أيُّها الملتزم رفقًا

منذ 2018-07-14

ابن باز- رحمه الله: "هذا العصر عصر الرفق والصبر والحكمة، وليس عصر الشدة، الناس أكثرهم في جهل وفي غفلة وإيثار للدنيا، فلا بد من الصبر، ولا بد من الرفق؛ حتى تصل الدعوة، وحتى يبلغ الناس، وحتى يعلموا، ونسأل الله للجميع الهداية".

كم رأينا من الملتزمين مثالًا يحتذى به، رأيناهم شعلة تضيء للناس ظلمات الجهل والغفلة، شعرنا معهم أننا نعيش في عهد الصحابة، كسرت ابتسامتهم وكلماتهم الرفِيقَةَ الحانيةَ كل الحواجز، وأسرت قلوب العصاةِ قبل العُبَّادِ.

وهذه رسالة إلى فئة قليلة منهم، والتي قد أخذتها الحماسة، وحركتها الحمية والغيرة على الدين، فغابت عنها بعض الأمور.

فإذا منَّ الله عليك فهداك إلى طريقه، واصطفاك من بين عباده فدلّك على سبيله، فكن لغيرك نبراسًا مضيئًا، ولا تَقِف في طريق الهدى سدًا منيعًا، لا تكن صخرةً تسد طريق السالكين، ولا شوكًا منثورًا  يمنع الناس من الدخول والسير فيه، وكن شمسًا تضيء ولا تحرق، ويدًا حانية تشد الناس إليها بالرفق ولا تدفع.

وتذكر قول الله تعالى لنبيه: " ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك "؛ فلا تجعل الناس تنفض من حولك بشدة أقوالك وغلظة أفعالك.

قال شيخنا ابن باز- رحمه الله -: "هذا العصر عصر الرفق والصبر والحكمة، وليس عصر الشدة، الناس أكثرهم في جهل وفي غفلة وإيثار للدنيا، فلا بد من الصبر، ولا بد من الرفق؛ حتى تصل الدعوة، وحتى يبلغ الناس، وحتى يعلموا، ونسأل الله للجميع الهداية".

كم من عاصٍ أو أخ لك على درب الخير قد انتكس، فكان كالغريق الذي لقشةٍ تُنقذِه ينتظر، ولكلمة طيبة وصدر حانٍ يفتقر، فما كان منك إلا أن أطلقت عليه سهامًا من النقد والتوبيخ اللاذع، وجلدته بسياط التأنيب والهجر، ورمقته بعين الاحتقار، فتركته يتصارع بين ما فيه من خير وبين عناده وكرهه لاتباع من شق عليه بالقول والفعل، فكنت عونًا للشيطان على أخيك.

روى الإمام البخاري - رَحِمَه الله - في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بِرجُل قد شرب، قال: (اضربوه)، قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: فمنا الضاربُ بيده، والضاربُ بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان)، وفي لفظ آخر من حديث أبي هريرة: قال رجل: ما له أخزاه الله؟! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم).

فإذا ارتكب ( أخوك ) معصيةً، أو تخلى عن طاعة فحلق لحيته فما زال أخاك، أو خلعت ( أختُكِ ) غطاء وجهها فما زالت أخُتَكِ، فلا تتخلوا عنهما وتتركوهما للشيطان، فهما للتذكير بالرفق واللين، وللترغيب فيما عند الله أحوج، ثم إن معصيته لا تنفي حبه لله ولا رسوله، ولعل له خبيئة من عمل لا تعلمها، ولكنّ الله يعلمها.

ولا يقاس التزام المسلم بتعاليم دينه بطقوس دينية مظهرية، مقياسنا للناس ليس بالمظهر ولا بالسمت الخارجي والتشدق الكلامي فقط، إنما يجب أن ننظر أيضًا إلى جوهرهم وحبهم لله ولرسوله، وإن أتَوا كبيرة من كبائر الذنوب مثل شرب الخمر.

عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: أنَّ رجلاً كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - كان اسمه عبدالله، وكان يُلَقَّب حمارًا، وكان يُضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جلده في الشراب، فأُتِي به يومًا، فأمر به فجُلد، فقال رجل منَ القوم: اللهم الْعَنْه، ما أكثر ما يؤتَى به! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (لا تلعنوه، فواللهِ ما علمتُ أنه يحب الله ورسوله).

وانظروا كيف يكون للكلمة أكبر الأثر، فبها إما أن تربح قلوب العباد أو تخسرها للأبد؛ خرج إلى المسجد رنّ هاتفه بأغنية المحمول في الصلاة بالخطأ، هاجمه المصلون والإمام : " تعصي الله في بيته، ألا تخاف أن يخسف بك ؟! " من يومها خرج من المسجد ولم يعد. وعندما توجّه نحو مقهى أوقع الشيشة وصحن الفحم بالخطأ، أقبل عليه عمّال المحل وقالوا: " ولا يهمك حبيبنا ألف مثله فداك "، ومن يومها أصبح زبونًا دائمًا عندهم. فيا من أردتم هداية البشر بشّروا ولا تنفّروا، يسّروا ولا تعسّروا .

احرصوا على إصلاح القلوب قبل إصلاح المظاهر، فلو أعنتموهم على إصلاح القلوب لظهر ذلك على الجوارح، وما من بشر يستطيع أن يكون كاملًا في إتمام جوانب الدين والشريعه، ولكننا نسدد ونقارب.

لكل إنسان باب يتقرب به إلى الله؛ قد يكون بابك إلى الجنة الصيام، وآخر يفتح الله عليه في الصلاة، وغيره في تلاوة القرآن أو تعليمه، وسواه في قضاء حوائج المسلمين، وقد يفتح الله عليك بفضله أكثر من بابٍ فلا تحتَقِرنَّ عمل غيرك، نتناصح ونتعاهد بعضنا على الخير، وليس شرطًا أن نكون جميعا على وتيرة واحدة؛ فالإيمان درجات والجنة درجات وأبوابها ثمانية، قد تستطيع أن تدخل من باب واحد منها أو تدخل من أبوابها الثمانية، لكن المهم أن تدخلها.

كم أسأت للإسلام بجمود فكرك، وقصرك لأحكام الإسلام على رأي شيخك، وإجبار الناس على الأخذ بمذهبك، فقد يكون لما تراه أنت معصيةً عذر شرعي أو مذهب فقهي؛ فاستمع من أخيك عذره وتقبل، واقبل الخلاف، فما كان الخلاف إلا رحمة، وهناك فرق شاسع بين فِعل ما صرَّح الشرع وأجمع العلماء على أنه معصية، وبين إتيان أمور مختلف فيها فقهيا كتغطية الوجه وإعفاء اللحية ولبس السواد للمرأه وعملها، وأمور أخرى تندرج تحت باب الخلاف الفقهي.

وتذكر أنه كلما رأيت عاصيًا لله تعالى، فقد يكون بسبب أن هناك من عرف الحق وقصّر في الدعوة إليه، أو دعا إليه بغلظة وشدة حتى نفّر الناس من الحق؛ فإذا رأيت عاصيًا فاستغفر الله تعالى، فلعل معصيته متعلقة بتقصيرك أو بأسلوبك !!

وإذا رأيت من أخيك توبة بعد فجور، فلا تعيره بما كان، ولا تكن للشيطان عونًا عليه، واعلم أن التوبة تجُبُّ ما قبلها، ولعل الله قبل توبته وأبدل سيئاته حسنات فقبله ورفع درجته، فلماذا تذكره بما فات؟

هبة حلمي الجابري

هبة حلمي الجابري

خريجة معهد إعداد الدعاة التابع لوزارة الأوقاف بجمهورية مصر العربية

  • 14
  • 0
  • 13,528

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً