام والمسلمين وحربهم لعباد الله الموحدين، لأن رجال دولة الإسلام أعزّها الله كشفوا عوارهم وكذبهم وبيّنوا للناس عمالتهم وكفرهم، وأنّهم دمى يحركها الصليبيون واليهود، ولكنّ العجب كيف لأذناب الطواغيت ومؤيّديهم أن يواكبوا كلّ هذه التقلّبات العنيفة في السياسات والمبادئ ويرقّعوها، وهم يميلون بهم من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال فيظنّها الحمقى سياسة وحنكة، ولكنّهم في الحقيقة يفتحون عليهم في كلّ مرة مستعينين ببلاعمتهم ودعاة ضلالهم بابا من أبواب جهنم يدعون الناس إلى الدخول فيها منه، فبالرّغم من كفرهم البواح باستبدالهم لأحكام شرع الله بالقوانين الوضعية التي تفرضها الأمم المتحدة الكافرة والقوانين التي يحكمون بها اليوم المستمدة من أهواء البشر، يحاولون جاهدين جرجرة الناس إلى الكفر يوما بعد يوم، فبعد بدعة حوار الأديان خرجوا عليهم بدين جديد يسمّونه "الدين الإبراهيميّ" فلا ندري أيّ إبراهيم يقصدون، فإن كانوا يقصدون إبراهيم النبيّ عليه السلام، فإننا نشهد أنه بريء منهم ومن كفرهم وشركهم، ولا يطالب بجمع الأديان في دين واحد إلا كلّ عدو لله مكذب لرسوله فلقد قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}، وما دعاهم إلى ذلك الكفر إلا وطنيّتهم وقوميّتهم الشركية التي يؤمنون بها، والتي يصنّفون الناس عليها لا على أساس شرعيّ ودينيّ، بل على أساس مناطقيّ دنيويّ، فيساوون بين المسلم والكافر إن كانوا أبناء بلد واحد، ولهم نفس الحقوق، والله عزّ وجلّ يقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} [القلم: 35 - 37]، بل ويشجّعونهم على حبّ بعضهم ونصرة بضعهم لبعض باختلاف أديانهم ولو كان ذلك على مسلم من بلد آخر بدعوى الوطنية ويجعلونها معقدا للولاء والبراء والعياذ بالله، ولقد خرجوا عليهم مؤخرا بدعوى قديمة جديدة، وهي المؤاخاة بين الشيعة الرافضة وأهل السنة وأن الحرب التي اندلعت خلال السنين الماضية كانت بسبب متشددين
من الطائفتين (بزعمهم)، وأنهم أبناء دين واحد بمذاهب مختلفة، ألا من زعم أنّ الكفار إخوانه وأنّ الرافضة المشركين الذين لا يخفى شركهم على أحد والذين يجاهرون بالطعن في عرض أمّ المؤمنين وشتم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ أنهم إخوانه في الوطن وشركاؤه، فهم والله إخوانه وهو شريكهم في العذاب في نار جهنم وبئس المصير، ألهذه الدرجة يا أبناء الإسلام يستخفّ الطواغيت بكم وبدينكم، أيّ حال وصلتم إليه وأيّ وهن سكن قلوبكم وإلى أيّ مرحلة وصل حبّ الدنيا حتى آثرتموها على دينكم وأعراضكم وكرامتكم، فو الله إن لم تستفيقوا وترجعوا إلى دينكم ليركبنّكم الكفار والمشركون قتلا وتشريدا، ولسوف يذلّونكم ذلا لا ترفعون بعده رأسا، وهل هناك ذلّ أكبر من أن يغلبكم الطواغيت بتشريعاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان على النساء بجعلهم لهنّ حقوقا فرضتها الأمم الكافرة تمنعكم من القوامة عليهنّ، فوا أسفاه على أحفاد الفاتحين، ووا أسفاه على أبناء القبائل المسلمة التي أبت الضيم والذلّ وكسرت كسرى وقيصر كيف يستعبدون اليوم من أجل الدنيا وشهواتها، فإلى أبناء الإسلام الرازحين تحت قهر الطواغيت، إنّ في كتاب الله من الثواب على الجهاد ما هو خير لكم من الحياة، وفيه مما ينبغي للمسلم أن يحبّ أن يخصّ به، فهو التجارة الرابحة التي دلّ الله عليها ونجّى بها من الخزي وألحق بها العزّة والكرامة، فانفضوا عنكم غبار الذلّ والهوان واستعينوا بالملك الدّيّان وقاتلوا كل طاغوت جبان، فإن أبيتم فلقد قال ربّنا سبحانه وتعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]
وأما رسالتنا الرابعة: فإلى الكفار والمشركين والملاحدة والمرتدين وكلّ من حارب الله ورسوله وعادى عباده الموحدين وقاتل دولة المسلمين، إلى من كان لديه منكم بقية سمع أو عقل فليراجع نفسه قبل أن يحفر بيديه رمسه، وأما إذا نسيتم فنذكركم، بأنّنا لا نقاتلكم من أجل مال أو سلطة أو جاه أو حفنة تراب أو قومية أو دنيا فانية، إنما نقاتلكم من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله، كلمة التوحيد التي من أجلها قامت السماوات والأرض، نقاتلكم لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، حتى نزيل الشرك ونطهّر الأرض منه، وحتى يعبد الله وحده ولا يشرك به، وحتى يحكم بشرع الله بين الناس وتقام الحدود ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتنسف القوانين والدساتير الوضعية التي تتحاكمون إليها، وكلّ البدع والضلالات التي هي من صنع البشر وأهل الأهواء أتباع الشيطان، هذا ما قاتلناكم ونقاتلكم وسنقاتلكم لأجله إن شاء الله، فإمّا أن يتمّ الله لنا هذا الأمر أو نهلك دونه ونقتّل، واعلموا أنّ إسلامكم أحبّ إلينا من قتلكم وتشريدكم، وإنّنا ندعوكم إلى الإسلام قبل القدرة عليكم، فإن أبيتم إلا الكفر والعصيان والبغي والعدوان فليس لكم عندنا إلا السيف مصلتا، والغلظة والشدّة وليس لكم من القتل مناص، ونحن على يقين أنّ الله سبحانه وتعالى سيمكّننا منكم وسينصرنا عليكم بحوله وقوته، وأنّنا سنعيد تحكيم الشريعة الإسلامية في كلّ المناطق التي انحاز المجاهدون منها إن شاء الله (برغم من أنفه لازال في الرّغم).
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
مؤسسة الفرقان - قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ مقتطف من كلمة "قَاتِلُوهُمْ ...
مؤسسة الفرقان - قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
مقتطف من كلمة "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ"
للشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر -حفظه الله تعالى-
أما رسالتنا الثانية: فإلى المنتكسين الذين ساروا في طريق الجهاد وذاقوا حلاوته، وعرفوا المجاهدين وعاشروهم ورأوا الفضائل والكرامات التي يمنّ الله بها عليهم، ثمّ ركنوا إلى الدنيا، أما تخافون من الله بخلعكم يد الطاعة وترككم الجماعة في أحلك الظروف، أما سمعتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له)، واعلموا أنكم خذلتم المسلمين في موطن أحبّوا فيه نصرتكم، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خذل مسلما في موضع يحب نصرته فيه خذله اللّه في موضع يحب نصرته فيه)، فما الذي دهاكم هل ضمنتم الجنة فاكتفيتم، أم أن الأرض كلّها قد حكمت بشرع الله ومن الكفار انتهيتم، أم أنه أتعبكم الجهاد وكثرة الجلاد، فهل وجدتم الراحة في مجاورة النساء والأولاد، أم هل عزّت عليكم الحياة وهان عليكم نصر دين الله!، أم أنكم جبنتم وتخاذلتم واختلقتم الأعذار وهربتم، ألا تعلمون أنّ الله سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، واعلموا أن رجوعكم إلى صفوف الجماعة خير لكم من بقائكم أذلة تتقاذفكم الأهواء، وتخافون أن يشار إليكم بأنكم كنتم جنودا في صفوف الدولة الإسلامية لكيلا يفترسكم الأعداء، ولكن إذا آثرتم الحياة الدنيا الفانية، على الدار الآخرة الباقية، فإنّ الله غنيّ عن العالمين، فتوبوا وأوبوا وارجعوا إلى صفوف المجاهدين، وانصروا إخوانكم المسلمين، وقارعوا أعداء الملة والدين فما وضعت الحرب أوزارها فعلام أذلتم خيلكم، ولا يتبادرنّ إلى أذهانكم أنّنا ذكرنا ما ذكرناه لأنّنا نشكو قلّة الرجال كلّا والله، فإننا بخير وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقلّ بالخذلان لا بعدد الرجال، ولكن ذكرناه نصيحة وإشفاقا عليكم فأنتم أولى الناس بالنصح، ألا هل بلغت اللهمّ فاشهد.
أما رسالتنا الثالثة: فإلى الأمة الإسلامية وإلى أبنائها القاعدين عن الجهاد الراضين بالذلّ والاستعباد، ها هم حكام بلادكم من الطواغيت يسارعون في استرضاء واستجداء اليهود ويعقدون معهم الاجتماعات والاتفاقيات وليس ذلك بجديد، فعمالتهم لليهود قديمة ولكنّها ظهرت للعلن بعد أن أصبحت الظروف مهيّأة لها، فبعد أن رأى الطواغيت خنوع شعوبهم وتعلّقهم الشديد بالدنيا، أبرزوا أنيابهم وبان زيف ادعاءاتهم، ضاربين بعرض الحائط كلّ الشعارات التي كانوا يمنّونهم بها من معاداتهم لليهود ونصرتهم للفلسطينيين، ألا فليعلم الجميع أنّ بيت المقدس لن يفتح إلا على أيدي الموحدين وعباد الله المجاهدين، لا على أيدي الطواغيت وزبانيتهم من عبيد السياسات والمصالح والأهواء، الذين تتغير مبادئهم وفق ما يمليه عليهم أسيادهم، أمّا الأمر الذي لا يتغير عندهم هو عداوتهم للإسلام والمسلمين وحربهم لعباد الله الموحدين، لأن رجال دولة الإسلام أعزّها الله كشفوا عوارهم وكذبهم وبيّنوا للناس عمالتهم وكفرهم، وأنّهم دمى يحركها الصليبيون واليهود، ولكنّ العجب كيف لأذناب الطواغيت ومؤيّديهم أن يواكبوا كلّ هذه التقلّبات العنيفة في السياسات والمبادئ ويرقّعوها، وهم يميلون بهم من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال فيظنّها الحمقى سياسة وحنكة، ولكنّهم في الحقيقة يفتحون عليهم في كلّ مرة مستعينين ببلاعمتهم ودعاة ضلالهم بابا من أبواب جهنم يدعون الناس إلى الدخول فيها منه، فبالرّغم من كفرهم البواح باستبدالهم لأحكام شرع الله بالقوانين الوضعية التي تفرضها الأمم المتحدة الكافرة والقوانين التي يحكمون بها اليوم المستمدة من أهواء البشر، يحاولون جاهدين جرجرة الناس إلى الكفر يوما بعد يوم، فبعد بدعة حوار الأديان خرجوا عليهم بدين جديد يسمّونه "الدين الإبراهيميّ" فلا ندري أيّ إبراهيم يقصدون، فإن كانوا يقصدون إبراهيم النبيّ عليه السلام، فإننا نشهد أنه بريء منهم ومن كفرهم وشركهم، ولا يطالب بجمع الأديان في دين واحد إلا كلّ عدو لله مكذب لرسوله فلقد قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}، وما دعاهم إلى ذلك الكفر إلا وطنيّتهم وقوميّتهم الشركية التي يؤمنون بها، والتي يصنّفون الناس عليها لا على أساس شرعيّ ودينيّ، بل على أساس مناطقيّ دنيويّ، فيساوون بين المسلم والكافر إن كانوا أبناء بلد واحد، ولهم نفس الحقوق، والله عزّ وجلّ يقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} [القلم: 35 - 37]، بل ويشجّعونهم على حبّ بعضهم ونصرة بضعهم لبعض باختلاف أديانهم ولو كان ذلك على مسلم من بلد آخر بدعوى الوطنية ويجعلونها معقدا للولاء والبراء والعياذ بالله، ولقد خرجوا عليهم مؤخرا بدعوى قديمة جديدة، وهي المؤاخاة بين الشيعة الرافضة وأهل السنة وأن الحرب التي اندلعت خلال السنين الماضية كانت بسبب متشددين
من الطائفتين (بزعمهم)، وأنهم أبناء دين واحد بمذاهب مختلفة، ألا من زعم أنّ الكفار إخوانه وأنّ الرافضة المشركين الذين لا يخفى شركهم على أحد والذين يجاهرون بالطعن في عرض أمّ المؤمنين وشتم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ أنهم إخوانه في الوطن وشركاؤه، فهم والله إخوانه وهو شريكهم في العذاب في نار جهنم وبئس المصير، ألهذه الدرجة يا أبناء الإسلام يستخفّ الطواغيت بكم وبدينكم، أيّ حال وصلتم إليه وأيّ وهن سكن قلوبكم وإلى أيّ مرحلة وصل حبّ الدنيا حتى آثرتموها على دينكم وأعراضكم وكرامتكم، فو الله إن لم تستفيقوا وترجعوا إلى دينكم ليركبنّكم الكفار والمشركون قتلا وتشريدا، ولسوف يذلّونكم ذلا لا ترفعون بعده رأسا، وهل هناك ذلّ أكبر من أن يغلبكم الطواغيت بتشريعاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان على النساء بجعلهم لهنّ حقوقا فرضتها الأمم الكافرة تمنعكم من القوامة عليهنّ، فوا أسفاه على أحفاد الفاتحين، ووا أسفاه على أبناء القبائل المسلمة التي أبت الضيم والذلّ وكسرت كسرى وقيصر كيف يستعبدون اليوم من أجل الدنيا وشهواتها، فإلى أبناء الإسلام الرازحين تحت قهر الطواغيت، إنّ في كتاب الله من الثواب على الجهاد ما هو خير لكم من الحياة، وفيه مما ينبغي للمسلم أن يحبّ أن يخصّ به، فهو التجارة الرابحة التي دلّ الله عليها ونجّى بها من الخزي وألحق بها العزّة والكرامة، فانفضوا عنكم غبار الذلّ والهوان واستعينوا بالملك الدّيّان وقاتلوا كل طاغوت جبان، فإن أبيتم فلقد قال ربّنا سبحانه وتعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]
وأما رسالتنا الرابعة: فإلى الكفار والمشركين والملاحدة والمرتدين وكلّ من حارب الله ورسوله وعادى عباده الموحدين وقاتل دولة المسلمين، إلى من كان لديه منكم بقية سمع أو عقل فليراجع نفسه قبل أن يحفر بيديه رمسه، وأما إذا نسيتم فنذكركم، بأنّنا لا نقاتلكم من أجل مال أو سلطة أو جاه أو حفنة تراب أو قومية أو دنيا فانية، إنما نقاتلكم من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله، كلمة التوحيد التي من أجلها قامت السماوات والأرض، نقاتلكم لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، حتى نزيل الشرك ونطهّر الأرض منه، وحتى يعبد الله وحده ولا يشرك به، وحتى يحكم بشرع الله بين الناس وتقام الحدود ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتنسف القوانين والدساتير الوضعية التي تتحاكمون إليها، وكلّ البدع والضلالات التي هي من صنع البشر وأهل الأهواء أتباع الشيطان، هذا ما قاتلناكم ونقاتلكم وسنقاتلكم لأجله إن شاء الله، فإمّا أن يتمّ الله لنا هذا الأمر أو نهلك دونه ونقتّل، واعلموا أنّ إسلامكم أحبّ إلينا من قتلكم وتشريدكم، وإنّنا ندعوكم إلى الإسلام قبل القدرة عليكم، فإن أبيتم إلا الكفر والعصيان والبغي والعدوان فليس لكم عندنا إلا السيف مصلتا، والغلظة والشدّة وليس لكم من القتل مناص، ونحن على يقين أنّ الله سبحانه وتعالى سيمكّننا منكم وسينصرنا عليكم بحوله وقوته، وأنّنا سنعيد تحكيم الشريعة الإسلامية في كلّ المناطق التي انحاز المجاهدون منها إن شاء الله (برغم من أنفه لازال في الرّغم).
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
مقتطف من كلمة "قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ"
للشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر -حفظه الله تعالى-
أما رسالتنا الثانية: فإلى المنتكسين الذين ساروا في طريق الجهاد وذاقوا حلاوته، وعرفوا المجاهدين وعاشروهم ورأوا الفضائل والكرامات التي يمنّ الله بها عليهم، ثمّ ركنوا إلى الدنيا، أما تخافون من الله بخلعكم يد الطاعة وترككم الجماعة في أحلك الظروف، أما سمعتم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يقول: (من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له)، واعلموا أنكم خذلتم المسلمين في موطن أحبّوا فيه نصرتكم، ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خذل مسلما في موضع يحب نصرته فيه خذله اللّه في موضع يحب نصرته فيه)، فما الذي دهاكم هل ضمنتم الجنة فاكتفيتم، أم أن الأرض كلّها قد حكمت بشرع الله ومن الكفار انتهيتم، أم أنه أتعبكم الجهاد وكثرة الجلاد، فهل وجدتم الراحة في مجاورة النساء والأولاد، أم هل عزّت عليكم الحياة وهان عليكم نصر دين الله!، أم أنكم جبنتم وتخاذلتم واختلقتم الأعذار وهربتم، ألا تعلمون أنّ الله سبحانه وتعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، واعلموا أن رجوعكم إلى صفوف الجماعة خير لكم من بقائكم أذلة تتقاذفكم الأهواء، وتخافون أن يشار إليكم بأنكم كنتم جنودا في صفوف الدولة الإسلامية لكيلا يفترسكم الأعداء، ولكن إذا آثرتم الحياة الدنيا الفانية، على الدار الآخرة الباقية، فإنّ الله غنيّ عن العالمين، فتوبوا وأوبوا وارجعوا إلى صفوف المجاهدين، وانصروا إخوانكم المسلمين، وقارعوا أعداء الملة والدين فما وضعت الحرب أوزارها فعلام أذلتم خيلكم، ولا يتبادرنّ إلى أذهانكم أنّنا ذكرنا ما ذكرناه لأنّنا نشكو قلّة الرجال كلّا والله، فإننا بخير وإنما تكثر الجنود بالنصر وتقلّ بالخذلان لا بعدد الرجال، ولكن ذكرناه نصيحة وإشفاقا عليكم فأنتم أولى الناس بالنصح، ألا هل بلغت اللهمّ فاشهد.
أما رسالتنا الثالثة: فإلى الأمة الإسلامية وإلى أبنائها القاعدين عن الجهاد الراضين بالذلّ والاستعباد، ها هم حكام بلادكم من الطواغيت يسارعون في استرضاء واستجداء اليهود ويعقدون معهم الاجتماعات والاتفاقيات وليس ذلك بجديد، فعمالتهم لليهود قديمة ولكنّها ظهرت للعلن بعد أن أصبحت الظروف مهيّأة لها، فبعد أن رأى الطواغيت خنوع شعوبهم وتعلّقهم الشديد بالدنيا، أبرزوا أنيابهم وبان زيف ادعاءاتهم، ضاربين بعرض الحائط كلّ الشعارات التي كانوا يمنّونهم بها من معاداتهم لليهود ونصرتهم للفلسطينيين، ألا فليعلم الجميع أنّ بيت المقدس لن يفتح إلا على أيدي الموحدين وعباد الله المجاهدين، لا على أيدي الطواغيت وزبانيتهم من عبيد السياسات والمصالح والأهواء، الذين تتغير مبادئهم وفق ما يمليه عليهم أسيادهم، أمّا الأمر الذي لا يتغير عندهم هو عداوتهم للإسلام والمسلمين وحربهم لعباد الله الموحدين، لأن رجال دولة الإسلام أعزّها الله كشفوا عوارهم وكذبهم وبيّنوا للناس عمالتهم وكفرهم، وأنّهم دمى يحركها الصليبيون واليهود، ولكنّ العجب كيف لأذناب الطواغيت ومؤيّديهم أن يواكبوا كلّ هذه التقلّبات العنيفة في السياسات والمبادئ ويرقّعوها، وهم يميلون بهم من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال فيظنّها الحمقى سياسة وحنكة، ولكنّهم في الحقيقة يفتحون عليهم في كلّ مرة مستعينين ببلاعمتهم ودعاة ضلالهم بابا من أبواب جهنم يدعون الناس إلى الدخول فيها منه، فبالرّغم من كفرهم البواح باستبدالهم لأحكام شرع الله بالقوانين الوضعية التي تفرضها الأمم المتحدة الكافرة والقوانين التي يحكمون بها اليوم المستمدة من أهواء البشر، يحاولون جاهدين جرجرة الناس إلى الكفر يوما بعد يوم، فبعد بدعة حوار الأديان خرجوا عليهم بدين جديد يسمّونه "الدين الإبراهيميّ" فلا ندري أيّ إبراهيم يقصدون، فإن كانوا يقصدون إبراهيم النبيّ عليه السلام، فإننا نشهد أنه بريء منهم ومن كفرهم وشركهم، ولا يطالب بجمع الأديان في دين واحد إلا كلّ عدو لله مكذب لرسوله فلقد قال تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}، وما دعاهم إلى ذلك الكفر إلا وطنيّتهم وقوميّتهم الشركية التي يؤمنون بها، والتي يصنّفون الناس عليها لا على أساس شرعيّ ودينيّ، بل على أساس مناطقيّ دنيويّ، فيساوون بين المسلم والكافر إن كانوا أبناء بلد واحد، ولهم نفس الحقوق، والله عزّ وجلّ يقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ} [القلم: 35 - 37]، بل ويشجّعونهم على حبّ بعضهم ونصرة بضعهم لبعض باختلاف أديانهم ولو كان ذلك على مسلم من بلد آخر بدعوى الوطنية ويجعلونها معقدا للولاء والبراء والعياذ بالله، ولقد خرجوا عليهم مؤخرا بدعوى قديمة جديدة، وهي المؤاخاة بين الشيعة الرافضة وأهل السنة وأن الحرب التي اندلعت خلال السنين الماضية كانت بسبب متشددين
من الطائفتين (بزعمهم)، وأنهم أبناء دين واحد بمذاهب مختلفة، ألا من زعم أنّ الكفار إخوانه وأنّ الرافضة المشركين الذين لا يخفى شركهم على أحد والذين يجاهرون بالطعن في عرض أمّ المؤمنين وشتم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين؛ أنهم إخوانه في الوطن وشركاؤه، فهم والله إخوانه وهو شريكهم في العذاب في نار جهنم وبئس المصير، ألهذه الدرجة يا أبناء الإسلام يستخفّ الطواغيت بكم وبدينكم، أيّ حال وصلتم إليه وأيّ وهن سكن قلوبكم وإلى أيّ مرحلة وصل حبّ الدنيا حتى آثرتموها على دينكم وأعراضكم وكرامتكم، فو الله إن لم تستفيقوا وترجعوا إلى دينكم ليركبنّكم الكفار والمشركون قتلا وتشريدا، ولسوف يذلّونكم ذلا لا ترفعون بعده رأسا، وهل هناك ذلّ أكبر من أن يغلبكم الطواغيت بتشريعاتهم التي ما أنزل الله بها من سلطان على النساء بجعلهم لهنّ حقوقا فرضتها الأمم الكافرة تمنعكم من القوامة عليهنّ، فوا أسفاه على أحفاد الفاتحين، ووا أسفاه على أبناء القبائل المسلمة التي أبت الضيم والذلّ وكسرت كسرى وقيصر كيف يستعبدون اليوم من أجل الدنيا وشهواتها، فإلى أبناء الإسلام الرازحين تحت قهر الطواغيت، إنّ في كتاب الله من الثواب على الجهاد ما هو خير لكم من الحياة، وفيه مما ينبغي للمسلم أن يحبّ أن يخصّ به، فهو التجارة الرابحة التي دلّ الله عليها ونجّى بها من الخزي وألحق بها العزّة والكرامة، فانفضوا عنكم غبار الذلّ والهوان واستعينوا بالملك الدّيّان وقاتلوا كل طاغوت جبان، فإن أبيتم فلقد قال ربّنا سبحانه وتعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24]
وأما رسالتنا الرابعة: فإلى الكفار والمشركين والملاحدة والمرتدين وكلّ من حارب الله ورسوله وعادى عباده الموحدين وقاتل دولة المسلمين، إلى من كان لديه منكم بقية سمع أو عقل فليراجع نفسه قبل أن يحفر بيديه رمسه، وأما إذا نسيتم فنذكركم، بأنّنا لا نقاتلكم من أجل مال أو سلطة أو جاه أو حفنة تراب أو قومية أو دنيا فانية، إنما نقاتلكم من أجل لا إله إلا الله محمد رسول الله، كلمة التوحيد التي من أجلها قامت السماوات والأرض، نقاتلكم لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، حتى نزيل الشرك ونطهّر الأرض منه، وحتى يعبد الله وحده ولا يشرك به، وحتى يحكم بشرع الله بين الناس وتقام الحدود ويؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وتنسف القوانين والدساتير الوضعية التي تتحاكمون إليها، وكلّ البدع والضلالات التي هي من صنع البشر وأهل الأهواء أتباع الشيطان، هذا ما قاتلناكم ونقاتلكم وسنقاتلكم لأجله إن شاء الله، فإمّا أن يتمّ الله لنا هذا الأمر أو نهلك دونه ونقتّل، واعلموا أنّ إسلامكم أحبّ إلينا من قتلكم وتشريدكم، وإنّنا ندعوكم إلى الإسلام قبل القدرة عليكم، فإن أبيتم إلا الكفر والعصيان والبغي والعدوان فليس لكم عندنا إلا السيف مصلتا، والغلظة والشدّة وليس لكم من القتل مناص، ونحن على يقين أنّ الله سبحانه وتعالى سيمكّننا منكم وسينصرنا عليكم بحوله وقوته، وأنّنا سنعيد تحكيم الشريعة الإسلامية في كلّ المناطق التي انحاز المجاهدون منها إن شاء الله (برغم من أنفه لازال في الرّغم).
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
مقال: معدن النفس الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. ...
مقال: معدن النفس
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
الاجتهاد في الظاهر وإهمال الباطن، أو سوء الظاهر مع ادّعاء صلاح الباطن، كلا المسلكين مجانب للصواب، فبين الظاهر والباطن ارتباط وتلازم، ولكن لن يكون ذلك إلا بعد معرفة وِجهة التأثير ومحله، وهو القلب.
فالقلب جوهر العبد ومعدن النفس، وهو القائد المُتبع الذي إن صلح اتُبع على صلاحه وإن فسد اتُبع على فساده، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه]، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "القوم إذا صلحت قلوبهم فلم يبق فيها إرادة لغير الله عز وجل صلحت جوارحهم فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه رضاه". قال أيضًا: "ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، والإيمان قول وعمل ونية فكان ولا بد أن يعتني العبد بقلبه لأنه صاحب بواعث كثيرة". [جامع العلوم والحكم]، فإهمال القلب لا يكون إلا من جاهل ببواعث قلبه وآثار تلك البواعث من إنقاص الإيمان الذي بزيادته تقوى النفس وتصلح الأعمال.
ومن أراد الصلاح لنفسه فلا يُفوِّتَن وقته في تزيين الظاهر وباطنه خواء، بل يكون فقيه القلب لا متفيهقا، وصالح القلب لا متشدقا، وطيّب القلب لا متكلف الأخلاق، والاجتهاد في القلب يغني عن التقمّص الكثير، ويعالج الطبائع الراسخة، فإن الطبع إنما هو طريقة القلب التي ألِفها واعتادها وسارت عليها الجوارح.
ولا يمكن إصلاح القلب إلا بمعرفته حق المعرفة، قال ابن قدامة المقدسي واصفا أهمية تعهد القلب: "اعلم أن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله، العامل له، الساعي إليه، المقرب المكاشف بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد، ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، والله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته أن يمنعه من معرفته ومراقبته، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين، وأساس طريق السالكين". [مختصر منهاج القاصدين]
• تحصين القلب
ومن عرف قلبه حرسه وحصّنه من الأعداء؛ لأن العدو ينتظر أي فرصة ليهجم على الحصن ويستحوذ عليه ولن يقوى ذلك الحصن إلا بقربه من الله تعالى، وكلما بَعُد من ربه ضَعُف وهان على العدو اقتحامه، قال ابن القيم رحمه الله: "القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات، والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن الله، وبُعد المعصية أعظم من بُعد الغفلة، وبُعد البدعة أعظم من بُعد المعصية، وبُعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله... ومثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعُد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته الآفات، وفي الحديث: (الشيطان ذئب الإنسان)، وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد، وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى". [الجواب الكافي]
• مداخل الشيطان!
فمن رام الحفاظ على قلبه فليسد المداخل الشيطانية، قال ابن قدامه: "واعلم: أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولى عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهى كثيرة، إلا أنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان، فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص، فمتى كان العبد حريصا على شيء، أعماه حرصه وأصمه، وغطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان، ومن أبوابه العظيمة: الغضب، والشهوة، والحدة، ومن أبوابه: حب التزيين في المنزل والثياب والأثاث، ومن أبوابه: الشبع، فإنه يقوى الشهوة، ويشغل الطاعة. ومنها: الطمع في الناس، فإن من طمع في شخص، بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه، وداهنه، ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر، ومن أبوابه: العجلة، وترك التثبت" [مختصر منهاج القاصدين]
وقد يحصل في القلب تجاذب بين وساوس الشيطان وإيحاءات المَلَك، ويميل القلب إلى أحدهما إن غلب، قال ابن قدامة: "اعلم أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم، إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا كما قال تعالى {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: ٤] وهو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا وقعت الغفلة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر" [المرجع السابق]
• حقيقة مرض القلب
وإن وقع التفريط في تحصين القلب وقلّ الاحتراس من دروب الشيطان سرتْ إلى القلب الآفات وإن كان صاحبه منشغلا بالعبادة وصالح الأعمال، قال ابن الجوزي رحمه الله: وكم من متعبد يبالغ في كثرة الصلاة والصوم، ولا يعاني صلاح القلب وقد يكون عنده: الكبر والرياء والنفاق والجهل بالعلم ولا يحس بذلك!" [التبصرة]، وقال ابن قدامة رحمه الله: "ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه، لأن دواءه مخالف الهوى، وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر طب القلوب ومرضها بالكلية وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات فهذه علامة أصل المرض"، وقال أيضا: "اعلم أن كل عضو خلق لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب، فمرض اليد تعذر البطش، ومرض العين تعذر الإبصار، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وعبادته، وإيثار ذلك على كل شهوة، فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه، كان كأنه لم يعرف شيئاً" [مختصر منهاج القاصدين]، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "فأمَّا إذا خالطت الخلق، وتعرّضت للشهوات ثم رمت صلاح القلب رُمت الممتنع". [صيد الخاطر]
• خير علاج للقلوب
وإن مرض القلب فمفتاحه وخير علاجه في إصلاح السريرة، قال ابن الجوزي رحمه الله: "من أصلح سريرته فاح عبيره، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع فسادها صلاح ظاهر". [صيد الخاطر]، وقال أيضا: "سبب صلاح الدين رقَّةُ القلب، والقساوةُ مصيبةٌ قويةٌ، قال مالك بن دينار: ما ضُربَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب". [الخواتيم]، وكتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: "من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للناس بغير ما يعلم الله مِن قلبه؛ شانه الله عز وجل، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام". [حلية الأولياء]، قال حذيفة المرعشي: "إن أطعتَ اللهَ في السرِّ، أصلح قلبك شئتَ أم أبيت". [صفة الصفوة].
وهذا جوهر إصلاح القلب فلا تتخطى هذه الخطوة إن أردت للقلب صلاحا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
الاجتهاد في الظاهر وإهمال الباطن، أو سوء الظاهر مع ادّعاء صلاح الباطن، كلا المسلكين مجانب للصواب، فبين الظاهر والباطن ارتباط وتلازم، ولكن لن يكون ذلك إلا بعد معرفة وِجهة التأثير ومحله، وهو القلب.
فالقلب جوهر العبد ومعدن النفس، وهو القائد المُتبع الذي إن صلح اتُبع على صلاحه وإن فسد اتُبع على فساده، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه]، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "القوم إذا صلحت قلوبهم فلم يبق فيها إرادة لغير الله عز وجل صلحت جوارحهم فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه رضاه". قال أيضًا: "ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، والإيمان قول وعمل ونية فكان ولا بد أن يعتني العبد بقلبه لأنه صاحب بواعث كثيرة". [جامع العلوم والحكم]، فإهمال القلب لا يكون إلا من جاهل ببواعث قلبه وآثار تلك البواعث من إنقاص الإيمان الذي بزيادته تقوى النفس وتصلح الأعمال.
ومن أراد الصلاح لنفسه فلا يُفوِّتَن وقته في تزيين الظاهر وباطنه خواء، بل يكون فقيه القلب لا متفيهقا، وصالح القلب لا متشدقا، وطيّب القلب لا متكلف الأخلاق، والاجتهاد في القلب يغني عن التقمّص الكثير، ويعالج الطبائع الراسخة، فإن الطبع إنما هو طريقة القلب التي ألِفها واعتادها وسارت عليها الجوارح.
ولا يمكن إصلاح القلب إلا بمعرفته حق المعرفة، قال ابن قدامة المقدسي واصفا أهمية تعهد القلب: "اعلم أن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله، العامل له، الساعي إليه، المقرب المكاشف بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد، ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، والله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته أن يمنعه من معرفته ومراقبته، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين، وأساس طريق السالكين". [مختصر منهاج القاصدين]
• تحصين القلب
ومن عرف قلبه حرسه وحصّنه من الأعداء؛ لأن العدو ينتظر أي فرصة ليهجم على الحصن ويستحوذ عليه ولن يقوى ذلك الحصن إلا بقربه من الله تعالى، وكلما بَعُد من ربه ضَعُف وهان على العدو اقتحامه، قال ابن القيم رحمه الله: "القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات، والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن الله، وبُعد المعصية أعظم من بُعد الغفلة، وبُعد البدعة أعظم من بُعد المعصية، وبُعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله... ومثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعُد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته الآفات، وفي الحديث: (الشيطان ذئب الإنسان)، وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد، وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى". [الجواب الكافي]
• مداخل الشيطان!
فمن رام الحفاظ على قلبه فليسد المداخل الشيطانية، قال ابن قدامه: "واعلم: أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولى عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهى كثيرة، إلا أنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان، فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص، فمتى كان العبد حريصا على شيء، أعماه حرصه وأصمه، وغطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان، ومن أبوابه العظيمة: الغضب، والشهوة، والحدة، ومن أبوابه: حب التزيين في المنزل والثياب والأثاث، ومن أبوابه: الشبع، فإنه يقوى الشهوة، ويشغل الطاعة. ومنها: الطمع في الناس، فإن من طمع في شخص، بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه، وداهنه، ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر، ومن أبوابه: العجلة، وترك التثبت" [مختصر منهاج القاصدين]
وقد يحصل في القلب تجاذب بين وساوس الشيطان وإيحاءات المَلَك، ويميل القلب إلى أحدهما إن غلب، قال ابن قدامة: "اعلم أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم، إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا كما قال تعالى {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: ٤] وهو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا وقعت الغفلة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر" [المرجع السابق]
• حقيقة مرض القلب
وإن وقع التفريط في تحصين القلب وقلّ الاحتراس من دروب الشيطان سرتْ إلى القلب الآفات وإن كان صاحبه منشغلا بالعبادة وصالح الأعمال، قال ابن الجوزي رحمه الله: وكم من متعبد يبالغ في كثرة الصلاة والصوم، ولا يعاني صلاح القلب وقد يكون عنده: الكبر والرياء والنفاق والجهل بالعلم ولا يحس بذلك!" [التبصرة]، وقال ابن قدامة رحمه الله: "ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه، لأن دواءه مخالف الهوى، وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر طب القلوب ومرضها بالكلية وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات فهذه علامة أصل المرض"، وقال أيضا: "اعلم أن كل عضو خلق لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب، فمرض اليد تعذر البطش، ومرض العين تعذر الإبصار، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وعبادته، وإيثار ذلك على كل شهوة، فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه، كان كأنه لم يعرف شيئاً" [مختصر منهاج القاصدين]، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "فأمَّا إذا خالطت الخلق، وتعرّضت للشهوات ثم رمت صلاح القلب رُمت الممتنع". [صيد الخاطر]
• خير علاج للقلوب
وإن مرض القلب فمفتاحه وخير علاجه في إصلاح السريرة، قال ابن الجوزي رحمه الله: "من أصلح سريرته فاح عبيره، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع فسادها صلاح ظاهر". [صيد الخاطر]، وقال أيضا: "سبب صلاح الدين رقَّةُ القلب، والقساوةُ مصيبةٌ قويةٌ، قال مالك بن دينار: ما ضُربَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب". [الخواتيم]، وكتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: "من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للناس بغير ما يعلم الله مِن قلبه؛ شانه الله عز وجل، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام". [حلية الأولياء]، قال حذيفة المرعشي: "إن أطعتَ اللهَ في السرِّ، أصلح قلبك شئتَ أم أبيت". [صفة الصفوة].
وهذا جوهر إصلاح القلب فلا تتخطى هذه الخطوة إن أردت للقلب صلاحا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
مقال: معدن النفس الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد. ...
مقال: معدن النفس
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
الاجتهاد في الظاهر وإهمال الباطن، أو سوء الظاهر مع ادّعاء صلاح الباطن، كلا المسلكين مجانب للصواب، فبين الظاهر والباطن ارتباط وتلازم، ولكن لن يكون ذلك إلا بعد معرفة وِجهة التأثير ومحله، وهو القلب.
فالقلب جوهر العبد ومعدن النفس، وهو القائد المُتبع الذي إن صلح اتُبع على صلاحه وإن فسد اتُبع على فساده، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه]، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "القوم إذا صلحت قلوبهم فلم يبق فيها إرادة لغير الله عز وجل صلحت جوارحهم فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه رضاه". قال أيضًا: "ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، والإيمان قول وعمل ونية فكان ولا بد أن يعتني العبد بقلبه لأنه صاحب بواعث كثيرة". [جامع العلوم والحكم]، فإهمال القلب لا يكون إلا من جاهل ببواعث قلبه وآثار تلك البواعث من إنقاص الإيمان الذي بزيادته تقوى النفس وتصلح الأعمال.
ومن أراد الصلاح لنفسه فلا يُفوِّتَن وقته في تزيين الظاهر وباطنه خواء، بل يكون فقيه القلب لا متفيهقا، وصالح القلب لا متشدقا، وطيّب القلب لا متكلف الأخلاق، والاجتهاد في القلب يغني عن التقمّص الكثير، ويعالج الطبائع الراسخة، فإن الطبع إنما هو طريقة القلب التي ألِفها واعتادها وسارت عليها الجوارح.
ولا يمكن إصلاح القلب إلا بمعرفته حق المعرفة، قال ابن قدامة المقدسي واصفا أهمية تعهد القلب: "اعلم أن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله، العامل له، الساعي إليه، المقرب المكاشف بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد، ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، والله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته أن يمنعه من معرفته ومراقبته، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين، وأساس طريق السالكين". [مختصر منهاج القاصدين]
• تحصين القلب
ومن عرف قلبه حرسه وحصّنه من الأعداء؛ لأن العدو ينتظر أي فرصة ليهجم على الحصن ويستحوذ عليه ولن يقوى ذلك الحصن إلا بقربه من الله تعالى، وكلما بَعُد من ربه ضَعُف وهان على العدو اقتحامه، قال ابن القيم رحمه الله: "القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات، والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن الله، وبُعد المعصية أعظم من بُعد الغفلة، وبُعد البدعة أعظم من بُعد المعصية، وبُعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله... ومثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعُد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته الآفات، وفي الحديث: (الشيطان ذئب الإنسان)، وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد، وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى". [الجواب الكافي]
• مداخل الشيطان!
فمن رام الحفاظ على قلبه فليسد المداخل الشيطانية، قال ابن قدامه: "واعلم: أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولى عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهى كثيرة، إلا أنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان، فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص، فمتى كان العبد حريصا على شيء، أعماه حرصه وأصمه، وغطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان، ومن أبوابه العظيمة: الغضب، والشهوة، والحدة، ومن أبوابه: حب التزيين في المنزل والثياب والأثاث، ومن أبوابه: الشبع، فإنه يقوى الشهوة، ويشغل الطاعة. ومنها: الطمع في الناس، فإن من طمع في شخص، بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه، وداهنه، ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر، ومن أبوابه: العجلة، وترك التثبت" [مختصر منهاج القاصدين]
وقد يحصل في القلب تجاذب بين وساوس الشيطان وإيحاءات المَلَك، ويميل القلب إلى أحدهما إن غلب، قال ابن قدامة: "اعلم أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم، إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا كما قال تعالى {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: ٤] وهو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا وقعت الغفلة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر" [المرجع السابق]
• حقيقة مرض القلب
وإن وقع التفريط في تحصين القلب وقلّ الاحتراس من دروب الشيطان سرتْ إلى القلب الآفات وإن كان صاحبه منشغلا بالعبادة وصالح الأعمال، قال ابن الجوزي رحمه الله: وكم من متعبد يبالغ في كثرة الصلاة والصوم، ولا يعاني صلاح القلب وقد يكون عنده: الكبر والرياء والنفاق والجهل بالعلم ولا يحس بذلك!" [التبصرة]، وقال ابن قدامة رحمه الله: "ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه، لأن دواءه مخالف الهوى، وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر طب القلوب ومرضها بالكلية وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات فهذه علامة أصل المرض"، وقال أيضا: "اعلم أن كل عضو خلق لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب، فمرض اليد تعذر البطش، ومرض العين تعذر الإبصار، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وعبادته، وإيثار ذلك على كل شهوة، فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه، كان كأنه لم يعرف شيئاً" [مختصر منهاج القاصدين]، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "فأمَّا إذا خالطت الخلق، وتعرّضت للشهوات ثم رمت صلاح القلب رُمت الممتنع". [صيد الخاطر]
• خير علاج للقلوب
وإن مرض القلب فمفتاحه وخير علاجه في إصلاح السريرة، قال ابن الجوزي رحمه الله: "من أصلح سريرته فاح عبيره، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع فسادها صلاح ظاهر". [صيد الخاطر]، وقال أيضا: "سبب صلاح الدين رقَّةُ القلب، والقساوةُ مصيبةٌ قويةٌ، قال مالك بن دينار: ما ضُربَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب". [الخواتيم]، وكتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: "من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للناس بغير ما يعلم الله مِن قلبه؛ شانه الله عز وجل، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام". [حلية الأولياء]، قال حذيفة المرعشي: "إن أطعتَ اللهَ في السرِّ، أصلح قلبك شئتَ أم أبيت". [صفة الصفوة].
وهذا جوهر إصلاح القلب فلا تتخطى هذه الخطوة إن أردت للقلب صلاحا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
الاجتهاد في الظاهر وإهمال الباطن، أو سوء الظاهر مع ادّعاء صلاح الباطن، كلا المسلكين مجانب للصواب، فبين الظاهر والباطن ارتباط وتلازم، ولكن لن يكون ذلك إلا بعد معرفة وِجهة التأثير ومحله، وهو القلب.
فالقلب جوهر العبد ومعدن النفس، وهو القائد المُتبع الذي إن صلح اتُبع على صلاحه وإن فسد اتُبع على فساده، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) [متفق عليه]، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "القوم إذا صلحت قلوبهم فلم يبق فيها إرادة لغير الله عز وجل صلحت جوارحهم فلم تتحرك إلا لله عز وجل، وبما فيه رضاه". قال أيضًا: "ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح، والإيمان قول وعمل ونية فكان ولا بد أن يعتني العبد بقلبه لأنه صاحب بواعث كثيرة". [جامع العلوم والحكم]، فإهمال القلب لا يكون إلا من جاهل ببواعث قلبه وآثار تلك البواعث من إنقاص الإيمان الذي بزيادته تقوى النفس وتصلح الأعمال.
ومن أراد الصلاح لنفسه فلا يُفوِّتَن وقته في تزيين الظاهر وباطنه خواء، بل يكون فقيه القلب لا متفيهقا، وصالح القلب لا متشدقا، وطيّب القلب لا متكلف الأخلاق، والاجتهاد في القلب يغني عن التقمّص الكثير، ويعالج الطبائع الراسخة، فإن الطبع إنما هو طريقة القلب التي ألِفها واعتادها وسارت عليها الجوارح.
ولا يمكن إصلاح القلب إلا بمعرفته حق المعرفة، قال ابن قدامة المقدسي واصفا أهمية تعهد القلب: "اعلم أن أشرف ما في الإنسان قلبه، فإنه العالم بالله، العامل له، الساعي إليه، المقرب المكاشف بما عنده، وإنما الجوارح أتباع وخدام له يستخدمها القلب استخدام الملوك للعبيد، ومن عرف قلبه عرف ربه، وأكثر الناس جاهلون بقلوبهم ونفوسهم، والله يحول بين المرء وقلبه، وحيلولته أن يمنعه من معرفته ومراقبته، فمعرفة القلب وصفاته أصل الدين، وأساس طريق السالكين". [مختصر منهاج القاصدين]
• تحصين القلب
ومن عرف قلبه حرسه وحصّنه من الأعداء؛ لأن العدو ينتظر أي فرصة ليهجم على الحصن ويستحوذ عليه ولن يقوى ذلك الحصن إلا بقربه من الله تعالى، وكلما بَعُد من ربه ضَعُف وهان على العدو اقتحامه، قال ابن القيم رحمه الله: "القلب كلما كان أبعد من الله كانت الآفات إليه أسرع، وكلما كان أقرب من الله بعدت عنه الآفات، والبعد من الله مراتب بعضها أشد من بعض، فالغفلة تبعد العبد عن الله، وبُعد المعصية أعظم من بُعد الغفلة، وبُعد البدعة أعظم من بُعد المعصية، وبُعد النفاق والشرك أعظم من ذلك كله... ومثل القلب مثل الطائر، كلما علا بعُد عن الآفات، وكلما نزل استوحشته الآفات، وفي الحديث: (الشيطان ذئب الإنسان)، وكما أن الشاة التي لا حافظ لها وهي بين الذئاب سريعة العطب، فكذا العبد إذا لم يكن عليه حافظ من الله فذئبه مفترسه ولا بد، وإنما يكون عليه حافظ من الله بالتقوى". [الجواب الكافي]
• مداخل الشيطان!
فمن رام الحفاظ على قلبه فليسد المداخل الشيطانية، قال ابن قدامه: "واعلم: أن مثل القلب كمثل حصن، والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن، ويملكه ويستولى عليه، ولا يمكن حفظ الحصن إلا بحراسة أبوابه، ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يعرفها، ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله، ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد، وهى كثيرة، إلا أنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان، فمن أبوابه العظيمة: الحسد، والحرص، فمتى كان العبد حريصا على شيء، أعماه حرصه وأصمه، وغطى نور بصيرته التي يعرف بها مداخل الشيطان، ومن أبوابه العظيمة: الغضب، والشهوة، والحدة، ومن أبوابه: حب التزيين في المنزل والثياب والأثاث، ومن أبوابه: الشبع، فإنه يقوى الشهوة، ويشغل الطاعة. ومنها: الطمع في الناس، فإن من طمع في شخص، بالغ بالثناء عليه بما ليس فيه، وداهنه، ولم يأمره بالمعروف، ولم ينهه عن المنكر، ومن أبوابه: العجلة، وترك التثبت" [مختصر منهاج القاصدين]
وقد يحصل في القلب تجاذب بين وساوس الشيطان وإيحاءات المَلَك، ويميل القلب إلى أحدهما إن غلب، قال ابن قدامة: "اعلم أن القلب بأصل فطرته قابل للهدى، وبما وضع فيه من الشهوة والهوى، مائل عن ذلك، والتطارد فيه بين جندي الملائكة والشياطين دائم، إلى أن ينفتح القلب لأحدهما، فيتمكن، ويستوطن، ويكون اجتياز الثاني اختلاسا كما قال تعالى {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} [الناس: ٤] وهو الذي إذا ذكر الله خنس، وإذا وقعت الغفلة انبسط، ولا يطرد جند الشياطين من القلب إلا ذكر الله تعالى، فإنه لا قرار له مع الذكر" [المرجع السابق]
• حقيقة مرض القلب
وإن وقع التفريط في تحصين القلب وقلّ الاحتراس من دروب الشيطان سرتْ إلى القلب الآفات وإن كان صاحبه منشغلا بالعبادة وصالح الأعمال، قال ابن الجوزي رحمه الله: وكم من متعبد يبالغ في كثرة الصلاة والصوم، ولا يعاني صلاح القلب وقد يكون عنده: الكبر والرياء والنفاق والجهل بالعلم ولا يحس بذلك!" [التبصرة]، وقال ابن قدامة رحمه الله: "ومرض القلب خفي قد لا يعرفه صاحبه، فلذلك يغفل عنه، وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه، لأن دواءه مخالف الهوى، وإن وجد الصبر لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه، فإن الأطباء هم العلماء والمرض قد استولى عليهم والطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه، فلهذا صار الداء عضالاً، واندرس هذا العلم، وأنكر طب القلوب ومرضها بالكلية وأقبل الناس على أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات فهذه علامة أصل المرض"، وقال أيضا: "اعلم أن كل عضو خلق لفعل خاص، فعلامة مرضه أن يتعذر منه ذلك الفعل، أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب، فمرض اليد تعذر البطش، ومرض العين تعذر الإبصار، ومرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله، وهو العلم والحكمة والمعرفة، وحب الله تعالى وعبادته، وإيثار ذلك على كل شهوة، فلو أن الإنسان عرف كل شيء ولم يعرف الله سبحانه، كان كأنه لم يعرف شيئاً" [مختصر منهاج القاصدين]، وقال ابن الجوزي رحمه الله: "فأمَّا إذا خالطت الخلق، وتعرّضت للشهوات ثم رمت صلاح القلب رُمت الممتنع". [صيد الخاطر]
• خير علاج للقلوب
وإن مرض القلب فمفتاحه وخير علاجه في إصلاح السريرة، قال ابن الجوزي رحمه الله: "من أصلح سريرته فاح عبيره، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في السرائر، فإنه ما ينفع فسادها صلاح ظاهر". [صيد الخاطر]، وقال أيضا: "سبب صلاح الدين رقَّةُ القلب، والقساوةُ مصيبةٌ قويةٌ، قال مالك بن دينار: ما ضُربَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظم من قسوة القلب". [الخواتيم]، وكتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما: "من خلصت نيته كفاه الله تعالى ما بينه وبين الناس، ومن تزيّن للناس بغير ما يعلم الله مِن قلبه؛ شانه الله عز وجل، فما ظنك في ثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟ والسلام". [حلية الأولياء]، قال حذيفة المرعشي: "إن أطعتَ اللهَ في السرِّ، أصلح قلبك شئتَ أم أبيت". [صفة الصفوة].
وهذا جوهر إصلاح القلب فلا تتخطى هذه الخطوة إن أردت للقلب صلاحا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
ماذا لو تُرك الجهاد؟ لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من ...
ماذا لو تُرك الجهاد؟
لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من قبلنا، وما يشرع الله سبحانه وتعالى من شرائع إلا وفيها من الحكمة والخير ما فيها؛ وإن كان الناس يرون في ظاهرها وبوادرها ما تكره نفوسهم، وهي بلا شك خير لهم وأحسن عاقبة، وإن الجهاد شرع من العزيز الحكيم، شرعه لغايات حميدة، وحكم جليلة، وقد قدر الله تعالى سننا لا تتخلف ولا تحابي من نكص وترك هذه الفريضة وركن إلى الفانية الزائلة، فالذل والهوان والعذاب الأليم هذا ما ينتظر المتخلفين الناكصين، لعلهم يرجعون إلى شرع الله الحكيم.
ويصرُّ الناسُ في عصرنا على عدم الاعتراف بأن تتابع المصائب والبلايا التي تحلّ بهم هو بسبب ترك الجهاد ومفارقة سبيله، رغم عيشهم في تلك النكبات وتفاقمها وكثرة شكايتهم منها، إلا أنهم أُغرِقوا في غمراتها وأَغرقوا أنفسهم في دركاتها حتى استمكنت من قلوبهم فلا يرون سبيلا للخروج منها، وما ذاك إلا بسبب عذاب الله المضروب عليهم بتخلّفهم عن الجهاد لقوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وأيّ ألم أشد من أنْ ينشب المرء في حال سيئ يتجرعه ولا يكاد يخرج منه، وتذهب عليه دنياه وآخرته ويعيش يكدح لغيره ويشقى للفناء، حتى يكون همّه والبهائم سواء "مطعم ومشرب وشهوة"، بعد أنْ أكرمه الله بشريعة السماء لتسمو بها البشرية جمعاء.
وإنّ أعظم ما يتهدّد في حياة الناس بتعطيل الجهاد هو مقام التوحيد لله تعالى فتكثر الآلهة وتتعدد ويتعاظم الشرك ويتمدد! ويصير الطواغيت في عرف الناس أولياء أمر يُضحّى في سبيلهم، أو يُنظر إليهم أنهم آثار وأمجاد للسابقين وقدوات لللاحقين!، أو يألفُ الناس الشرك أو يعتقدون أن التحريم والتحليل من حقهم!، أو تصبح المزارات الشركية من الدين الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، أو يُنظر للملحدين الذين يُنكرون وجود الخالق سبحانه أنهم رموز تحرر!، فهذا الكفر بأنواعه وأشكاله المناقض للتوحيد يصبح شيئا طبيعيا بترك الجهاد ومن حق كل مشرك أن يدعو لشركه، وإنما شُرع الجهاد في سبيل الله لتُؤطر الخليقة كلها لعبادة خالقها وفاطرها جلّ جلاله.
وينتج عن ترك الجهاد أيضا أن يضيع في الناس الولاء والبراء، فيصبح عابد الطاغوت ومن يعبد الله سواء فيما لهم وعليهم، مع أن الله تعالى لم يساو بينهم بل قال سبحانه: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، ثم لن يتحقق التوحيد إلا بالبراءة ممن غضب الله عليهم؛ لأن الله لا يرضى بموالاة ومحبة ونصرة مَن حادّوه وعاندوه وأبوا شرعه، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وإنما شرع الجهاد ليظهر البراء من هؤلاء صيانة للتوحيد، فإنه متى ما اختلط الناس اختلط الكفر بالإيمان، ولذلك جاء النهي عن المُقام بين ظهراني المشركين؛ لأن أهل الحق لا يلتقون مع أهل الباطل في الدنيا ولا في الآخرة، وبترك الولاء والبراء يَحِق سخط الله وعذابه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}.
وبترك الجهاد لن يتميّز الفسطاطان الإيمان والكفر، وهو الأمر الذي لا بد منه؛ ليظهر الحق الذي لا نفاق فيه والباطل الذي لا إيمان فيه، ولتَحُقَ كلمة العذاب على الكافرين وتقوم الحجة الواضحة، وذلك لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، قال الله: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}، قال ابن كثير: "أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل، لقيام الحجة عليه، {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ} أي: يؤمن من آمن {عَنْ بَيِّنَةٍ} أي: حجة وبصيرة".
وما آلت الأمور إلى تحزّب فسطاط الكفر وتجمّعه في "خمس وثمانين دولة" لهدف واحد وهو حرب أهل الإيمان؛ إلا بالجهاد في سبيل الله، فقد أعلنوها رفضا لشرع الله خالقهم، وظنوا أنهم رادّون الخلافة وصادّون الناس عن سبيل الله، ولكن الله ناصر دينه {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، وآخر ذلك اجتماع دول "التحالف الدولي" الكفري في المغرب، كرسالة لتحويل المعركة إلى أرض إفريقية بعد أن اشتدت أغصان الخلافة فيها وبدأ يعلو بنيانها، فأنى لهم ذلك وهم يتسوّلون المال بعد كل الحروب الماضية التي خاضوها مع دولة الخلافة، ثمّ لم يجدوا بُدا من الإقرار بخطر الدولة الإسلامية في العراق والشام وخراسان، وأنها "تهديد لا يزال قائما"، فلن يزول التهديد لفسطاط الكفر ما أقيم الجهاد في سبيل الله وأسرجت خيول العزّ وتواصل التحريض في الإعلام والميدان.
ثم هل سيأتي حكم الشريعة إن تُرك الجهاد؟! أولسنا نرى الكثيرين يخضعون في حلّ قضاياهم وخصوماتهم لحكم الجاهلية وقوانين الكفر، وقد أُحْكِم الخِناق اليوم على الناس فوجدوا أنفسهم أمام هذه القوانين الجاهلية، وكل ذلك من الفتنة المترتبة على ترك الجهاد، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، ومن هنا يُعلم ضرورة الجهاد الذي زهّد فيه كثير من الناس وطعنوا في القائمين به، فهلا كفوا عن المجاهدين ألسنتهم! أو منعوا أبناءهم أن يكونوا جنودا للطاغوت!
وهناك أحكام تغيب لزاما إن تُرك الجهاد إذ لا تتحقق إلا به، كحكم الجزية صغارا على أهل الكتاب؛ جزاء استحبابهم الكفر والمُقام عليه، في حين يختلف الحال تماما بترك الجهاد فيصيرون "إخوة وطن" بل وحكّاما على بلاد المسلمين أو قضاة على رقاب الناس وأموالهم.
كما يغيب بترك الجهاد حدّ الردة، وكيف يكون والمرتدون هم أهل السطوة وحملة السلاح في البلاد، وهم الواجهة في الإعلام والصحف، وهم كتّاب المناهج؟! فهم بين علماني محارب للدين أو مستهزئ به أو ممجّدٍ للكافرين، ثم لا يجد تاركو الجهاد إلا أسلمة هؤلاء المرتدين ليسوّغوا القعود ويزيّنوه، وتقع الأمة ضحية لهؤلاء الناهشين لدينها وأخلاقها.
وكما ستغيب أحكام أخرى في الدين كالرق والهجرة لدار الإسلام وهيمنة الشريعة على بلاد المسلمين… وكلها لن تتأتّى إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، وهو جواب تساؤل البعض عن جدوى تعلم هذه الأحكام اليوم في ظلّ حكم الطواغيت المتسلطين على الديار.
ولقد ضلّ المزيّنون لترك الجهاد ضلالا بعيدا إذْ عطلوا أكبر الشرائع وأعظم الأحكام في دين الله ليعيش الناس على حالة التخدير والضعف والعجز، ثم البحث عن فقه التنازلات والتراجعات بحجة ضغط الواقع دون السعي إلى تغييره والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
في حين وفّق الله المجاهدين لمعرفة عظيم ثغرهم لحفظ شريعة الإسلام، وصحة طريقهم للوصول إلى تحكيمها فعرفوا ولزِموا؛ فقُدُما قُدُما يا أجناد الخلافة في الجهاد، أروا الله العبودية في الجهاد، وشرِّدوا بتحالف الكفر وأنصاره استهدافًا واستنزافًا في كل واد، والله ولي المتقين والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من قبلنا، وما يشرع الله سبحانه وتعالى من شرائع إلا وفيها من الحكمة والخير ما فيها؛ وإن كان الناس يرون في ظاهرها وبوادرها ما تكره نفوسهم، وهي بلا شك خير لهم وأحسن عاقبة، وإن الجهاد شرع من العزيز الحكيم، شرعه لغايات حميدة، وحكم جليلة، وقد قدر الله تعالى سننا لا تتخلف ولا تحابي من نكص وترك هذه الفريضة وركن إلى الفانية الزائلة، فالذل والهوان والعذاب الأليم هذا ما ينتظر المتخلفين الناكصين، لعلهم يرجعون إلى شرع الله الحكيم.
ويصرُّ الناسُ في عصرنا على عدم الاعتراف بأن تتابع المصائب والبلايا التي تحلّ بهم هو بسبب ترك الجهاد ومفارقة سبيله، رغم عيشهم في تلك النكبات وتفاقمها وكثرة شكايتهم منها، إلا أنهم أُغرِقوا في غمراتها وأَغرقوا أنفسهم في دركاتها حتى استمكنت من قلوبهم فلا يرون سبيلا للخروج منها، وما ذاك إلا بسبب عذاب الله المضروب عليهم بتخلّفهم عن الجهاد لقوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وأيّ ألم أشد من أنْ ينشب المرء في حال سيئ يتجرعه ولا يكاد يخرج منه، وتذهب عليه دنياه وآخرته ويعيش يكدح لغيره ويشقى للفناء، حتى يكون همّه والبهائم سواء "مطعم ومشرب وشهوة"، بعد أنْ أكرمه الله بشريعة السماء لتسمو بها البشرية جمعاء.
وإنّ أعظم ما يتهدّد في حياة الناس بتعطيل الجهاد هو مقام التوحيد لله تعالى فتكثر الآلهة وتتعدد ويتعاظم الشرك ويتمدد! ويصير الطواغيت في عرف الناس أولياء أمر يُضحّى في سبيلهم، أو يُنظر إليهم أنهم آثار وأمجاد للسابقين وقدوات لللاحقين!، أو يألفُ الناس الشرك أو يعتقدون أن التحريم والتحليل من حقهم!، أو تصبح المزارات الشركية من الدين الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، أو يُنظر للملحدين الذين يُنكرون وجود الخالق سبحانه أنهم رموز تحرر!، فهذا الكفر بأنواعه وأشكاله المناقض للتوحيد يصبح شيئا طبيعيا بترك الجهاد ومن حق كل مشرك أن يدعو لشركه، وإنما شُرع الجهاد في سبيل الله لتُؤطر الخليقة كلها لعبادة خالقها وفاطرها جلّ جلاله.
وينتج عن ترك الجهاد أيضا أن يضيع في الناس الولاء والبراء، فيصبح عابد الطاغوت ومن يعبد الله سواء فيما لهم وعليهم، مع أن الله تعالى لم يساو بينهم بل قال سبحانه: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، ثم لن يتحقق التوحيد إلا بالبراءة ممن غضب الله عليهم؛ لأن الله لا يرضى بموالاة ومحبة ونصرة مَن حادّوه وعاندوه وأبوا شرعه، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وإنما شرع الجهاد ليظهر البراء من هؤلاء صيانة للتوحيد، فإنه متى ما اختلط الناس اختلط الكفر بالإيمان، ولذلك جاء النهي عن المُقام بين ظهراني المشركين؛ لأن أهل الحق لا يلتقون مع أهل الباطل في الدنيا ولا في الآخرة، وبترك الولاء والبراء يَحِق سخط الله وعذابه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}.
وبترك الجهاد لن يتميّز الفسطاطان الإيمان والكفر، وهو الأمر الذي لا بد منه؛ ليظهر الحق الذي لا نفاق فيه والباطل الذي لا إيمان فيه، ولتَحُقَ كلمة العذاب على الكافرين وتقوم الحجة الواضحة، وذلك لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، قال الله: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}، قال ابن كثير: "أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل، لقيام الحجة عليه، {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ} أي: يؤمن من آمن {عَنْ بَيِّنَةٍ} أي: حجة وبصيرة".
وما آلت الأمور إلى تحزّب فسطاط الكفر وتجمّعه في "خمس وثمانين دولة" لهدف واحد وهو حرب أهل الإيمان؛ إلا بالجهاد في سبيل الله، فقد أعلنوها رفضا لشرع الله خالقهم، وظنوا أنهم رادّون الخلافة وصادّون الناس عن سبيل الله، ولكن الله ناصر دينه {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، وآخر ذلك اجتماع دول "التحالف الدولي" الكفري في المغرب، كرسالة لتحويل المعركة إلى أرض إفريقية بعد أن اشتدت أغصان الخلافة فيها وبدأ يعلو بنيانها، فأنى لهم ذلك وهم يتسوّلون المال بعد كل الحروب الماضية التي خاضوها مع دولة الخلافة، ثمّ لم يجدوا بُدا من الإقرار بخطر الدولة الإسلامية في العراق والشام وخراسان، وأنها "تهديد لا يزال قائما"، فلن يزول التهديد لفسطاط الكفر ما أقيم الجهاد في سبيل الله وأسرجت خيول العزّ وتواصل التحريض في الإعلام والميدان.
ثم هل سيأتي حكم الشريعة إن تُرك الجهاد؟! أولسنا نرى الكثيرين يخضعون في حلّ قضاياهم وخصوماتهم لحكم الجاهلية وقوانين الكفر، وقد أُحْكِم الخِناق اليوم على الناس فوجدوا أنفسهم أمام هذه القوانين الجاهلية، وكل ذلك من الفتنة المترتبة على ترك الجهاد، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، ومن هنا يُعلم ضرورة الجهاد الذي زهّد فيه كثير من الناس وطعنوا في القائمين به، فهلا كفوا عن المجاهدين ألسنتهم! أو منعوا أبناءهم أن يكونوا جنودا للطاغوت!
وهناك أحكام تغيب لزاما إن تُرك الجهاد إذ لا تتحقق إلا به، كحكم الجزية صغارا على أهل الكتاب؛ جزاء استحبابهم الكفر والمُقام عليه، في حين يختلف الحال تماما بترك الجهاد فيصيرون "إخوة وطن" بل وحكّاما على بلاد المسلمين أو قضاة على رقاب الناس وأموالهم.
كما يغيب بترك الجهاد حدّ الردة، وكيف يكون والمرتدون هم أهل السطوة وحملة السلاح في البلاد، وهم الواجهة في الإعلام والصحف، وهم كتّاب المناهج؟! فهم بين علماني محارب للدين أو مستهزئ به أو ممجّدٍ للكافرين، ثم لا يجد تاركو الجهاد إلا أسلمة هؤلاء المرتدين ليسوّغوا القعود ويزيّنوه، وتقع الأمة ضحية لهؤلاء الناهشين لدينها وأخلاقها.
وكما ستغيب أحكام أخرى في الدين كالرق والهجرة لدار الإسلام وهيمنة الشريعة على بلاد المسلمين… وكلها لن تتأتّى إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، وهو جواب تساؤل البعض عن جدوى تعلم هذه الأحكام اليوم في ظلّ حكم الطواغيت المتسلطين على الديار.
ولقد ضلّ المزيّنون لترك الجهاد ضلالا بعيدا إذْ عطلوا أكبر الشرائع وأعظم الأحكام في دين الله ليعيش الناس على حالة التخدير والضعف والعجز، ثم البحث عن فقه التنازلات والتراجعات بحجة ضغط الواقع دون السعي إلى تغييره والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
في حين وفّق الله المجاهدين لمعرفة عظيم ثغرهم لحفظ شريعة الإسلام، وصحة طريقهم للوصول إلى تحكيمها فعرفوا ولزِموا؛ فقُدُما قُدُما يا أجناد الخلافة في الجهاد، أروا الله العبودية في الجهاد، وشرِّدوا بتحالف الكفر وأنصاره استهدافًا واستنزافًا في كل واد، والله ولي المتقين والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
ماذا لو تُرك الجهاد؟ لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من ...
ماذا لو تُرك الجهاد؟
لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من قبلنا، وما يشرع الله سبحانه وتعالى من شرائع إلا وفيها من الحكمة والخير ما فيها؛ وإن كان الناس يرون في ظاهرها وبوادرها ما تكره نفوسهم، وهي بلا شك خير لهم وأحسن عاقبة، وإن الجهاد شرع من العزيز الحكيم، شرعه لغايات حميدة، وحكم جليلة، وقد قدر الله تعالى سننا لا تتخلف ولا تحابي من نكص وترك هذه الفريضة وركن إلى الفانية الزائلة، فالذل والهوان والعذاب الأليم هذا ما ينتظر المتخلفين الناكصين، لعلهم يرجعون إلى شرع الله الحكيم.
ويصرُّ الناسُ في عصرنا على عدم الاعتراف بأن تتابع المصائب والبلايا التي تحلّ بهم هو بسبب ترك الجهاد ومفارقة سبيله، رغم عيشهم في تلك النكبات وتفاقمها وكثرة شكايتهم منها، إلا أنهم أُغرِقوا في غمراتها وأَغرقوا أنفسهم في دركاتها حتى استمكنت من قلوبهم فلا يرون سبيلا للخروج منها، وما ذاك إلا بسبب عذاب الله المضروب عليهم بتخلّفهم عن الجهاد لقوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وأيّ ألم أشد من أنْ ينشب المرء في حال سيئ يتجرعه ولا يكاد يخرج منه، وتذهب عليه دنياه وآخرته ويعيش يكدح لغيره ويشقى للفناء، حتى يكون همّه والبهائم سواء "مطعم ومشرب وشهوة"، بعد أنْ أكرمه الله بشريعة السماء لتسمو بها البشرية جمعاء.
وإنّ أعظم ما يتهدّد في حياة الناس بتعطيل الجهاد هو مقام التوحيد لله تعالى فتكثر الآلهة وتتعدد ويتعاظم الشرك ويتمدد! ويصير الطواغيت في عرف الناس أولياء أمر يُضحّى في سبيلهم، أو يُنظر إليهم أنهم آثار وأمجاد للسابقين وقدوات لللاحقين!، أو يألفُ الناس الشرك أو يعتقدون أن التحريم والتحليل من حقهم!، أو تصبح المزارات الشركية من الدين الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، أو يُنظر للملحدين الذين يُنكرون وجود الخالق سبحانه أنهم رموز تحرر!، فهذا الكفر بأنواعه وأشكاله المناقض للتوحيد يصبح شيئا طبيعيا بترك الجهاد ومن حق كل مشرك أن يدعو لشركه، وإنما شُرع الجهاد في سبيل الله لتُؤطر الخليقة كلها لعبادة خالقها وفاطرها جلّ جلاله.
وينتج عن ترك الجهاد أيضا أن يضيع في الناس الولاء والبراء، فيصبح عابد الطاغوت ومن يعبد الله سواء فيما لهم وعليهم، مع أن الله تعالى لم يساو بينهم بل قال سبحانه: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، ثم لن يتحقق التوحيد إلا بالبراءة ممن غضب الله عليهم؛ لأن الله لا يرضى بموالاة ومحبة ونصرة مَن حادّوه وعاندوه وأبوا شرعه، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وإنما شرع الجهاد ليظهر البراء من هؤلاء صيانة للتوحيد، فإنه متى ما اختلط الناس اختلط الكفر بالإيمان، ولذلك جاء النهي عن المُقام بين ظهراني المشركين؛ لأن أهل الحق لا يلتقون مع أهل الباطل في الدنيا ولا في الآخرة، وبترك الولاء والبراء يَحِق سخط الله وعذابه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}.
وبترك الجهاد لن يتميّز الفسطاطان الإيمان والكفر، وهو الأمر الذي لا بد منه؛ ليظهر الحق الذي لا نفاق فيه والباطل الذي لا إيمان فيه، ولتَحُقَ كلمة العذاب على الكافرين وتقوم الحجة الواضحة، وذلك لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، قال الله: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}، قال ابن كثير: "أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل، لقيام الحجة عليه، {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ} أي: يؤمن من آمن {عَنْ بَيِّنَةٍ} أي: حجة وبصيرة".
وما آلت الأمور إلى تحزّب فسطاط الكفر وتجمّعه في "خمس وثمانين دولة" لهدف واحد وهو حرب أهل الإيمان؛ إلا بالجهاد في سبيل الله، فقد أعلنوها رفضا لشرع الله خالقهم، وظنوا أنهم رادّون الخلافة وصادّون الناس عن سبيل الله، ولكن الله ناصر دينه {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، وآخر ذلك اجتماع دول "التحالف الدولي" الكفري في المغرب، كرسالة لتحويل المعركة إلى أرض إفريقية بعد أن اشتدت أغصان الخلافة فيها وبدأ يعلو بنيانها، فأنى لهم ذلك وهم يتسوّلون المال بعد كل الحروب الماضية التي خاضوها مع دولة الخلافة، ثمّ لم يجدوا بُدا من الإقرار بخطر الدولة الإسلامية في العراق والشام وخراسان، وأنها "تهديد لا يزال قائما"، فلن يزول التهديد لفسطاط الكفر ما أقيم الجهاد في سبيل الله وأسرجت خيول العزّ وتواصل التحريض في الإعلام والميدان.
ثم هل سيأتي حكم الشريعة إن تُرك الجهاد؟! أولسنا نرى الكثيرين يخضعون في حلّ قضاياهم وخصوماتهم لحكم الجاهلية وقوانين الكفر، وقد أُحْكِم الخِناق اليوم على الناس فوجدوا أنفسهم أمام هذه القوانين الجاهلية، وكل ذلك من الفتنة المترتبة على ترك الجهاد، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، ومن هنا يُعلم ضرورة الجهاد الذي زهّد فيه كثير من الناس وطعنوا في القائمين به، فهلا كفوا عن المجاهدين ألسنتهم! أو منعوا أبناءهم أن يكونوا جنودا للطاغوت!
وهناك أحكام تغيب لزاما إن تُرك الجهاد إذ لا تتحقق إلا به، كحكم الجزية صغارا على أهل الكتاب؛ جزاء استحبابهم الكفر والمُقام عليه، في حين يختلف الحال تماما بترك الجهاد فيصيرون "إخوة وطن" بل وحكّاما على بلاد المسلمين أو قضاة على رقاب الناس وأموالهم.
كما يغيب بترك الجهاد حدّ الردة، وكيف يكون والمرتدون هم أهل السطوة وحملة السلاح في البلاد، وهم الواجهة في الإعلام والصحف، وهم كتّاب المناهج؟! فهم بين علماني محارب للدين أو مستهزئ به أو ممجّدٍ للكافرين، ثم لا يجد تاركو الجهاد إلا أسلمة هؤلاء المرتدين ليسوّغوا القعود ويزيّنوه، وتقع الأمة ضحية لهؤلاء الناهشين لدينها وأخلاقها.
وكما ستغيب أحكام أخرى في الدين كالرق والهجرة لدار الإسلام وهيمنة الشريعة على بلاد المسلمين… وكلها لن تتأتّى إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، وهو جواب تساؤل البعض عن جدوى تعلم هذه الأحكام اليوم في ظلّ حكم الطواغيت المتسلطين على الديار.
ولقد ضلّ المزيّنون لترك الجهاد ضلالا بعيدا إذْ عطلوا أكبر الشرائع وأعظم الأحكام في دين الله ليعيش الناس على حالة التخدير والضعف والعجز، ثم البحث عن فقه التنازلات والتراجعات بحجة ضغط الواقع دون السعي إلى تغييره والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
في حين وفّق الله المجاهدين لمعرفة عظيم ثغرهم لحفظ شريعة الإسلام، وصحة طريقهم للوصول إلى تحكيمها فعرفوا ولزِموا؛ فقُدُما قُدُما يا أجناد الخلافة في الجهاد، أروا الله العبودية في الجهاد، وشرِّدوا بتحالف الكفر وأنصاره استهدافًا واستنزافًا في كل واد، والله ولي المتقين والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
لقد شرع الله الجهاد في سبيله وكتبه على المسلمين كما شرعه على الذين من قبلنا، وما يشرع الله سبحانه وتعالى من شرائع إلا وفيها من الحكمة والخير ما فيها؛ وإن كان الناس يرون في ظاهرها وبوادرها ما تكره نفوسهم، وهي بلا شك خير لهم وأحسن عاقبة، وإن الجهاد شرع من العزيز الحكيم، شرعه لغايات حميدة، وحكم جليلة، وقد قدر الله تعالى سننا لا تتخلف ولا تحابي من نكص وترك هذه الفريضة وركن إلى الفانية الزائلة، فالذل والهوان والعذاب الأليم هذا ما ينتظر المتخلفين الناكصين، لعلهم يرجعون إلى شرع الله الحكيم.
ويصرُّ الناسُ في عصرنا على عدم الاعتراف بأن تتابع المصائب والبلايا التي تحلّ بهم هو بسبب ترك الجهاد ومفارقة سبيله، رغم عيشهم في تلك النكبات وتفاقمها وكثرة شكايتهم منها، إلا أنهم أُغرِقوا في غمراتها وأَغرقوا أنفسهم في دركاتها حتى استمكنت من قلوبهم فلا يرون سبيلا للخروج منها، وما ذاك إلا بسبب عذاب الله المضروب عليهم بتخلّفهم عن الجهاد لقوله تعالى: {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وأيّ ألم أشد من أنْ ينشب المرء في حال سيئ يتجرعه ولا يكاد يخرج منه، وتذهب عليه دنياه وآخرته ويعيش يكدح لغيره ويشقى للفناء، حتى يكون همّه والبهائم سواء "مطعم ومشرب وشهوة"، بعد أنْ أكرمه الله بشريعة السماء لتسمو بها البشرية جمعاء.
وإنّ أعظم ما يتهدّد في حياة الناس بتعطيل الجهاد هو مقام التوحيد لله تعالى فتكثر الآلهة وتتعدد ويتعاظم الشرك ويتمدد! ويصير الطواغيت في عرف الناس أولياء أمر يُضحّى في سبيلهم، أو يُنظر إليهم أنهم آثار وأمجاد للسابقين وقدوات لللاحقين!، أو يألفُ الناس الشرك أو يعتقدون أن التحريم والتحليل من حقهم!، أو تصبح المزارات الشركية من الدين الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، أو يُنظر للملحدين الذين يُنكرون وجود الخالق سبحانه أنهم رموز تحرر!، فهذا الكفر بأنواعه وأشكاله المناقض للتوحيد يصبح شيئا طبيعيا بترك الجهاد ومن حق كل مشرك أن يدعو لشركه، وإنما شُرع الجهاد في سبيل الله لتُؤطر الخليقة كلها لعبادة خالقها وفاطرها جلّ جلاله.
وينتج عن ترك الجهاد أيضا أن يضيع في الناس الولاء والبراء، فيصبح عابد الطاغوت ومن يعبد الله سواء فيما لهم وعليهم، مع أن الله تعالى لم يساو بينهم بل قال سبحانه: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، ثم لن يتحقق التوحيد إلا بالبراءة ممن غضب الله عليهم؛ لأن الله لا يرضى بموالاة ومحبة ونصرة مَن حادّوه وعاندوه وأبوا شرعه، قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، وإنما شرع الجهاد ليظهر البراء من هؤلاء صيانة للتوحيد، فإنه متى ما اختلط الناس اختلط الكفر بالإيمان، ولذلك جاء النهي عن المُقام بين ظهراني المشركين؛ لأن أهل الحق لا يلتقون مع أهل الباطل في الدنيا ولا في الآخرة، وبترك الولاء والبراء يَحِق سخط الله وعذابه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا}.
وبترك الجهاد لن يتميّز الفسطاطان الإيمان والكفر، وهو الأمر الذي لا بد منه؛ ليظهر الحق الذي لا نفاق فيه والباطل الذي لا إيمان فيه، ولتَحُقَ كلمة العذاب على الكافرين وتقوم الحجة الواضحة، وذلك لا يكون إلا بالجهاد في سبيل الله، قال الله: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}، قال ابن كثير: "أي: يستمر في الكفر من استمر فيه على بصيرة من أمره أنه مبطل، لقيام الحجة عليه، {وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ} أي: يؤمن من آمن {عَنْ بَيِّنَةٍ} أي: حجة وبصيرة".
وما آلت الأمور إلى تحزّب فسطاط الكفر وتجمّعه في "خمس وثمانين دولة" لهدف واحد وهو حرب أهل الإيمان؛ إلا بالجهاد في سبيل الله، فقد أعلنوها رفضا لشرع الله خالقهم، وظنوا أنهم رادّون الخلافة وصادّون الناس عن سبيل الله، ولكن الله ناصر دينه {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}، وآخر ذلك اجتماع دول "التحالف الدولي" الكفري في المغرب، كرسالة لتحويل المعركة إلى أرض إفريقية بعد أن اشتدت أغصان الخلافة فيها وبدأ يعلو بنيانها، فأنى لهم ذلك وهم يتسوّلون المال بعد كل الحروب الماضية التي خاضوها مع دولة الخلافة، ثمّ لم يجدوا بُدا من الإقرار بخطر الدولة الإسلامية في العراق والشام وخراسان، وأنها "تهديد لا يزال قائما"، فلن يزول التهديد لفسطاط الكفر ما أقيم الجهاد في سبيل الله وأسرجت خيول العزّ وتواصل التحريض في الإعلام والميدان.
ثم هل سيأتي حكم الشريعة إن تُرك الجهاد؟! أولسنا نرى الكثيرين يخضعون في حلّ قضاياهم وخصوماتهم لحكم الجاهلية وقوانين الكفر، وقد أُحْكِم الخِناق اليوم على الناس فوجدوا أنفسهم أمام هذه القوانين الجاهلية، وكل ذلك من الفتنة المترتبة على ترك الجهاد، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}، ومن هنا يُعلم ضرورة الجهاد الذي زهّد فيه كثير من الناس وطعنوا في القائمين به، فهلا كفوا عن المجاهدين ألسنتهم! أو منعوا أبناءهم أن يكونوا جنودا للطاغوت!
وهناك أحكام تغيب لزاما إن تُرك الجهاد إذ لا تتحقق إلا به، كحكم الجزية صغارا على أهل الكتاب؛ جزاء استحبابهم الكفر والمُقام عليه، في حين يختلف الحال تماما بترك الجهاد فيصيرون "إخوة وطن" بل وحكّاما على بلاد المسلمين أو قضاة على رقاب الناس وأموالهم.
كما يغيب بترك الجهاد حدّ الردة، وكيف يكون والمرتدون هم أهل السطوة وحملة السلاح في البلاد، وهم الواجهة في الإعلام والصحف، وهم كتّاب المناهج؟! فهم بين علماني محارب للدين أو مستهزئ به أو ممجّدٍ للكافرين، ثم لا يجد تاركو الجهاد إلا أسلمة هؤلاء المرتدين ليسوّغوا القعود ويزيّنوه، وتقع الأمة ضحية لهؤلاء الناهشين لدينها وأخلاقها.
وكما ستغيب أحكام أخرى في الدين كالرق والهجرة لدار الإسلام وهيمنة الشريعة على بلاد المسلمين… وكلها لن تتأتّى إلا بإقامة الجهاد في سبيل الله، وهو جواب تساؤل البعض عن جدوى تعلم هذه الأحكام اليوم في ظلّ حكم الطواغيت المتسلطين على الديار.
ولقد ضلّ المزيّنون لترك الجهاد ضلالا بعيدا إذْ عطلوا أكبر الشرائع وأعظم الأحكام في دين الله ليعيش الناس على حالة التخدير والضعف والعجز، ثم البحث عن فقه التنازلات والتراجعات بحجة ضغط الواقع دون السعي إلى تغييره والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.
في حين وفّق الله المجاهدين لمعرفة عظيم ثغرهم لحفظ شريعة الإسلام، وصحة طريقهم للوصول إلى تحكيمها فعرفوا ولزِموا؛ فقُدُما قُدُما يا أجناد الخلافة في الجهاد، أروا الله العبودية في الجهاد، وشرِّدوا بتحالف الكفر وأنصاره استهدافًا واستنزافًا في كل واد، والله ولي المتقين والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 339
الخميس 18 شوال 1443 هـ ...المزيد
مقال: الرضا بالقضاء الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن ...
مقال: الرضا بالقضاء
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
إن الله كما يحب أن يُشكر على نعمه فإنه يحب أن يرضى العباد بقضائه، فالخير منه والشر قدر من أقداره ولحِكم أراده، وكُلٌ يُبتلى بما يكره فإن الجنة إنما حفت بالمكاره، وربما كان ذلك فقدانا لرفقاء كانوا للمرء أدنَونَ أدنَونَ منه لقلبه ونفسه، أو كان قدرا في ذات العبد أو ضيقا في العيش أو ذهاب محبوب أو غيرها من صنوف الأقدار المكتوبة على العبد، وليس للمسلم سوى التسليم والرضا بما قدّر عليه ربُّه وقضى.
• الابتلاء يكون بالخير والشر
وإن عموم البلاء للمؤمنين يكون بالخير وبالشر، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، قال ابن زيد: "نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر} يقول: "نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يقول: وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها". [تفسر الطبري]
فلا بد للمؤمن أن يوطّن نفسه على سنن الله تعالى، التي كتبها على العباد، وأول ما يكون ذلك بالتحلي بالصبر الجميل، ويجاهد نفسه على قبول الأقدار التي كتبها الله تعالى عليه، خيرها وشرها، وهذا من أركان الإيمان.
• الصبر الجميل بلا شكوى!
والصبر له أنواع كثيرة أعلاها ما حمل صاحبه على عدم الشكوى واحتواء اللسان والنفس عن القلق ما استطاع لذلك سبيلا، فهنيئا لمن رزقه الله صبرا جميلا، فتلقت نفسه الابتلاءات والمصائب بصدر رحب، ونفس راضية، فالصبر الجميل هو المانع لصاحبه من الشكوى لغير الله تعالى، ويرى صاحبه أن كل ما يصيبه منحة لا محنة، فتطيب نفسه وتسكن، قال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف : 86]، مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف : 18] قيل: "إن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا جزع فيه" [تفسير الطبري]، فالشكوى إلى اللّه لا تنافي الصبر الجميل، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللّهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى) [رواه الطبراني]، دعاء حمل كل أشكال التسليم والاستغاثة بالله تعالى، فهو المأمول سبحانه بأن يلهم العبد الصبر، وأن يحفظه من كل زلل ووزر، دوما عاقبة الصبر تكون خيرا للعباد في الأولى والآخرة.
وإن سخط العبد مما أصابه فقد جرّ على نفسه السخط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) [رواه الترمذي]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فمن رضي عن ربه رضي الله عنه بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده، رضا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه ورضا بعدَه هو ثمرة رضاه عنه ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين ومن أعظم أسباب حصول الرضا؛ أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد". [مدارج السالكين]
• الفرق بين الرضا والصبر
قال ابن رجب الحنبلي: "والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكفّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق" [جامع العلوم والحكم]، فمن استقبل قضاء الله تعالى بالرضا والتسليم، وإن كانت نفسه متألّمة من القضاء الذي وقعه به، فسيعوضه الله تعالى عوضا حسنا وجبالا من الحسنات، يوم لا ينفع مال ولا جاه، ومن المنازل ما لا يبلغه العبد إلا بتلك البلايا والصبر عليها.
وإذا علم العبد أنه لا محيد له عن قدر الله وأن لله في أقداره حِكَما عظيمة وأن الأمر كله لله ونحن عبيد له سبحانه هان عليه كل شيء، عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبُيّ بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي؟ فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك" [أحمد].
فما كتب عليك فلن يصيب غيرك وما كُتب على غيرك فلن يصيبك، فإن القدَرَ كائنٌ فيمن كُتب عليه وحده، وهذا هو الإيمان بالقدر.
خرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)، قال ابن رجب رحمه الله: "واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال، والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال الله عز وجل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].
قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: "أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر". [جامع العلوم والحكم]
وإن كان بعض القضاء فيمن يفقد أخاه أليما، فإنه في المفقود قد يكون خيرا كحال الشهداء في سبيل الله فإنهم أحياء كما قال الله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، وليسوا أحياء فقط بل هم فرحين سعداء {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وأعلى من هذا أنهم يريدون أن يبشروا إخوانهم في الدنيا أن يُقبلوا على القتل في سبيل الله والشهادة لما رأوه من عظيم النعيم، قال ربنا سبحانه: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 170 - 171]
وإذا علمنا هذا فيمن يُقتل في سبيل الله فذلك أدعى للرضى بقضاء الله، بل والشوق إلى الحصول على نفس العاقبة فإنها نِعْمَ الخاتمة، وذلك الرضى مطلوب في سائر الأحوال التي يتقلب فيها المؤمن، وتلك حقيقة الإيمان، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
إن الله كما يحب أن يُشكر على نعمه فإنه يحب أن يرضى العباد بقضائه، فالخير منه والشر قدر من أقداره ولحِكم أراده، وكُلٌ يُبتلى بما يكره فإن الجنة إنما حفت بالمكاره، وربما كان ذلك فقدانا لرفقاء كانوا للمرء أدنَونَ أدنَونَ منه لقلبه ونفسه، أو كان قدرا في ذات العبد أو ضيقا في العيش أو ذهاب محبوب أو غيرها من صنوف الأقدار المكتوبة على العبد، وليس للمسلم سوى التسليم والرضا بما قدّر عليه ربُّه وقضى.
• الابتلاء يكون بالخير والشر
وإن عموم البلاء للمؤمنين يكون بالخير وبالشر، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، قال ابن زيد: "نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر} يقول: "نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يقول: وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها". [تفسر الطبري]
فلا بد للمؤمن أن يوطّن نفسه على سنن الله تعالى، التي كتبها على العباد، وأول ما يكون ذلك بالتحلي بالصبر الجميل، ويجاهد نفسه على قبول الأقدار التي كتبها الله تعالى عليه، خيرها وشرها، وهذا من أركان الإيمان.
• الصبر الجميل بلا شكوى!
والصبر له أنواع كثيرة أعلاها ما حمل صاحبه على عدم الشكوى واحتواء اللسان والنفس عن القلق ما استطاع لذلك سبيلا، فهنيئا لمن رزقه الله صبرا جميلا، فتلقت نفسه الابتلاءات والمصائب بصدر رحب، ونفس راضية، فالصبر الجميل هو المانع لصاحبه من الشكوى لغير الله تعالى، ويرى صاحبه أن كل ما يصيبه منحة لا محنة، فتطيب نفسه وتسكن، قال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف : 86]، مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف : 18] قيل: "إن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا جزع فيه" [تفسير الطبري]، فالشكوى إلى اللّه لا تنافي الصبر الجميل، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللّهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى) [رواه الطبراني]، دعاء حمل كل أشكال التسليم والاستغاثة بالله تعالى، فهو المأمول سبحانه بأن يلهم العبد الصبر، وأن يحفظه من كل زلل ووزر، دوما عاقبة الصبر تكون خيرا للعباد في الأولى والآخرة.
وإن سخط العبد مما أصابه فقد جرّ على نفسه السخط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) [رواه الترمذي]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فمن رضي عن ربه رضي الله عنه بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده، رضا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه ورضا بعدَه هو ثمرة رضاه عنه ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين ومن أعظم أسباب حصول الرضا؛ أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد". [مدارج السالكين]
• الفرق بين الرضا والصبر
قال ابن رجب الحنبلي: "والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكفّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق" [جامع العلوم والحكم]، فمن استقبل قضاء الله تعالى بالرضا والتسليم، وإن كانت نفسه متألّمة من القضاء الذي وقعه به، فسيعوضه الله تعالى عوضا حسنا وجبالا من الحسنات، يوم لا ينفع مال ولا جاه، ومن المنازل ما لا يبلغه العبد إلا بتلك البلايا والصبر عليها.
وإذا علم العبد أنه لا محيد له عن قدر الله وأن لله في أقداره حِكَما عظيمة وأن الأمر كله لله ونحن عبيد له سبحانه هان عليه كل شيء، عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبُيّ بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي؟ فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك" [أحمد].
فما كتب عليك فلن يصيب غيرك وما كُتب على غيرك فلن يصيبك، فإن القدَرَ كائنٌ فيمن كُتب عليه وحده، وهذا هو الإيمان بالقدر.
خرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)، قال ابن رجب رحمه الله: "واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال، والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال الله عز وجل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].
قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: "أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر". [جامع العلوم والحكم]
وإن كان بعض القضاء فيمن يفقد أخاه أليما، فإنه في المفقود قد يكون خيرا كحال الشهداء في سبيل الله فإنهم أحياء كما قال الله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، وليسوا أحياء فقط بل هم فرحين سعداء {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وأعلى من هذا أنهم يريدون أن يبشروا إخوانهم في الدنيا أن يُقبلوا على القتل في سبيل الله والشهادة لما رأوه من عظيم النعيم، قال ربنا سبحانه: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 170 - 171]
وإذا علمنا هذا فيمن يُقتل في سبيل الله فذلك أدعى للرضى بقضاء الله، بل والشوق إلى الحصول على نفس العاقبة فإنها نِعْمَ الخاتمة، وذلك الرضى مطلوب في سائر الأحوال التي يتقلب فيها المؤمن، وتلك حقيقة الإيمان، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ ...المزيد
مقال: الرضا بالقضاء الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن ...
مقال: الرضا بالقضاء
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
إن الله كما يحب أن يُشكر على نعمه فإنه يحب أن يرضى العباد بقضائه، فالخير منه والشر قدر من أقداره ولحِكم أراده، وكُلٌ يُبتلى بما يكره فإن الجنة إنما حفت بالمكاره، وربما كان ذلك فقدانا لرفقاء كانوا للمرء أدنَونَ أدنَونَ منه لقلبه ونفسه، أو كان قدرا في ذات العبد أو ضيقا في العيش أو ذهاب محبوب أو غيرها من صنوف الأقدار المكتوبة على العبد، وليس للمسلم سوى التسليم والرضا بما قدّر عليه ربُّه وقضى.
• الابتلاء يكون بالخير والشر
وإن عموم البلاء للمؤمنين يكون بالخير وبالشر، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، قال ابن زيد: "نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر} يقول: "نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يقول: وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها". [تفسر الطبري]
فلا بد للمؤمن أن يوطّن نفسه على سنن الله تعالى، التي كتبها على العباد، وأول ما يكون ذلك بالتحلي بالصبر الجميل، ويجاهد نفسه على قبول الأقدار التي كتبها الله تعالى عليه، خيرها وشرها، وهذا من أركان الإيمان.
• الصبر الجميل بلا شكوى!
والصبر له أنواع كثيرة أعلاها ما حمل صاحبه على عدم الشكوى واحتواء اللسان والنفس عن القلق ما استطاع لذلك سبيلا، فهنيئا لمن رزقه الله صبرا جميلا، فتلقت نفسه الابتلاءات والمصائب بصدر رحب، ونفس راضية، فالصبر الجميل هو المانع لصاحبه من الشكوى لغير الله تعالى، ويرى صاحبه أن كل ما يصيبه منحة لا محنة، فتطيب نفسه وتسكن، قال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف : 86]، مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف : 18] قيل: "إن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا جزع فيه" [تفسير الطبري]، فالشكوى إلى اللّه لا تنافي الصبر الجميل، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللّهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى) [رواه الطبراني]، دعاء حمل كل أشكال التسليم والاستغاثة بالله تعالى، فهو المأمول سبحانه بأن يلهم العبد الصبر، وأن يحفظه من كل زلل ووزر، دوما عاقبة الصبر تكون خيرا للعباد في الأولى والآخرة.
وإن سخط العبد مما أصابه فقد جرّ على نفسه السخط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) [رواه الترمذي]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فمن رضي عن ربه رضي الله عنه بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده، رضا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه ورضا بعدَه هو ثمرة رضاه عنه ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين ومن أعظم أسباب حصول الرضا؛ أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد". [مدارج السالكين]
• الفرق بين الرضا والصبر
قال ابن رجب الحنبلي: "والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكفّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق" [جامع العلوم والحكم]، فمن استقبل قضاء الله تعالى بالرضا والتسليم، وإن كانت نفسه متألّمة من القضاء الذي وقعه به، فسيعوضه الله تعالى عوضا حسنا وجبالا من الحسنات، يوم لا ينفع مال ولا جاه، ومن المنازل ما لا يبلغه العبد إلا بتلك البلايا والصبر عليها.
وإذا علم العبد أنه لا محيد له عن قدر الله وأن لله في أقداره حِكَما عظيمة وأن الأمر كله لله ونحن عبيد له سبحانه هان عليه كل شيء، عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبُيّ بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي؟ فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك" [أحمد].
فما كتب عليك فلن يصيب غيرك وما كُتب على غيرك فلن يصيبك، فإن القدَرَ كائنٌ فيمن كُتب عليه وحده، وهذا هو الإيمان بالقدر.
خرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)، قال ابن رجب رحمه الله: "واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال، والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال الله عز وجل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].
قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: "أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر". [جامع العلوم والحكم]
وإن كان بعض القضاء فيمن يفقد أخاه أليما، فإنه في المفقود قد يكون خيرا كحال الشهداء في سبيل الله فإنهم أحياء كما قال الله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، وليسوا أحياء فقط بل هم فرحين سعداء {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وأعلى من هذا أنهم يريدون أن يبشروا إخوانهم في الدنيا أن يُقبلوا على القتل في سبيل الله والشهادة لما رأوه من عظيم النعيم، قال ربنا سبحانه: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 170 - 171]
وإذا علمنا هذا فيمن يُقتل في سبيل الله فذلك أدعى للرضى بقضاء الله، بل والشوق إلى الحصول على نفس العاقبة فإنها نِعْمَ الخاتمة، وذلك الرضى مطلوب في سائر الأحوال التي يتقلب فيها المؤمن، وتلك حقيقة الإيمان، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
إن الله كما يحب أن يُشكر على نعمه فإنه يحب أن يرضى العباد بقضائه، فالخير منه والشر قدر من أقداره ولحِكم أراده، وكُلٌ يُبتلى بما يكره فإن الجنة إنما حفت بالمكاره، وربما كان ذلك فقدانا لرفقاء كانوا للمرء أدنَونَ أدنَونَ منه لقلبه ونفسه، أو كان قدرا في ذات العبد أو ضيقا في العيش أو ذهاب محبوب أو غيرها من صنوف الأقدار المكتوبة على العبد، وليس للمسلم سوى التسليم والرضا بما قدّر عليه ربُّه وقضى.
• الابتلاء يكون بالخير والشر
وإن عموم البلاء للمؤمنين يكون بالخير وبالشر، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء: 35]، قال ابن زيد: "نبلوهم بما يحبون وبما يكرهون، نختبرهم بذلك لننظر كيف شكرهم فيما يحبون، وكيف صبرهم فيما يكرهون"، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، في قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر} يقول: "نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلالة، وقوله: {وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} يقول: وإلينا يردّون فيجازون بأعمالهم، حسنها وسيئها". [تفسر الطبري]
فلا بد للمؤمن أن يوطّن نفسه على سنن الله تعالى، التي كتبها على العباد، وأول ما يكون ذلك بالتحلي بالصبر الجميل، ويجاهد نفسه على قبول الأقدار التي كتبها الله تعالى عليه، خيرها وشرها، وهذا من أركان الإيمان.
• الصبر الجميل بلا شكوى!
والصبر له أنواع كثيرة أعلاها ما حمل صاحبه على عدم الشكوى واحتواء اللسان والنفس عن القلق ما استطاع لذلك سبيلا، فهنيئا لمن رزقه الله صبرا جميلا، فتلقت نفسه الابتلاءات والمصائب بصدر رحب، ونفس راضية، فالصبر الجميل هو المانع لصاحبه من الشكوى لغير الله تعالى، ويرى صاحبه أن كل ما يصيبه منحة لا محنة، فتطيب نفسه وتسكن، قال نبي الله يعقوب عليه الصلاة والسلام: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف : 86]، مع قوله: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف : 18] قيل: "إن الصبر الجميل هو الصبر الذي لا جزع فيه" [تفسير الطبري]، فالشكوى إلى اللّه لا تنافي الصبر الجميل، ومن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، اللّهم إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي سخطك، أو يحل علي غضبك، لك العتبى حتى ترضى) [رواه الطبراني]، دعاء حمل كل أشكال التسليم والاستغاثة بالله تعالى، فهو المأمول سبحانه بأن يلهم العبد الصبر، وأن يحفظه من كل زلل ووزر، دوما عاقبة الصبر تكون خيرا للعباد في الأولى والآخرة.
وإن سخط العبد مما أصابه فقد جرّ على نفسه السخط، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط) [رواه الترمذي]، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فمن رضي عن ربه رضي الله عنه بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه فهو محفوف بنوعين من رضاه عن عبده، رضا قبلَه أوجب له أن يرضى عنه ورضا بعدَه هو ثمرة رضاه عنه ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العارفين وحياة المحبين ونعيم العابدين وقرة عيون المشتاقين ومن أعظم أسباب حصول الرضا؛ أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه فإنه يوصله إلى مقام الرضا ولا بد". [مدارج السالكين]
• الفرق بين الرضا والصبر
قال ابن رجب الحنبلي: "والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم، وتمني زوال ذلك، وكفّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه لما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة، وإذا قوي الرضا، فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية كما سبق" [جامع العلوم والحكم]، فمن استقبل قضاء الله تعالى بالرضا والتسليم، وإن كانت نفسه متألّمة من القضاء الذي وقعه به، فسيعوضه الله تعالى عوضا حسنا وجبالا من الحسنات، يوم لا ينفع مال ولا جاه، ومن المنازل ما لا يبلغه العبد إلا بتلك البلايا والصبر عليها.
وإذا علم العبد أنه لا محيد له عن قدر الله وأن لله في أقداره حِكَما عظيمة وأن الأمر كله لله ونحن عبيد له سبحانه هان عليه كل شيء، عن ابن الديلمي قال: "أتيت أبُيّ بن كعب فقلت له وقع في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي؟ فقال: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطاك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار، قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، قال ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك" [أحمد].
فما كتب عليك فلن يصيب غيرك وما كُتب على غيرك فلن يصيبك، فإن القدَرَ كائنٌ فيمن كُتب عليه وحده، وهذا هو الإيمان بالقدر.
خرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه)، قال ابن رجب رحمه الله: "واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال، والتضرع والدعاء، وتقديم طاعته على طاعة الخلق جميعا، وأن يتقي سخطه، ولو كان فيه سخط الخلق جميعا، وإفراده بالاستعانة به، والسؤال له، وإخلاص الدعاء له في حال الشدة وحال الرخاء، بخلاف ما كان المشركون عليه من إخلاص الدعاء له عند الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودعاء من يرجون نفعه من دونه، قال الله عز وجل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} [الزمر: 38].
قال أبو الدرداء: إن الله إذا قضى قضاء أحب أن يرضى به، وقال ابن مسعود: إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط؛ فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء، كذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما. وقال عمر بن عبد العزيز: "أصبحت ومالي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر". [جامع العلوم والحكم]
وإن كان بعض القضاء فيمن يفقد أخاه أليما، فإنه في المفقود قد يكون خيرا كحال الشهداء في سبيل الله فإنهم أحياء كما قال الله تعالى: {بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169]، وليسوا أحياء فقط بل هم فرحين سعداء {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ}، وأعلى من هذا أنهم يريدون أن يبشروا إخوانهم في الدنيا أن يُقبلوا على القتل في سبيل الله والشهادة لما رأوه من عظيم النعيم، قال ربنا سبحانه: {وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 170 - 171]
وإذا علمنا هذا فيمن يُقتل في سبيل الله فذلك أدعى للرضى بقضاء الله، بل والشوق إلى الحصول على نفس العاقبة فإنها نِعْمَ الخاتمة، وذلك الرضى مطلوب في سائر الأحوال التي يتقلب فيها المؤمن، وتلك حقيقة الإيمان، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 338
الخميس 11 شوال 1443 هـ ...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00
يتبقى على
3
شعبان
1447
| الفجر 00:00 | الظهر 00:00 | العصر 00:00 | المغرب 00:00 | العشاء 00:00 |