. . . . . . . . . من وجه آخر على أربعة أقسام: فأول أقسامه وأولاها الصبر على ما أمر الله ...

.
.
.
.
.
.
.
.
.
من وجه آخر على أربعة أقسام: فأول أقسامه وأولاها الصبر على ما أمر الله سبحانه وتعالى به، والانتهاء عما نهى عنه. والثاني الصبر على ما فات إدراكه من مسرة أو تقضت أوقاته بمصيبة. والثالث الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها، أو يخشى حدوثه من رهبة يخافها. والرابع الصبر على ما نزل من مكروه أو حل من أمر مخوف. وجميع أقسامه محمودة بكل لسان وفي كل ملة، وعند كل أمة مؤمنة أو كافرة.
قال أكثم بن صيفي: من صبر ظفر. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الصبر مطية لا تكبو، والقناعة سيف لا ينبو. وقال أزدشير: الصبر الدرك. وقال عليه السلام: الصبر ضياء وبالصبر يتوقع الفرج. وقال عليه السلام: الصبر ستر من الكروب وعون على الخطوب. وقال ابن عباس: أفضل العدة الصبر على الشدة. وقال عبد الحميد الكاتب: لم أسمع أعجب من قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو كان الشكر والصبر مطيتان لما باليت أيهما ركبت.
* وقال بعض الحكماء: بالصبر على مواقع المكروه تدرك الحظوة.
*وقال ابن المقفع في كتاب التتمة: الصبر صبران فاللئام أصبر أجساماً والكرام أصبر نفوساً، وليس الصبر الممدوح صاحبه أن يكون قوي الجسد على الكد والعمل فإن هذا من صفات الحمير، ولكن أن يكون للنفس غلوباً وللأمور محتملاً، ولجاشه عند الحفظة مرتبطاً.
*وفي منثور الحكم: من أحب البقاء فليعد للمصائب قلباً صبوراً، وقال بزرجمهر: لم أر ظهيراً على تنقل الدول كالصبر، ولا مذلاً للحساد كالتجمل ولا مكسباً للإجلال كتوقي المزاح، ولا مجلبة للمقت كالإعجاب ولا متلفة للمروءة كاستعمال الهزل في مواضع الجد. فأما القسم الأول وهو الصبر على امتثال ما أمر الله تعالى والانتهاء عن محارمه، فيه يصح أداء الفرائض واستكمال السنن ويدخل في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر: 10) . ولذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. وقال الجنيد: المسير من الدنيا إلى الله سهل هين على المؤمن وهجر الخلق في حب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد والصبر مع الله أشد. وسئل عن الصبر فقال: تجرع المرارة من غير تعبيس. وكان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} (صّ: 44) . يبكي ويقول: واعجباً أعطي وأثني عليه! وقال الخواص: الصبر الثابت على أحكام الكتاب والسنة. وقال عبد الواحد بن زيد: من نوى الصبر على طاعة الله تعالى صبره الله تعالى عليها وقواه، ومن عزم على الصبر عن معصية الله تعالى أعانه الله تعالى وعصمه منها. وقال عمر بن عبد العزيز للقاسم بن محمد: أوصني! وقال القاسم: عليك بالصبر في مواضع الصبر. وقال الحسن: الصبر صبران: صبر عند المصيبة وصبر عند ما نهى الله عنه، وهو الأفضل. وإنما يختلف الصبر بالخوف والرجاء، من خاف شيئاً صبر على الفرار منه، وصبر عند كراهية ما يحذر من ضرره، ومن رجا شيئاً صبر على طلبه ليظفر به. وأما القسم الثاني وهو الصبر على ما فات إدراكه من مسرة أو نقضت أوقاته من مصيبة، فإنه يتعجل به الراحة مع اكتساب المثوبة، فإن صبر طائعاً استراح وأحرز الثواب، وإن لم يصبر حمل الهم والوزر.
*وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه للأشعث بن قيس: إن تجزع فقد استحق ذلك منك بالرحم، وإن تصبر ففي ثواب الله تعالى خلف من ابنك، إن صبرت جرى عليك القلم وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القلم وأنت مأزور؛ ونظمه أبو تمام فقال:
.
وقال علي في التعازي لأشعثٍ
وخاف عليه بعض تلك المآثم:
أتصبر للبلوى عزاءً وحسبةً
فتؤجر أم تسلو سلو البهائم؟
خلقنا رجالاً للتجلد والأسى
وتلك الأيامى للبكا والمآتم!
* وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل: إن صبرت مضى أمر الله وكنت مأجوراً، وإن جزعت مضى أمر الله وكنت مأزوراً.
* وقال الحسن: والله لو كلفنا الجزع ما قمنا به، فالحمد لله الذي آجرنا على ما لو نهانا عنه لصرنا إليه.
* وعن هذا قالت الحكماء: الجزع أتعب من الصبر، ففي الجزع التعب والوزر وفي الصبر الراحة والأجر. ولو صور الصبر والجزع لكان الصبر أحسن صورة وأكرم طبيعة، وكان الجزع أقبح صورة وأحرد طبيعة، ولكان الصبر أولاهما بالغلبة لحسن الخلقة وكرم الطبيعة.
* وقال بعض الحكماء: لو وكل الناس بالجزع للجئوا إلى الصبر.
* وقال شبيب بن شيبة المهدي: إن أحق ما صبرت عليه ما لم تجد سبيلاً إلى دفعه. وأنشدوا:
إذا تصبك مصيبة فاصبر لها
عظمت مصيبة مبتلى لا يصبر
وقال آخر:
وعوضت أجراً من فقيدك لا يكن
فقيدك لا يأتي وأجرك يذهب
* وقال بعض الحكماء: ليس بمجموع له الرشد من تتابع التلهف على فائت أو أكثر الفرح عند مستظرف.
وقال حكيم: إن كنت جازعاً على ما يفلت من يديك فاجزع على ما لا يصل إليك، ومن أيقن أن كل فائت إلى انقضاء حسن عزاؤه عند نزول القضاء. وقال الشاعر:
إذا طال بالمحزون أيام صبره
كساه ضيا طول المقام على الصبر
ولا شك أن الصبر يحمد غبه
ولكن إنفاقي عليه من العمر
* وقال بعض القدماء: الصبر على أربع مراتب: الشوق والإشفاق والزهادة والترقب، فمن اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن راقب الموت قصر عن الخطيئات. وأما القسم الثالث فهو الصبر فيما ينتظر وروده من رغبة يرجوها، أو يخشى حدوثه من رهبة يخافها، فبالصبر والتلطف يدفع عادية ما يخاف وينال نفع ما يرجو.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: انتظار الفرج بالصبر عبادة.
وقال محمد بن بشر:
إن الأمور إذا انسدت مسالكها
فالصبر يفتح منها كل ما ارتتجا
لا تيأسن وإن طالت مطالبه
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجأ!
.
*وقال بعض الرواة دخلت مدينة يقال لها ذمار، فبينما أنا أطوف في خرابها إذ رأيت مكتوباً على قصر خراب:
يا من ألح عليه الهم والفكر
وغيرت حاله الأيام والغير
أما سمعت بما قد قيل في مثل
عند الأياس فأين الله والقدر
*وقال غيره:
نم للخطوب إذا أحداثها طرقت
واصبر فقد فاز أقوام بما صبروا
فكل ضيق سيأتي بعده سعة
وكل صبر وشيك بعده ظفر
...المزيد

الحقن مباشرة في الحساب(سانشره هنا قريبا) .بسعر اصلي .. لا كفالة لاحد الباب الحادي والثلاثون: في ...

الحقن مباشرة في الحساب(سانشره هنا قريبا) .بسعر اصلي .. لا كفالة لاحد
الباب الحادي والثلاثون: في بيان الشح والبخل وما يتعلق بهما
الشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: اللهم إني أعوذ بك من شح نفسي وإسرافها ووسواسها. وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، وحملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم. وقد فرق بينهما مفرقون فقالوا: الشح أشد من البخل فإن البخل أكثر ما يكون في النفقة وإمساكها. قال الله تعالى: {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 180) . وقال: {وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ} (محمد: 38) . وقال في الشح: أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا. وقال: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التغابن: 16) . فالشح ينبني على الكزازة والامتناع، فهو يكون في المال وفي جميع منافع البدن.
وقال ابن عمر: ليس الشح أن يمنع الرجل ماله وإنما الشح أن يطمع في ما ليس له. ولهذا قال ابن المبارك: سخاء

.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
أرى الناس خلان الكرام ولا أرى
بخيلاً له في العالمين خليل!
وإني رأيت البخل يزري بأهله
فأكرمت نفسي أن يقال بخيل
ومن خير حالات الغنى وأتمها
إذا نال خيراً أن يكون ينيل
عطائي عطاء المكثرين تكرماً
ومالي كما قد تعلمين قليل
وقال عروة بن ورد العبسي:
وإني امرؤ عافٍ إنائي شركة
وأنت امرؤ عاف إنائك واحد
أتضحك مني إن سمنت وأن ترى
بجسمي شحوب الحق والحق جاهدا؟
أقسم جسمي في جسوم كثيرة
وأحسو قراح الماء والماء بارد!
وقال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفوس عن الحرام، وسخاؤها بما ملكت من الخاص والعام، وجميع خصال الخير وفروعه. وروي أنه كان عند البهلول بن راشد طعام، فغلا السعر فأمر به فبيع له، ثم أمر أن يشتري له نصف ربع القفير، فقيل له: تبيع وتشتري؟ فقال: نفرح إذا فرح الناس وتحزن إذا حزنوا. ولام رجل حاتم طيء فقال:
لعمري لقد ما عضني الجوع عضة
فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا!
فقولا لهذا اللائم الآن: اعفني
فإن أنت لم تستطع فعض الأصابعا!
وهل ترون الآن إلا طبيعة
وكيف بتركي يا ابن آدم الطبائعا؟
وقال آخر:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه
لا بارك الله بعد العرض في المال!
أحتال للمال إن أودى فأجمعه
ولست للعرض إن أودى بمحتال!
ويروى أن رجلاً سأل الحسن بن علي رضي الله عنه شيئاً، فأعطاه خمسة آلاف درهم وخمسمائة دينار وقال: ائت بحمال يحمله لك! فأتى بحمال فأعطاه طيلسانة وقال: يكون كراء الحمال من قبلي! ويروى أن الليث بن سعد سألته امرأة سكرجة عسل، فأمر لها بزق عسل، فقيل له في ذلك، فقال: إنها سألت على قدر حاجتها ونحن نعطيها على قدر نعمتنا. ويروى أن رجلاً استضاف بعبد الله بن عامر بن كريز، فلما أراد الرجل أن يرتحل لم تعنه غلمانه، فسأل عن ذلك فقال عبد الله: إنهم لا يعينون من يرتحل عنا؛ وفي معناه قال المتنبي:
إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا*أن لا تفارقهم، فالراحلون هم!
الباب الحادي والثلاثون: في بيان الشح والبخل وما يتعلق بهما
ó
...المزيد

. . . . . . . . . . . . -المدارس تحت سلطان الشريعه قد يكون الافضل اجازة المختلط وغير ...

.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
-المدارس تحت سلطان الشريعه قد يكون الافضل اجازة المختلط وغير المختلط...وتوليه المناسب عليها بشرط الامن التام.. الاشرار ينقادون كراهية والاخيار طواعية..للاقتراب من قاعدة فرض العدالة ليس الدين
غريبة. ومن أنبل بيت قالته العرب:
فصح بالخير خرس بالخنا
رجح الأحلام ذيال الأزر
وقال آخر:
بأحلام عاد لا يخاف جليسهم
إذا نطق العوراء عرب لسان
إذا حدثوا لم يخش سوء استماعهم
وإن حدثوا أدوا بحسن بيان
* وقال المسيح عليه السلام: ما حلم من لم يصبر عند الجهل، وما قوة من لم يرد الغضب، وما عبادة من لم يتواضع للرب تعالى؟
* وقيل للإسكندر: إن فلانا وفلاناً ينقصانك ويثلبانك فلو عاقبتهم! فقال: هم بعد العقوبة أعذر في ثلبي وتنقيصي. ويروى عن جرير بن عبد الله: بينما هو راكب قد أردف ابنه إذ لقيه رجل فنال منه وجرير ساكت، فلما ولي قال له ابنه: يا أبت لم سكت عنه؟ قال له: يا بني إذن أوسع جرحي.
وقال بعض الحكماء: متى أشفي غيظي، أحين أقدر فيقال لو عفوت، أم حين أعجل فيقال لو صبرت؟
* وسئل بعض أصحاب الأحنف: أكان الأحنف يغضب؟ قال: نعم، لو لم يغضب ما بان حلمه، كان يغضبه الشيء فيتبين في وجهه اليومين والثلاثة وهو يصبر ويحلم.
ومن لم يغضب من الأشياء التي مثلها فقد فقد من الفضائل الشجاعة، والأنفة والحمية والدفاع والأخذ بالثأر والغيرة، فإن هذه الخصال نتائج الغضب، فمن فقد الغضب فقد فقد أس الفضائل على ما سنذكره في باب الشجاعة، إن شاء الله. وقيل: عند فقد الشجاعة تكون المهانة، ومن المهانة يكون سفساف الأخلاق ورذالة الطباع، فلا يبقى لسائر فضائله موقع. وكان يقال: من لم يغضب فليس بحليم، لأن الحليم يعرف عند الغضب. وقال الشعبي: الجاهل خصم والحليم حاكم. قال الشافعي رضي الله عنه: من استغضب ولم يغضب فهو حمار، ومن استرضي ولم يرض فهو جبار. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يغضب، ولكنه إنما كان يغضب لا لنفسه بل عند انتهاك حرمة ربه. واعلم أن الله تعالى ما مدح من لم يغضب، وإنما مدح من كظم الغيظ فقال: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} (آل عمران: 134) . وقد أنشد النابغة بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم:
فلا خير في علم إذا لم يكن له
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له
حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
فلم ينكر النبي قوله.
وكان عمر رضي الله عنه إذا سافر استتبع سفيهاً ويقول: أدفع به شر السفهاء عني! واعلموا أرشدكم الله أن أحسن خصال الملوك وأجلها قدراً، وهي حلية الأنبياء ولبسة الأصفياء والأولياء، وأعملها على الرعايا نفعاً وأخلدها على ممر الأيام ذكراً، وأجلها في المحافل والمجالس نشراً، وهي الفضيلة التي تعم سائر الفضائل وتكمل بها سائر المحاسن، وهي الحلم. وها أنا أتلو عليك من ذلك ما يقضى فيه بالعجب: هذه دولة آل العباس أولهم أبو العباس السفاح إلى يومنا هذا لم يكن يفهم أحلم من المأمون، بلغ من حلمه أنه كان يقول: لو يعلم الناس ما لي في لذة العفو ما تقربوا إلي إلا بالجرائم! فعم حلمه سائر خلفاء بني العباس حتى صار يضرب المثل بحلمه. وبهذه الخصلة تهيأ ملكه وقهر أخاه الأمين. ومنها دولة بني أمية، أولهم معاوية بن أبي سفيان وآخرهم مروان الجعدي، لم يكن فيهم أحلم من معاوية لا جرم أن دانت له الدنيا، وملك بها رقاب العرب
...المزيد

. . . . . . . . . . . . . . الشر! قال: فأخبرني عنه بواحدة. قال: كان أعظم الناس ...

.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الشر! قال: فأخبرني عنه بواحدة. قال: كان أعظم الناس سلطاناً على نفسه.
وقال أكثم بن صيفي(ينتضرك - وحقها نفقة ): الغلبة والعز للحلم.
وقال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال. وصدق الأحنف فإن من حلم كان الناس أنصاره. كما روي أن رجلاً أسرع في شتم بعض الأدباء وهو ساكت، فحمى له بعض المارين في الطريق وقال له: يرحمك الله ألا أنتصر لك؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: لأني وجدت الحلم أنصر لي من الرجال، وهل حاميت لي إلا لحلمي؟ وقال رجل لعمرو بن العاص رضي الله عنه: والله لأتفرغن لك! فقال له: الآن وقعت في الشغل. وقال عبد الله بن عمر: إن رجلاً ممن كان قبلكم استضاف قوماً فأضافوه، ولهم كلبة تنبح، فقالت: والله لا أنبح ضيف أهلي الليلة، فعوى جراؤها في بطنها، فبلغ ذلك نبياً لهم أو قيلاً من أقيالهم، فقال: مثل هذا مثل أمة تكون بعدكم تظهر سفهاؤها على حلمائها. وقال الأحنف: إياكم ورأي الأوغاد. قالوا: وما رأي الأوغاد؟ قال: الذين يرون الصفح والعفو عاراً. وسئل الأحنف عن الحلم فقال: هو الذي يصبر عليه، ولست بحليم ولكني صبور.
ويروى أن المهلب نازعه رجل من كبراء بني تميم، فأربى على المهلب والمهلب ساكت، فقيل له في ذلك، فقال: كنت إذا سبني استحيت من سخف السباب وتحلية اللئام والسفلة، وكان إذا سبني تهلل وجهه وشمخت نفسه بأن ظفر بفضل الفخر ونبذ المروءة، وخلع ربقة الحياء وقلة الاكتراث بسوء الثناء! ومر المسيح عليه السلام على قوم من اليهود فقالوا شراً فقال لهم خيراً، فقيل له: إنهم يقولون شراً وأنت تقول لهم خيراً! فقال: كل ينفق مما عنده. وقال أكثم بن صيفي: من حلم ساد ومن تفهم ازداد، وكفر النعمة لؤم وصحبة الجاهل شؤم، ولقاء الإخوان غنم والمباشرة يمن، ومن الفساد إضاعة الزاد.
وسب رجل الشعبي بقبائح نسبها إليه، فقال الشعبي: إن كنت كاذباً فغفر الله لك، وإن كنت صادقاً فغفر الله لي! وقال رجل لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: لأسبنك سباً يدخل معك في قبرك! فقال أبو بكر: معك يدخل لا معي! وقال رجل للأحنف بن قيس: إن قلت لي كلمة لتسمعن عشرة! فقال له الأحنف: لكنك لو قلت لي عشراً لم تسمع مني واحدة. وروي أن رجلاً سب الأحنف وهو يماشيه في الطريق، فلما قرب من المنزل وقف الأحنف وقال: يا هذا إن كان بقي معك شيء فقله ههنا، فإني أخاف أن يسمعك فتيان الحي فيؤذوك. وسب رجل بعض الحكماء، فقال له الحكيم: لست أدخل في حرب الغالب فيه شر من المغلوب. وقال لقيط بن زرارة:
فقل لبني سعد فما لي وما لكم

ترقون مني ما استطعتم وأعتق
أغركم أني بأحسن شيمة

بصير وأني بالفواحش أخرق

وإن تك قد ساببتني فقهرتني

هنيئاً مريئاً أنت بالفحش أحدق!
وقال رجل لأبي ذر رضي الله عنه: أنت الذي نفاك معاوية من الشام، ولو كان فيك خير ما نفاك! فقال: يا ابن أخي إن ورائي عقبة كؤوداً، إن نجوت منها لم يضرني ما قلته، وإن لم أنج منها فأنا شر مما قلت! وقال لقمان لابنه: يا بني ثلاثة لا يعرفون إلا عند ثلاثة: لا يعرف الحليم إلا عند الغضب، ولا الشجاع إلا عند الحرب، ولا أخوك إلا عند الحاجة إليه.
* وسب رجل بعض الحكماء فأعرض عنه، فقال له: إياك أعني! فقال له الحكيم: وعنك أعرض! وفي ذلك قيل:
قل ما بدا لك من زور ومن كذب
حلمي أصم وأذني غير صماء
وقيل يوماً للأحنف بن قيس: ما أحلمك! فقال: لست بحليم ولكني أتحالم، والله إني لأسمع الكلمة فأحم لها ثلاثاً، ما يمنعني من جوابها إلا الخوف من أن أسمع ما هو شر منها! وقال الشاعر:
وليس يتم الحلم للمرء راضياً
إذا كان عند السخط لا يتحلم
كما لا يتم الجود للمرء موسراً
إذا كان عند العسر لا يتجشم
* ويروى أن رجلاً سب جعفر بن محمد رضي الله عنهما، فقال: أما ما قلت مما هو فينا فإنا نستغفر الله منه، وما قلت مما ليس فينا فإنا نكلك فيه إلى الله تعالى.
* وقال بعض الحكماء: احذروا الغضب، فرب غضب استحق الغضبان به غضب الله تعالى.
* وقال أكثم بن صيفي: لا يكون الرجل حليماً حتى يقول السفيه أنه لضعيف مستذل، ولا يكون مخلصاً حتى يقول الأحمق أنه لمفسد. ومن أشعر بيت قيل في الحلم قول كعب بن زهير:
إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا * أصبت حليماً أو أصابك جاهل
* ووصف أعرابي رجلاً فقال: أحلم من فرخ طائر.
* وقال أعرابي: إن الغضب عدو العقل، ولذلك يحول بين صاحبه وبين العقل.
* وقال صعصعة بن صوحان: الغضب مرقدة العقل، فربما أصلده وربما أربده.
* وقال أعرابي: إذا جاء الغضب تسلط العطب. وكان ابن عون إذا غضب على أحد قال: سبحان الله بارك الله فيك! وقال الأصمعي: دفع أزدشير إلى رجل كان يقوم على رأسه كتاباً وقال: إذا رأيتني قد اشتد غضبي فادفعه إلي. فكان فيه: اسكن فلست بإله، إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضاً، وتصير عن قريب للدود والتراب! وهذه السيرة أول من سنها ملك تبع، أمر أن يكتب في كتاب: اسكن فلست بإله! وقال لصاحبه: إذا غضبت فاعرضه علي. فكان إذا غضب عرضه عليه، فإذا قرأه سكن غضبه. وقال معاوية: أفضل ما أعطي الرجل العقل والحلم، فإذا ذكر ذكروا وإذا أعطى شكر، وإذا ابتلي صبر وإذا غضب كظم، وإذا قدر عفا وإذا أساء استعفى وإذا وعد أنجز.
* ومن كلام الحكماء: من أطاع الغضب حرم السلامة، ومن عصى الحق غمره الذل. وقال
* بعض الحكماء: كظم الغيظ حلم والحلم صبر، والتشفي ضرب من الجزع.
* وقال آخر: أول الغضب جنون وآخره ندم.
* وقال بعض الحكماء: إذا غلب على الرجل أربع خصال فقد عطب: الرغبة والرهبة والشهوة والغضب.
* وقيل لبعض الصالحين: إن فلاناً يقع فيك بقول. فقال: لأغيظن من أمره يغفر الله لي وله! قيل له: ومن أمره؟ قال: الشيطان.
* وقال رجل لأخيه: إني مررت بفلان وهو يقع فيك ويذكرك بأشياء رحمتك منها. قال: فهل سمعتني أذكره بشيء؟ قال: لا. قال: فإياه فارحم، وقال الفضيل: ثلاثة لا يلامون على الغضب: المريض والصائم والمسافر. وقال الأحنف بن قيس: تعلمت الحلم من قيس بن عاصم المنقري. إني لجالس معه في فناء بيته وهو يحدثنا إذ جاءت جماعة يحملون قتيلاً، ومعهم رجل مأسور فقيل له: هذا ابنك قتله أخوك! فوالله ما قطع حديثه ولا حل حبوته حتى فرغ من منطقته، ثم أنشد:
أقول لنفسي تصبيراً وتعزية:
إحدى يدي أصابتني، ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه
هذا أخي حين أدعوه، وذا ولدي
ثم التفت إلى بعض ولده وقال: قم أطلق عمك ووار أخاك التراب، وسق إلى أمه مائة من الإبل فإنها
.
.
.
.
السفه ذل وشين. وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما ازداد رجل بعفو إلا عزاً، فاعفوا يعزكم الله. وقال بعض الحكماء: من تذكر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباده. وكتب بعض ملوك الفرس كتاباً ودفعه إلى وزيره وقال له: إذا غضبت فناولنيه. وفيه مكتوب: ما لك والغضب إنما أنت بشر، ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء! وكان معاوية كثيراً ينشد:
إنا إذا مالت دواعي الهوى

وأنصت السامع للقائل

واعتلج الناس بألبابهم

نقضي بحكم عادل فاضل

نخاف أن تسفه أحلامنا

فيحمل الدهر على الحامل
وقال بعض الحكماء: إياك وعزة الغضب فإنها تفضي إلى ذلة العذر. وقال الشاعر:
وإذا ما اعترتك في الغضب الع

زة فاذكر مذلة الاعتذار

وقال آخر:
زررنا على غير الفواحش قمصنا

ولم نستجز إلا الذي هو أجوز
وقال عبد الله بن مسلم بن محارب لهارون الرشيد: يا أمير المؤمنين، أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وبالذي هو أقدر على عقابك منك على عقابي إلا عفوت عني! فعفا عنه لما ذكره قدرة الله تعالى عليه. وقال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى بني الأشعث: إن الله أعطاك ما تحب من الظفر، فأعط الله ما يحب من العفو. وقال المأمون لعمه إبراهيم بن المهدي، وكان مع أخيه عليه: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك، إلا أني وجدت قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل لألزم حرمتك! فقال: يا أمير المؤمنين، إن المشير أشار بما جرت به العادة في السياسة إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو، فإن عاقبت فلك نظير وإن عفوت فلا نظير لك! وأنشأ يقول:
البر منك وطي العذر عندك لي
فيما فعلت فلم تعذل ولم تلم
وقام علمك بي فاحتج عندك لي
مقام شاهد عدل غير متهم
وقال بعض الحكماء: الغضب على من لا تملك عجز وعلى من تملك لؤم. ومنها أن يتذكر ما يؤول إليه الغضب من الندم ومذلة الانتقام، وشرع القصاص في بدنه بين يدي من لا يرحمه، فإن ذلك مما يزعه عن الغضب.

الباب الثلاثون: في الجود والسخاء
وهذه الخصلة الجليل قدرها العظيم موقعها الشريف موردها ومصدرها، وهي إحدى قواعد المملكة وأساسها وتاجها وجمالها، تعنو لها الوجوه وتذل لها الرقاب، وتخضع لها الجبابرة وتسترق بها الأحرار وتستمال بها الأعداء وتستكثر بها الأولياء، ويحسن بها الثناء ويملك بها القرباء والبعداء، ويسود بها في غير عشائرهم الغرباء. وهذه الخصلة بالعزائم والواجبات أشبه منها بالجمال والمتممات، وكم قد رأينا من كافر ترك دينه والتزم دين الإسلام ابتغاء عرض قليل من الدنيا يناله، وكم قد سمعنا من مسلم ارتد في أرض الشرك افتتاناً بيسير من عرض الدنيا! وأخلق بخصلة يترك الإنسان لها دينه الذي يبذل دونه نفسه
...المزيد

. . . . . . . . مزح الحجاز (تدارسنا العلم والتفسير) ومن يصنع المعروف مع غير أهله ... يلاق ...

.
.
.
.
.
.
.
.
مزح الحجاز (تدارسنا العلم والتفسير)
ومن يصنع المعروف مع غير أهله ... يلاق الذي لاقى مجير أم عامر... وأم عامر هب كنية الضبع، ويرون قصة تتعلق بالبيت شبيهة كل الشبه بما يلي، قال الأصمعي: دخلت البادية فإذا بعجوز بين يديها شاة مقتولة، وجرو ذئب مقع، فنظرت إليها، فقالت: أتدري ما هذا؟ قلت: لا، قالت: هذا جرو ذئب أخذناه وأدخلناه بيتنا، فلما كبر قتل شاتنا، وقد قلت في ذلك شعرًا، قلت لها: ما هو؟ فأنشدت:
بقرت شويهتي، وفجعت قلبي ... وأنت لشاتنا ولدٌ ربيب
غذيت بدرها، وربيت فينا ... فمن أنبأك أن أباك ذيب؟
إذا كان الطباع طباع سوءٍ ... فليس بنافعٍ فيها الأديب
...المزيد

. . . . . . . . . . . . . الباب الخامس والعشرون: في الجلساء وآدابهم قال الله تعالى: ...

.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
الباب الخامس والعشرون: في الجلساء وآدابهم
قال الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} (الزخرف: 67) . وقال سبحانه: {يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً*لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً} (الفرقان29: 28) . وينبغي للملك أن يجالس أهل العقل والأدب وذوي الرأي والحسب، وذوي التجارب والعب، فمجالسة العقلاء لقاح العقل ومادته، ولذلك حمدت آراء الشيوخ، فقال القدماء: المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم. وقالوا: عليكم بآراء الشيوخ، فإنهم إن فقدوا ذكاء الطبع فقد مرت على عيونهم وجوه العبر، وتصدت لأسماعهم آثار الغير. وقالوا: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام. وقال عبد الملك لجلسائه: جنبوني ثلاثاً: لا تطغوني فإني أعرف بنفسي منكم، ولا تكذبوني فإنه لا رأي لكذوب، ولا تغتابوا عندي أحداً فيفسد قلبي عليكم. وقال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديباً وبتقلب الأيام عظة.
وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. وقد قال هرم بن قطبة وهو أحد حكماء العرب، حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة: عليكم بالحديث السن الحديد النظر. وقال كثير من حكماء العرب: عليكم بمشاورة الشباب فإنهم ينتجون رأياً لم يضره طول القدم، ولا استولت عليه رطوبة الهرم، والمذهب الأول أصدق على العقول. وقال عبد العزيز بن زرارة لمعاوية: عليك بمجالسة الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإن العقل يقع على العقل. قال ابن عباس: مجالسة العقلاء تزيد في الشرف. وقال سفيان بن عيينة: إن الرجل ممن كان قبلكم ليلقى الرجل العاقل فيكون بعقله عاقلاً أياماً. وقال مالك بن أنس رحمة الله عليه. مر سليمان بن داود عليهما السلام بقصر بأرض مصر فوجد فيه مكتوباً:
* وقال عبد الملك: من قرب السفلة وأدناهم وباعد ذوي العقل وأقصاهم استحق الخذلان، ومن منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده.
* ومن الكلام الشريف قول الحكماء: ما أحوج ذا القدرة إلى دين يحجزه وحياء يكفه وعقل يعدله، وإلى تجربة طويلة وعبر محفوظة، وإلى أعراق تسري إليه وأخلاق تسهل الأمور عليه، وإلى جليس رفيق ورائد شفيق، وإلى عين تنظر العواقب وعقل يخاف الغير. ومن لم يعرف لؤم ظفر الأيام لم يحترس من سطوات الدهر، ومن لم يتحفظ من فلتان الزلل لم يتعاظمه ذنب وإن عظم ولا ثناء وإن سمج، وإذا رأيت من جليسك أمرأ تكرهه أو خلة لا تحبها، أو صدرت منه كلمة عوراء أو هفوة غبراء، فلا تقطع حبله ولا تصرم وده، ولكن داو كلمه واستر عورته فأبقه وابرأ من عمله. قال الله تعالى: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} (الشعراء: 216) ، فلم يأمره بقطعهم وإنما أمره بالبراءة من عملهم السوء. قال الشاعر:
إذا راب مني مفصل فقطعته
بقيت وما بي للنهوض مفاصل
ولكن أداويه فإن صح سرني
وإن هو أعيى كان فيه تحامل
وجاء رجل إلى بعض الحكماء فشكى إليه صديقه، وعزم على قطعه والانتقام منه، فقال له الحكيم: أتفهم ما أقول لك فأكلمك، أم بك من ثورة الغضب ما يشغلك عنه؟ فقال: إني لما تقول واعٍ. فقال: أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ فقال: بل سروري. قال: أفحسناته عندك أكثر أم سيئاته؟ قال: بل حسناته. قال: فاصفح يصالح أيامك عن ذنبه وهب لسرورك جرمه، واطرح مؤونة الغضب والانتقام منه، ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب وأنت صائر إلى ما تحب.
الباب السادس والعشرون: في بيان معرفة الخصال التي هي جمال السلطان
قد ذكرنا الخصال التي تجري من المملكة مجرى الأساس من البنيان، ونذكر الآن الخصال التي تجري من المملكة مجرى التاج والطيلسان وحسن الهيئة والكمال، فأصلها وقاعدتها العفو. قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (الأعراف: 199) . فلما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب جبريل ثم عاد فقال: يا محمد إن ربك يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك، وتعفو عن ظلمك. واعلموا أرشدكم الله أن الله تعالى أمر بالعفو وندب إليه، وذكر فضيلته وحث عليه ووصف به نفسه، فقال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134) . فأوجب الله تعالى محبته للعافين وأثنى عليهم بالإحسان فقال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى: 43) ، وعزائم الأمور من صفات المصطفين من الرسل عليهم السلام. قال الله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الاحقاف: 35)
وقال سبحانه: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى: 37) . وقال سبحانه: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} (النور: 22) . فاستعطف الخلق وندبهم إلى أن يعفو عن الجناة والظالمين والخاطئين كما يحبون أن يفعل الله بهم. وقال فيمن انتصر ولم يعف: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} (الشورى: 41) . فرفع الحرج عن المنتصر والمنتقم ولم يوجب له فضيلة. ثم كشف الغطاء وأزاح العذر وصرح بتفضيل العافين على المنتصرين، والواهبين حقوقهم على المنتقمين، فقال
ليس علي في الحلم مؤونة، ولوددت أن أهل الجرائم علموا رأيي في الحلم فيذهب الخوف فتخلص لي قلوبهم
* وقال رجل للمنصور: يا أمير المؤمنين إن الانتقام انتصاف والتجاوز فضل، والمتجاوز قد جاوز حد المنصف، ونحن نعيذ أمير المؤمنين أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين، وأن لا يرتفع إلى أعلى الدرجتين، فاعف عنا يعف الله عنك. فعفا عنهم.
* وأنشدوا:
وإذا بغى باغ عليك بجهله
فاقتله بالمعروف لا بالمنكر
* وقال بعضهم لمسلم بن قتيبة لما عفا عنه: والله ما أدري أيها الأمير، أي يوميك أشرف: أيوم ظفرت أم يوم عفوت؟
* وقال الشاعر:
ما زلت في العفو للذنوب وإط * لاقك جان يجرمه علق
حتى تمنى العصاة أنهم * عندك أمسوا في القيد والحلق
*ورفع إلى أنوشروان: إن العامة تؤنب الملك في معاودة الصفح عن المذنبين مع تتابعهم في الذنوب، فوقع المجرمون مرضى ونحن أطباء، وليس معاودة الداء إياهم بمانعنا من معاودة العلاج لهم.
* وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما قرن شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم ومن عفو إلى قدرة.
* وقال رجل لعبد الملك بن مروان لما ظفر بالمهلب: ما رأيت أحداً يا أمير المؤمنين ظلم ظلمك، ولا نصر نصرك ولا عفا عفوك.
* وقال بعض التابعين: المعاقب مستدع لعداوة أولياء المذنب، والعافي مستدع لشكرهم أو مكافأتهم أيام قدرتهم، ولأن يثني عليك باتساع الصدر خير من أن تنسب إلى ضيقه، وإقالة العثرة موجبة إقالة عثرتك من ربك، وعفوك عن الناس موصول يعفو الله عنك، وعقابك لهم موصول بعقاب الله تعالى لك، والله يحب العافين.
* وقال المنصور: عقوبة الأحرار التعريض وعقوبة الأشرار التصريح.
* وقال المأمون:
لما رأيت الذنوب جلت * عن المجازة بالعقاب
جعلت فيها العقاب عفواً * أمضى من الضرب للرقاب
* وقال الأحنف: لا تزال العرب بينة الفضل ما لم تعد العفو ضيماً والبذل شرفاً.
* وفي الحكمة: إذا انتقمت فقد انتصفت، وإذا عفوت فقد تفضلت.
* وقال بعض الحكماء: اقبل العذر وإن كان مصنوعاً، وإلا أن يكون مما أوجبت المروءة قطيعته، أو يكون في قبولك عذره تشجيعه على المكروه أو عونه على الشر، فإن قبولك العذر فيه اشتراك في المنكر. ولما دخل الفيل دمشق حشد الناس لرؤيته وصعد معاوية في علية له متطلعاً، فبينا هو كذلك إذ نظر في بعض الحجر في قصره رجلاً مع بعض حرمه، فأتى الحجرة ودق الباب فلم يكن من فتحه بد، فوقعت عينه على الرجل فقال له: يا هذا أفي قصري وتحت جناحي تهتك حرمي وأنت في قبضتي؟ ما حملك على ذلك؟ فبهت الرجل وقال: حلمك أوقعني! قال له معاوية: فإن عفوت عنك تسترها علي؟ قال: نعم. فخلى سبيله، وهذا من الدهاء العظيم والحلم الواسع أن يطلب الستر من الجاني، وهو عروض قول الشاعر:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم فنعتذر

وأتى موسى الهادي برجل قد جنى، فجعل يقرعه بذنوبه ويتهدده، فقال الرجل: إن اعتذاري مما تقرعني به رد عليك، وإقراري بما ذكرت ذنب، ولكني أقول:
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة
فلا تزهدن عند المعافاة في الآجر!
فأمر بإطلاقه. وقال المهلب: لا شيء أبقى للملك من العفو، فإن الملك إذا وثقت رعيته منه
...المزيد

.س اعقل من مضرت من فيه مصلحة واحدة للخلق رؤوفاً بهم، ليأنسوا برحمته ما يخرجه السلطان بغلظته. ومن ...

.س اعقل من مضرت من فيه مصلحة واحدة
للخلق رؤوفاً بهم، ليأنسوا برحمته ما يخرجه السلطان بغلظته. ومن شروطه أن يكون نقي الجيب ناصح الغيب، لا يقبل دقيقة ولا يكتم نصيحة. قال بعض الملوك لوزيره: لا تكونن إلى ما تسرني به أسرع مبادرة إلى إنذاري فيما تخاف علي منه. وقال بعض الحكماء: أعط من أتاك بما تكره كما تعطي من أتاك بما تحب، فإن من أنذر كمن بشر.
ومن شروطه أن يكون معتدلاً كليل تهامة لا حر ولا قر ولا سآمة، وموقع الوزير من الملك موقع الملك من العامة، وكما أن السلطان إذا صلح صلحت الرعية وإذا فسد فسدت الرعية، كذلك الوزراء إذا فسدوا فسد الملك وإذا صلحوا صلح الملك. وكان يقال: آفة العقل الهوى، وآفة الأمير سخافة الوزير. وقال المقتدر بالله لوزيره علي بن عيسى: اتق الله يعطفني عليك ولا تعصه يسلطني عليك. وقال المأمون لمحمد بن يزداد: إياك أن تعصي الله فيما تتقرب به إلي فيسلطني عليك. واعلم أنه ليس للوزير أن يكتم السلطان نصيحة وإن استقلها، وموضع الوزير من المملكة كموضع العين من الإنسان وكاليدين، فإنه إذا صح قبضهما وبسطهما صح التدبير، وإذا سقما دخل النقص على الجسد. ولا تصلح الوزارة أن تكون في غير أهلها، كما لا يصلح الملك أن يكون في غير أهله. وشر الوزراء من كان الأشرار أيضاً له وزراء وبطانة ودخلاء.
وأوصت امرأة ابنها وكان ملكاً فقالت: يا بني ينبغي للملك أن تكون له ستة أشياء: وزير يثق برأيه ويفضي إليه بأسراره، وحصن يلجأ إليه إذا فزع، وسيف إذا نازل الأقران لم يخف أن يخونه، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة كانت معه، وامرأة إذا دخلت عليه أذهبت همه، وطباخ إذا لم يشته الطعام طبخ له ما يشتهيه
...المزيد

كما قال بعض الحكماء: كيف يرجو العاقل النجاة، والهوى والشهوة قد اكتنفاه، والهوى أبعد من أن تنفذ فيه ...

كما قال بعض الحكماء: كيف يرجو العاقل النجاة، والهوى والشهوة قد اكتنفاه، والهوى أبعد من أن تنفذ فيه حيلة الحازم المحتال، وهو أغمض مسلكاً في الجنان من الروح في الجثمان، وأملك في النفس من النفس والمالك للشيء.
* ولهذا قيل: كم من عاقل أسير عند هوى أمير؟ فمن أحب أن يكون حراً فلا يهوى وإلا صار عبداً كما قال علي بن الجهم:
أنفس حرة ونحن عبيد * إن رق الهوى لرق شديد
واختلف الناس في العقل المكتسب إذا تناهى وزاد في الإنسان، هل يكون فضيلة أم لا؟ فقال معظم العقلاء: إنه فضيلة لأنه أذن كان مجموع آحاد وللآحاد فضائل، ولا شك أن كثرة الفضائل فضيلة. وأما الشيء المحدود فتكون الزيادة فيه نقصاً من المحدود كالتهور في الشجاعة، والتبذير في الكرم. وأما الزيادة في العقل المكتسب فزيادة علم بالأمور وحسن إصابة بالظنون، ومعرفة ما لم يكن بما قد كان.
* وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الناس أعقل الناس.
* وقال عليه السلام: العقل حيث كان إلف مألوف.
* وقال القاسم بن محمد: من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب الخصال عليه.
...المزيد

. . . قدر الله وماشاء فعل.. . أولاد العرب كان يحادثني، وأمتعني والله بفصاحته وملاحته: أيسرك أن ...

.
.
.
قدر الله وماشاء فعل..
.
أولاد العرب كان يحادثني، وأمتعني والله بفصاحته وملاحته: أيسرك أن يكون لك مائة ألف درهم وأنك أحمق؟ قال: لا والله! قلت: ولم؟ قال: أخاف أن يجني علي حمقي جناية تذهب بمالي ويبقى علي حمقي؛ استخرج هذا الصبي بفرط ذكائه ما يدق على من هو أكبر منه سناً.
* وقيل لبعض الصبيان: ألك أب؟ قال: فكأني عيسى بن مريم!
* وقد قالت الحكماء: آية العقل سرعة الفهم وغايته إصابة الوهم، وليس للذكاء غاية ولا لجودة القريحة نهاية.
ألا ترى أن أياس بن معاوية الذي يضرب المثل بذكائه قال لأبيه وهو طفل، وكان أبوه يؤثر أخاه عليه: يا أبت، تعلم ما مثلي ومثل أخي معك إلا أنا كفرخ الحمام، أقبح ما يكون أصغر ما يكون، وكلما كبر ازداد ملاحة وحسناً، فتبنى له العلالي وتتخذ له المربعات وتستحسنه الملوك، ومثل أخي مثل الجحش أملح ما يكون أصغر ما يكون وكلما كبر قبح وصار إلى القهقرى، إنما يصلح لحمل الزبل والتراب.
والوجه الثاني ما يصلح لذوي الحنكة وصحة الروية لطول ممارسة والأمور كثيرة التجارب، ومرور العبر على أسماعهم وتقلب الأيام وتصرف الحوادث وتناسخ الدول، قد مرت على عيونهم وجوه الغير وتصدت لأسماعهم أنواع الأخبار وآثار العبر.
* قال بعض الحكماء: كفى بالتجارب تأديباً وبتقلب الأيام عظة. وقالوا: التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل. ولذلك حمدت آراء الشيوخ حتى قالوا: المشايخ أشجار الوقار وينابيع الأنوار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم، فعليكم بآراء الشيوخ فإنهم إن عدموا ذكاء الطبع فقد أفادتهم الأيام حنكة وتجربة. وقال الشاعر:
ألم تر أن العقل زين لأهله
ولكن تمام العقل طول التجارب
وقال الآخر:
إذا طال عمر المرء في غير آفة
أفادت له الأيام في كرها عقلا
غير أن للعقل آفات.

ولما مات بعض الخلفاء تخشخشت الروم واحتشدت واجتمعت ملوكها وقالوا: الآن يستقل المسلمون بعضهم ببعض فتمكننا الغرة فيهم والوثبة عليهم، وضربوا في ذلك مشاورات وتراجعوا فيه بالمناظرات، واجتمعوا على أنه فرصة الدهر وثغرة النحر. وكان رجل منهم من ذوي الرأي والمعرفة غائباً عنهم فقالوا: من الحزم عرض الرأي عليه. فلما أخبروه بما أجمعوا
عليه قال: لا أرى ذلك صواباً. فسألوه عن علة ذلك فقال: غداً أخبركم إن شاء الله. فلما أصبحوا غدوا عليه للوعد وقالوا: لقد وعدتنا. قال: نعم. فأمر بإحضار كلبين عظيمين قد أعدهما، ثم حرش بينهما وألب كل واحد منهما على الآخر فتواثبا وتهارشا حتى سالت دماؤهما، فلما بلغا الغاية فتح باب بيت عنده وأرسل منه على الكلبين ذئباً عنده قد أعده، فلما أبصراه تركا ما كانا عليه وتألفت قلوبهما ووثبا جميعاً على الذئب، فنالا منه ما أرادا. ثم أقبل الرجل على أهل الجمع فقال لهم: مثلكم مع المسلمين مثل هذا الذئب مع الكلاب، لا يزال الهرج والقتال بينهم ما لم يظهر لهم عدو من غيرهم، فإذا ظهر لهم عدو من غيرهم تركوا العداوة بينهم وتألفوا على العدو. فاستحسنوا قوله وتفرقوا عن رأيهم.
.
.
.
.
وأما المذموم في هذا الباب فصرف العقل إلى الدهاء والمكر. قال الشعبي: دهاة العرب ستة: معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، وزياد بن أمية وقيس بن سعد بن عبادة وعبد الله بن بديل بن ورقا. قال الأصمعي: كان معاوية يقول: أنا للأناة وعمرو للبداهة، وزياد للصغار والكبار، والمغيرة للأمر العظيم. قال قبيصة بن جابر: ما رأيت أعطى الجزيل مال من غير سلطان من طلحة بن عبيد الله، ولا رأيت أثقل حلماً ولا أطول أناة من معاوية، ولا رأيت أغلب للرجال ولا أبذلهم حين يجتمعون من عمرو بن العاص، ولا أشبه سراً بعلانية من زياد، ولو أن المغيرة كان في مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها إلا بالمكر لخرج من أبوابها كلها.
* وقال أبو الدرداء: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: يا عويمر ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً. قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ومن لي بالعقل؟ قال: اجتنب محارم الله وأد فرائض الله تكن عاقلاً، ثم تنفل صالح الأعمال تزدد في الدنيا عقلاً وتزدد من ربك قرباً وعليه عزاً. وتروى هذه الأبيات لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:
إن المكارم أخلاق مطهرة
فالعقل أولها والدين ثانيها
والعلم ثالثها والحلم رابعها
والجود خامسها والعرف سادسها
والبر سابعها والصبر ثامنها
والشكر تاسعها واللين عاشيها
والنفس تعلم أني لا أصدقها
ولست أرشد إلا حين أعصيها
والعين تعلم من عيني محدثها
إن كان من خربها أو من أعاديها
* وقال بعض الحكماء: العاقل من عقله في إرشاد، ومن رأيه في إمداد، فقوله سديد وفعله حميد، والجاهل من جهله في إغواء، فقوله سقيم وفعله ذميم.
فأما من صرف فضل عقله إلى الدهاء والمكر والشر والحيل والخديعة، كالحجاج وزياد وأشباههما، فمذموم. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لست بالخب والخب لا يخدعني.
* وقال المغيرة: كان والله عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع.
والموصوف بالدهاء والمكر مذموم، وصاحبه محذور تخاف غوائله وتحذر عواقب حبائله. وقد أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبا موسى الأشعري أن يعزل زياداً عن ولايته، فقال زياد: أعن موجده أو جناية يا أمير المؤمنين؟ قال: لا عن واحدة منهما، ولكن كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك.
* وكتب زياد إلى معاوية رضي الله عنه: إن العراق في شمالي ويميني فارغة، فولني الحجاز أكفك أهله. فبلغ ذلك ابن عمر فقال: الهم كفه. فطعن في إصبعه بعد أيام فمات. فنحن وإن كنا نرغب عن الدهاء والمكر فإنا
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً