صحيفة النبأ - قصة شهيد - أبو العزم الإعلامي أبو العزم الإعلامي -تقبله الله تعالى- عزم في ...

صحيفة النبأ - قصة شهيد - أبو العزم الإعلامي



أبو العزم الإعلامي -تقبله الله تعالى-
عزم في الحياة وكرامة بعد الممات

لم تظهر تلك الصور والإصدارات التي رفعت همم المؤمنين وأغاظت الكافرين وزلزلت أروقة الطواغيت؛ إلا وخلفها فرسان أباة حملوا معداتهم وسط المعامع وسوح النزال، بين رهج السنابك وأزيز الرصاص لينقلوا لأمة التوحيد تضحيات وبطولات أبنائها المجاهدين في الميادين، ويحققوا وصف النبي صلى الله عليه وسلم للطائفة المنصورة (على الحق ظاهرين)، فكان الظهور بتلك الأنامل الصادقة، التي رسمت لأمة الإسلام لحظات تاريخية بقيت عالقة في الأذهان والقلوب، أولئك الذين مضوا يحثون الخطى ويشقّون شواهق الجبال ولهيب الصحراء ومستنقعات الغابات، ما حملهم على ذلك هوايةً يهوونها أو مغامرات يبيعونها، إنما حملهم على ذلك إيمانٌ بالله ربهم وجهادٌ في سبيله.

ومِن أولئك الفرسان الذين استعذبوا العسرة والجلد في أرض الصومال، لإخراج ما تبصره الأجيال من صنيع الأبطال، الفارس المتجلّد عمر أحمد محمد (أبو العزم الإعلامي) -تقبله الله-


• حفظ القرآن صبيا

ولد الأخ أبو العزم في منطقة (وبحو) في (جلجدود) وسط الصومال عام 1416 هـ، وأكرمه الله تعالى بحفظ القرآن الكريم في ريعان طفولته، ثم انتقل إلى تعلّم العلوم الشرعية في حِلَق المساجد ثم الانضمام إلى بعض المعاهد الشرعية في (مقديشو).

دخل النور قلب أبي العزم تقبله الله صغيرا فاستمكن منه، فكان غيورا على دينه، حتى اشتهر بكرهه لعلماء السوء بلاعمة الطواغيت، وكان قوّالا للحق يردّ عليهم في مجالسهم، ثم صار يحذر أصدقائه مِن أخذ العلم عنهم أسوة بسلف الأمة الصالحين، وبعد انتهائه من دراسته الثانوية التحق بإحدى الجامعات الخاصة (بقسم الإعلام)، وتزامن ذلك مع إعلان الخلافة الإسلامية حيث كان -تقبله الله تعالى- متابعا لما يجري في الشام، وما تعرضت له دولة الإسلام من مؤامرات، حينها شعر الأخ تقبله الله بواجبه العيني تجاه إخوانه، فبدأ يبحث عن طريق للهجرة إلى ولايات الدولة الإسلامية القريبة، فحاول بداية اللحاق بولايتي اليمن أو ليبيا، حيث لم تكن حينها ولاية الصومال قد قامت بعد، ولكن شاء الله أن لا تتم تلك المحاولات.

وفي إحدى الليالي سمِعَ من الإذاعات المحلية خبرا كاد يطير به فرحا، وهو إشاعة خبر بيعة (حركة الشباب) وانضمامها للخلافة، فعزم تقبله الله تعالى أن لا يأتي الصباح إلا وقد التحق بأقرب نقطة يكون فيها الإخوة المبايعون، لكن سرعان ما اتضحت الحقيقة وعرف أنّ المبايعين كانوا ثلّة قليلة من مجاهدي الصومال يقودهم الشيخ عبد القادر مؤمن -حفظه الله- وكان ذلك في بداية عام 1437 هـ، ومِن هنا أدرك تقبله الله تعالى أنّ القلّة هي من الصفات اللازمة لأهل الحق فلم يفتّ ذلك في عزمه بل عهد على نفسه أن يكون من السبّاقين للخير والذين تقام الخلافة على جماجمهم بإذن الله، فبدأ يبحث عن طريق للوصول إلى تلك الثلّة المؤمنة، وقبل أن يجد الأخ طريق الهجرة كان تقبله الله يتواصل مع أصحاب له في صفوف (حركة الشباب) يحرّضهم على اللحاق بجماعة المسلمين وترْك فرقة الفصائل والجماعات، وكان يفنّد الشبه والأباطيل التي روّجها قادة الحركة بشأن الدولة الإسلامية، وقد يسّر الله للأخ أبي العزم إقناع بعض أصدقائه من جنود الحركة لينضموا لاحقًا إلى الدولة الإسلامية، بفضل الله.


• نفر عروسا وطلّق الدنيا!

وفي بداية عام 1438 هـ وجد الأخ أبو العزم طريقة للتواصل مع إخوانه المجاهدين في شرق الصومال، فبايع برفقة أخ له، وبسبب انقطاع الطرق اضطرّ الأخوان للبقاء والتريث ريثما تسنح لهم الفرصة للنفير، ومع ذلك لم يجلسا دون عمل بل قاما ببعض الأعمال التي كُلّفوا بها داخل (مقديشو)، فيسّر الله لهما إنجازها وإتمامها. وما إن أُتيحت الفرصة لأبي العزم للهجرة حتى تحرّك صوب ثغور الشرق، وقد كان يومها عروسا حديث الزواج، فما ماطل أو تباطأ بل ودّع أهله وبدأ يستعد للنفير في سبيل الله. حاول أبو العزم السفر نحو شرق الصومال عبر مطار (مقديشو)، لكن المرتدين في المطار شكّوا في أمره وبدأو يستجوبونه، وأخيرا منعوه من السفر، واضطرّ أن يعود أدراجه حزيناً لانسداد باب الهجرة أمامه، لكنه لم ييأس فبعد فترة حاول مرّة أخرى وأتى المطار فيسّر الله له هذه المرة الخروج، فانطلق حتى وصل إلى (بوصاصو)، وللأسف كان المرتدون في المطار له بالمرصاد، فقاموا باستجوابه لكونه غريبا عن المنطقة؛ فهو من أهل الجنوب، فقدّر الله أن يؤسر ويسجن بسبب شكّهم فيه، فلبث في السجن بضعة أيام ثم خرج والتحق بإخوانه.

• ابتداء بابتلاء

لم يتوقف ابتلاء أبي العزم عند رحلة النفير، بل صاحبه ذلك في بداية التحاقه بالمجاهدين، فما إن وصل مناطق المجاهدين حتى التحق بمعسكر الشيخ (أبي عمر الشيشاني) تقبله الله، وشارك في دوراته الشرعية والعسكرية، وبعد الانتهاء من المعسكر تمّ نقله مع الإخوة إلى إحدى القواطع في الولاية، وفي تلك الأثناء كانت الطائرات المسيّرة الأمريكية تحلّق في الأجواء بكثافة، فمنذ انحياز جنود الخلافة من (قندلا) كان الصليبيون قلقين مِن تصاعد نشاط جنود الخلافة على الشريط الساحلي، لذا عمدوا إلى تركيز المراقبة عن بُعد بواسطة طائراتهم بعد أن عجز وكلاؤهم عن القيام بدورهم، فاضطرّ الصليبيون إلى استخدام طائراتهم لمواجهة المجاهدين وشنّوا عدّة حملات جوية على مقرّاتهم، وفي هذا السياق قدّر الله أن تقصف طائرة بدون طيار موقعاً كان يوجد فيه الإخوة المتخرّجين من معسكر الشيخ (أبي عمر الشيشاني)، فصار كلهم بين قتيل ومصاب -تقبلهم الله جميعا- سوى الأخ أبو العزم الإعلامي، ويومها لم يستطع أبو العزم أن يتمالك نفسه وبكى بكاءً شديداً حسرة أن فاتته الشهادة في سبيل الله مع إخوانه، ولكنّ الله أبقاه لحكمة يعلمها سبحانه، وما زادته تلك المحنة إلا صلابة وإصرارا على درب الجهاد وحرصا على نيل الشهادة -كما نحسبه-.


• مهمّة انغماسية في (قندلا)

لم يثنِ القصف عزيمة أبي العزم وظلّ يتنقل بين الجبهات حتى تم اختياره مع بعض إخوانه لتنفيذ مهمّة خاصة، وهي الانتقام من حكومة (بونتلاند) المرتدة، وذلك عبر تنفيذ عمليات نوعية داخل بلدة (قندلا) وأطرافها، حيث توجد قواعدهم وطرق تنقلاتهم، وقد كان دور أبي العزم حينها هو توثيق تلك العمليات بكاميرته التي كانت لا تفارقه.

انطلق الإخوة متجهين نحو بلدة (قندلا) سيرًا على الأقدام والتي كانت تبعد عنهم قرابة 100 كم، وليست كأي مسافة أخرى، فالمنطقة جبلية وعِرة وتعتبر من أعلى المرتفعات في أرض الصومال، ساروا في طريق شاقّ بلا ماء إلا ما ندر، مع شدّة الحرارة التي كانت في ذروتها، حتى وصلوا أخيرا بفضل الله إلى المكان المحددّ، وكانت تلّة من التلال التي تطلّ على البلدة، فهناك رابطوا أياما وليالي، يراقبون ويرصدون قواعد العدو وتحركاته، وفي إحدى اللّيالي تمكن المجاهدون من زرع عبوة ناسفة على الطريق قرب إحدى تمركزات العدو في البلدة، ليستهدفوا إحدى دوريات العدوّ لكن شاء الله أن تنفجر العبوة بعد مرور الدورية لخلل فني، ومع ذلك دبّ الرعب في قلوب المرتدين، ما اضطرّهم إلى استدعاء إمداداتٍ ومؤازراتٍ وأعلنوا تعقبهم للمجاهدين الذين تسللّوا إليهم ووصلوا عقر سيطراتهم، ولكن المجاهدين ومعهم أبو العزم تمكنوا من الانسحاب سالمين بفضل الله.


• في مواجهة مرتدّي القاعدة

كان لأبي العزم من اسمه نصيب، فهو ذو عزم وشدة على الأعداء، وكان رمزا للإخلاص والوفاء، وفي أيام الحرب ضدّ مرتدي القاعدة، كلفه إخوانه بالعمل في المجال العسكري بدل الإعلام، وذلك لشجاعته وصبره ومعرفته للطرق، فعمل مع القائد (منصور الصومالي) تقبله الله في مهام الاستطلاع والبحث عن آثار العدو، فكان يواصل الليل بالنهار ذهابا وإيابا، متنقلا من مجموعة لأخرى، ومن ثغر إلى آخر رافعا همم إخوانه ومحرضا للقتال والدفاع عن الولاية مِن صيال مرتدّي (حركة الشباب)، وفي إحدى جولات الاستطلاع وجد الأخ أبو العزم برفقة الأخ المدرب (داود الصومالي) تقبلهما الله أثرَ عناصر القاعدة، فما إن تتبعوا أثرهم حتى لحقوا بعشرات المرتدين إبّان وصولهم قرب بئر (ميرالي)، وقد نزلوا تحت الأشجار ليستريحوا من عناء السفر الطويل بهدف الهجوم على مواقع المجاهدين التي لم تكن بعيدة عن المنطقة، لكن بفضل الله ثم بجهد الأخوَين فشلت مخطّطات العدو، ورفعوا خبر وصول المرتدين للأمراء لتبدأ بعد ذلك استعدادات المجاهدين للإغارة عليهم.


• أميرا للإسناد في معركة (ميرالي)

وفي يوم المعركة كان أبو العزم أمير الإسناد يردف إخوانه بالرجال والذخيرة، وفي تلك المعركة أبلى الأخ بلاء حسنا، وكان محرضا لإخوانه على الانغماس في صفوف المرتدين، وقبيل انتهاء المعركة وبعد انكفاء قطعان المرتدين وانهزامهم ومطاردة أسود الخلافة لفلولهم؛ نزل أبو العزم تقبله الله من مقرّ القيادة ليلحق بعض إخوانه في إحدى جبهات المعركة لمساندتهم، وما إن اقترب منهم حتى أصابته رصاصة في صدره ليقع على الأرض جريحا، فأخبر أميره عبر (اللاسلكي) أنه أصيب إصابة طفيفة، لئلا يحزن عليه إخوانه، وظلّ ينزف مضرجاً بدمه دون أن يعرف أحد أين سقط، وبعد انتهاء المعركة وهزيمة مرتدي القاعدة، دخل الليل وحان وقت التحرّك من موقع المعركة والعودة، وأثناء تحرّك مجموعة من الإخوة سمعوا في طريقهم صوتا يناديهم بأسمائهم فوجدوا الأخ وقد نزف نزفا شديدا ومرت ساعات من جرحه، فحملوه، وقد كان يقول ضعوني لا تحملوني، وبعدها بدقائق فاضت روحه إلى بارئها ليودع دار الفناء -شهيدا كما نحسبه- إلى دار البقاء، ملتحقا بمن سبقه من إخوانه.

• كرامة ونور بعد الممات

ومن عجيب ما يُروى أن الإخوة دفنوا أبا العزم تقبله الله في موضع عين ماء ينبع في فصل الشتاء وهم لا يعلمون بذلك، وبعد مرور قرابة عام على مقتله، نزل عند قبره مجموعة من البدو الرحّل، وعندما بدأوا بحفر العين، وجدوا قبر أبي العزم تقبله الله، وهنا كانت المفاجأة، فقد وجدوا أبا العزم تقبله الله في قبره مضرجا بدمه كأنه دُفن حديثا، فاختلفوا في أمره وماذا يفعلون به، ومتى قتل ومن يكون ومن دفنه؟ ثم عرفوا لاحقا أنه أحد جنود الخلافة، فأخرجوه وصلّوا عليه، ثم حفروا له قبرا جديدا بعيدا عن العين، وبعدها اتصلوا بالإخوة يستفسرون عن ذلك الشخص، فأخبرهم الإخوة أن هذا أخ لنا قتل في إحدى المعارك قبل سنة تقريبا، فجعل الله هذه الكرامة سببا لهداية كثير من أهل تلك المنطقة والحمد لله تعالى، فكان موته حياة لغيره من المسلمين، فرحمه الله وتقبله في الصالحين، وجعل درجته في المهديين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 319
الخميس 26 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

مقتبسات من كلمة "وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ" مقتبسات من كلمة "وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ ...

مقتبسات من كلمة "وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ"



مقتبسات من كلمة "وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ"
للشيخ المجاهد أبي محمد العدناني -تقبله الله تعالى-


"أيها المسلمون، إننا لا نجاهد لحماية أرض، ولا لتحرير أو السيطرة على أرض، لا نقاتل لسلطة أو مناصب زائلة بالية، أو حُطام دُنيا دنيّة فانية، لو كان هدفنا إحدى هذه الرُّكام والحُطام لما قاتلنا العالم معاً بجميع الملل والنِّحل والأقوام، لو استطعنا أن نحيّد عنّا مقاتلاً واحداً لفعلنا وجنّبنا أنفُسنا العناء، إلا أن قرآننا يحتّم علينا مقاتلة العالم بلا استثناء، وما زدنا على أن نقيم شرع ربّنا، ولو كنّا مخيّرين لاخترنا وغيّرنا، لو كان ما نتّبعه أو نقاتل عليه رأيًا لتراجعنا، لو كان هوىً لبدّلنا، لو كان دستوراً لعدّلنا، لو كان حظًّ لساومنا، لو كان نصيباً لرضينا، ولكنّه القرآن وهدي نبيّنا العدنان صلى الله عليه وسلم.

{أَفَمَنْ كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّنْ رَّبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}، إنّ دافعنا ما جاءنا عن ربنا، {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} {قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}.

سنُقاتل ونُقاتل ونُقاتل حتّى يكون الدّين كلّه لله.

لن نتوسّل الناس ليقبلوا دين الله والحُكم بشرع الله، فمن رضي فهذا شرعُ الله، ومن كره وسخط وأبى فسنُرغم أنفه وهذا دين الله، سنكفر المرتدين ونتبرأ منهم، ونُعادي الكفّار والمشركين ونُبغضهم {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ}.

فلا يسعنا موالاة الكفار والمرتدين من المجالس العسكرية الوطنية، أو الفصائل الديمقراطية والعلمانية كما وَسع المُرتدّين من الجماعات المُسمّاة إسلاميّة، فنتحالف معهم ونُظاهرهم، قال تعالى : {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}.

ولا يُمكننا أن نداهنهم ونُسارع فيهم، فلا نكفُر بشركهم، ولا نُعلن لهم العداوة والبَغضاء، ونُظهر لهم الإخاء والمحبّة والولاء، كما تفعل قاعدة الشّام جبهة الردّة الخاسرة، فإن لم نُظهر للكفار العداوة والبَغضاء ضاع الولاء والبراء، وذهب معه الدّين واختلط الكافرون بالمؤمنين.

تظنُّونَ أنّ الدّين لبَّيكَ في الفَلاَ
وفِعلُ صلاةٍ والقتالُ مع المَلاَ
وسالِمْ وخالِطْ من لِذا الدّين قد قَلاَ
وما الدّين إلا الحبّ والبُغضُ والوَلاَ
كذاك البرا من كلّ غاوٍ وآثمِ

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}، ولو علمنا أن سلفًا صالحاً سلَّم شِبراً للكُفّار بحُجّة حاضنة أو الحفاظ على المباني من الدّمار أو حقن الدّماء أو أي مصلحة مزعومة، لفعلنا كما فعلت قاعدة سفيه الأُمّة، ولكنّه قرآن عزيز كريم، سُنّة مُطهّرة ومَنهجٌ قويم ودين حنيف لا يَقبل التنازل أو التحريف، نُقاتل حتّى الموت، وإن فَنيَت الزّروع وإن هُدّمت البيُوت وإن هُتكت الأعراض وزُهقت الأنفُس وسالت الدّماء، فإما نحيَا بعزّة ديننا سادةً كُرماء أو نموت عليه شُرفاء.

ويا جنود الدولة الإسلامية، لا يَخفى عليكم أنّ أمريكا الصّليبيّة وحُلفاءها، وأمم الكفر قاطبة وراءها، والمرتدّين من بني جلدتكم أمامها، جَمَعوا وحشَّدوا لكم يتوعّدونكُم، وكلّ يوم يزعمون أن القضاء على الدولة قريب، وأنّ هذه الحملة هي القاصمة لا ريب، ويهدّدونكم ويخوّفونكم، وقد قال عزّ وجلّ ربُّكم : {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} {وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ}. بلى، إنّ الله كافٍ عباده، وإنّ الله عزيز ذو انتقام، وإنّ القوّة لله جميعًا، فإن كنتم مؤمنين بالله عاملين له لن يخيفكم شيء سوى الله مهما يكون، فكلّ ما سِوى الله دونْ، كلّ ما سِوى الله قوّة ضئيلة، ضعيفة هزيلة، ومنذ لحظة إعلاننا قيام دولة الإسلام، والمرتدون والصليبيون والملحدون يُمنُّون أنفسهم بالقضاء عليها في بضعة أيّام ويشنّون الحرب إثر الحرب ويُتبعون الحملة بالحملة والفَرّة بالكَرّة، ويخسؤون ويخيبون ويُخزيهم الله كل مرّة.

فما تهديدهم بجديد وما خزيهم ببعيد، ثم إنّ الأيام دُول والحربُ سجال، ومن ظنّ اننا نقاتل للحفاظ على أرض أو سلطة أو أنّ النصر بذلك فقد أبعَدَ في الضَلال، نقاتل طاعةً لله وقُربة إليه، وإنّ النصر أن نحيا بعزة ديننا أو نموت عليه، سواءً إن منَّ الله علينا بالتمكين أو بِتنا في الصحراء والعَراءِ مشرّدين مطاردين، سواءً إن أفضى أحدُنا إلى السجن أسيرا، أو باتَ في سِربه آمنا مسرورَا، سواءً سلمنا وغنمنا، أو كُلمنا أو قُتلنا، فما النصر عندنا إلا أن نحيا موحّدين، نكفر بالطاغوت ونحقق الولاء والبراء ونقيم الدّين، فإن وُجد فإننّا المنتصرون، على أيّ حال منتصرون.

فهذه الحقيقة والله ماهي بشعارات، سطّرها الصادقون بدمائهم من جنود الدولة والقيادات، ومن بات على غير هذا من صفّنا فليس منّا، ولا بُدّ أن يُلفظ أو يخرُجَ ولو بعد حين من بيننا، {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}.

وعن عبد الله ابن عمرو رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: (مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ).

فيا جنود الدولة الإسلامية راجعوا وتعاهدوا النيّة، وأصلحوا الطويّة وأبشروا فإنكم منصورون والله، فإنّنا على بيّنة وما كُذبنا، والله ما كُذبنا، وبشّروا آل سلول بما يسوؤهم قريبا بإذن الله فإنهم أول المهزومين إن شاء الله.

روى مسلمٌ عن نافع بن عُتبة رضي الله عنه قال، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ، فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحُهُ اللَّهُ).

ولئن اختلف الفقهاء قديما بمعنى فتح جزيرة العرب فقد بات اليوم واضحاً وصدق نبيّنا صلى الله عليه وسلم وما كذَبْ، فالهمّة الهمّة إنّما تقارعون الأمم عنِ الأمّة، وإن تصمدوا فزتُم، وإن تَنكُلوا خبتم وخسرتم، وإنّ أمامكم مشاهد لا يقوم لها مفلس أو جبان، وارداتٍ ليس لها مصادر إلا النزال والطِعان، وأنتم لها بإذن الله".



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 318
الخميس 19 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

مقال: (سنُطيعُكُم في بَعضِ الأمر) الحمد لله نِعم المولى ونعم النصير، والصلاة والسلام على ...

مقال: (سنُطيعُكُم في بَعضِ الأمر)


الحمد لله نِعم المولى ونعم النصير، والصلاة والسلام على نبينا محمد البشير النذير، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واتباع للحق في قليل أو كثير، وبعد.

فإننا في زمن تلاطمت فيه الفتن وتفنّن الطواغيت في إفساد دين العباد، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا) [رواه مسلم]، ويصبح البُعداء من الفتن غرباء كما قال عليه الصلاة والسلام: (بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبى للغرباء) [رواه مسلم].

ومِن الغربة التي نعيشها اليوم؛ مسارعة كثير من المنتسبين للإسلام إلى إرضاء الكافرين علنًا والتحالف معهم لمحاربة كل من يريد إقامة شرع الله؛ كرها لشرع الله ومحبة للكافرين، وقد قال الله سبحانه: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].

وهناك من يزعم أنه مسلم ويصلي ويصوم ويحسب أنه من المؤمنين ومن المحبين لدين الله؛ لكنه يقول للذين كرهوا ما نزل الله "سنطيعكم في بعض الأمر"، "سنعاونكم في بعض الشيء"! فما حال ومآل هؤلاء؟ قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ * فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 25 - 28]

قال ابن كثير رحمه الله: "{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ} أي: فارقوا الإيمان ورجعوا إلى الكفر، {مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ} أي: زين لهم ذلك وحسنه، {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ} أي: غرهم وخدعهم، {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} أي: مالئوهم وناصحوهم في الباطن على الباطل، وهذا شأن المنافقين يظهرون خلاف ما يبطنون؛ ولهذا قال الله عز وجل: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} أي: يعلم ما يسرون وما يخفون، الله مطّلع عليه وعالم به، كقوله: {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} [النساء: 81]، ثم قال: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} أي: كيف حالهم إذا جاءتهم الملائكة لقبض أرواحهم وتعصت الأرواح في أجسادهم، واستخرجتها الملائكة بالعنف والقهر والضرب، كما قال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} الآية [الأنفال: 50]". [التفسير]

فمن تأمل هذه الآيات وتدبرها علِم الوعيد الشديد لمن اتبع الطواغيت في أحكامهم الكفرية وقوانينهم الجاهلية، أو في معاونتهم في حربهم على المسلمين في أي مكان، وكفى بحالهم شرا ما حكاه الله عن خاتمتهم السيئة بضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم والعياذ بالله.

وقد حذر العلماء قديما وحديثا من اتباع سبيل الطواغيت ومؤازرتهم على الباطل وطاعتهم فيما يخالف دين الله.

وهذا حكم الله فيمن قال: سنطيعكم في البعض، فكيف بمن قال لهم: سنطيعكم في كل الأمر؟!

وسبب هذا المنزلق الذي وقعوا فيه هو تسويل الشيطان لهم، فهو الذي زيّن لهم الكفر والردة، ومنّاهم بطول الأعمار {وَأَمْلَىٰ لَهُمْ}؛ لأن طول الأمل يقود الإنسان إلى التعلق بالدنيا والافتتان بها والوقوع في المعاصي والكفر، وبعضهم يقول: إنا لا نريد الكفر ونعرف أن هذه الحكومات على باطل، لكن فقط نحتاج إلى راتبهم وأموالهم من دخولنا معهم أو انتسابنا إليهم، وبعضهم يقول: هم يلزموننا بالتجنّد معهم ونحن نخاف منهم وسيضيقون علينا في أمور المعيشة والخدمات.

وهذا كله ليس عذرا لهم؛ لأن أنظمة الكفر والردة وأحكامهم الجاهلية وحربهم لشرع الله ما قام إلا على أكتاف هؤلاء الجنود والمعاونين، قال الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله: "فذكر تعالى عن المرتدين على أدبارهم: أنهم من بعد ما تبين لهم، ارتدوا على علم، ولم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة، وغرهم الشيطان بتسويله وتزيين ما ارتكبوه من الردة، وهكذا حال هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة: غرهم الشيطان وأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفة الحق ومحبته والشهادة به لا يضرهم ما فعلوه، ونسوا أن كثيراً من المشركين يعرفون الحق، ويحبونه ويشهدون به، ولكن يتركون متابعته والعمل به؛ محبة للدنيا، وخوفاً على الأنفس والأموال والمأكل والرياسات، ثم قال تعالى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} فأخبر تعالى: أن سبب ما جرى عليهم من الردة وتسويل الشيطان والإملاء لهم هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فإذا كان من وعد المشركين الكارهين لما نزل الله بطاعتهم في بعض الأمر كافراً، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما نزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل؟! فهؤلاء أولى بالردة من أولئك الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر". [الدلائل]

وبعضهم إذا قيل لهم انفروا للجهاد وانصروا المجاهدين وحكّموا شرع الله يأبون، وإذا جاءهم الطاغوت دخلوا معه واحتجوا بالاستضعاف، وهذا أيضا ليس بعذر لهم، قال الشيخ سليمان أيضا: في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} "أي: في أي فريق كنتم، أفي فريق المسلمين أم في فريق المشركين؟ فاعتذروا عن كونهم ليسوا في فريق المسلمين: "بالاستضعاف" فلم تعذرهم الملائكة، وقالوا لهم {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}، ولا يشك عاقل: أن أهل البلدان الذين خرجوا عن المسلمين، صاروا مع المشركين وفي فريقهم وجماعتهم.

هذا مع أن الآية نزلت: في أناس من أهل مكة أسلموا، واحتبسوا عن الهجرة، فلما خرج المشركون إلى بدر، أكرهوهم على الخروج معهم، فخرجوا خائفين، فقتلهم المسلمون يوم بدر؛ فلما علموا بقتلهم تأسفوا، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم هذه الآية، فكيف بأهل البلدان الذين كانوا على الإسلام، فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأظهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم، وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، واتبعوا غير سبيلهم، وخطّؤوهم، وظهر فيهم: سبهم، وشتمهم، وعيبهم، والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم في ثباتهم على التوحيد والصبر عليه، وعلى الجهاد فيه، وعاونوهم على أهل التوحيد طوعاً لا كرهاً، واختياراً لا اضطراراً؛ فهؤلاء أولى بالكفر والنار من الذين تركوا الهجرة شحاً بالوطن، وخوفاً من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين. [الدلائل]

وكأنما يخاطب الشيخ -رحمه الله- أهل زماننا هذا، ولا عجب فطريق الشيطان واحدة وأسلوب أوليائه واحد وحججهم واحدة؛ {أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات: 53]، وهذه فتوى أئمة التوحيد من القديم، فإياك إياك أخي المسلم وفتاوى دعاة السوء أحباب الطواغيت، فيذهب دينك لدنيا غيرك.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.




• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 318
الخميس 19 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

صحيفة النبأ - مقال: أئمة الهدى يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه انتحال المبطلين، ...

صحيفة النبأ - مقال: أئمة الهدى


يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الغالين". بهذا النص النبوي يُعلم دور حفَظَة الدين، إذْ حَمْلُ هذا الدين ليس علوما مجرّدة؛ لأنه ليست الغاية من العلم أن يدرك ويُعْلم فحسب، إنما يراد به العمل والاتباع فبه يكون الانتفاع.

وتلك الأوامر والنواهي الإلهية في القرآن لن تظهر حتى يقوم بها الناس، وإن هذا الدين دين عمل قال الله: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}، ولذا كره الله من يقول ولا يفعل فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، قال عباد بن عباد الخواص الشامي: "فإن الكتاب لا ينطق حتى ينطق به وإن السنة لا تعمل حتى يعمل بها... وقال: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} قال العمل بما فيه، ولا تكتفوا من السنة بانتحالها بالقول دون العمل بها، فإن انتحال السنة دون العمل بها كذب بالقول مع إضاعة العلم" [سنن الدارمي]

وتحكيم شرع الله لن يكون إلا برجال يقومون به ويقاتلون في سبيله ليقيموه على عز وسؤدد؛ لأنه إن لم تكن للإسلام دولة فما للإسلام ولا لأحكامه هيبة ولا نفوذ، هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وذا فقْه مشايخ دولة الإسلام؛ الذين لم يكتفوا بالعكوف على حِلَق تعليم القرآن ومدارستها حتى عزموا أن ينقلوا أحكام القرآن بين العباد، فامتطوا أجاود العز ليُحيوا أمتهم الجريحة.

وهم الذين أخذوا كتاب الله بقوة ودخلوا في السلم كافّة، وكان الرجل منهم بأمة لا بألف، وما حظيت الأمة بالخلافة إلا على عواتقهم الصلبة التي حملت ما عجزت عنه الجبال الرواسي.

فالشيخ أبو مصعب الزرقاوي تقبله الله وضع اللَّبِنة الأولى للدولة الإسلامية وقد جمع المجاهدين على عقيدة أهل السنة والجماعة وكان حوله أشياخ الصدق وأمراء الصبر.

ثم جاء الشيخ أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر -تقبلهما الله- فأقاما دولة الإسلام بوزاراتها وسلطانها وكان الشرع سائدا حَكَما في أيامهم، حتى انحازت الدولة بعد فتنة الصحوات المرتدين.

ثم أعقبهما الشيخ الكرار هادم الأسوار أبو بكر البغدادي إبراهيم بن عوّاد البدري تقبّله الله، الذي كان بدرا لأُمَّتِه، فحين تسلّم الشيخ قياد دولة العراق الإسلامية تسلّمها على أشد حال يتولى فيه أمير من الأمراء في شدة ومحنة ما يقوم لها إلا خُلّص أهل العزم، فكان خير رُبّان لسفينة الجهاد في بلاد الرافدين فتوكّل على الله في أمره فدَهَمَ الخطوبَ وبدّدها وتصدّى للمحن وجرَّدها، وواصل بجنده الأبرار جهاد الكفار.

ثم امتد الأمر إلى الشام، وقد كان فيها من الضباع المبطلين الذي يريدون انتحال الجهاد وتحريف هدفه والذين لم يحكموا بشريعة الله فيما تمكّنوا فيه ولم يكونوا عازمين، فتركوا الأمر لقضاة الدساتير ومُحامِيهم.

بينما وفّق الله تعالى الشيخ البغدادي ليحفظ لهذه الأمة دينها وتضحياتها، فحكم بشرع الله في كل شبر تمكّن فيه، حتى إذا ما اتسعت رقعة دار الإسلام، أعلنها الشيخ صريحة مدوّية رغم أنوف طواغيت الشرق والغرب "خلافة على منهاج النبوة"، رغم أنها خطوة في غاية الخطورة والتكلفة الشديدة له ولجنوده ولرعيته، ولكنها المُثُل العُليا لمجددي الإسلام والملّة، الذين استقاموا لربهم، يتقحّمونها متوكّلين على الله، فتوافد عليها أبطال الإسلام من كل أرجاء الأرض شيبا وشبانا عربا وعجما أفرادا وجميعا، وفتح الطريق لطلاب الشهادة في سبيل الله، وانقشع ضباب خيّم في العقول والأذهان من سنين.

وتلك خطوة تقهقر عندها كل الزعماء الذين أحسوا بفقد ما هم فيه من المناصب والمكاسب ليس بتأييدهم للشيخ البغدادي فحسب! بل حتى لو سكتوا عنه، فهم في اضطراب مما سيلحقهم من أمم الكفر ولوم الغثاء، فأنى لهم إذا أن يطالوا مقامَه أو يدنوا أخمص قدميه!.

وقد أقام الشيخ البغدادي تقبله الله أحكام دين الإسلام -كما نحسبه- حتى التي غُيبت من سنين ولم يكن لها ذكر إلا في المجلدات والرفوف كالقسامة والاسترقاق وضرب الجزية، التي ظن كثير من الناس أنها ليست من الدين وادّعى آخرون أن زمانها انتهى.

بينما لم يستطع الغاوون ممن مُكّن من الأرض كفَّ دعاة الإلحاد أو إزالة مظاهر الشرك أو منع أهل الرفض من الطعن في أمهات المؤمنين وصحابة خير النبيين رضي الله عنهم، فهم لم يُقيموا حتى التوحيد ومعالمه الصريحة فضلا عن حَمْلِ الناس على أحكام هذا الدين التي ما عرفوها ولا ألفوها.

كما حفظ الشيخ البغدادي ومَن حوله من رجال الإسلام للمسلمين أموالهم من التزييف والغش، فأمَرَ -تقبله الله- بصك العملة الذهبية ليُعز أهل الإسلام ويحفظ أموالهم وحقوقهم في دنياهم؛ لئلا يكون المسلمون عالة على أمم الصليب ليسلبوهم دينهم بالاتفاقيات والتوقيعات.

وخاض الشيخ البغدادي تقبله الله حربا لم يُدوَّن مثلُها في التاريخ فكان في خندق والعالم كله وِجاهه في خندق، ولم يزدد إلا تحريضا للمؤمنين على القتال، وبعثا لسرايا الفرسان من أحفاد محمد بن مسلمة وعبد الله بن أنيس رضي الله عنهم ليقهروا أمم الكفر في عقر ديارهم جزاء جرائمهم في أمة الإسلام.

وعلّم الأمة درسا في الفقه والعبودية لله وامتثال أمره سبحانه على كل حال، يوم قال: "إن الله عز وجل أمرنا بالجهاد ولم يأمرنا بالنصر" ليُجلي للأمة معنى مهمّا وهو التعبّد لله بالجهاد كونه عبادة، دون اشتراط حال أو نتائج على الله.

وإن مشايخ وأمراء دولة الخلافة -أعزها الله- كان لهم الفضل -بعد الله- في حفظ سبيل الحق من أن ينتحله المبطلون بالمداهنات أو الصفقات أو معاهدات الخذلان، أو أن يحرفه الغالون الجاهلون، فتضيع دماء الصادقين من أبناء هذه الأمة.

وإنا لنحسبهم ممن يصدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين)، فلقد رفعهم الله في ذرى المجد وجعلهم أئمة هدى ومصابيح دجى.

وقد مضى الشيخ البغدادي وأسلم الراية من بعده للشيخ المجاهد المفضال أمير المؤمنين أبي إبراهيم الهاشمي القرشي، لتبقى الأمة على منارات صدق وأمانة يحفظون الدين ومعالم الملة ويستمر الجهاد على أيديهم سيرا على خطى الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، فأبو بكر الصديق رضي الله عنه في آخر حياته أوصى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بتحريض الناس للغزو مع المثنى بن حارثة فقال له: "اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إني لأرجو أن أموت من يومي هذا، فإن أنا مت فلا تمسينّ حتى تندب الناس مع المثنى، ولا تشغلنكم مصيبة وإن عظمت عن أمر دينكم ووصية ربكم، وقد رأيتني متوفَّى رسول الله وما صنعت ولم يُصَب الخلق بمثله".

فبمثل هؤلاء القادة الخلفاء تبقى لأمة الإسلام مكانتها وتُفجّر طاقات أبنائها في مشارق الأرض ومغاربها إعلاء لكلمة الله، وسيرا على طريق العزة والتضحية لدين الله، فجزاهم الله عن أمتهم خير الجزاء، والحمد لله رب العالمين.




• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 318
الخميس 19 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

كرروا ضرباتكم شرعًا وواقعًا ويقينًا، لا توجد قوة بشرية في الأرض قادرة على منع المسلم من ممارسة ...

كرروا ضرباتكم


شرعًا وواقعًا ويقينًا، لا توجد قوة بشرية في الأرض قادرة على منع المسلم من ممارسة فريضة الجهاد وإرهاب الكافرين والثأر لإخوانه المسلمين، وقد رأينا كيف فعل "السكين" ومن قبله "الفأس" ومن قبله "الدهس" برعايا ألمانيا وغيرها من الدول الصليبية، وما زلنا ننتظر من أبناء الإسلام أنْ يكرروا ضرباتهم ويعمّقوها ويتقصدوا اليهود وكُنسهم وأحياءهم وحاناتهم بالقتل والحرق شفاء لصدور المؤمنين.



• المصدر:
مقتطف من افتتاحية النبأ العدد 458
"جهادٌ في أوروبا"
...المزيد

التعاطف الكاذب مع غزة من زاوية أخرى، كشفت بعض ردود الأفعال على "هجوم سيدني" حقيقة التعاطف ...

التعاطف الكاذب مع غزة


من زاوية أخرى، كشفت بعض ردود الأفعال على "هجوم سيدني" حقيقة التعاطف الكاذب مع غزة، فكثير ممّن أعاروها عواطفهم كانوا أول من استنكر الهجوم وخوّن منفّذيه، فالثوار مثلا ردّدوا في "عيد تحريرهم" في شوارع سوريا: "غزة شعار" لكن سرعان ما بان كذب هذا الشعار بعد أيام فقط في شوارع "سيدني" إلى درجة أنهم اتهموا اليهود بتدبير الهجوم!! لأسباب يندى جبين كل عاقل لمجرد مناقشتها.


• المصدر:
مقتطف من افتتاحية صحيفة النبأ – العدد 526
"مفخرة سيدني"
...المزيد

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين -2- الحمد لله إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على ...

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين -2-


الحمد لله إله الأولين والآخرين والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد المستغفرين وعلى آله وصحبه الأباة الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

فمن طرق التنفير عن أمر مشين؛ تذكّر عاقبته وعقوبته فذاك أمر يصرِف العاقل عن السوء، وقد ابتدأنا في العدد الماضي الحديثَ عن العقوبات التي أُعدت للمعرضين عن ذكر الله تعالى، وسنكمل ما بقي منها في هذا العدد إن شاء الله:


• العقوبة الخامسة: الإعراض عنه ووروده جهنم

قال تعالى: {وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا * الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} [الكهف:100-101]، فمن حجز عينيه عن النظر إلى كتاب الله متعاميا معرضا عن أوامره مخالفا لها فهو متوعّد بالنار، وقوله {وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} أي لا يريدون اتباع الحق كقوله تعالى في سورة هود عليه السلام: {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود:20] فالمراد بنفي الاستطاعة هنا الإعراض وليس عدم القدرة، فلما أعرضوا ابتداءً منعهم الله ذلك جزاءً فجعل على أبصارهم غشاوة، وهذا نحو قوله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام:110]، ومثله ما جاء في السنة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذهب واحد، قال فوقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فأدبر ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه" [البخاري]

وكثير من الناس يقع في المعاصي والكفر من هذا الباب ويحسب أنه على هدى وما يدري أنه في غاية العمى كما قال الله: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف:103-104]، وما ربك بظلام للعبيد فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن صدق في طلبه للحق دلَّه الله عليه ولو كان في أقصى الأرض، وقد رأينا من هداهم الله وأخرجهم الله من بيئات في غاية البُعد عن الإسلام فهداهم حين علم صدقهم وعزيمتهم في إرادتهم الإيمان.

هذا وإن القرب من كتاب الله تعالى وطول النظر فيه -مع اتباع أوامره- باب هداية حقيقي، يمن الله به على من يشاء، وقد قال بعض العلماء: "كان النظر في المصاحف خلقا في الأولين"، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقضي يومه في بيته بين المصحف والصلاة.

وقد امتدح الله من يقبل على آيات الله إذا ذُكّر بها ولم يتعامَ عنها قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان:73]، قال ابن جرير رحمه الله: " يقول تعالى ذكره: والذين إذا ذكَّرهم مذكِّر بحجج الله، لم يكونوا صما لا يسمعون، وعميا لا يبصرونها ولكنهم يِقَاظُ القلوب، فُهَمَاءُ العقول، يفهمون عن الله ما يذَّكرهم به، ويفهمون عنه ما ينبههم عليه، فيوعون مواعظه آذانا سمعته، وقلوبا وعته" [التفسير]، وقال ابن كثير رحمه الله: "فقوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} أي: بخلاف الكافر الذي ذكر بآيات ربه، فاستمر على حاله، كأن لم يسمعها أصم أعمى، قال مجاهد: قوله: {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} لم يسمعوا ولم يبصروا، ولم يفقهوا شيئا، وقال الحسن البصري: كم من رجل يقرؤها ويخر عليها أصم أعمى". [التفسير] ولذلك كان السلف رحمهم الله إذا ذُكر أحدهم بآيات الله توقّف عندها واتّهم نفسه ولم يكونوا مجادلين عن أنفسهم ببحث التبريرات والأعذار لما يخُالف الشرع.

• العقوبة السادسة: أن يكون أمره فُرُطا لا بركة فيه

قال الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28]، قال ابن جرير رحمه الله: "فقال بعضهم: معناه: وكان أمره ضياعا". [التفسير]

وهذا ملاحظ فقليل الذكر تجده ضائعا قليل البركة ضعيف الهمة نادر الإتقان متشتتا كسولا، وليس من سبب لذلك سوى حضور الشياطين عنده وإفسادها لأموره، ويشهد لهذا قوله تعالى: {وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام:129] بينما يكون صاحب الذكر مجتمعا قلبه كثيرا إتقانه قويا في عزيمته.

وتشتيت المؤمن في أمره هو من سبل الشيطان فإنه إن لم يستطع إيقاع العبد في المعاصي وصده عن العمل الصالح أتاه من باب فعل المفضول وترك الفاضل الأولى والأهم، قال ابن القيم رحمه الله: "العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسبا وربحا، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية، فشغله بالمفضول عن الفاضل، وبالمرجوح عن الراجح، وبالمحبوب لله عن الأحب إليه، وبالمرضي عن الأرضى له" [مدارج السالكين]


• العقوبة السابعة: العذاب الشاق

قال تعالى: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا} [الجن:17]، قال الإمام الطبري رحمه الله: "قوله عزّ وجلّ: {وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ} الذي ذكره به، وهو هذا القرآن؛ ومعناه: ومن يعرض عن استماع القرآن واستعماله، يسلكه الله عذابا صعدا: يقول: يسلكه الله عذابا شديدا شاقا... عن ابن عباس {عَذَابًا صَعَدًا} قال: جبل في جهنم، وعن قتادة: عذابا لا راحة فيه." [التفسير]، فهذا وعيد لمن أعرض عن القرآن لا يلقي له بالا ولا يعمل به ولا يخاف من عذاب الله الأليم.

فمن أعرض عن آيات الله في عبادة الله وحده وتحكيم شرعه والتحاكم إليه أو آيات الولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين أو آيات الجهاد في سبيل الله أو آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ صار مستحقا للعقوبة من الله في الدنيا والآخرة، وما نراه اليوم من فساد في الناس في معايشهم وما أصابهم من أوبئة وأمراض واقتتالهم على الدنيا وجرائم شتى؛ كل ذلك سببه الإعراض عن كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.


• إياك أن تتخذه جليسا!

وكل مَن كان مِن أهل الإعراض عن ذكر الله فإياك أن تتخذه صاحبا أو جليسا أو تصغي إليه فإنه قاطع طريقك إلى الله وإنك لو فحصته لوجدته مغمورا في الغفلة، مفتونا بالدنيا كثيرَ الذكر لها، منشرحا صدره حين الحديث عنها، وإن ذكر الله اشمأز قلبه وضاق، حاله كما قال الله: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر:45]

وقد أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بمجانبة هؤلاء المعرضين عن ذكر الله والابتعاد عنهم مع ما يحمله صلى الله عليه وسلم في صدره من القرآن والعلم، فقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَّنْ تَوَلَّىٰ عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [النجم:29]، ومن وصايا لقمان لابنه أنه قال: "يا بني إذا رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك، وإن تك جاهلا علموك، ولعل الله تعالى يطلع عليهم برحمته، فتصيبك معهم، وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله تعالى، فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلا يزدك غيا، ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم ". [تنبيه الغافلين]

اللهم جنّبنا سبل الغواية، واجعلنا من أهل الهداية، أنت مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

الترغيب في الورع بسم الله الكبير المتعال مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وعلى نبي الهدى ...

الترغيب في الورع


بسم الله الكبير المتعال مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وعلى نبي الهدى والرحمة أفضل الصلاة والسلام، وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين، وبعد.

فدِينُ المرء أغلى ما عنده؛ لأنه مقبل على الآخرة بلا شك، ولا ينفع في الآخرة إلا دين الإنسان وعمله، ومن أراد المحافظة على دينه فلابد له من سياج يجعله كالحِمى حتى لا ينخرم دينه فيعجز عن ترقيعه أو تداركه.

ولم يكن السلف من هذه الأمة عظماء في أفعالهم إلا برسوخ دينهم وتقواهم واهتمامهم بأمر الورع الذي يحفظ لهم دينهم، وما مررتَ بسيرة أحدهم إلا وجدتَهم يقولون عنه: "زاهدا وَرِعا"؛ وذلك لأنه خير الدين فكانوا متّصفين به مرغّبين فيه، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الدين الورع، وأفضل العبادة الفقه). [معجم الطبراني]

وقد كانوا رحمهم الله يتعلمون الورع ويتلقّونه من أشياخهم، قال الضحاك بن مزاحم: "كان أولوكم يتعلمون الورع، ويأتي عليكم زمان يتعلم فيه الكلام". [الزهد لابن المبارك]

وهذا الورع هو ثمرة الإيمان كما قال طاوس رحمه الله: "مثل الإيمان كشجرة، فأصلها الشهادة، وساقها وورقها كذا، وثمرها الورع، ولا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في إنسان لا ورع له" [السنة للخلال]

وهو أرفع منازل الزهد المانع لصاحبه من الولوج في تخوم المعاصي، والذنوب المهلكات، فالورع "هو اجتناب الشبهات؛ خوفًا من الوقوع في المحرمات" [التعريفات للجرجاني]، وما أحسن قول القرافي في الورع أنه "ترك ما لا بأس به؛ حذرًا مما به البأس" [الفروق]، أما الكفوي فقال: "الورع: الاجتناب عن الشبهات سواء كان تحصيلًا أو غير تحصيل، إذْ قد يفعل المرء فعلًا تورّعًا، وقد يتركه تورّعًا أيضًا، ويستعمل بمعنى التقوى، وهو الكفُّ عن المحرمات القطعية" [الكليات]

وقد يشتبه الورع والزهد ولكن ثمت فرق بينها، قال ابن القيم رحمه الله: "والفرق بينه وبين الورع: أنَّ الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما يخشى ضرره في الآخرة" [الفوائد] وهذا أجود ما ذُكر في تبيين الفرق بين الورع والزهد.

فإن علم المرء ذلك، فلا بد له من ترك الشبهات والابتعاد عنها، ويجاهد نفسه على ذلك فهذا دأب المحسنين، عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الحلال بيِّن، والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتَّقى المشبَّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحِمَى يوشك أن يُواقعه، ألا وإنَّ لكلِّ ملك حمى، ألا إنَّ حمى الله في أرضه محارمه، ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلُّه، و إذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب) [متفق عليه] قال ابن رجب رحمه الله: "هذا الحديث حديث عظيم؛ وهو أحد الأحاديث التي مدار الدين عليها، وقد قيل: إنَّه ثلث العلم أو ربعه" [فتح الباري]، وقال المناوي: "الوَرِع دائم المراقبة للحقِّ، مستديم الحذر أن يمزج باطلًا بحقٍّ، كما قال الحبر: كان عمر كالطير الحذر، والمراقبة توزن بالمشاهدة، ودوام الحذر يعقب النجاة والظفر" [فيض القدير]

وقال بعضهم: "ويقال: أصل الورع أن يتعاهد المرء قلبه لكي لا يتفكر فيما لا يعنيه، فكلما ذهب قلبه إلى ما لا يعنيه، عالجه حتى يرده إلى ما يعنيه" [تنبيه الغافلين]، وقال سفيان بن عيينة: "لا يصيب عبد حقيقة الإيمان؛ حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزًا من الحلال، وحتى يدع الإثم وما تشابه منه" [فتح الباري]، وقال بعض الصحابة: "كنا ندع سبعين بابًا من الحلال؛ مخافة أن نقع في بابٍ من الحرام" [مدارج السالكين]، وقال الهروي: "الورع توَقٍّ مستقصًى على حذر، وتحرُّجٌ على تعظيم" [مدارج السالكين]، وقال ابن مسكويه: "وأما الورع فهو لزوم الأعمال الجميلة التي فيها كمال النفس". [تهذيب الأخلاق]، وقال سفيان: "عليك بالورع يخفف الله حسابك، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وادفع الشك باليقين يسلم لك دينك". [الورع لابن أبي الدنيا]

• نماذج من ورع السابقين

وقد ضرب لنا الصديق رضي الله عنه مثلا في الورع فيما يُدخله الإنسان لجوفه من الطعام، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه" [البخاري]، فلم يرضَ أبو بكر رضي الله عنه أن يكون في جوفه شيء حرام حتى أخرجه، مع ما في إخراجه من الكُلْفة، ولكنه ورع الصديقين!

أما الورع في الدماء فقد كان السيد فيه عثمان رضي الله عنه، فقد ضرب أعظم الأمثلة في الورع، فحينما اجتمع عليه الغوغاء عرض عليه الصحابة قتالهم، وكانوا حريصين على الدفاع عن عثمان إلا أنه أمرهم بأن يكفوا أيديهم، وقد كان الخليفة المطاع، حتى أرسل علي رضي الله عنه إليه: إن معي خمسمائة دارع -أي مقاتل- فأذن لي فأمنعك من القوم، فقال: "جزيت خيرا، ما أحب أن يهراق دم بسببي". قال: وأرسل إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه بمثلها. فقال: "ما أحب أن يهراق دم في سببي". [تاريخ المدينة]


• الورع في الفتيا!

أما الورع في الفتيا فهي سيمة الصحابة رضي الله عنهم، فقد كانت تعرض عليهم المسائل فيتدافعونها، خوفا من القول على الله بلا علم، قال ابن أبي ليلى: "أدركت في هذا المسجد مائة وعشرين من الصحابة، ما سُئل أحدهم عن حديث ولا استفتي في فتيا إلا ودّ أن صاحبه قد كفاه ذلك، وقال مرة: أدركت ثلاثمائة يسأل أحدهم عن الفتيا أو الحديث فيرد ذلك إلى الآخر ويحيل الآخر على صاحبه وكانوا يتدافعون الفتيا ما بينهم". [قوت القلوب]، بينما يسرع أناس اليوم في الفتيا في مسائل لم يحيطوا بها علما ولا بحثا وما سئلوا عنها، وأمور لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر.

وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإنَّ الصدق طمأنينة، وإنَّ الكذب ريبة) [رواه الترمذي]، قال ابن حجر: "قوله: (يريبك) بفتح أوله ويجوز الضمُّ، يقال: رابه يريبه بالفتح، وأرابه يريبه بالضمِّ ريبة، وهي الشكُّ والتردد، والمعنى إذا شككت في شيء فدعه، وترْك ما يُشَكُّ فيه أصل عظيم في الورع"... قال الخطابي: "كلُّ ما شككت فيه، فالورع اجتنابه" [فتح الباري]

قال أبو الدرداء: "تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا بينه وبين الحرام". [الزهد لابن المبارك]

ويمنع الورع التساهل في الفضول كفضول الكلام والأكل والنوم والخلطة، قال سهل بن عبد الله: "من ظن ظن السوء حرم اليقين، ومن تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق، ومن اشتغل بالفضول حرم الورع". [حلية الأولياء]

نسأل الله تعالى أن يعيننا على تقواه في السر والعلن وأن يعيذنا من أنفسنا والهوى والشيطان، فهو ولي ذلك والقادر عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ) ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي ...

(إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ)
ها هي السنة الرابعة تطلّ برأسها علينا منذ أن أعلن التحالف الصليبي زاعمًا متوهّمًا القضاء على الدولة الإسلامية، ورقصَ أذنابُه ومسوخُه فرحًا بهذا النصر المكذوب، ورأينا كيف جاهر أهل الردة والضلالة بأنهم لم ينقموا من الدولة الإسلامية وجنودها سوى إيمانهم بالله العزيز الحميد وحده وتحكيمهم لشريعته بينهم، وظهر ذلك جليًا في أقوالهم وأفعالهم واحتفالاتهم التي عكفت وسائل الإعلام على بثّها لأيام وأسابيع متواصلة عقب انحياز المؤمنين، قال تعالى: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[البروج:8].

وبان لكل منصف عاقل أنّ حنَق أكثر هؤلاء وحقدهم على الدولة الإسلامية كان بسبب أنها فرضت عليهم أحكام الإسلام وتعاليمه السمحة التي تأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر فتمنعهم من ممارسة شهواتهم واتباع أهوائهم، وهذا ما يلاحظه الناظر اليوم في حال المناطق التي انحاز منها المجاهدون وكيف تسلّطت عليها طوائف متناحرة مختلفة الأهداف والمصالح والولاءات، فمِن الروافض وميليشياتهم في العراق، إلى النصيرية وميليشياتهم في الشام، ومِن ملاحدة الأكراد في شرق الشام إلى فصائل وأحزاب الصحوات في غربها، فكيف حال هذه المناطق اليوم؟! لقد فقدت أمنها بعد أن فرّطت بإيمانها! وبات الناس الذين سرّهم دخول جيوش الكفر إلى مناطقهم بعد انحياز المجاهدين عنها، باتوا اليوم يندبون حظهم ويترحمون على أيام حكم الدولة الإسلامية.

حتى ليعلم الناس أنه لا سبيل للنجاة والسعادة في هذه الدنيا إلا باتباع طريق الحق الذي سار عليه مجاهدو الدولة الإسلامية منذ عقدين من الزمان، طريق التوحيد لله تعالى والجهاد في سبيله، فهو السبيل الوحيد الذي تكون فيه كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى، وهو السبيل الوحيد الذي يحفظ حرمات المسلمين وأعراضهم وكرامتهم ويضمن لهم عيشًا كريمًا في ظلال الشريعة، في حين أنّ العيش في ظل المشاريع والرايات الجاهلية والعمية التي ترفعها الحكومات والفصائل المرتدة، لن يجلب للناس سوى فساد الدين والدنيا.

وبذلك يتضح الفرق بين مشروع الدولة الإسلامية الذي استقته من الوحيين -الكتاب والسنة- وبين المشاريع الأخرى التي قاتلت المجاهدين وحاربت حكمهم؛ تارة بزعم "التحرير"! وتارة بذريعة "قتال الخوارج"! وتارة تحت مسمى "القضاء على الإرهاب"... وغيرها من الشعارات التي رفعها المرتدون على اختلاف مسمياتهم وتوجّهاتهم في حربهم ضد دولة الخلافة أعزها الله تعالى.

فماذا فعلت حكومات وفصائل الردة التي استولت على المناطق في العراق والشام وغيرها من ديار الإسلام؟! وماذا قدّمت للناس سوى الفساد العريض والفشل الكبير في كل مجالات الحياة كبيرها وصغيرها؟! وكيف لهؤلاء الدمى والوكلاء الذين دخلوا المناطق تحت غطاء الطيران الصليبي أن يُحسنوا صنعا أو يُصلحوا للناس شأنا؟! بل كيف لمن لا يملك قرار نفسه وجعل أمره بيد غيره أنْ يحكم الناس ويسوسهم؟! والأدهى من ذلك كله أن ينتظر الناس اليوم عيشا آمنا في ظل حكم هؤلاء المشركين بعيدا عن حكم الإسلام، والله تعالى قد قرر في كتابه أنه لا أمن في الدنيا ولا في الآخرة بغير التوحيد والإيمان، فقال جلّ جلاله: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} [الأنعام:82].

فماذا جنى الناس بعد أربع سنوات من غياب حكم الشريعة الإسلامية غير الهوان والضياع، فها هم الرافضة في العراق تحرّكهم إيران المجوسية وتصول وتجول في أروقتهم العسكرية والسياسية للمكر بأهل السنة، والنصيرية في الشام توجهوا إلى روسيا حتى تخرجهم من المأزق فقدّموا لها كل المقدرات والخيرات التي تمتلئ بها بلاد الشام حتى يبقى أحمقهم "رئيسا" وباتت روسيا الصليبية هي الآمر الناهي في مناطقهم تقرّ ما تقرّه وتلغي ما تلغيه، وأما ملاحدة الأكراد فلقد وجد فيهم الصليبيون ضالتهم، وهل هناك أفضل من حزب تستخدمه متى تشاء وتتركه متى تشاء! وتعود له متى تشاء وهو لك شاكر؟!

وأما صحوات الشام من الجيش الوثني ومَن لف لفهم مِن فصائل وهيئات ومجالس وتشكيلات، فهؤلاء ما يزالون يبحثون عن أبٍ ينتسبون إليه، والكل يتبرأ منهم ويأنف أن ينسبهم إليه، ولقد حاولوا بشتى الوسائل أن يُلصقوا أنفسهم بالكثير من الدول والجهات، وقدموا لهم كافة التنازلات واستغنوا عن مسمى الإسلام حتى في الشعارات إرضاءً للداعمين والحكومات، فإذا دعمهم طواغيت قطر وتركيا كانوا "إخوانا حُلقاء"! وإذا دعمهم طواغيت آل سلول أصبحوا "سلفية عوراء" وإذا دعمهم البنتاغون أصبحوا "ديموقراطيين حدثاء" وإذا شاء داعمهم صيّرهم عبدة أصنام وأوثان!

ماذا جنى الناس في تلك المناطق التي كانت تُحكم بشرع الله وتم استبدالها بالقوانين الكفرية والدساتير الوثنية التي تتشارك فيها كل الحكومات والهيئات، رافضة كانوا أو ملاحدة أو صحوات؟ ماذا جنى سكان تلك المناطق بعد أن فقدوا نعيم الشريعة وحكمها العدْل الأتمّ الأكمل الذي فيه صلاح دينهم ودنياهم، ماذا جنوا مِن نأيهم عن نصرة الدين وخذلانهم للمجاهدين؟ ماذا جنوا من إيثارهم السلامة وحبهم الدنيا وتقديمهم حفظ النفس على حفظ الدين؛ غير الذلة والهوان فلا هم أصابوا دنيا ولا دينا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

أما جنود الخلافة الذين غمروا وعمروا تلك المناطق والأمصار طوال فترة حكمهم بطاعة ربهم فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، وأقاموا شرعه؛ فما جنوا إلا كل خير بإذن الله تعالى ومصداقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأحَدٍ إِلَّا للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَه) [رواه مسلم] بل إن جنود الخلافة ما زالوا -بفضل ربهم- يعمرون مجتمعاتهم الصغيرة بين الحضر والبوادي بالشريعة والطاعة والإيمان؛ إعدادًا وجهادًا في سبيل الله، استعدادًا بإذنه تعالى لإعادة النور إلى تلك المجتمعات الجاهلية الكبيرة التي ما زالت جيوشها ترتعب وتستنفر أيامها ولياليها إنْ لاح طيفُ الأباة القانتين عبر شاشات المراقبة!، فيا قومنا: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، فالأرض لله تعالى وسيورثها عباده المؤمنين، وسيهيّئ الله تعالى لعباده من الأسباب ما يعينهم على ذلك، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 317
الخميس 12 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا ...

عقوبات المعرضين عن ذكر رب العالمين


الحمد لله منْزل الذكر المبين والصلاة والسلام على نبينا محمد إمام المرسلين وقدوة الذاكرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فكما أن ذكر الله مجزيٌ به الإنسان أحسن الجزاء وصاحبه محاطٌ بحفظ الله وعنايته وتوفيقه؛ فإن المعرض عن الذكر مُتَوَعَّدٌ بما يسوؤه مِن حال في الدنيا ومآل في الآخرة؛ لِكبيرِ ما اقترفه مِن عملٍ إذْ أنه ينسى الله الذي خلقه وسوّاه وأعطاه، ويُعرض عن أمره ونهيه وكلامه وذكره وشكره، فجوزي بجنس عمله؛ أنْ ينساه ربُّه ولا يبالي به في أي واد هلك؛ {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، ومَن نسيه الله حرمه خشيتَه والقرب منه سبحانه الله وغيرها من المقامات السامية، غير أن مِن القلوب من لا تعي ذلك لموتها "وما لجرح بميت إيام"، وليس أحد يعصي الله عز وجل إلا ناله من العقوبة بحسب معصيته.

وقد خصَّ اللهُ أهل الإعراض عن ذكره بعقوبات عديدة هي بمثابة الوخز للغافلين فينتبهوا، وبمقام السياط للمعرضين لينزجروا، وأشد التهديد ما كان مِن ملك الملوك وقاهرها ومذلّها ومميتها سبحانه، فتهديده -عزَّ شأنه- صدْق ووعيده حتْم، إلا أن يعفوَ فإنه عفوٌ حميد.

وحتى تحذر أخي المسلم من الانجرار إلى طريق المعرضين أو التشبّه بهم أو السقوط في هاويتهم، فيندقّ عنق قلبك فتموت وأنت حيٌ!؛ إليك بعض ما ذَكَرَه الله عزّ وجل من عقوبات أولئك المعرضين عن الذكر:

العقوبة الأولى

الانتقام، قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22]، فذكر سبحانه وتعالى أنّ من أعرض عن ذكر الله وآياته -بعد أن يُذكّر بها- أنه أشد الناس ظلما؛ لأنه لم يضع لقلبه ما يصلح له وهو ذكر الله والانتفاع به، ثم سمّاه الله مجرما فقال: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ}، ثم توعده بالانتقام بقوله: {مُنْتَقِمُونَ}، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أي: لا أظلم ممن ذكّره الله بآياته وبيّنها له ووضّحها، ثم بعد ذلك تركها وجحدها وأعرض عنها وتناساها، كأنه لا يعرفها. قال قتادة رحمه الله: إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكره فقد اغتر أكبر الغرة، وأعوز أشد العوَز، وعظم من أعظم الذنوب. ولهذا قال تعالى متهددا لمن فعل ذلك: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} أي: سأنتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام" [التفسير].

وإن هذا وعيد شديد لو تأمله العاقل، فإن ضعفاء المخلوقين لو انتقموا مِن خصمهم لفتكوا به، فكيف إذًا يكون انتقام القوي العزيز ذي البطش الشديد الفعال لما يريد!، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [إبراهيم: 47]، وما أفلتَ مَن انتقم الله منه، وأولى الناس دخولا في هذا الوعيد من دُعي لتحكيم الذكر الحكيم "القرآن" فأعرض وحكم في الناس بما لم يأذن به الله من خزعبلات الكافرين وأهواء الغاوين فأولئكم سينتقم الله منهم في الدنيا والآخرة.

العقوبة الثانية

الوزر، وهو الإثم والذنب العظيم يناله المعرض عن ذكر الله قال تعالى: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا} [طه: 99 - 100]، قال ابن كثير: "وهذا عام في كل من بلغه القرآن من العرب والعجم، أهل الكتاب وغيرهم، كما قال تعالى: {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}، فكل من بلغه القرآن فهو نذير له وداع، فمن اتبعه هدي، ومن خالفه وأعرض عنه ضل وشقي في الدنيا، والنار موعده يوم القيامة؛ ولهذا قال: {مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ} أي: لا محيد لهم عنه ولا انفكاك {وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} أي: بئس الحمل حملهم" [التفسير].

العقوبة الثالثة

الشقاء، شقاء الحال والمآل، قال تعالى: {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه: 2]، فالقرآن نزل بالسعادة في الدارين ومن أخذ به ولزم طريقه لن يشقى، كما قال قتادة: "لا والله ما جعله شقاء، ولكن جعله رحمة ونورا، ودليلا إلى الجنة". [تفسير ابن كثير]، ومفهوم ذلك أنّ مَن أعرض عنه وكان منه بعيدا فهو في شقاء دائم.

ومن الشقاء ضيق العيش والضنك والنكد، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} [طه: 124]، "عن ابن عباس رضي الله عنهما، قوله: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} يقول: الشقاء، وقال مجاهد وقتادة: ضيّقة" [تفسير الطبري].

فهذا وعيد للمعرض عن ذكر الله بسوء الحال في العيش وهذا يصيبه وإن كان يعيش بكل أدوات الترف! ولو كان أشد الناس زهوا؛ وذلك أن السعادة والشقاوة في القلب لا في الجسد والمظاهر، وهذا العقاب بيّن لكل من ترك ذكر الله والقرآن فلن يكون مطمئنَّ القلب -وإن وجد ذلك مدة-، وما أكثر ما يُسمع من بعض الناس قولهم: "أنا ضائق"، "أنا غير مرتاح" ونحو هذا، ولو فتّش هو عن نفسه لوجد عنده هجرا للقرآن أو بُعدا عن الذكر أو إعراضا عن ذلك كله واسترسالا في المعاصي.

ثم في الآخرة يُحشر المُعرِض أعمى، جزاءَ عماه عن الحق في الدنيا وعدم اكتراثه به، وذلك إمعانا في إبعاده يوم القيامة، قال تعالى: {وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ} [طه: 124 - 126]

العقوبة الرابعة

تسليط الشياطين عليه، قال تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} [الزخرف: 36]، قال ابن جرير: "ومن يعرض عن ذكر الله فلم يَخَفْ سطوته، ولم يخشَ عقابه {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ} يقول: نجعل له شيطانا يغويه فهو له قرين: يقول: فهو للشيطان قرين، أي يصير كذلك" [التفسير]، فمن أعرض عن ذكر الله سلّط اللهُ عليه الشياطين فأضلته وزادته ضلالا إلى ضلاله، وزيّنت له أنه على خير، وإسلام الله عبدَه للشيطان هو من العقوبات الشديدة التي يُعاقَب بها العبد؛ لأن الشيطان عدوّه كما قال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} [فاطر: 6]، وليس شيء أشد على العاقل مِن أن يُسلّم لعدوه الذي يريد إيذاءه، بل حتى غير العاقل من المخلوقات فهي أكره ما تراه وأخوف شيء عندها هو عدوها الذي يفترسها وينهشها ويأكلها، وابن آدم كذلك إن تسلّط عليه عدوه "الشيطان" سيهلكه، وهذا من فقه أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم: 45]، فإبراهيم عليه السلام يحذّر أباه من غضب الله فيعاقبه فيجعله وليا للشيطان وتابعا له؛ لأن ولاية الشيطان له نقمة تقوده إلى عذاب أشد وخسارة فادحة يوم القيامة، فمن كان الشيطان وليه فهو الخاسر، قال تعالى: {أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]، ومثل هذا قوله تعالى: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} [فصلت: 25]، فالقرناء من الشياطين تزين الباطل فيهلك المرء في معاصي الله، ثم تتبرأ منه، ومن هنا يُعلم أن مِن ثواب الله للعبد أن يرزقه الصحبة الصالحة التي تدله على الخير وتحثّه عليه، ومِن عقاب الله للعبد أن يحرمه الصحبة الصالحة فتتلقفه شياطين الإنس والجن.

نسأل الله أن يجنّبنا الإعراض عن ذكره وشكره، ويحفظ لنا ديننا ويجعلنا من أهل طاعته، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 316
الخميس 5 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

إنها الوعود.. ولها بقية! عندما أقدم عبدة الشيطان "الإيزيديون" على قتل مسلمة واحدة ونكّلوا ...

إنها الوعود.. ولها بقية!


عندما أقدم عبدة الشيطان "الإيزيديون" على قتل مسلمة واحدة ونكّلوا بجثتها بعد إعلان إسلامها، توعّدهم قادة الدولة الإسلامية يومها بوعيد أنفذوه بعد مرور نحو سبعة أعوام على الجريمة، فنكّلوا بالطائفة الإيزيدية الكافرة وأبادوا رجالها وسبوا ذراريها وحكموا فيهم بحكم الله تعالى، ولمّا ينتهِ عقابهم بعد! ولعذاب الآخرة أشد.

الشاهد فيما جرى أن الدولة الإسلامية عندما تصدر تهديدا أو وعيدا لجهة أو طائفة ما من طوائف الكفر والردة، فإنها تُمضي -بعون الله- وعدها ووعيدها ولو بعد حين، ويتواصى جنودها وقادتها جيلًا بعد جيل بإمضاء هذه الوعود متوكلين على الله تعالى مستعينين به سبحانه متبرئين من حولهم وقوتهم إلى حوله وقوته تبارك وتعالى.

ولقد أنفذت الدولة الإسلامية كثيرا من وعودها بالكفرة والمرتدين، كما رأينا في يوم "سبايكر" في العراق وكيف أجروا دماء الرافضة أنهارا فوق الأنهار، وكما رأينا في ملاحم "الفرقة 17 وفوج الميلبية" في الشام وكيف فتك المجاهدون بالمئات من جنود الجيش النصيري وشرّدوا بهم من خلفهم... إلى غيرها من الغزوات والوقائع التي أمضى فيها جنود الدولة الإسلامية وعودهم وعهودهم التي أخذوها على أنفسهم امتثالا لأمر الله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} واستجابة لقوله سبحانه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ}، ونجاة من وعيده سبحانه: {إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وشفاء لصدور المؤمنين وثأرا لدمائهم وأعراضهم وحرماتهم.

وكان من أحدث فصول إمضاء الوعود سلسلة الهجمات الموفقة التي ضربت تمركزات البيشمركة المرتدين في فترة زمنية قصيرة في محاور عديدة داخل مناطقهم المحصنة والتي زعموا إحكام السيطرة عليها، ورأى العالم بأسره قادة البيشمركة المرتدين وجنودهم وهم يبكون قتلاهم الذين سقطوا في الهجمات المباركة، والتي ظنوا طويلا أنهم بمنأى عنها، فخابت ظنونهم وتجددت مآسيهم وذاقوا بعضا مما أذاقوه للمسلمين.

ومع أن هذه الهجمات ليست الأولى التي تستهدف البيشمركة حيث سبقها هجمات أخرى، إلا أنها كانت أشدّها عليهم لأسباب عديدة منها؛ تتابع الهجمات وتكرارها زمانا ومكانا، وارتفاع حصيلة القتلى إلى حد أجبر حكومة البيشمركة وناطقيهم على الاعتراف بأكثر خسائرهم ولم يكونوا قادرين على التستر عليها كما جرت العادة، إضافة إلى توقيت الهجمات التي جاءت متزامنة مع "الأزمة الشاملة" التي تعصف بكل "الفرقاء السياسيين" في العراق على اختلاف مكوناتهم -بلا استثناء- ما يُهدد بانفلات الأوضاع من بين أيديهم.

ومن زاوية أخرى فإن المجاهدين الذين توهّم البيشمركة المرتدون القضاء عليهم، هم أنفسهم اليوم الذين يصولون عليهم ويشقون الطريق نحو ثكناتهم ليقتلوهم فيها ويشفوا صدور المؤمنين منهم، وإن في اقتحام تحصينات العدو ما لا يخفى من الأثر الكبير الذي تخلفه هذه الهجمات الجريئة التي تضرب الروح المعنوية لجنود العدو وهم يرون الأسود يقتحمون عليهم غير آبهين بهم ولا بترسانتهم العسكرية وتحصيناتهم الأمنية التي كلفتهم كثيرا من الأموال وأشرف عليها اليهود والصليبيون طوال السنوات الماضية، واليوم لم تغنِ عنهم من بأس الله تعالى شيئا، ولن تغني أيضا عن أسيادهم الذين يقفون خلفهم، وإن غدا لناظره لقريب.

إنّ على كل طوائف الكفر والردة التي تورطت وشاركت بشكل مباشر أو غير مباشر في الحرب ضد الدولة الإسلامية ورعاياها، وبأي صورة كانت بالعمل أو القول أو التأييد -والمؤيِّد كالفاعل-؛ أن تعلم أن المجاهدين قد عقدوا الخناصر وتعاهدوا على الثأر لدماء المسلمين وأعراضهم مِن كل مَن سولت له نفسه الاعتداء عليهم، ليس في العراق والشام فحسب، بل في كل مكان حارب فيه المرتدون دولة الإسلام وحكم الإسلام الذي نقموه منها ولأجله حاربوها، وفي ذلك قال الشيخ أبو الحسن المهاجر -رحمه الله-: "فلا يظننَّ وضيع جبان أن يدا له امتدت على المجاهدين وأعراضهم سينعم بها، فقسما بمن أجرى السحاب وبنى السبع الشداد، وشتت عند الفتح جموع الكافرين في كل واد، لتقطعن يداهُ ورجلاه، ولتسلبن روح حواها جسده، ولينبذن جيفة في رمسه، فما ضعفنا وما جبنا! نحن أحفاد الصديق وابن الوليد، ولنحيين سنته في كل من ارتد وناصب المسلمين العِداء".

فكل من ناصب المسلمين العداء سيُمضي جنود الخلافة وعودهم فيه ويثأرون منه وسيصلون إليه عاجلا أم آجلا في ثكنته أو موقعه أو مقر عمله أو في عقر بيته، فما لهؤلاء المرتدين وأعوانهم سوى التوبة وبغيرها فالوعود ماضية وأصحابها ماضون في طريقهم بإذن الله تعالى.

ويحسن بنا في هذا المقام أن نتوجه بالوصية والتذكير إلى المناصرين وأولياء المجاهدين في كل مكان، أن ينسبوا الفضل في التوفيق إلى الله تعالى وحده، فبه سبحانه التوفيق ومنه المدد، فعلى المناصرين أن يُعينوا إخوانهم بذلك ويخفضوا جناح الإخبات والخضوع لربهم سبحانه ويعلّموا المسلمين ذلك، فإن المجاهدين ما اقتحموا موقعا ولا أصابوا من عدو نيلا إلا بحسن التوكل على الله تعالى وحسن الظن به واليقين بموعوده سبحانه، وإفراغ القلب من كل العلائق والعوائق التي تصرفه عن تمام التوكل واليقين، فضعوا ذلك نصب أعينكم وتواصوا به وتعاهدوا به أنفسكم وإخوانكم.

ونختم بما ابتدأنا به فنقول وبالله التوفيق: إن جنود الإسلام البررة الذين ثأروا لمقتل مسلمة واحدة وشرّدوا قتلتها الكافرين وجعلوهم أحاديث وأداموا مآتمهم إلى اليوم، قادرون بإذن الله تعالى على تكرار ذلك في كل من حارب الإسلام والمسلمين، إنها الوعود.. ولها بقيّة بإذن الله تعالى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، والحمد لله رب العالمين.



• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 316
الخميس 5 جمادى الأولى 1443 هـ
...المزيد

قصة شهيد - القائد (خادم) -تقبله الله- القائد (خادم) -تقبله الله- قصفته أمريكا... ونبشت ...

قصة شهيد - القائد (خادم) -تقبله الله-



القائد (خادم) -تقبله الله-
قصفته أمريكا... ونبشت طالبان قبره!


يتعاقب أجيال الإيمان لهدف واحد من منبع واحد، قرآن يشحذ هممهم، وقلوب تغرس معانيه وأفعال لا مثيل لها، هم صفحات مشرقة لهذه الأمة مضيئة ونماذج حاضرة معاصرة، ليست قصصهم أساطير أو روايات خيالية، بل هي أحداث واقعية جرت وما زالت تجري لمن ثبت على طريقهم، وما هم من خارج الدنيا جاؤوا ولكنهم كانوا أعرف الناس بها، فأخرجوا نفوسهم منها وإن بقيت أجسادهم فيها، جنود الحق همُ إن كان للباطل جنود، وحكّام القرآن همُ إن كان للطاغوت حكّام، ولأجل الله وفي سبيله سرورهم وحزنهم، وتحيط بهم المصائب فتكون لإيمانهم عصائب، ولئن سمعنا بالجبال فوق الجبال فهم القمم على أعالي القمم، وكان من أولئك الأبطال الكمي الباسل المقدام، الأخ محمد أمين المعروف بـ(خادم) تقبله الله تعالى.


• طلبه للعلم

ولد الأخ محمد أمين المعروف بـ(خادم) بمنطقة (جبرهار) في (ننجرهار) عام 1406 هـ، ونشأ وترعرع على حبّ الدين منذ صغره لسلامة فطرته وصلاح بيئته، فأقبل على تعلم تلاوة القرآن منذ كان ابن ستّ سنين، ثم شرع في أخذ العلوم الشرعية في قرية (مانو) بمنطقته، حيث أتم العلوم الابتدائية هناك، فلما تخرج من الصف العاشر، انتقل من منطقة (جبرهار) إلى (خوجياني) وقرية (ككه) وتعلم فيها لمدة عام تقريبا، ثم ذهب إلى منطقة (وزير) ودرس فيها أيضا ما يقارب العام، ثم اشتد عطشه للعلم فرحل إلى باكستان وقرأ أصناف الفنون من تفسير القرآن وعلم الحديث وغيره، حيث تنقّل هناك بين مجموعة من مشايخ عصره -آنذاك-، والتحق بإحدى الجامعات وأتم الدراسة فيها، وبعد التخرج قام (خادم) تقبله الله بتدريس القرآن والحديث والدعوة إلى التوحيد في قريته، ثم درَّس مدة في منطقة (خوجياني) أيضا.

وفي تلك الفترة كان المسلمون في أحلك ظروفهم تحت وطأة الغزو الصليبي الأمريكي، وكان (خادم) تقبله الله حزينا لأحوال المسلمين ينصرهم بحسب استطاعته متطلعا للجهاد وأخباره، محبا لطريقه وأهله.


• بداية جهاده

أدرك (خادم) تقبله الله تعالى أن العلم للعمل لا لتكديس الكتب وتصدّر المجالس وإدمان الخطب، فبادر في العام 1426 هـ إلى تعلم الإعداد العسكري والعقيدة الصافية من بعض المهاجرين العرب، وكان أثناء الإعداد يعاون معلّمه في الترجمة للّغة البشتونية.

ولما رجع إلى قريته في (جبرهار) بدأ يشارك في القتال تحت إمرة طالبان -آنذاك- حيث التحق بمجموعة الأمير (جعفر) تقبله الله تعالى، وفي تلك الآونة كان عدد المقاتلين قليلا جدا، لكن (خادم) تقبله الله تعالى شمّر عن ساق الجد والاجتهاد وبذل كل ما يستطيع في تلك الفترة، مجاهدا مرابطا في منطقته (جبرهار) نصرة للإسلام وأهله ودفاعا عن حرماتهم وأعراضهم.


• بيعته للخلافة

واستمر (خادم) تقبله الله في هذا الطريق حتى دخل الجهاد المعاصر مرحلة التمايز بشروق شمس الخلافة التي بزغت في العراق والشام وأضاء بريقها جبال خراسان، فسارع (خادم) مع مجموعته بقيادة الأمير (جعفر) إلى بيعة الدولة الإسلامية وإمامها الشيخ أبي بكر البغدادي تقبله الله.

وبعد أن بصّرهم الله تعالى بطريق الحق ولزوم الجماعة، لم تمضِ سوى أيام قلائل على ذلك، حتى أحسن الله خاتمة أميرهم فقُتل (جعفر) تقبله الله بقصف من طائرة أمريكية مسيّرة بمنطقة (خوجياني)، ليتولى حمل الأمانة من بعده الأخ (خادم) الذي كان أهلا لها، فأخذ يدعو الناس ليلا ونهارا إلى صحة التوحيد وطريق الجهاد، ويصدع بالحق والولاء والبراء جهارا، فما وهن ولا استكان، وكان دائبا لا يهدأ ونشِطا لا يفتُر، حتى التحق -بفضل الله تعالى- على يديه عدد كثير من المجاهدين بالدولة الإسلامية، بسبب دعوته وجميل أخلاقه ولطيف معاشرته واجتهاده وإخلاصه نحسبه والله حسيبه.


• ولأهله نصيب من المحن!

وقد لاقى (خادم) تقبله الله تعالى في هذا الطريق ما لاقاه سالكوه من قبل، فتعرض هو وعائلته الكريمة إلى أشد المحن والابتلاءات، فأصيب شقيقه (حكمة الله) بجروح وشلل مع بداية المعارك الأولى التي اندلعت مع ميليشيا طالبان المرتدة، وقد قتل متأثرا بجراحه بعد ألم ومعاناة طويلة كابدها في سبيل الله تعالى.

كما قُتل شقيقه الآخر (بلال) وزوج أخته (عبد الله) في منطقة (جبرهار)، وتوفي والده الذي كان رجلا صالحا، وكان موته في دار الإسلام حيث عاش ودفن فيها.

ولم تنفك المحن والخطوب عن ملازمة (خادم) تقبله الله تعالى، حيث قتلت طائرات أمريكية أخته وزوجة أخيه واثنين من أبناء أخيه في يوم واحد في القصف الهمجي على منطقة (جورجوري)، نسأل الله أن يتقبلهم جميعا في الشهداء، كما أُسر شقيقه الثالث وابنه اللذَين لم يبلغا الحلم بعد -فكّ الله أسرهما-.

كل هذه الابتلاءات لم تفتّ من عزيمة (خادم) رحمه الله، واستمر يقود ويخوض العديد من المهام الجهادية المختلفة ويسوس الأمور بالإخلاص والصدق والطاعة في شتى مناطق (ننجرهار) خصوصا في مناطق: (بجير)، و(شينوارو)، و(تورا بورا)، و(خوجياني)، و(كوت)، و(مامند)، و(هسكه مينه).


• قائدا عسكريا في (كنر)

وفي الفترة التي مكّن الله تعالى لعباده المجاهدين في (ننجرهار) أرسله أمراؤه إلى منطقة (كنر) وعيّنوه أميرا عسكريا عليها، فقاد العديد من الغزوات والمواجهات وأذكى جذوتها ففتح الله على يديه مناطق عديدة في (كنر)، وحمي البأس واشتد الوطيس فأسال الله على يديه دماء المرتدين من ميليشيا طالبان والجیش الأفغاني حتى ضيّق عليهم ونغّص عيشهم وألحق النكاية فيهم وأفقدهم أمنهم واستقرارهم.

ولقد خاض المعارك واحدة تلو الأخرى مع ميليشيا طالبان المرتدة في مناطق (كورانجال) و(كانديغال) و(شوريك)، ففلق رؤوس العشرات منهم وحزّ رقابهم بحول الله وقوته، رغم قلة أعداد المجاهدين وشحّ عتادهم هناك، حتى أدركت ميليشيا طالبان أن طمعهم في السيطرة على (كنر) بعيد المنال في ظل قيادة الأخ (خادم) تقبله الله للمعارك هناك وخبرته العسكرية التي اكتسبها طوال سنين جهاده برفقة إخوانه وجنوده الذين أحبهم وأحبوه فكانوا له كما كان لهم عونا وقدوة في القول والعمل والعطاء.

وبعد فشل ميليشيا طالبان في التقدم نحو (كنر)، تحالفت مع القوات الصليبية التي كانت تقصف جوا وبرا على مواقع المجاهدين هناك، لتتقدم طالبان على الأرض تماما كما فعلوا من قبل في (ننجرهار) في تنسيق ميداني واضح، ظلّ المشككون يقدحون في صحته حتى رأوه عيانا نهارا في "مطار كابل" فمنهم من صدّق عينه ومنهم من أبى!


• طالبان تنبش قبره!

وعلى إثر ذلك أصبح (خادم) هدفا لهذا التحالف الشيطاني فبثوا جواسيسهم للحصول على خبره وتحركاته، وظلوا يتتبعونه حتى قدّر الله أمرا كان مفعولا، حيث قصفته طائرة مسيّرة بتاريخ (2/رجب) لعام 1441 هـ، تجندل حينها شهيدا كما نحسبه والله حسيبه بعد حياة غمرها بالتوحيد والجهاد على منهاج النبوة نحسبه والله حسيبه.

لكن قصة (خادم) لم تتوقف بمقتله! فبعد أن استطاعت طالبان السيطرة على (كنر) بعد الحملة الجوية الأمريكية، قام أشقاهم بنبش قبر (خادم)!! تقبله الله وأخرجوا جسده حقدا وعداوة وذلك بعد مرور 14 شهرا على مقتله، ليخرج لهم جسده كما لو أنه دفن للتو كرامة من الله تعالى لعبده الذي طلب التوحيد في بيئة التصوف وبادر إلى الجماعة في عصر الفرقة وتمزقت أشلاء ذويه في شعاب الإيمان والشظف، فلم يزده ذلك إلا حبّا لربه سبحانه وسعيا في نيل نعيم الأنس به جل جلاله.

قُتل (خادم) تقبله الله خادما للإسلام ورافعا لراية التوحيد، بينما يعيش الآن نابشو قبره خدما لقاتليه! يجتمعون معا تحت "قبة واحدة" يشتركون فيها شركا وحربا على الجهاد! ويصلون غدا نارا وسعيرا -إن لم يتوبوا-، فشتان شتان بين العاقبتين، والحمد لله رب العالمين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 315
الخميس 27 ربيع الثاني 1443 هـ
...المزيد

معلومات

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً