أثر وفاة المدين في حلول أقساط الدين

منذ 2013-04-24
السؤال:

توفي والدي وعليه ديون مقسطة لمدة سنتين وترك أموالًا، فهل يلزمنا سداد جميع مبلغ الديون حالًا أم نستمر في تسديدها وفق الأقساط المتفق عليها مع الدائن؟

الإجابة:

إذا مات المسلم وعليه ديون وترك أموالًا فأول عمل يقوم به ورثته هو تجهيزه وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ومن ثمَ تسديد ديونه، وبعد ذلك إنفاذ وصيته إن كان قد أوصى، وبعد ذلك يوزع باقي المال على الورثة, وينبغي أن يعلم أن نَفْسَ المؤمن إذا مات تكون معلقةً بدينه حتى يقضى عنه، كما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نفس المؤمن معلقةٌ بديْنه حتى يُقضى عنه" (رواه أحمد والترمذي وحسنه، وحسنه الإمام النووي، وحسنه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/53).

قال الشيخ الشوكاني معلقًا على هذا الحديث: "فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت والإخبار لهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وهذا مقيدٌ بمن له مالٌ يُقضى منه دينهُ، وأما من لا مالَ له ومات عازمًا على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه" (نيل الأوطار 4/26).

ولا يسقط الدين عن الميت حتى لو مات شهيدًا في سبيل الله، إلا إذا قُضيَ عنه أو سامحه الدائن، فالدين قد يكون سببًا في حبس المؤمن وكذا الشهيد عن الجنة، لما ثبت في الحديث أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر يكفر الله عني خطاياي"؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" نعم"، فلمّا أدبر ناداه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمر به فنودي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كيف قلت"؟ فأعاد عليه قوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم إلا الدَّين كذلك قال جبريل" (رواه مسلم).

وثبت في الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "يُغفر للشهيد كلُ ذنبٍ إلا الدَّين" (رواه مسلم).

قال الإمام النووي: "وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"إلا الدَّين" ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأن الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يُكفرُ حقوق الآدميين، وإنما يُكفرُ حقوق الله تعالى" (شرح صحيح مسلم للنووي 5/28).

وقال التوربشتي: "أراد بالدَّين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين، إذ ليس الدائن أحق بالوعيد والمطالبة منه من الجاني والغاصب والخائن والسارق" (تحفة الأحوذي 5/302). وعن سعد بن الأطول رضي الله عنه: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم وترك عيالًا، قال: "فأردت أن أنفقها على عياله"، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أخاك محبوسٌ بدينه فاذهب فاقضه عنه"، فذهبت فقضيت عنه ثم جئت، قلت يا رسول الله: "قد قضيت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليست لها بينة"، قال: "أعطها فإنها محقة" وفي رواية أخرى:(صادقة)، (رواه أحمد وابن ماجة والبيهقي وصححه العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص 15).

وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: "خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "هاهنا أحدٌ من بني فلان"، فلم يجبه أحدٌ، ثم قال: "هاهنا أحدٌ من بني فلان"، فلم يجبه أحدٌ، ثم قال: "هاهنا أحدٌ من بني فلان"، فقام رجلٌ فقال: "أنا يا رسول الله"، فقال: "ما منعك أن تجيبني في المرتين الأوليين، قال: إني لم أنوه بكم إلا خيرًاً، إن صاحبكم مأسورٌ بدينه"، وفي رواية "إن صاحبكم حُبس على باب الجنة بدينٍ كان عليه، فإن شئتم فافدوه وإن شئتم فأسلموه إلى عذاب الله"، فقال رجلٌ: "عليَّ دينه فقضاه" (رواه أبو داود والنسائي، وصححه العلامة الألباني في صحيح الترغيب 2/354).

وورد في حديث آخر عن محمد بن جحش رضي الله عنه أنه قال: "كنا جلوسًا في موضع الجنائز مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرفع رأسه في السماء ثم وضع راحته على جبهته فقال: "سبحان الله ماذا أنزل الله من التشديد"؟ فسكتنا وفرِقنا، فلما كان الغد سألته: "يا رسول الله ما هذا التشديد الذي نزل؟ قال: "في الدَّين، والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قُتل في سبيل الله ثم أحيي ثم قتل ثم أحيي وعليه دين ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه" (رواه النسائي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وحسنه العلامة الألباني في أحكام الجنائز ص 107).

إذا تقرر هذا فإن ديون الميت الآجلة تحلُّ ويسقط الأجل بموت المدين على الراجح من أقوال أهل العلم، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والظاهرية والحنابلة في رواية، قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: "فأما إن مات وعليه ديون مؤجلة، فهل تحل بالموت؟ فيه روايتان إحداهما:

لا تحل إذا وثـَّق الورثة، وهو قول ابن سيرين وعبيد الله بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد، وقال طاووس وأبو بكر بن محمد بن الزهري، وسعيد بن إبراهيم: "الدينُ إلى أجله، وحكي ذلك عن الحسن".

والرواية الأخرى: أنه يحلُّ بالموت وبه قال الشعبي والنخعي وسوار ومالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، لأنه لا يخلو إما أن يبقى في ذمة الميت أو الورثة أو يتعلق بالمال، لا يجوز بقاؤه في ذمة الميت، لخرابها وتعذر مطالبته بها، ولا ذمة الورثة، لأنهم لم يلتزموها ولا رضيَ صاحبُ الدين بذممهم وهي مختلفة متباينة، ولا يجوز تعليقه على الأعيان وتأجيله، لأنه ضررٌ بالميت وصاحب الدين ولا نفع للورثة فيه، أما الميت فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الميت مرتهنٌ بدينه حتى يُقضى عنه"وأما صاحبه فيتأخر حقه وقد تتلف العين فيسقط حقه، وأما الورثة فإنهم لا ينتفعون بالأعيان ولا يتصرفون فيها، وإن حصلت لهم منفعةٌ فلا يسقط حظ الميت وصاحب الدين لمنفعةٍ لهم (المغني 4/525).

وقال ابن رشد الحفيد: "وجمهور العلماء على أن الديون تحلُّ بالموت"، وقال ابن شهاب: "مضت السُنة بأن دينه قد حلَّ حين مات، وحجتهم أن الله تبارك وتعالى لم يبح التوارث إلا بعد قضاء الدين، فالورثة في ذلك بين أحد أمرين: إما أن لا يريدوا أن يؤخروا حقوقهم في المواريث إلى محل أجل الدين، فيلزم أن يجعل الدين حالًا، وإما أن يرضوا بتأخير ميراثهم حتى تحلَّ الديون، فتكون الديون حينئذ مضمونة في التركة خاصةً، لا في ذممهم" (بداية المجتهد 2/231- 232).

وما ذكره ابن رشد عن ابن شهاب الزهري له تتمة: "مضت السنة بأن دينه قد حلَّ حين مات، ولأنه لا يكون ميراثٌ إلا بعد قضاء الدين" (ذكره مالك في المدونة).

ومن أدلة الجمهور أيضًا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ" (رواه الترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن‏)، فالميت معلقةٌ نفسه بالدَّين، ولذلك قال بعض العلماء: "هذا الحديث مشكلٌ عند أهل العلم في قوله: "نفس المؤمن معلقة بدينه" وفي رواية "مرهونة بدينه".

فقال طائفة من العلماء: "يحبس عن النعيم ويحال بينه وبين النعيم حتى يُقضى دينه، فنفسه لا تتنعم إلا بعد قضاء دينه، لأنه قال:"نفس المؤمن مرهونة" وأصل الرهن: الحبس، كما في قوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } [المدثر:38]، أي: محبوسة.

فلما قال عليه الصلاة والسلام: "نفس المؤمن مرهونة" دلَّ على أنها محبوسةٌ، وهي إما تحبس عن النعيم أو عن الفضل".

ولذلك كره العلماء الدَّين وشددوا فيه لهذا الحديث، فقالوا: "إنه إذا كانت نفسه مرهونة، وماله موجودًا، والورثة لا يستحقون المال إلا بعد الدين، فالذي تطمئن إليه النفس أنه يجب عليهم أن يبادروا بسداد دينه ولو كان دينه مؤجلًا...فلذلك الذي يظهر أن الميت تحل ديونه بالموت، وأنه يجب على ورثته أن يبادروا بسداد ديونه، خاصة مع قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ}، وقوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}، وقوله: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النساء:11- 13].

فهذه الآيات كلها صريحة بأن الدين مقدمٌ على حقوق الورثة، فإذا نظرنا إلى هذا فمعناه: أنه يجب علينا أن نبادر بسداد دين الميت، لأن هذا ماله وقد حلت ديونه، فينبغي أن يبادر بالأصلح والأوفر له، لأنه ليس ثَم مانع شرعي يمنع من هذا.

ونحن نقول: "إن الدين المؤجل ليس من حق صاحب الدين أن يطالب المديون به، لأن الدين إذا كان صاحبه قد أخره عليك إلى نهاية السنة، فإن الرفق بك أن تنتظر إلى نهاية السنة، فمن مات الرفق به أن يعجل، فأصبحت المسألة بالموت عكسية".

ولذلك جعل شرعًا الحق أن تطالب بتأخيره بناءً على الأجل، وإذا ثبت أن الحق أن تطالب بتأخيره بناءً على الأجل لمصلحة المديون فالعكس بالعكس في حال الوفاة.

ومن هنا فإنه يجب على الورثة أن يبادروا بالسداد (شرح زاد المستقنع للشنقيطي 7/408- 409 بتصرف).

ومما يؤيد حلول الأجل بالموت [أن الأجل شرع ترفيهًا للمدين، ولاعتبارات شخصية وأوصاف معينة جعلت الدائن يوافق على تأجيل دينه لثقته في المدين أن يفي بوعده بسداد الدين عند حلول أجله، ولذلك ومن هذه الناحية كان حقًا شخصيًا يسقط بموت المدين، كما أن قوة دليل الجمهور النقلي منها أو العقلي تجعلني أرجح رأيهم هذا، ولكن من ناحية أخرى توجد فيه الشائبة المالية، لأنه في مقابل الأجل تزداد قيمة السلع، وتكون هذه الزيادة في مقابلة الأجل، ولذلك أرى أن يسقط من الزيادة بقدر ما بقي من مدة الأجل، إذا كان هذه الدين ثمنًا لمبيعٍ أُجل ثمنُهُ، سواء أن البيع مرابحةً أو كان بيعًا بالتقسيط أو غيره، لأن العادة في مثل هذه البيوع أن تزاد أثمانها إذا كانت مؤجلةً أو مقسطةً عملا بفتوى المتأخرين من الأحناف، وفي ذلك رفقًا ومصلحةً للدائن وورثة المدين، وليس في ذلك رائحة أو شائبة من الربا (بيع المرابحة والتقسيط ودورها في المعاملات المصرفية في الفقه الإسلامي للكباشي ص21).

وخلاصة الأمر أن الديون المؤجلة والمقسَّطة تحلُّ بموت المدين على الراجح من أقوال الفقهاء، ويلزم الورثة سداد ديون الميت الآجلة ما دام أن الميت قد ترك وفاءً لديونه، ويكون سداد الديون قبل توزيع التركة، حيث إن العلماء متفقون على أن قضاء الدين مقدمٌ على تنفيذ وصايا الميت، وإن كانت الوصية مقدمة على الدين في آية المواريث:{مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}،كما أن الرفق يقتضي إسقاط ما قابل التأجيل من زيادة.

تاريخ الفتوى: الجمعة, 04-فبراير- 2011.

حسام الدين عفانه

دكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى بالسعودية سنة 1985م.

  • 1
  • 0
  • 46,586

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً