أحببت فتاة.. وأفقت على صدمة!

منذ 2016-12-21
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا رجل في نهاية الخمسينيات مِن عمري، متزوج ولديَّ أولاد، التحقتْ فتاة بمقر عملي؛ هادئة، محدودة العلاقات، محدودة الكلام، لا أعرف عنها شيئًا، في البداية لم ألفتْ نظري إليها، فهي ليستْ جذابة.

رأيتها مرة أمامي عن قُرب، فلاحظتُ جمالها وملامح وجهها، فجذبتني.. وكانت تبتسم إذا لاحظت أني أنظر إليها.

كنت أشعر بالقلق إذا تأخرتْ عن العمل، وإذا غابتْ أحزن اليوم بأكمله، أصبحتْ صورتُها لا تبرح مخيلتي، وصرتُ انطوائيًّا، أذهب إلى أماكنَ مُقفرةٍ موحشة لأفكر فيها، وأستحضر صورتها لأناجيها.

طلبْتُ منها يومًا رقم هاتفها، فلم تمانعْ، وعندما اتصلتُ بها لم تَرُدّ، فقلت: ربما تحْذر من الرد أمام أهلها، فأرسلتُ لها رسالةً، فكان ردها: لا تتصل إلا فيما يخص العمل!

صدَمَتْني صدمةً قويةً مدمرةً، هزَّتْ كل كياني، فقد كنتُ طوال هذه المدة أعيش في وهْمٍ كبيرٍ، فإذا كان الأمر كذلك فلماذا كل هذا الود واللطف؟

تراجعتُ، بل هويتُ إلى الأرض، أعاني وأكابد الألم والحسرة والندم، أصابني الحزن الدفين، ولازمني الأرق والقلق منذ ذلك اليوم، وقلَّتْ ساعات نومي ليلًا، أستيقظ في ساعات الليل المتأخرة أفكر وأدعو الله أن يشفيني من هذا الداء الفتاك، ولكن ما زال الحال كما هو!

ذهبت إلى الصيدليات لآخذ أي دواء للأرق، ولكن رُفِضَ طلبي وفقًا للقانون، فقدتُ رغبتي في الذهاب للعمل؛ حتى لا أراها أمامي كل يوم، فقدتُ تركيزي في العمل، وصرتُ أرتكب أخطاء لا مبرر لها!

استشرتُ طبيبًا نفسيًّا لكنه أخبرني أن العلاج سيستغرق وقتًا طويلاً، وإجراءات أطول؛ إضافةً لكلفته المالية الباهظة، فماذا أفعل؟ وهل ما حدث لي أمر طبيعي، وأنا في هذا العمر؟ أو هذه حالةٌ مرضيةٌ تستحق العلاج؟ وهل يمكنني أن أعالج نفسي؟ وهل أنا في حاجة لطبيب نفسي؟

أرجو أن تساعدوني للوصول إلى حل، فأنا في تَعَبٍ وأَرَقٍ دائم.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:
فمما لا شك فيه أنَّ ما وصلْتَ إليه هو وضعٌ طبيعي للتساهُل في اختلاط الرجل بالمرأة الأجنبية، مع عدم الالتزام بالضوابط الشرعية؛ فإطلاقُ البصر والخلوةُ والتساهلُ في الكلام بودٍّ يُزينه الشيطان، والذي يظْهَرُ أن تلك المرأة تعامَلَتْ معك بتساهُلٍ تحت مسمى احترام زمالة العمل، وحُسن الخلق، وغير هذا، وأنت لقلة خبرتك بهذا الباب ظننتَ مِن تساهُلها معك ومبادَلة النظرات أنها تُبادلك الإعجاب، بل والحب، وليس الأمر كذلك، وإنما هو زمالةٌ - ومع الأسف - بالمعنى الغربي! ولذلك أنت تعلَّقْتَ بها، بخلافِها هي، وكلُّ هذا يُؤَدِّي - في الأخير - إلى ما وصلتَ أنت إليه.

وصدَق الشاعر حين قال:

وَكُنْتَ مَتَى أَرْسَلْتَ طَرْفَكَ رَائِدًا      لِقَلْبِكَ يَوْمًا أَتْعَبَتْكَ المَنَـــــــــاظِرُ

رَأَيْتَ الَّذِي لاَ كُلُّهُ أَنْتَ قَـــــــادِرٌ      عَلَيْهِ وَلاَ عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَـابِرُ


فالنظرةُ تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرَّمِيَّة، فإن لم تقتله جرحتْهُ، وهي بمنزلة الشرارة مِن النار تُرمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقْه كله أحْرَقَتْ بعضه.

كما قيل:

كُلُّ الحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَــــرِ      وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغَرِ الشَّرَرِ

كَمْ نَظْرَةٍ فَتَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِـهَا      فَتْكَ السِّهَامِ بِلاَ قَوْسٍ وَلاَ وَتَـــــــرِ!

وَالمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُــــــــهَا      فِي أَعْيُنِ الغِيدِ مَوْقُوفٌ عَلَى الخَطَرِ

يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَـــــــــــهُ      لاَ مَرْحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّـــــــرَرِ

 

وما أحسن ما قال المتنبي:

وَأَنَا الَّذِي اجْتَلَبَ المَنِيَّةَ طَرْفَهُ      فَمَنِ المُطَالَبُ وَالقَتِيلُ القَاتِلُ؟


وقال:

يا نَظرَةً نَفَتِ الرُّقَادَ وَغادَرَتْ      فِي حَدِّ قَلْبِي مَا حَيِيتُ فُلُولاَ

كَانَتْ مِنَ الْكَحْلاءِ سُؤْلِيَ إِنَّمَا      أَجَلِي تَمَثَّلَ فِي فُؤادِيَ سُولاَ


والآن - أيها الأخ الكريم - بعدما شعرتَ بما جنيتَه على نفسك من خطأ مرفوضٍ شرعًا، وتعلق قلبك بامرأةٍ أجنبيةٍ، وهذا نصفُ العلاج، والنصف الآخر ليس في الحُبوب ولا المهدِّئات، وإنما في مُجاهَدة نفسك، والمجاهَدَةُ قد تكون مُرَّةً، ولكن عَواقِبها حَميدةٌ بإذن الله تعالى، وتحتاج إلى صبرٍ، وستجد - بإذن الله تعالى - النهايةَ الحلوة التي يَسْلَمُ بها دينك، وتسلم بها أنت مِن عذابات التعلُّق بهذه المرأة.

وسأُبَيِّن لك بعض الإجراءات التي تكون عونًا لك على الأمر:

  • غض البصر، ومما يُعينك عليه مُراقبة الله تعالى والحياء منه، واستشعار معيته، وأنه يراك، ومُطَّلِعٌ عليك، وكذلك الإكثار مِن فِعْل الطاعات، والابتعاد عن المثيرات؛ كالصور والأفلام والأغاني، والاشتغال بما يملأ الوقت؛ مِن مطالعةٍ، أو أعمالٍ مباحةٍ، وإذا وقعتْ عينك على امرأةٍ فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن ذلك يثير الغريزة، ويُهيج النفس؛ قال الله تبارك وتعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم –: «لا تتبع النظرة النظرة»؛ رواه أبو داود والترمذيُّ.
  • قد جرَّبْتَ ضرر إطلاق النظر؛ فتعرَّفْ - رعاك الله - على بعض فوائد غض البصر، وسأنقُل لك كلامًا نفيسًا لابن القيم في "إغاثة اللهفان مِن مصايد الشيطان" (1/ 47 - 48): "ولهذا كان غضُّ البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر، جليلة القدْر:

إحداها: حلاوة الإيمان ولذته، التي هي أحلى وأطيب وألذُّ مما صرَف بصره عنه، وترَكَه لله تعالى؛ فإنَّ مَن ترك شيئًا لله عوَّضه الله - عز وجل - خيرًا منه، والنفسُ مولعةٌ بحبِّ النظر إلى الصور الجميلة، والعينُ رائدُ القلب، فيبعث رائده لينظر ما هناك، فإذا أخبره بحسن المنظور إليه وجماله تحرَّك اشتياقًا إليه، وكثيرًا ما يَتعبُ ويُتْعِبُ رسوله ورائده...، فإذا كَفَّ الرائدُ عن الكشف والمطالَعة، استراح القلبُ مِن كلفة الطلب والإرادة، فمَن أطلق لحظاته دامتْ حسراتُه؛ فإن النظرَ يُولِّد المحبة، فتبدأ علاقة يتعلق بها القلبُ بالمنظور إليه، ثم تَقوى فتصير صبابةً، ينصبُّ إليه القلب بكلِّيته، ثم تقوى فتصير غرامًا يلزم القلب كلزوم الغريم الذى لا يُفارق غريمه، ثم يقوى فيصير عِشقًا، وهو الحبُّ المفرط، ثم يَقوى فيصير شغفًا، وهو الحبُّ الذى قد وصَل إلى شَغاف القلب وداخله، ثم يقوى فيصير تتيُّمًا، والتتيُّم: التعبُّد، ومنه: تيَّمَهُ الحبُّ إذا عبَّده، وتَيْمُ الله: عبد الله...

وهذا إنما تُبْلَى به القلوبُ الفارغة من حب الله والإخلاص له، فإن القلب لا بد له مِن التعلق بمحبوبٍ، فمن لم يكن الله وحده محبوبه وإلهه ومعبوده، فلا بد أن ينعقدَ قلبُه لغيره؛ قال تعالى عن يوسف الصديق - عليه السلام -: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24].

الفائدة الثانية: في غضِّ البصر نورُ القلب، وصحة الفراسة؛ قال أبو شجاعٍ الكَرْماني: "مَن عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنَه بدوام المراقبة، وكَفَّ نفسه عن الشهوات، وغَضَّ بَصَرَهُ عن المحارم، واعتاد أكل الحلال، لم تُخطئ له فراسةٌ"، وقد ذكر الله سبحانه قصة قوم لوطٍ وما ابتلوا به، ثم قال بعد ذلك: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75]؛ وهم المُتَفَرِّسُون الذين سَلِمُوا من النظر المحرَّم والفاحشة.

الفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته، فيعطيه الله تعالى بقوته سلطانَ النصرة، كما أعطاه بنوره سلطانَ الحجة، فيجمع له بين السلطانين، ويهرب الشيطان منه؛ كما في الأثر: {إنَّ الذى يُخالف هواه يفرق الشيطان من ظله}، ولهذا يوجد في المتبع هواه مِن ذُلِّ النفس وضعفها ومهانتها ما جعله الله لمن عصاه؛ فإنه سبحانه جعل العز لمن أطاعه، والذل لِمَن عصاه؛ قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]، وقال تعالى: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 139]، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا} [فاطر: 10] ". اهـ مختصرًا.

  • اعملْ جاهدًا أن تنقُلَ عملك إلى غير المكان الذي تعمل فيه هذه المرأةُ؛ بحيث لا تراها، فتتذكر ما كان، فإذا لم تستطعْ، فالتزم الحزمَ والجد في معاملتك معها، ولا تُظهر اللين.
  • عليك - أيها الحبيب - بصِدْق اللجوء والاضطرار إلى الله - سبحانه وتعالى - أن يحصنك، وينزعَ مِن قلبك تعلقك بها، والله - عز وجل - إذا علم منك الصدق والإنابة والإخلاص، فإنه لن يتركك؛ فقد نجى الله - عز وجل - يوسف - عليه السلام - بعد أن أحاطت به النسوة؛ فقال سبحانه: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]؛ فعلى قدْر إخلاصك لله وخشيتك وخوفك منه والتجائك إليه بصدقٍ واضطرارٍ على قدْر المعونة.
  • أكثر مِن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، وهمزه، ونفخه، ونفثه، وأكثرْ مِن الأدعية المأثورة: «يا مقلب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك»، «يا مصرف القلوب، صَرِّف قلوبنا على طاعتك»، «اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمَتك، ناصيتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سميتَ به نفسك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علمتَه أحدًا من خلْقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعلَ القرآن ربيع قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزني، وذَهابَ همي»، «اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيءٍ ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك مِن شرِّ نفسي وشر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا، أو أجرّه إلى مسلمٍ».


طهَّر الله قلبك، وألْهَمَك رُشدَك.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 1
  • 3
  • 22,608

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً