من أخطر نتائج الذنوب
ومن بين أخطر نتائج الذنوب في الدنيا أنها تكون سببا في تسلُّط العدو أو تأخُّر النصر وحجبه عمّن ينتظره أو ضياعه بعد نزوله كما حدث -مثلا- يوم أُحد لقوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ ...المزيد
مساعدة
الإبلاغ عن المادة
تعديل تدوينة
حرس الحدود بالعودة إلى أجواء الاحتفال بـ "اليوم الوطني السوري" الذي لم يغب اليهود عنه ...
حرس الحدود
بالعودة إلى أجواء الاحتفال بـ "اليوم الوطني السوري" الذي لم يغب اليهود عنه بالمناسبة، فقد كان من مشاهد يوم التحرير انتشار الحواجز العسكرية اليهودية في عمق الأراضي السورية المحررة، حيث يتبادل جنود "جيش التحرير" النظرات مع جنود الجيش اليهودي، ثم يمرون عبر حواجزهم مرور اللئام، ليكملوا مسيرة التحرير، التي كانت كلمة السر فيها: إسقاط المحور الإيراني، والبقية جاءت تحصيل حاصل أو تحصيل أردوغان! جريا على المثل القائل: "مصائب قوم عند قوم فوائد"، فذهب الأسد وجاء الضبع وبقيت البلاد كما هي تحكمها شريعة الغاب.
• المصدر:
افتتاحية صحيفة النبأ العدد (525)
"ثورة حتى القصر!" ...المزيد
بالعودة إلى أجواء الاحتفال بـ "اليوم الوطني السوري" الذي لم يغب اليهود عنه بالمناسبة، فقد كان من مشاهد يوم التحرير انتشار الحواجز العسكرية اليهودية في عمق الأراضي السورية المحررة، حيث يتبادل جنود "جيش التحرير" النظرات مع جنود الجيش اليهودي، ثم يمرون عبر حواجزهم مرور اللئام، ليكملوا مسيرة التحرير، التي كانت كلمة السر فيها: إسقاط المحور الإيراني، والبقية جاءت تحصيل حاصل أو تحصيل أردوغان! جريا على المثل القائل: "مصائب قوم عند قوم فوائد"، فذهب الأسد وجاء الضبع وبقيت البلاد كما هي تحكمها شريعة الغاب.
• المصدر:
افتتاحية صحيفة النبأ العدد (525)
"ثورة حتى القصر!" ...المزيد
حرس الحدود بالعودة إلى أجواء الاحتفال بـ "اليوم الوطني السوري" الذي لم يغب اليهود عنه ...
حرس الحدود
بالعودة إلى أجواء الاحتفال بـ "اليوم الوطني السوري" الذي لم يغب اليهود عنه بالمناسبة، فقد كان من مشاهد يوم التحرير انتشار الحواجز العسكرية اليهودية في عمق الأراضي السورية المحررة، حيث يتبادل جنود "جيش التحرير" النظرات مع جنود الجيش اليهودي، ثم يمرون عبر حواجزهم مرور اللئام، ليكملوا مسيرة التحرير، التي كانت كلمة السر فيها: إسقاط المحور الإيراني، والبقية جاءت تحصيل حاصل أو تحصيل أردوغان! جريا على المثل القائل: "مصائب قوم عند قوم فوائد"، فذهب الأسد وجاء الضبع وبقيت البلاد كما هي تحكمها شريعة الغاب.
• المصدر:
افتتاحية صحيفة النبأ العدد (525)
"ثورة حتى القصر!" ...المزيد
بالعودة إلى أجواء الاحتفال بـ "اليوم الوطني السوري" الذي لم يغب اليهود عنه بالمناسبة، فقد كان من مشاهد يوم التحرير انتشار الحواجز العسكرية اليهودية في عمق الأراضي السورية المحررة، حيث يتبادل جنود "جيش التحرير" النظرات مع جنود الجيش اليهودي، ثم يمرون عبر حواجزهم مرور اللئام، ليكملوا مسيرة التحرير، التي كانت كلمة السر فيها: إسقاط المحور الإيراني، والبقية جاءت تحصيل حاصل أو تحصيل أردوغان! جريا على المثل القائل: "مصائب قوم عند قوم فوائد"، فذهب الأسد وجاء الضبع وبقيت البلاد كما هي تحكمها شريعة الغاب.
• المصدر:
افتتاحية صحيفة النبأ العدد (525)
"ثورة حتى القصر!" ...المزيد
حوار مع الشيخ أبي الوليد الصحراوي -تقبله الله تعالى- (2) استكمالًا للحوارِ -بجزئه الثّاني ...
حوار مع الشيخ أبي الوليد الصحراوي -تقبله الله تعالى- (2)
استكمالًا للحوارِ -بجزئه الثّاني والأخير- الّذي أجرتهُ صحيفة (النّبأ) مع الشيخ المجاهد أبي الوليد الصّحراوي -تقبّله الله تعالى- في العدد (260) من الصّحيفة.
- منطقة الصحراء الكبرى، رغم أهميتها، فإنّ المعلومات عنها شحيحة، ومعرفة الناس بها قليلة. فهلا تكرّمتم بتعريفها مع بيان حالها، طبيعتها، سكانها، حال حكوماتها، وسر اهتمام الصليبيين الكبير بها؟
تُعدّ منطقة الصحراء الكبرى والساحل كغيرها من مناطق غرب إفريقية التي تضم أعراقا وإثنيات مختلفة، حيث يوجد قبائل الطوارق والعرب في المناطق الشمالية من مالي والنيجر، وتنتشر قبائل الفلان في غرب ووسط وجنوب مالي والنيجر، بالإضافة إلى عرقيات وإثنيات أخرى. وقد التحق عدد من أبناء القبائل العربية والطوارق بالجهاد منذ منتصف العشرية الأولى من هذا القرن، وضمّت "جماعة التوحيد والجهاد" في غرب إفريقية في صفوفها منذ تأسيسها -آنذاك- أولى طلائع المجاهدين من قبائل الفلان، وقد اتّسمت العلاقة بين حكومات المنطقة وهذه العرقيات بالتوتر والمواجهات المسلحة طيلة العقود الماضية، فقد مارست هذه الحكومات المرتدة أنواع الظلم والبطش والقتل والتشريد ضد أفراد هذه القبائل خصوصا، كما حرمتهم من الحقوق التي تمنحها لغيرهم من القوميات الأخرى بغية تفقيرهم وإذلالهم وإخضاعهم لسياساتها.
ولم تكتفِ هذه الحكومات فقط بهذه الممارسات، بل اعتمدت على تقريب عرقيات أخرى لتثبيت عروشها واستغلالها للاستقواء بها ضد خصومها وأعدائها من القبائل المذكورة والتي لا تدين بالولاء لها، وإقحامها في هذه الصراعات وإشعال فتيل حروب عرقية لا تنتهي، لتُدخلها بذلك في دوامة صراع يشغلها عن مطالبة هذه الحكومات بتحقيق ما كانت تُطالب به، لتعرض الحكومات على هذه القبائل والحركات حلولا ظرفية لإيقاف هذه الصراعات تحت إشراف هذه الحكومات ووفق أجنداتها ووسطائها ووفق سياساتها الأمنية، لتستفيد هذه الحكومات بعد ذلك من هذه الهدن والتسويات لعدة سنين، ثم تظهر هذه الصراعات مجددا أكثر حدّة وعنفًا لتستخدم تلك الحكومات نفس الأسلوب ونفس العرقيات في مواجهة خصومها وأعدائها عند كل مواجهة وعند تكرار الأحداث، وهكذا دواليك وإلى يومنا هذا.
وتتربع منطقة الساحل والصحراء الكبرى على مساحة كبيرة تضم ثروات طبيعية هائلة، وهو ما جعل اهتمام الصليبيين بها كبيرًا، حيث عملت الدول الصليبية المسيطِرة على المنطقة -من خلال شركات التنقيب التي تديرها عائلات وشخصيات صليبية- على استغلال تلك الثروات المختلفة ونهبها طيلة عقود من الزمن وإلى يومنا هذا، خاصة مناجم الذهب واليورانيوم والمنغنيز.
فالصليبيون ينظرون إلى هذه المنطقة باهتمام بالغ؛ بسبب الخيرات التي تحويها أراضيها، وبسبب موقعها الاستراتيجي المتميز المجاور لليبيا ونيجيريا والذي يُعزز إمكانية التنسيق بين جنود دولة الخلافة لتكثيف أنشطتهم وتحرُّكهم وتمركزهم في هذا المحور المترابط الممتد من سيناء إلى ليبيا إلى نيجيريا، وإلى مناطق الصحراء الكبرى والساحل.
- ابتُليت منطقة الصحراء الكبرى بالصراعات القبلية المتجددة، ما أهم أسباب تلك الصراعات؟ وما دور الحكومات المرتدة والصليبيين في إشعالها؟ وما تأثير ذلك على الجهاد في المنطقة؟
لقد تركت القوى الصليبية الغازية بعد خروجها من المنطقة، حكومات وأنظمة عميلة تنوب عنها وتؤدي دورها الذي يضمن استمرار مصالحها وسياساتها، ولكي تحافظ هذه الحكومات المرتدة على عروشها، سعت إلى استغلال القبائل والعرقيات المختلفة في خدمة مصالحها عبر إثارة القلاقل والنعرات واستمالة قبائل على حساب أخرى.
حيث قامت التركيبة السياسية لحكومات المنطقة -منذ منحها الاستقلال الصوري- على السماح لقبائل وعرقيات دون أخرى بالسيطرة على العديد من الموارد والأراضي المهمة كامتيازات تحظى بها مقابل ولائها وتبعيتها لهذه الحكومات، مما وفّر لها الحماية وساعدها على التحكم في دواليب الحكم وإدارة شؤون البلاد حقبًا متتالية، وهو ما صبغ الصراعات التقليدية بين هذه القوميات المختلفة بطابع التعقيد والتقلب الدائم تبعًا لتقلّب المصالح والولاءات في المنطقة.
- ففي شمال مالي، واجهت حكومة مالي تمردا مسلحا من قبائل الطوارق وحلفائهم، طالبوا فيه بحكم ذاتي للمنطقة، وقد استخدمت الحكومة المالية أبناء قبائل: (البمبارا، والدوغون، والفلان، والسونغاي) المنحدرة من مناطق الجنوب والوسط، في مواجهة قبائل العرب والطوارق المنحدرين من مناطق الشمال، ليأخذ هذا الصراع منْحًا إثنيًا يزداد دموية بمرور السنين.
ومع كل تمرد جديد للحركات المسلحة، تلجأ الحكومة المالية إلى الاستعانة بقوميات موالية لها لمواجهة التمرد القبلي المسلح عبر إحداث خلاف بين مكوناته لإضعافه، كما حدث في حقبة التسعينيات عندما استقطبت الحكومة مجموعات من الطوارق أنفسهم لضرب تمرد الشمال، حيث تحالفت مجموعات من "طوارق الإيفوغاس" -على رأسهم إياد غالي- مع الجيش المالي ضد التمرد الذي يقوده "الهيجي غامو" زعيم حركة طوارق إمغاد، وبعد فشل هذا التحالف بين الجانبين نتيجة تنكّر الحكومة المالية لوعودها، قررت الحكومة في (باماكو) اختيار "الهيجي غامو" وبعض قبائل العرب للقتال ضد قبائل الإفوغاس!، وهكذا استخدمت حكومة مالي مختلف القوميات والحركات لخدمة مصالحها وحماية عروشها، بالتنسيق مع دول كالجزائر وليبيا ومخابراتها الراعية لهذه الحركات.
- أما في وسط مالي وغربه على الحدود مع موريتانيا، والذي يضم قبائل: (البمبارا، والدوغون، والسونغاي، والفلان) التي استخدمتها الحكومات المالية في مواجهة قبائل الطوارق والعرب المتمردة في الشمال طيلة العقود الماضية، إلا أنها كانت تقرّب بعض هذه العرقيات على حساب العرقيات الأخرى لأسباب سياسية وعرقية ودينية، فقد كانت قبائل (البمبارا) تتمتع بامتيازات عديدة حيث يسيطر أفرادها على مقاليد السلطة وأعلى المراتب في السلّم العسكري والإداري في مختلف القطاعات، وبصورة أقل قبائل (الدوغون) و(السونغاي)، فيما كانت تعاني قبائل (الفلان) الفقيرة من تهميش كبير ومتعمد حيث يمتهن أغلب أفرادها الرعي ويُحرم أبناؤها من تلقي التعليم، وقد كانت محاولات العرقيات التي تمتهن الزراعة ضمّ مزيدٍ من الأراضي إلى ممتلكاتها -بدعم من الحكومة- يؤدي إلى التصادم مع قبائل (الفلان) التي تمتهن الرعي…، فكان هذا طابعا يطبع الصراع التقليدي بين القبائل في تلك المناطق.
ومع التحاق شباب قبائل (الفلان) بالمجاهدين -وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء- وانكباب قبائلهم على النصرة ودعم الجهاد، بقيت العرقيات الأخرى تنافح عن الحكومات المرتدة في مواجهتها للمجاهدين، ليتغير طابع الصراعات التقليدية ويستغلها الطواغيت كواجهة لإخفاء حقيقة الجهاد وأهدافه عن عامّة الناس.
- أما في بوركينافاسو فقد سيطر النصارى على الحكم بتأييد وتحالف من المرتدين، حيث ينقسم السكان فيها إلى مسلمين، ونصارى، ووثنيين، وقد تعرض المسلمون طيلة العقود الماضية إلى التهميش والإقصاء والتفقير رغم الثروات الباطنية التي تزخر بها البلاد، في الوقت الذي كانت فيه أنشطة المنظمات التنصيرية تستهدف أبناء المسلمين من أجل حرفِ عقيدتهم وتنصيرهم وفق مناهج تعليمية ممنهجة يتم نشرها عبر المدارس والمؤسسات التعليمية، والتغلغل في أوساط قرى المسلمين الفقيرة تحت غطاء المساعدات الغذائية وبناء المراكز الطبية، بهدف ضرب وتدمير عقيدة المسلمين، والتغطية على حقيقة الحرب الصليبية ضد الإسلام؛ غير أنّ ظهور أجناد الخلافة -بفضل الله تعالى- على أرض بوركينافاسو في عام 1436هـ، وقيامهم منذ ذلك الوقت باستهداف القوات البوركينية ومهاجمة مقراتهم؛ غيّر كثيرًا من الأحداث والأحوال، فبدأ شباب المسلمين يعي حقيقة الصراع الدائر، وعلى إثر ذلك التحق الكثير منهم بالمجاهدين وتخندقوا في خندقهم، وأمام تزايد الهجمات والخسائر في صفوف الحكومة البوركينية، لجأت هذه الحكومة إلى تجنيد ميليشيات نصرانية وقبائل وعرقيات وثنية وخبالة من المرتدين لمواجهة أجناد الخلافة وأنصارها.
- وفي النيجر سلكت حكوماته نفس الطريق الذي سلكته حكومات المنطقة، بل سخّرت أغلب مطاراتها وأراضيها للصليبيين لمحاربة المجاهدين، واستخدمت نفس أساليب النظام المالي في مواجهة جنود دولة الخلافة بعد عجزه عن صدّ هجماتهم المتكررة ضد قواته المختلفة وقواعدها.
حيث تتوزع القبائل الساكنة في النيجر إلى الطوارق والعرب والفلان في أقصى الشمال، وقبائل الفلان والهوسا في الوسط والشرق، إضافة لقبائل الزرما والطوارق السود وبعض الفلان في الجنوب والغرب.
وكان أبناء قبائل الفلان الموجودين على الحدود بين النيجر ومالي، هُم أولى القبائل التي انضمت إلى المجاهدين في الصحراء والساحل عموما، وكان لهم السبق من بين بني جلدتهم في الإثخان بأعداء الله تعالى من الجيش المالي والحركات الوطنية في أزواد، وجيش النيجر والقوات الصليبية، فكانوا أول مَن أعلنوا بيعتهم لدولة الخلافة عام 1436هـ في هذه المنطقة.
وقد تواطأت لمواجهتهم -مع جيشي النيجر ومالي والجيش الفرنسي الصليبي- حركات تدعمها قبائل وعشائر، مستغلة ما كان يحدث من مواجهات قبلية قديمة قبل ظهور الجهاد في هذه المنطقة بين قبائل الفلان والطوارق الموجودة على الحدود مع مالي، أو قبائل الزرما في النيجر، لإثارة الحمية والنعرات القبلية لتجنيد تلك القبائل لحرب المجاهدين وتصويرها على أنها ثارات وتصفية حسابات بين القبائل، حتى لا يُفهم أن تلك القبائل تقاتل لصالح الحكومات المرتدة وتواليها وتشاركها حربها ضد المجاهدين.
وقد استغل عبّاد الصليب أطماع وأحقاد بعض القبائل في تجنيدها لمحاربة المجاهدين مقابل وعود الصليبيين لهم بتحقيق أطماعهم، وتكفلت الحكومات المحلية بتقديم كافة الدعم لهم، والتكتم كذلك على جرائمهم بحق عوام المسلمين والتي يقترفونها أثناء حملاتهم وحروبهم ضد المجاهدين.
- ما موقف تنظيم القاعدة من هذه الصراعات القبلية والعرقية وما دوره فيها؟
- يحاول التنظيم اليوم الدفع بمختلف مكونات شمال مالي من القبائل والحركات المعارضة والموالية للحكومة المالية إلى الوقوف معه في حربه ضد المجاهدين، فتارة يصف جنود الخلافة -في اجتماعاته مع القبائل- بأنهم "أجانب" جاءوا للإفساد في الأرض وتفريق وحدة القبائل!، وتارة يصف الحرب التي يخوضها بأنها لمنع قبائل الفلان من السيطرة على مناطق الطوارق والعرب رغم أن معظم جنوده من الفلان وليسوا من العرب والطوارق!، لكنه يستخدم خطابا مزدوجا أمام قبائل الطوارق والعرب فيهددهم فيه من خطر زحف قبائل الفلان!، وأمام جنوده من قبائل الفلان يحرضهم على قتال جنود الخلافة بزعم أنهم خوارج!، وهكذا يخطو التنظيم وقائده المرتد "إياد غالي" خطى الحكومة المالية المرتدة متبعًا سياستها في إشعال حروب عرقية لاستخدام هذه القبائل كمطية في خدمة مصالحه وحمايته، تحت شعار الجهاد وقتال الخوارج!!.
- وبسبب البيعات التي توالت على الدولة الإسلامية بعد ترْك العديد من أبناء قبائل الفلان تنظيماتهم وأحزابهم السابقة في غرب ووسط مالي تحديدا، أعلن تنظيم قاعدة الردة حربه ضد أجناد دولة الخلافة، بغية وقف استمرار تلك البيعات المباركة، وإيهام مَن تبقى من أنصاره أن جنود الخلافة هم مَن بدأوهم بالحرب والعدوان، وتسابق قادة التنظيم إلى القبائل يشوّهون أمامهم جنود الخلافة ويخوّفونهم منهم، كما أوقفوا حروبهم مع العديد من القبائل الوثنية في كثير من المناطق ليتفرغوا لقتال المجاهدين والغدر بهم في (نامبالا) على الحدود مع موريتانيا، وفي منطقة (ماسينا) وسط مالي، وفي مناطق المثلث الحدودي، وبذلك أثار المرتد "أمادو كوفا" النعرات القبلية في صراعه مع جنود الخلافة وحاد بقبائل كثيرة -انبرت لنصرة الجهاد ابتداء- عن جادة الصواب وهيّج عاطفة الحميّة في أوساطهم، مستخدما نفس الطريقة النتنة التي اعتمدتها الحكومات الطاغوتية قبله حفاظا على الحكم والرياسة.
- أما في بوركينافاسو، وفي خضم تلك المواجهات المستعرة بين جنود الخلافة وميليشيات النصارى والقبائل الوثنية المدعومة من الجيش البوركيني؛ تطوّع تنظيم قاعدة الردة لخوض حرب متزامنة ضد جنود الخلافة، متجاوزا خلافاته وحروبه مع الميليشيات النصرانية والوثنية، ليزجّ بآلاف من أبناء قبائل الفلان في حرب ضد المجاهدين بحجة أنهم خوارج! فتعقّدت بذلك أحوال المسلمين وحارت أفهامهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ليتبين للكثيرين منهم بعد مضي الوقت ظلم تلك الحرب التي شنها التنظيم المرتد وما جرّته على المسلمين من ويلات على أيدي عبدة الصليب والأوثان، بعد أن كانت الدولة الإسلامية أول من تصدى لرد عادية النصارى والوثنيين عن المسلمين في بوركينافاسو، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وما دور المجاهدين في التصدي لهذه الصراعات، وكيف هي علاقة المجاهدين بأبناء المنطقة في ظل هذه الصراعات المعقدة؟
الحقيقة أنّ المجاهدين نجحوا -بفضل الله تعالى- في منع اندلاع كثير من الصراعات الجاهلية القائمة على أساس قبلي وعرقي، رغم قيام الطواغيت ومن تولاهم من القوميات والعرقيات بتزييف الحقائق، ومحاولة إظهار جهاد المجاهدين ومعاركهم على أنها معارك وثارات قبلية.
ورغم التنوع العرقي والإثني في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، واختلاف الشعوب والأقوام المشكِّلة لهذا النسق، وتعدُّد لهجاتها ولغاتها، إلا أن المجاهدين وخاصة المهاجرين استطاعوا -بفضل الله تعالى- التأقلم مع هذه الأحوال رغم قساوة الظروف المحيطة بهم، والتواصل مع العديد من هذه الأقوام والشعوب في النيجر ومالي وبوركينافاسو، لتبيين الغاية لهم من قتال المجاهدين لهذه الحكومات المرتدة وحلفائهم من الصليبيين، ودعوة تلك الشعوب إلى عدم الانخداع بدعايات أعداء الدين التي تهدف إلى إبعادهم عن دينهم وعن إخوانهم المجاهدين.
وعموما، فإن المجاهدين تربطهم علاقات جيدة مع العديد من أبناء القبائل ممن لا تربطهم علاقات بالأحزاب والحركات المرتدة، ولا برؤسائها وكبرائها، حيث تُعد تلك الحركات والجبهات السبب الرئيس في تضليل القبائل المرتبطة بهم، لتبقى هذه القبائل حزامهم الأمني وخزانهم البشري الذي يعتمدون عليه في تحقيق مصالحهم واستخدامها كورقات ضغط أمام أنظمة الصليبيين.
- يجري حديث عن مفاوضات بين حكومة مالي المرتدة وتنظيم القاعدة في شمال مالي. كيف بدأ الأمر؟ وما مدى جدية الحكومة المرتدة في الحوار؟ وما مدى تقبّل القاعدة وحلفائها للأمر؟ وما توقعاتكم بخصوص سير هذه المفاوضات؟
- منذ تراجع الجيش المالي وفقدانه السيطرة على مناطق شمال مالي، كانت "حركة أنصار الدين" بقيادة المرتد "إياد غالي" بمثابة الواجهة السياسية لتنظيم القاعدة، والتي تمثله في المشهد السياسي في أزواد، حيث قامت الحركة بجولات عديدة في عدد من عواصم الدول المجاورة لمالي، أعلنت من خلالها تمسّكها بوحدة أراضي مالي، وشرحت فيها آفاق سياساتها المستقبلية، ومواقفها من القضايا التي تُقلق هذه الدول وخاصة علاقتها بالجماعات "الجهادية"، وأبدت استعدادها للانخراط في المفاوضات المباشرة مع الحكومة المالية ضمن وفد موحَّد يضم كل الحركات المسلحة في أزواد، وكانت هذه الجولات تجري بعلم ومباركة تنظيم القاعدة.
وهي واحدة من مسارات التفاهمات التي جرت مع عدد من الحكومات الأخرى، فقد كانت "حركة أنصار الدين" تعهدت أمام تكتّل الحركات المسلحة والأعيان والشخصيات القبلية النافذة في الشمال، بثني تنظيم القاعدة عن استهداف الجزائر، وفي هذا السياق حاول تنظيم القاعدة التفاوض عام 1433هـ مع شركة (آريفا) الفرنسية شمال النيجر، للحصول على مبالغ مالية سنوية يتلقاها التنظيم مقابل استفادة الشركة من إنشاء طرق تصدير باتجاه الجزائر (لتصدير اليورانيوم)، وتعهُّد التنظيم بعدم استهداف مصالحها، وهو اتفاق لم يتم بسبب الخلافات بين أمراء التنظيم آنذاك، كما كانت المفاوضات مع الحكومة الموريتانية المرتدة جارية على قدم وساق، عبر سجناء تابعين للتنظيم في سجون موريتانيا وعبر شخصيات مقرّبة من النظام الموريتاني، للوصول إلى اتفاق يوقف التنظيم بموجبه استهداف مصالح موريتانيا، مقابل تلقيه أموالا من الحكومة الموريتانية! وهو ما يفسّر توقف عمليات التنظيم على الأراضي الموريتانية منذ عام 1433هـ وإلى اليوم.
- أما في بوركينافاسو، فقد أصدر التنظيم توجيهات لأتباعه بعدم الدخول في حرب مع القبائل الوثنية والنصرانية هناك، وقد تلقى التنظيم عروضا من قبل حكومة بوركينافاسو عبر وساطة من بعض قادة الحركات المسلحة في شمال مالي، للوصول إلى تسوية يتلقى من خلالها التنظيم أموالا من الحكومة البوركينية مقابل عدم استهدافه لمصالحها وقواتها وللشركات الصليبية العاملة هناك، غير أن وجود أجناد الخلافة وتزايد عملياتهم، أفشل -بفضل الله تعالى- الكثير من مشاريع التفاهمات والتسويات التي كان التنظيم يعتزم إبرامها.
وتمهيدا للحملة الصليبية التي انطلقت عام 1438هـ، عقد الصليبيون اتفاقا مع الحركات الموالية للحكومة المالية من أجل إشراكها في الحملة الصليبية ضد جنود الخلافة، لكن المعارك التي اندلعت أضعفت بشكل كبير تلك الحركات المرتدة بعد انفضاض عدد كبير من أتباعها عنها؛ نتيجة الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها في المنطقة الحدودية بين مالي وبوركينافاسو والنيجر، وفشل التحالف الصليبي في تحقيق أهدافه المعلنة، وهو ما جعل الجيش المالي في مرمى نيران المجاهدين في هذا المثلث الحدودي، وكبده خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، فسارع بالانسحاب من تمركزاته في عدة مناطق، وهو ما فاقم الأوضاع الأمنية المتأزمة في الأساس، وأظهر قصور وضعف حكومة الطاغوت "كيتا" وزاد من حدة الانتقادات الموجهة لها، لترتفع الأصوات المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية وإنهاء الأزمة السياسية والأمنية التي تتخبط فيها مالي منذ سنوات، وذلك بإجراء "حوار وطني شامل" لحل المشاكل العالقة، وفتح الباب أمام إمكانية التفاوض مع القاعدة! فجرت لقاءات جمعت بين بعض الشخصيات ذات التوجه الإخواني السروري في مالي، وعلى رأسها المرتد "محمود ديكو" الرئيس السابق لما يسمى "المجلس الأعلى الإسلامي" في مالي، مع أمراء تنظيم القاعدة قبل حدوث الانقلاب العسكري الأخير الذي أطاح بحكومة "كيتا".
وبعد الانقلاب العسكري، سارع منفّذوه إلى التصريح بالتزامهم بالاتفاقيات العسكرية المبرمة مع القوات الفرنسية، وفي نفس الوقت استعدادهم لقبول التحاور والتفاوض مع تنظيم القاعدة في محاولة لطمأنة الأصوات المنادية بذلك.
ورغم أن تنظيم الردة قد أعلن مرات عديدة -عبر بياناته الرسمية- قبوله المبدئي بالدخول في هذه المفاوضات وفق شروط حددها سابقا، وما سبق ذلك من جولات ولقاءات جمعت أمراءه بشخصيات وسيطة في هذا الموضوع؛ إلا أن المعطيات الميدانية جعلت الشروط التي قدمها التنظيم مبالغا فيها، فالتنظيم المهترئ لم يحقق نصرا عسكريا ملحوظا على قوات (برخان) الفرنسية، ولم يقم بإخراج القوات المالية من مناطق ذات أهمية، ولم يسيطر على أي من المدن، بل تزامنت خرجاته الإعلامية حول مفاوضاته الموعودة مع حكومة مالي المرتدة، مع تحضيراته لشنّ حرب شاملة ضد أجناد الخلافة عام 1441هـ في غرب مالي ووسطها، وعلى الحدود مع بوركينافاسو وفي جميع أراضيها، كجزء من خططه الرامية إلى تفرده في الساحة، وإزاحة أجناد الخلافة لإقناع القوى الأخرى بقدرته على تحقيق نتائج وإحداث تغيرات على مجرى الأحداث في أي وقت وفي أي فترة، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن التنظيم المرتد، فتكبّد خسائر بشرية ومادية كبيرة، و طُرد -بفضل الله تعالى- من عدة مناطق في بوركينافاسو ومالي على يد أجناد دولة الخلافة، وطال أمد الحرب التي ما تزال فصولها لم تنته بعد، ليدخل التنظيم دوامة صراع زاد من تعقيد الأمور أمامه.
كما أن الموقف الرسمي لفرنسا الصليبية لم يتفق مع موقف الانقلابيين العسكريين الصريح القابل مبدئيا التفاوض مع تنظيم القاعدة، حيث ترفض فرنسا في الوقت الراهن بشكل علني هذا التوجه، وقد شنت في الآونة الأخيرة غارات جوية استهدفت مناطق وجود القاعدة على الحدود بين مالي وبوركينافاسو، ويُفسر هذا التوجه العسكري الفرنسي -ربما- كأسلوب من أساليب الضغط التي ينتهجونها ضد هذا النوع من التنظيمات؛ لتعزيز مواقف الحكومات المرتدة أمامها في المفاوضات، ولإجبارها على التنازل عن كثير من مطالبها وعدم رفع سقف تلك المطالب، ومن ثم تقديم أدلة وبراهين على التزامها بالتحول الجذري -في توجهاتها العقدية والعسكرية والتنظيمية- المحدد من قبل الصليبيين وحلفائهم في المنطقة، وذلك قبل المضي قدما في إدماجها في مسارات التسوية، حيث ترى هذه القوى أن الجماعات ذات التوجه "المحلي" يمكن احتواؤها إذا تم فصل العناصر "الأجنبية" عنها وتخليها عنهم.
ورغم كون الحركات المسلحة في عموم شمال مالي تدعم وتؤيد تنظيم القاعدة في حربه ضد أجناد الخلافة، وتؤيد فتح باب التفاوض بين قاعدة الردة وحكومة مالي المرتدة، وعناصر القاعدة -أيضًا- يؤيدون تنظيمهم في المسعى ذاته!، إلا أن المعطيات العسكرية في الميدان تبقى تتحكم فيمن يُقدم التنازلات أكثر، ويبدو أن ذلك سيأخذ وقتا من الشد والجذب قبل أن يبرز إلى العلن بشكله النهائي وفق المقاربات الأمنية للحكومة الجزائرية التي تعول عليها فرنسا وأنظمة المنطقة؛ للعب الدور المهم والراعي لهذا التحول الذي سيسلكه تنظيم القاعدة بشكل جلي، كون الجزائر ستكون حاضنة المشروع والراعية له ضمانا لمصالحها "الجيو سياسية" تماما، كما لعبت بعض دول الخليج نفس الدور في رعاية مشروع المفاوضات مع طالبان الردّة.
- ما رسالتكم إلى المسلمين في منطقة الصحراء الكبرى والساحل وما جاورها عامة، وإلى أجناد الدّولة الإسلاميّة في ولاية غرب إفريقية خاصة؟
لقد حمل المجاهدون سلاحهم في سبيل الله للدفاع عن المسلمين وعن دينهم أمام ظلم أعداء الدين، والذين ما فتئوا يسعون لتضليل المسلمين وحرفهم عن عقيدتهم، فنقول: لا تلتفتوا إلى ما يروّجه المرتدون وأسيادهم من كذب وافتراء على إخوانكم المجاهدين في أجناد الخلافة، لتخويفكم وإبعادكم عن نصرة الحق وأهله، فجنود الخلافة لا يقاتلون إلا مَن حادّ الله ورسوله -صلّى الله عليه وسلّم- وحارب الإسلام والمسلمين.
أما أنتم يا أجناد الدولة الإسلامية، فنوصيكم بالصبر والثبات، والسمع والطاعة لأمرائكم والاعتصام بالوحدة، فأنتم والله على الحقّ -نحسبكم والله حسيبكم-، فذبّوا عن دولتكم واثأروا لدماء إخوانكم.
- وما رسالتكم إلى أفراد الطوائف المرتدّة في منطقة الصحراء الكبرى والساحل، سواء المنضمون إلى الحكومات المرتدّة وأحزابها، أو المنضمون إلى تنظيم "القاعدة" المرتد والجماعات المرتبطة به؟
نقول لهم: توبوا إلى ربكم وعودوا إلى دينكم، فقد حاربتم هذا الدين وأهله سنين طويلة إرضاء لأهوائكم وأسيادكم الصليبيين الحاقدين، ومازال سوق الجهاد قائما بفضل الله تعالى لم يوقفه مكركم، ولم ولن توقفه جحافل جيوش أسيادكم الصليبيين، فتوبوا قبل أن نقدر عليكم فتطير رؤوسكم بأسيافنا، فلقد أعددنا لكم أجيالا تحبُّ الموت في سبيل الله تعالى كما تحبون أنتم الحياة، وإنّ غدا لناظره لقريب.
وأما رسالتنا إلى جنود قاعدة الردة فنقول لهم: لقد مضت الشهور على بدء غدرتكم ولم تحققوا ما كنتم تصبون إليه، وكشف الله خبيئتكم، وبان عوار منهجكم وضلال أمرائكم، وانحراف تنظيمكم، فماذا تنتظرون؟! عودوا إلى ربكم ودينكم قبل أن تلقوا هلاككم فتخسروا دينكم ودنياكم وآخرتكم، وإن توبتكم وهدايتكم أحبّ إلينا من قتالكم.
هذا وصلّ اللهم وسلم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله ربّ العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 308
الخميس 7 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
استكمالًا للحوارِ -بجزئه الثّاني والأخير- الّذي أجرتهُ صحيفة (النّبأ) مع الشيخ المجاهد أبي الوليد الصّحراوي -تقبّله الله تعالى- في العدد (260) من الصّحيفة.
- منطقة الصحراء الكبرى، رغم أهميتها، فإنّ المعلومات عنها شحيحة، ومعرفة الناس بها قليلة. فهلا تكرّمتم بتعريفها مع بيان حالها، طبيعتها، سكانها، حال حكوماتها، وسر اهتمام الصليبيين الكبير بها؟
تُعدّ منطقة الصحراء الكبرى والساحل كغيرها من مناطق غرب إفريقية التي تضم أعراقا وإثنيات مختلفة، حيث يوجد قبائل الطوارق والعرب في المناطق الشمالية من مالي والنيجر، وتنتشر قبائل الفلان في غرب ووسط وجنوب مالي والنيجر، بالإضافة إلى عرقيات وإثنيات أخرى. وقد التحق عدد من أبناء القبائل العربية والطوارق بالجهاد منذ منتصف العشرية الأولى من هذا القرن، وضمّت "جماعة التوحيد والجهاد" في غرب إفريقية في صفوفها منذ تأسيسها -آنذاك- أولى طلائع المجاهدين من قبائل الفلان، وقد اتّسمت العلاقة بين حكومات المنطقة وهذه العرقيات بالتوتر والمواجهات المسلحة طيلة العقود الماضية، فقد مارست هذه الحكومات المرتدة أنواع الظلم والبطش والقتل والتشريد ضد أفراد هذه القبائل خصوصا، كما حرمتهم من الحقوق التي تمنحها لغيرهم من القوميات الأخرى بغية تفقيرهم وإذلالهم وإخضاعهم لسياساتها.
ولم تكتفِ هذه الحكومات فقط بهذه الممارسات، بل اعتمدت على تقريب عرقيات أخرى لتثبيت عروشها واستغلالها للاستقواء بها ضد خصومها وأعدائها من القبائل المذكورة والتي لا تدين بالولاء لها، وإقحامها في هذه الصراعات وإشعال فتيل حروب عرقية لا تنتهي، لتُدخلها بذلك في دوامة صراع يشغلها عن مطالبة هذه الحكومات بتحقيق ما كانت تُطالب به، لتعرض الحكومات على هذه القبائل والحركات حلولا ظرفية لإيقاف هذه الصراعات تحت إشراف هذه الحكومات ووفق أجنداتها ووسطائها ووفق سياساتها الأمنية، لتستفيد هذه الحكومات بعد ذلك من هذه الهدن والتسويات لعدة سنين، ثم تظهر هذه الصراعات مجددا أكثر حدّة وعنفًا لتستخدم تلك الحكومات نفس الأسلوب ونفس العرقيات في مواجهة خصومها وأعدائها عند كل مواجهة وعند تكرار الأحداث، وهكذا دواليك وإلى يومنا هذا.
وتتربع منطقة الساحل والصحراء الكبرى على مساحة كبيرة تضم ثروات طبيعية هائلة، وهو ما جعل اهتمام الصليبيين بها كبيرًا، حيث عملت الدول الصليبية المسيطِرة على المنطقة -من خلال شركات التنقيب التي تديرها عائلات وشخصيات صليبية- على استغلال تلك الثروات المختلفة ونهبها طيلة عقود من الزمن وإلى يومنا هذا، خاصة مناجم الذهب واليورانيوم والمنغنيز.
فالصليبيون ينظرون إلى هذه المنطقة باهتمام بالغ؛ بسبب الخيرات التي تحويها أراضيها، وبسبب موقعها الاستراتيجي المتميز المجاور لليبيا ونيجيريا والذي يُعزز إمكانية التنسيق بين جنود دولة الخلافة لتكثيف أنشطتهم وتحرُّكهم وتمركزهم في هذا المحور المترابط الممتد من سيناء إلى ليبيا إلى نيجيريا، وإلى مناطق الصحراء الكبرى والساحل.
- ابتُليت منطقة الصحراء الكبرى بالصراعات القبلية المتجددة، ما أهم أسباب تلك الصراعات؟ وما دور الحكومات المرتدة والصليبيين في إشعالها؟ وما تأثير ذلك على الجهاد في المنطقة؟
لقد تركت القوى الصليبية الغازية بعد خروجها من المنطقة، حكومات وأنظمة عميلة تنوب عنها وتؤدي دورها الذي يضمن استمرار مصالحها وسياساتها، ولكي تحافظ هذه الحكومات المرتدة على عروشها، سعت إلى استغلال القبائل والعرقيات المختلفة في خدمة مصالحها عبر إثارة القلاقل والنعرات واستمالة قبائل على حساب أخرى.
حيث قامت التركيبة السياسية لحكومات المنطقة -منذ منحها الاستقلال الصوري- على السماح لقبائل وعرقيات دون أخرى بالسيطرة على العديد من الموارد والأراضي المهمة كامتيازات تحظى بها مقابل ولائها وتبعيتها لهذه الحكومات، مما وفّر لها الحماية وساعدها على التحكم في دواليب الحكم وإدارة شؤون البلاد حقبًا متتالية، وهو ما صبغ الصراعات التقليدية بين هذه القوميات المختلفة بطابع التعقيد والتقلب الدائم تبعًا لتقلّب المصالح والولاءات في المنطقة.
- ففي شمال مالي، واجهت حكومة مالي تمردا مسلحا من قبائل الطوارق وحلفائهم، طالبوا فيه بحكم ذاتي للمنطقة، وقد استخدمت الحكومة المالية أبناء قبائل: (البمبارا، والدوغون، والفلان، والسونغاي) المنحدرة من مناطق الجنوب والوسط، في مواجهة قبائل العرب والطوارق المنحدرين من مناطق الشمال، ليأخذ هذا الصراع منْحًا إثنيًا يزداد دموية بمرور السنين.
ومع كل تمرد جديد للحركات المسلحة، تلجأ الحكومة المالية إلى الاستعانة بقوميات موالية لها لمواجهة التمرد القبلي المسلح عبر إحداث خلاف بين مكوناته لإضعافه، كما حدث في حقبة التسعينيات عندما استقطبت الحكومة مجموعات من الطوارق أنفسهم لضرب تمرد الشمال، حيث تحالفت مجموعات من "طوارق الإيفوغاس" -على رأسهم إياد غالي- مع الجيش المالي ضد التمرد الذي يقوده "الهيجي غامو" زعيم حركة طوارق إمغاد، وبعد فشل هذا التحالف بين الجانبين نتيجة تنكّر الحكومة المالية لوعودها، قررت الحكومة في (باماكو) اختيار "الهيجي غامو" وبعض قبائل العرب للقتال ضد قبائل الإفوغاس!، وهكذا استخدمت حكومة مالي مختلف القوميات والحركات لخدمة مصالحها وحماية عروشها، بالتنسيق مع دول كالجزائر وليبيا ومخابراتها الراعية لهذه الحركات.
- أما في وسط مالي وغربه على الحدود مع موريتانيا، والذي يضم قبائل: (البمبارا، والدوغون، والسونغاي، والفلان) التي استخدمتها الحكومات المالية في مواجهة قبائل الطوارق والعرب المتمردة في الشمال طيلة العقود الماضية، إلا أنها كانت تقرّب بعض هذه العرقيات على حساب العرقيات الأخرى لأسباب سياسية وعرقية ودينية، فقد كانت قبائل (البمبارا) تتمتع بامتيازات عديدة حيث يسيطر أفرادها على مقاليد السلطة وأعلى المراتب في السلّم العسكري والإداري في مختلف القطاعات، وبصورة أقل قبائل (الدوغون) و(السونغاي)، فيما كانت تعاني قبائل (الفلان) الفقيرة من تهميش كبير ومتعمد حيث يمتهن أغلب أفرادها الرعي ويُحرم أبناؤها من تلقي التعليم، وقد كانت محاولات العرقيات التي تمتهن الزراعة ضمّ مزيدٍ من الأراضي إلى ممتلكاتها -بدعم من الحكومة- يؤدي إلى التصادم مع قبائل (الفلان) التي تمتهن الرعي…، فكان هذا طابعا يطبع الصراع التقليدي بين القبائل في تلك المناطق.
ومع التحاق شباب قبائل (الفلان) بالمجاهدين -وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء- وانكباب قبائلهم على النصرة ودعم الجهاد، بقيت العرقيات الأخرى تنافح عن الحكومات المرتدة في مواجهتها للمجاهدين، ليتغير طابع الصراعات التقليدية ويستغلها الطواغيت كواجهة لإخفاء حقيقة الجهاد وأهدافه عن عامّة الناس.
- أما في بوركينافاسو فقد سيطر النصارى على الحكم بتأييد وتحالف من المرتدين، حيث ينقسم السكان فيها إلى مسلمين، ونصارى، ووثنيين، وقد تعرض المسلمون طيلة العقود الماضية إلى التهميش والإقصاء والتفقير رغم الثروات الباطنية التي تزخر بها البلاد، في الوقت الذي كانت فيه أنشطة المنظمات التنصيرية تستهدف أبناء المسلمين من أجل حرفِ عقيدتهم وتنصيرهم وفق مناهج تعليمية ممنهجة يتم نشرها عبر المدارس والمؤسسات التعليمية، والتغلغل في أوساط قرى المسلمين الفقيرة تحت غطاء المساعدات الغذائية وبناء المراكز الطبية، بهدف ضرب وتدمير عقيدة المسلمين، والتغطية على حقيقة الحرب الصليبية ضد الإسلام؛ غير أنّ ظهور أجناد الخلافة -بفضل الله تعالى- على أرض بوركينافاسو في عام 1436هـ، وقيامهم منذ ذلك الوقت باستهداف القوات البوركينية ومهاجمة مقراتهم؛ غيّر كثيرًا من الأحداث والأحوال، فبدأ شباب المسلمين يعي حقيقة الصراع الدائر، وعلى إثر ذلك التحق الكثير منهم بالمجاهدين وتخندقوا في خندقهم، وأمام تزايد الهجمات والخسائر في صفوف الحكومة البوركينية، لجأت هذه الحكومة إلى تجنيد ميليشيات نصرانية وقبائل وعرقيات وثنية وخبالة من المرتدين لمواجهة أجناد الخلافة وأنصارها.
- وفي النيجر سلكت حكوماته نفس الطريق الذي سلكته حكومات المنطقة، بل سخّرت أغلب مطاراتها وأراضيها للصليبيين لمحاربة المجاهدين، واستخدمت نفس أساليب النظام المالي في مواجهة جنود دولة الخلافة بعد عجزه عن صدّ هجماتهم المتكررة ضد قواته المختلفة وقواعدها.
حيث تتوزع القبائل الساكنة في النيجر إلى الطوارق والعرب والفلان في أقصى الشمال، وقبائل الفلان والهوسا في الوسط والشرق، إضافة لقبائل الزرما والطوارق السود وبعض الفلان في الجنوب والغرب.
وكان أبناء قبائل الفلان الموجودين على الحدود بين النيجر ومالي، هُم أولى القبائل التي انضمت إلى المجاهدين في الصحراء والساحل عموما، وكان لهم السبق من بين بني جلدتهم في الإثخان بأعداء الله تعالى من الجيش المالي والحركات الوطنية في أزواد، وجيش النيجر والقوات الصليبية، فكانوا أول مَن أعلنوا بيعتهم لدولة الخلافة عام 1436هـ في هذه المنطقة.
وقد تواطأت لمواجهتهم -مع جيشي النيجر ومالي والجيش الفرنسي الصليبي- حركات تدعمها قبائل وعشائر، مستغلة ما كان يحدث من مواجهات قبلية قديمة قبل ظهور الجهاد في هذه المنطقة بين قبائل الفلان والطوارق الموجودة على الحدود مع مالي، أو قبائل الزرما في النيجر، لإثارة الحمية والنعرات القبلية لتجنيد تلك القبائل لحرب المجاهدين وتصويرها على أنها ثارات وتصفية حسابات بين القبائل، حتى لا يُفهم أن تلك القبائل تقاتل لصالح الحكومات المرتدة وتواليها وتشاركها حربها ضد المجاهدين.
وقد استغل عبّاد الصليب أطماع وأحقاد بعض القبائل في تجنيدها لمحاربة المجاهدين مقابل وعود الصليبيين لهم بتحقيق أطماعهم، وتكفلت الحكومات المحلية بتقديم كافة الدعم لهم، والتكتم كذلك على جرائمهم بحق عوام المسلمين والتي يقترفونها أثناء حملاتهم وحروبهم ضد المجاهدين.
- ما موقف تنظيم القاعدة من هذه الصراعات القبلية والعرقية وما دوره فيها؟
- يحاول التنظيم اليوم الدفع بمختلف مكونات شمال مالي من القبائل والحركات المعارضة والموالية للحكومة المالية إلى الوقوف معه في حربه ضد المجاهدين، فتارة يصف جنود الخلافة -في اجتماعاته مع القبائل- بأنهم "أجانب" جاءوا للإفساد في الأرض وتفريق وحدة القبائل!، وتارة يصف الحرب التي يخوضها بأنها لمنع قبائل الفلان من السيطرة على مناطق الطوارق والعرب رغم أن معظم جنوده من الفلان وليسوا من العرب والطوارق!، لكنه يستخدم خطابا مزدوجا أمام قبائل الطوارق والعرب فيهددهم فيه من خطر زحف قبائل الفلان!، وأمام جنوده من قبائل الفلان يحرضهم على قتال جنود الخلافة بزعم أنهم خوارج!، وهكذا يخطو التنظيم وقائده المرتد "إياد غالي" خطى الحكومة المالية المرتدة متبعًا سياستها في إشعال حروب عرقية لاستخدام هذه القبائل كمطية في خدمة مصالحه وحمايته، تحت شعار الجهاد وقتال الخوارج!!.
- وبسبب البيعات التي توالت على الدولة الإسلامية بعد ترْك العديد من أبناء قبائل الفلان تنظيماتهم وأحزابهم السابقة في غرب ووسط مالي تحديدا، أعلن تنظيم قاعدة الردة حربه ضد أجناد دولة الخلافة، بغية وقف استمرار تلك البيعات المباركة، وإيهام مَن تبقى من أنصاره أن جنود الخلافة هم مَن بدأوهم بالحرب والعدوان، وتسابق قادة التنظيم إلى القبائل يشوّهون أمامهم جنود الخلافة ويخوّفونهم منهم، كما أوقفوا حروبهم مع العديد من القبائل الوثنية في كثير من المناطق ليتفرغوا لقتال المجاهدين والغدر بهم في (نامبالا) على الحدود مع موريتانيا، وفي منطقة (ماسينا) وسط مالي، وفي مناطق المثلث الحدودي، وبذلك أثار المرتد "أمادو كوفا" النعرات القبلية في صراعه مع جنود الخلافة وحاد بقبائل كثيرة -انبرت لنصرة الجهاد ابتداء- عن جادة الصواب وهيّج عاطفة الحميّة في أوساطهم، مستخدما نفس الطريقة النتنة التي اعتمدتها الحكومات الطاغوتية قبله حفاظا على الحكم والرياسة.
- أما في بوركينافاسو، وفي خضم تلك المواجهات المستعرة بين جنود الخلافة وميليشيات النصارى والقبائل الوثنية المدعومة من الجيش البوركيني؛ تطوّع تنظيم قاعدة الردة لخوض حرب متزامنة ضد جنود الخلافة، متجاوزا خلافاته وحروبه مع الميليشيات النصرانية والوثنية، ليزجّ بآلاف من أبناء قبائل الفلان في حرب ضد المجاهدين بحجة أنهم خوارج! فتعقّدت بذلك أحوال المسلمين وحارت أفهامهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ليتبين للكثيرين منهم بعد مضي الوقت ظلم تلك الحرب التي شنها التنظيم المرتد وما جرّته على المسلمين من ويلات على أيدي عبدة الصليب والأوثان، بعد أن كانت الدولة الإسلامية أول من تصدى لرد عادية النصارى والوثنيين عن المسلمين في بوركينافاسو، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وما دور المجاهدين في التصدي لهذه الصراعات، وكيف هي علاقة المجاهدين بأبناء المنطقة في ظل هذه الصراعات المعقدة؟
الحقيقة أنّ المجاهدين نجحوا -بفضل الله تعالى- في منع اندلاع كثير من الصراعات الجاهلية القائمة على أساس قبلي وعرقي، رغم قيام الطواغيت ومن تولاهم من القوميات والعرقيات بتزييف الحقائق، ومحاولة إظهار جهاد المجاهدين ومعاركهم على أنها معارك وثارات قبلية.
ورغم التنوع العرقي والإثني في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، واختلاف الشعوب والأقوام المشكِّلة لهذا النسق، وتعدُّد لهجاتها ولغاتها، إلا أن المجاهدين وخاصة المهاجرين استطاعوا -بفضل الله تعالى- التأقلم مع هذه الأحوال رغم قساوة الظروف المحيطة بهم، والتواصل مع العديد من هذه الأقوام والشعوب في النيجر ومالي وبوركينافاسو، لتبيين الغاية لهم من قتال المجاهدين لهذه الحكومات المرتدة وحلفائهم من الصليبيين، ودعوة تلك الشعوب إلى عدم الانخداع بدعايات أعداء الدين التي تهدف إلى إبعادهم عن دينهم وعن إخوانهم المجاهدين.
وعموما، فإن المجاهدين تربطهم علاقات جيدة مع العديد من أبناء القبائل ممن لا تربطهم علاقات بالأحزاب والحركات المرتدة، ولا برؤسائها وكبرائها، حيث تُعد تلك الحركات والجبهات السبب الرئيس في تضليل القبائل المرتبطة بهم، لتبقى هذه القبائل حزامهم الأمني وخزانهم البشري الذي يعتمدون عليه في تحقيق مصالحهم واستخدامها كورقات ضغط أمام أنظمة الصليبيين.
- يجري حديث عن مفاوضات بين حكومة مالي المرتدة وتنظيم القاعدة في شمال مالي. كيف بدأ الأمر؟ وما مدى جدية الحكومة المرتدة في الحوار؟ وما مدى تقبّل القاعدة وحلفائها للأمر؟ وما توقعاتكم بخصوص سير هذه المفاوضات؟
- منذ تراجع الجيش المالي وفقدانه السيطرة على مناطق شمال مالي، كانت "حركة أنصار الدين" بقيادة المرتد "إياد غالي" بمثابة الواجهة السياسية لتنظيم القاعدة، والتي تمثله في المشهد السياسي في أزواد، حيث قامت الحركة بجولات عديدة في عدد من عواصم الدول المجاورة لمالي، أعلنت من خلالها تمسّكها بوحدة أراضي مالي، وشرحت فيها آفاق سياساتها المستقبلية، ومواقفها من القضايا التي تُقلق هذه الدول وخاصة علاقتها بالجماعات "الجهادية"، وأبدت استعدادها للانخراط في المفاوضات المباشرة مع الحكومة المالية ضمن وفد موحَّد يضم كل الحركات المسلحة في أزواد، وكانت هذه الجولات تجري بعلم ومباركة تنظيم القاعدة.
وهي واحدة من مسارات التفاهمات التي جرت مع عدد من الحكومات الأخرى، فقد كانت "حركة أنصار الدين" تعهدت أمام تكتّل الحركات المسلحة والأعيان والشخصيات القبلية النافذة في الشمال، بثني تنظيم القاعدة عن استهداف الجزائر، وفي هذا السياق حاول تنظيم القاعدة التفاوض عام 1433هـ مع شركة (آريفا) الفرنسية شمال النيجر، للحصول على مبالغ مالية سنوية يتلقاها التنظيم مقابل استفادة الشركة من إنشاء طرق تصدير باتجاه الجزائر (لتصدير اليورانيوم)، وتعهُّد التنظيم بعدم استهداف مصالحها، وهو اتفاق لم يتم بسبب الخلافات بين أمراء التنظيم آنذاك، كما كانت المفاوضات مع الحكومة الموريتانية المرتدة جارية على قدم وساق، عبر سجناء تابعين للتنظيم في سجون موريتانيا وعبر شخصيات مقرّبة من النظام الموريتاني، للوصول إلى اتفاق يوقف التنظيم بموجبه استهداف مصالح موريتانيا، مقابل تلقيه أموالا من الحكومة الموريتانية! وهو ما يفسّر توقف عمليات التنظيم على الأراضي الموريتانية منذ عام 1433هـ وإلى اليوم.
- أما في بوركينافاسو، فقد أصدر التنظيم توجيهات لأتباعه بعدم الدخول في حرب مع القبائل الوثنية والنصرانية هناك، وقد تلقى التنظيم عروضا من قبل حكومة بوركينافاسو عبر وساطة من بعض قادة الحركات المسلحة في شمال مالي، للوصول إلى تسوية يتلقى من خلالها التنظيم أموالا من الحكومة البوركينية مقابل عدم استهدافه لمصالحها وقواتها وللشركات الصليبية العاملة هناك، غير أن وجود أجناد الخلافة وتزايد عملياتهم، أفشل -بفضل الله تعالى- الكثير من مشاريع التفاهمات والتسويات التي كان التنظيم يعتزم إبرامها.
وتمهيدا للحملة الصليبية التي انطلقت عام 1438هـ، عقد الصليبيون اتفاقا مع الحركات الموالية للحكومة المالية من أجل إشراكها في الحملة الصليبية ضد جنود الخلافة، لكن المعارك التي اندلعت أضعفت بشكل كبير تلك الحركات المرتدة بعد انفضاض عدد كبير من أتباعها عنها؛ نتيجة الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها في المنطقة الحدودية بين مالي وبوركينافاسو والنيجر، وفشل التحالف الصليبي في تحقيق أهدافه المعلنة، وهو ما جعل الجيش المالي في مرمى نيران المجاهدين في هذا المثلث الحدودي، وكبده خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، فسارع بالانسحاب من تمركزاته في عدة مناطق، وهو ما فاقم الأوضاع الأمنية المتأزمة في الأساس، وأظهر قصور وضعف حكومة الطاغوت "كيتا" وزاد من حدة الانتقادات الموجهة لها، لترتفع الأصوات المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية وإنهاء الأزمة السياسية والأمنية التي تتخبط فيها مالي منذ سنوات، وذلك بإجراء "حوار وطني شامل" لحل المشاكل العالقة، وفتح الباب أمام إمكانية التفاوض مع القاعدة! فجرت لقاءات جمعت بين بعض الشخصيات ذات التوجه الإخواني السروري في مالي، وعلى رأسها المرتد "محمود ديكو" الرئيس السابق لما يسمى "المجلس الأعلى الإسلامي" في مالي، مع أمراء تنظيم القاعدة قبل حدوث الانقلاب العسكري الأخير الذي أطاح بحكومة "كيتا".
وبعد الانقلاب العسكري، سارع منفّذوه إلى التصريح بالتزامهم بالاتفاقيات العسكرية المبرمة مع القوات الفرنسية، وفي نفس الوقت استعدادهم لقبول التحاور والتفاوض مع تنظيم القاعدة في محاولة لطمأنة الأصوات المنادية بذلك.
ورغم أن تنظيم الردة قد أعلن مرات عديدة -عبر بياناته الرسمية- قبوله المبدئي بالدخول في هذه المفاوضات وفق شروط حددها سابقا، وما سبق ذلك من جولات ولقاءات جمعت أمراءه بشخصيات وسيطة في هذا الموضوع؛ إلا أن المعطيات الميدانية جعلت الشروط التي قدمها التنظيم مبالغا فيها، فالتنظيم المهترئ لم يحقق نصرا عسكريا ملحوظا على قوات (برخان) الفرنسية، ولم يقم بإخراج القوات المالية من مناطق ذات أهمية، ولم يسيطر على أي من المدن، بل تزامنت خرجاته الإعلامية حول مفاوضاته الموعودة مع حكومة مالي المرتدة، مع تحضيراته لشنّ حرب شاملة ضد أجناد الخلافة عام 1441هـ في غرب مالي ووسطها، وعلى الحدود مع بوركينافاسو وفي جميع أراضيها، كجزء من خططه الرامية إلى تفرده في الساحة، وإزاحة أجناد الخلافة لإقناع القوى الأخرى بقدرته على تحقيق نتائج وإحداث تغيرات على مجرى الأحداث في أي وقت وفي أي فترة، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن التنظيم المرتد، فتكبّد خسائر بشرية ومادية كبيرة، و طُرد -بفضل الله تعالى- من عدة مناطق في بوركينافاسو ومالي على يد أجناد دولة الخلافة، وطال أمد الحرب التي ما تزال فصولها لم تنته بعد، ليدخل التنظيم دوامة صراع زاد من تعقيد الأمور أمامه.
كما أن الموقف الرسمي لفرنسا الصليبية لم يتفق مع موقف الانقلابيين العسكريين الصريح القابل مبدئيا التفاوض مع تنظيم القاعدة، حيث ترفض فرنسا في الوقت الراهن بشكل علني هذا التوجه، وقد شنت في الآونة الأخيرة غارات جوية استهدفت مناطق وجود القاعدة على الحدود بين مالي وبوركينافاسو، ويُفسر هذا التوجه العسكري الفرنسي -ربما- كأسلوب من أساليب الضغط التي ينتهجونها ضد هذا النوع من التنظيمات؛ لتعزيز مواقف الحكومات المرتدة أمامها في المفاوضات، ولإجبارها على التنازل عن كثير من مطالبها وعدم رفع سقف تلك المطالب، ومن ثم تقديم أدلة وبراهين على التزامها بالتحول الجذري -في توجهاتها العقدية والعسكرية والتنظيمية- المحدد من قبل الصليبيين وحلفائهم في المنطقة، وذلك قبل المضي قدما في إدماجها في مسارات التسوية، حيث ترى هذه القوى أن الجماعات ذات التوجه "المحلي" يمكن احتواؤها إذا تم فصل العناصر "الأجنبية" عنها وتخليها عنهم.
ورغم كون الحركات المسلحة في عموم شمال مالي تدعم وتؤيد تنظيم القاعدة في حربه ضد أجناد الخلافة، وتؤيد فتح باب التفاوض بين قاعدة الردة وحكومة مالي المرتدة، وعناصر القاعدة -أيضًا- يؤيدون تنظيمهم في المسعى ذاته!، إلا أن المعطيات العسكرية في الميدان تبقى تتحكم فيمن يُقدم التنازلات أكثر، ويبدو أن ذلك سيأخذ وقتا من الشد والجذب قبل أن يبرز إلى العلن بشكله النهائي وفق المقاربات الأمنية للحكومة الجزائرية التي تعول عليها فرنسا وأنظمة المنطقة؛ للعب الدور المهم والراعي لهذا التحول الذي سيسلكه تنظيم القاعدة بشكل جلي، كون الجزائر ستكون حاضنة المشروع والراعية له ضمانا لمصالحها "الجيو سياسية" تماما، كما لعبت بعض دول الخليج نفس الدور في رعاية مشروع المفاوضات مع طالبان الردّة.
- ما رسالتكم إلى المسلمين في منطقة الصحراء الكبرى والساحل وما جاورها عامة، وإلى أجناد الدّولة الإسلاميّة في ولاية غرب إفريقية خاصة؟
لقد حمل المجاهدون سلاحهم في سبيل الله للدفاع عن المسلمين وعن دينهم أمام ظلم أعداء الدين، والذين ما فتئوا يسعون لتضليل المسلمين وحرفهم عن عقيدتهم، فنقول: لا تلتفتوا إلى ما يروّجه المرتدون وأسيادهم من كذب وافتراء على إخوانكم المجاهدين في أجناد الخلافة، لتخويفكم وإبعادكم عن نصرة الحق وأهله، فجنود الخلافة لا يقاتلون إلا مَن حادّ الله ورسوله -صلّى الله عليه وسلّم- وحارب الإسلام والمسلمين.
أما أنتم يا أجناد الدولة الإسلامية، فنوصيكم بالصبر والثبات، والسمع والطاعة لأمرائكم والاعتصام بالوحدة، فأنتم والله على الحقّ -نحسبكم والله حسيبكم-، فذبّوا عن دولتكم واثأروا لدماء إخوانكم.
- وما رسالتكم إلى أفراد الطوائف المرتدّة في منطقة الصحراء الكبرى والساحل، سواء المنضمون إلى الحكومات المرتدّة وأحزابها، أو المنضمون إلى تنظيم "القاعدة" المرتد والجماعات المرتبطة به؟
نقول لهم: توبوا إلى ربكم وعودوا إلى دينكم، فقد حاربتم هذا الدين وأهله سنين طويلة إرضاء لأهوائكم وأسيادكم الصليبيين الحاقدين، ومازال سوق الجهاد قائما بفضل الله تعالى لم يوقفه مكركم، ولم ولن توقفه جحافل جيوش أسيادكم الصليبيين، فتوبوا قبل أن نقدر عليكم فتطير رؤوسكم بأسيافنا، فلقد أعددنا لكم أجيالا تحبُّ الموت في سبيل الله تعالى كما تحبون أنتم الحياة، وإنّ غدا لناظره لقريب.
وأما رسالتنا إلى جنود قاعدة الردة فنقول لهم: لقد مضت الشهور على بدء غدرتكم ولم تحققوا ما كنتم تصبون إليه، وكشف الله خبيئتكم، وبان عوار منهجكم وضلال أمرائكم، وانحراف تنظيمكم، فماذا تنتظرون؟! عودوا إلى ربكم ودينكم قبل أن تلقوا هلاككم فتخسروا دينكم ودنياكم وآخرتكم، وإن توبتكم وهدايتكم أحبّ إلينا من قتالكم.
هذا وصلّ اللهم وسلم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله ربّ العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 308
الخميس 7 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
حوار مع الشيخ أبي الوليد الصحراوي -تقبله الله تعالى- (2) استكمالًا للحوارِ -بجزئه الثّاني ...
حوار مع الشيخ أبي الوليد الصحراوي -تقبله الله تعالى- (2)
استكمالًا للحوارِ -بجزئه الثّاني والأخير- الّذي أجرتهُ صحيفة (النّبأ) مع الشيخ المجاهد أبي الوليد الصّحراوي -تقبّله الله تعالى- في العدد (260) من الصّحيفة.
- منطقة الصحراء الكبرى، رغم أهميتها، فإنّ المعلومات عنها شحيحة، ومعرفة الناس بها قليلة. فهلا تكرّمتم بتعريفها مع بيان حالها، طبيعتها، سكانها، حال حكوماتها، وسر اهتمام الصليبيين الكبير بها؟
تُعدّ منطقة الصحراء الكبرى والساحل كغيرها من مناطق غرب إفريقية التي تضم أعراقا وإثنيات مختلفة، حيث يوجد قبائل الطوارق والعرب في المناطق الشمالية من مالي والنيجر، وتنتشر قبائل الفلان في غرب ووسط وجنوب مالي والنيجر، بالإضافة إلى عرقيات وإثنيات أخرى. وقد التحق عدد من أبناء القبائل العربية والطوارق بالجهاد منذ منتصف العشرية الأولى من هذا القرن، وضمّت "جماعة التوحيد والجهاد" في غرب إفريقية في صفوفها منذ تأسيسها -آنذاك- أولى طلائع المجاهدين من قبائل الفلان، وقد اتّسمت العلاقة بين حكومات المنطقة وهذه العرقيات بالتوتر والمواجهات المسلحة طيلة العقود الماضية، فقد مارست هذه الحكومات المرتدة أنواع الظلم والبطش والقتل والتشريد ضد أفراد هذه القبائل خصوصا، كما حرمتهم من الحقوق التي تمنحها لغيرهم من القوميات الأخرى بغية تفقيرهم وإذلالهم وإخضاعهم لسياساتها.
ولم تكتفِ هذه الحكومات فقط بهذه الممارسات، بل اعتمدت على تقريب عرقيات أخرى لتثبيت عروشها واستغلالها للاستقواء بها ضد خصومها وأعدائها من القبائل المذكورة والتي لا تدين بالولاء لها، وإقحامها في هذه الصراعات وإشعال فتيل حروب عرقية لا تنتهي، لتُدخلها بذلك في دوامة صراع يشغلها عن مطالبة هذه الحكومات بتحقيق ما كانت تُطالب به، لتعرض الحكومات على هذه القبائل والحركات حلولا ظرفية لإيقاف هذه الصراعات تحت إشراف هذه الحكومات ووفق أجنداتها ووسطائها ووفق سياساتها الأمنية، لتستفيد هذه الحكومات بعد ذلك من هذه الهدن والتسويات لعدة سنين، ثم تظهر هذه الصراعات مجددا أكثر حدّة وعنفًا لتستخدم تلك الحكومات نفس الأسلوب ونفس العرقيات في مواجهة خصومها وأعدائها عند كل مواجهة وعند تكرار الأحداث، وهكذا دواليك وإلى يومنا هذا.
وتتربع منطقة الساحل والصحراء الكبرى على مساحة كبيرة تضم ثروات طبيعية هائلة، وهو ما جعل اهتمام الصليبيين بها كبيرًا، حيث عملت الدول الصليبية المسيطِرة على المنطقة -من خلال شركات التنقيب التي تديرها عائلات وشخصيات صليبية- على استغلال تلك الثروات المختلفة ونهبها طيلة عقود من الزمن وإلى يومنا هذا، خاصة مناجم الذهب واليورانيوم والمنغنيز.
فالصليبيون ينظرون إلى هذه المنطقة باهتمام بالغ؛ بسبب الخيرات التي تحويها أراضيها، وبسبب موقعها الاستراتيجي المتميز المجاور لليبيا ونيجيريا والذي يُعزز إمكانية التنسيق بين جنود دولة الخلافة لتكثيف أنشطتهم وتحرُّكهم وتمركزهم في هذا المحور المترابط الممتد من سيناء إلى ليبيا إلى نيجيريا، وإلى مناطق الصحراء الكبرى والساحل.
- ابتُليت منطقة الصحراء الكبرى بالصراعات القبلية المتجددة، ما أهم أسباب تلك الصراعات؟ وما دور الحكومات المرتدة والصليبيين في إشعالها؟ وما تأثير ذلك على الجهاد في المنطقة؟
لقد تركت القوى الصليبية الغازية بعد خروجها من المنطقة، حكومات وأنظمة عميلة تنوب عنها وتؤدي دورها الذي يضمن استمرار مصالحها وسياساتها، ولكي تحافظ هذه الحكومات المرتدة على عروشها، سعت إلى استغلال القبائل والعرقيات المختلفة في خدمة مصالحها عبر إثارة القلاقل والنعرات واستمالة قبائل على حساب أخرى.
حيث قامت التركيبة السياسية لحكومات المنطقة -منذ منحها الاستقلال الصوري- على السماح لقبائل وعرقيات دون أخرى بالسيطرة على العديد من الموارد والأراضي المهمة كامتيازات تحظى بها مقابل ولائها وتبعيتها لهذه الحكومات، مما وفّر لها الحماية وساعدها على التحكم في دواليب الحكم وإدارة شؤون البلاد حقبًا متتالية، وهو ما صبغ الصراعات التقليدية بين هذه القوميات المختلفة بطابع التعقيد والتقلب الدائم تبعًا لتقلّب المصالح والولاءات في المنطقة.
- ففي شمال مالي، واجهت حكومة مالي تمردا مسلحا من قبائل الطوارق وحلفائهم، طالبوا فيه بحكم ذاتي للمنطقة، وقد استخدمت الحكومة المالية أبناء قبائل: (البمبارا، والدوغون، والفلان، والسونغاي) المنحدرة من مناطق الجنوب والوسط، في مواجهة قبائل العرب والطوارق المنحدرين من مناطق الشمال، ليأخذ هذا الصراع منْحًا إثنيًا يزداد دموية بمرور السنين.
ومع كل تمرد جديد للحركات المسلحة، تلجأ الحكومة المالية إلى الاستعانة بقوميات موالية لها لمواجهة التمرد القبلي المسلح عبر إحداث خلاف بين مكوناته لإضعافه، كما حدث في حقبة التسعينيات عندما استقطبت الحكومة مجموعات من الطوارق أنفسهم لضرب تمرد الشمال، حيث تحالفت مجموعات من "طوارق الإيفوغاس" -على رأسهم إياد غالي- مع الجيش المالي ضد التمرد الذي يقوده "الهيجي غامو" زعيم حركة طوارق إمغاد، وبعد فشل هذا التحالف بين الجانبين نتيجة تنكّر الحكومة المالية لوعودها، قررت الحكومة في (باماكو) اختيار "الهيجي غامو" وبعض قبائل العرب للقتال ضد قبائل الإفوغاس!، وهكذا استخدمت حكومة مالي مختلف القوميات والحركات لخدمة مصالحها وحماية عروشها، بالتنسيق مع دول كالجزائر وليبيا ومخابراتها الراعية لهذه الحركات.
- أما في وسط مالي وغربه على الحدود مع موريتانيا، والذي يضم قبائل: (البمبارا، والدوغون، والسونغاي، والفلان) التي استخدمتها الحكومات المالية في مواجهة قبائل الطوارق والعرب المتمردة في الشمال طيلة العقود الماضية، إلا أنها كانت تقرّب بعض هذه العرقيات على حساب العرقيات الأخرى لأسباب سياسية وعرقية ودينية، فقد كانت قبائل (البمبارا) تتمتع بامتيازات عديدة حيث يسيطر أفرادها على مقاليد السلطة وأعلى المراتب في السلّم العسكري والإداري في مختلف القطاعات، وبصورة أقل قبائل (الدوغون) و(السونغاي)، فيما كانت تعاني قبائل (الفلان) الفقيرة من تهميش كبير ومتعمد حيث يمتهن أغلب أفرادها الرعي ويُحرم أبناؤها من تلقي التعليم، وقد كانت محاولات العرقيات التي تمتهن الزراعة ضمّ مزيدٍ من الأراضي إلى ممتلكاتها -بدعم من الحكومة- يؤدي إلى التصادم مع قبائل (الفلان) التي تمتهن الرعي…، فكان هذا طابعا يطبع الصراع التقليدي بين القبائل في تلك المناطق.
ومع التحاق شباب قبائل (الفلان) بالمجاهدين -وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء- وانكباب قبائلهم على النصرة ودعم الجهاد، بقيت العرقيات الأخرى تنافح عن الحكومات المرتدة في مواجهتها للمجاهدين، ليتغير طابع الصراعات التقليدية ويستغلها الطواغيت كواجهة لإخفاء حقيقة الجهاد وأهدافه عن عامّة الناس.
- أما في بوركينافاسو فقد سيطر النصارى على الحكم بتأييد وتحالف من المرتدين، حيث ينقسم السكان فيها إلى مسلمين، ونصارى، ووثنيين، وقد تعرض المسلمون طيلة العقود الماضية إلى التهميش والإقصاء والتفقير رغم الثروات الباطنية التي تزخر بها البلاد، في الوقت الذي كانت فيه أنشطة المنظمات التنصيرية تستهدف أبناء المسلمين من أجل حرفِ عقيدتهم وتنصيرهم وفق مناهج تعليمية ممنهجة يتم نشرها عبر المدارس والمؤسسات التعليمية، والتغلغل في أوساط قرى المسلمين الفقيرة تحت غطاء المساعدات الغذائية وبناء المراكز الطبية، بهدف ضرب وتدمير عقيدة المسلمين، والتغطية على حقيقة الحرب الصليبية ضد الإسلام؛ غير أنّ ظهور أجناد الخلافة -بفضل الله تعالى- على أرض بوركينافاسو في عام 1436هـ، وقيامهم منذ ذلك الوقت باستهداف القوات البوركينية ومهاجمة مقراتهم؛ غيّر كثيرًا من الأحداث والأحوال، فبدأ شباب المسلمين يعي حقيقة الصراع الدائر، وعلى إثر ذلك التحق الكثير منهم بالمجاهدين وتخندقوا في خندقهم، وأمام تزايد الهجمات والخسائر في صفوف الحكومة البوركينية، لجأت هذه الحكومة إلى تجنيد ميليشيات نصرانية وقبائل وعرقيات وثنية وخبالة من المرتدين لمواجهة أجناد الخلافة وأنصارها.
- وفي النيجر سلكت حكوماته نفس الطريق الذي سلكته حكومات المنطقة، بل سخّرت أغلب مطاراتها وأراضيها للصليبيين لمحاربة المجاهدين، واستخدمت نفس أساليب النظام المالي في مواجهة جنود دولة الخلافة بعد عجزه عن صدّ هجماتهم المتكررة ضد قواته المختلفة وقواعدها.
حيث تتوزع القبائل الساكنة في النيجر إلى الطوارق والعرب والفلان في أقصى الشمال، وقبائل الفلان والهوسا في الوسط والشرق، إضافة لقبائل الزرما والطوارق السود وبعض الفلان في الجنوب والغرب.
وكان أبناء قبائل الفلان الموجودين على الحدود بين النيجر ومالي، هُم أولى القبائل التي انضمت إلى المجاهدين في الصحراء والساحل عموما، وكان لهم السبق من بين بني جلدتهم في الإثخان بأعداء الله تعالى من الجيش المالي والحركات الوطنية في أزواد، وجيش النيجر والقوات الصليبية، فكانوا أول مَن أعلنوا بيعتهم لدولة الخلافة عام 1436هـ في هذه المنطقة.
وقد تواطأت لمواجهتهم -مع جيشي النيجر ومالي والجيش الفرنسي الصليبي- حركات تدعمها قبائل وعشائر، مستغلة ما كان يحدث من مواجهات قبلية قديمة قبل ظهور الجهاد في هذه المنطقة بين قبائل الفلان والطوارق الموجودة على الحدود مع مالي، أو قبائل الزرما في النيجر، لإثارة الحمية والنعرات القبلية لتجنيد تلك القبائل لحرب المجاهدين وتصويرها على أنها ثارات وتصفية حسابات بين القبائل، حتى لا يُفهم أن تلك القبائل تقاتل لصالح الحكومات المرتدة وتواليها وتشاركها حربها ضد المجاهدين.
وقد استغل عبّاد الصليب أطماع وأحقاد بعض القبائل في تجنيدها لمحاربة المجاهدين مقابل وعود الصليبيين لهم بتحقيق أطماعهم، وتكفلت الحكومات المحلية بتقديم كافة الدعم لهم، والتكتم كذلك على جرائمهم بحق عوام المسلمين والتي يقترفونها أثناء حملاتهم وحروبهم ضد المجاهدين.
- ما موقف تنظيم القاعدة من هذه الصراعات القبلية والعرقية وما دوره فيها؟
- يحاول التنظيم اليوم الدفع بمختلف مكونات شمال مالي من القبائل والحركات المعارضة والموالية للحكومة المالية إلى الوقوف معه في حربه ضد المجاهدين، فتارة يصف جنود الخلافة -في اجتماعاته مع القبائل- بأنهم "أجانب" جاءوا للإفساد في الأرض وتفريق وحدة القبائل!، وتارة يصف الحرب التي يخوضها بأنها لمنع قبائل الفلان من السيطرة على مناطق الطوارق والعرب رغم أن معظم جنوده من الفلان وليسوا من العرب والطوارق!، لكنه يستخدم خطابا مزدوجا أمام قبائل الطوارق والعرب فيهددهم فيه من خطر زحف قبائل الفلان!، وأمام جنوده من قبائل الفلان يحرضهم على قتال جنود الخلافة بزعم أنهم خوارج!، وهكذا يخطو التنظيم وقائده المرتد "إياد غالي" خطى الحكومة المالية المرتدة متبعًا سياستها في إشعال حروب عرقية لاستخدام هذه القبائل كمطية في خدمة مصالحه وحمايته، تحت شعار الجهاد وقتال الخوارج!!.
- وبسبب البيعات التي توالت على الدولة الإسلامية بعد ترْك العديد من أبناء قبائل الفلان تنظيماتهم وأحزابهم السابقة في غرب ووسط مالي تحديدا، أعلن تنظيم قاعدة الردة حربه ضد أجناد دولة الخلافة، بغية وقف استمرار تلك البيعات المباركة، وإيهام مَن تبقى من أنصاره أن جنود الخلافة هم مَن بدأوهم بالحرب والعدوان، وتسابق قادة التنظيم إلى القبائل يشوّهون أمامهم جنود الخلافة ويخوّفونهم منهم، كما أوقفوا حروبهم مع العديد من القبائل الوثنية في كثير من المناطق ليتفرغوا لقتال المجاهدين والغدر بهم في (نامبالا) على الحدود مع موريتانيا، وفي منطقة (ماسينا) وسط مالي، وفي مناطق المثلث الحدودي، وبذلك أثار المرتد "أمادو كوفا" النعرات القبلية في صراعه مع جنود الخلافة وحاد بقبائل كثيرة -انبرت لنصرة الجهاد ابتداء- عن جادة الصواب وهيّج عاطفة الحميّة في أوساطهم، مستخدما نفس الطريقة النتنة التي اعتمدتها الحكومات الطاغوتية قبله حفاظا على الحكم والرياسة.
- أما في بوركينافاسو، وفي خضم تلك المواجهات المستعرة بين جنود الخلافة وميليشيات النصارى والقبائل الوثنية المدعومة من الجيش البوركيني؛ تطوّع تنظيم قاعدة الردة لخوض حرب متزامنة ضد جنود الخلافة، متجاوزا خلافاته وحروبه مع الميليشيات النصرانية والوثنية، ليزجّ بآلاف من أبناء قبائل الفلان في حرب ضد المجاهدين بحجة أنهم خوارج! فتعقّدت بذلك أحوال المسلمين وحارت أفهامهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ليتبين للكثيرين منهم بعد مضي الوقت ظلم تلك الحرب التي شنها التنظيم المرتد وما جرّته على المسلمين من ويلات على أيدي عبدة الصليب والأوثان، بعد أن كانت الدولة الإسلامية أول من تصدى لرد عادية النصارى والوثنيين عن المسلمين في بوركينافاسو، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وما دور المجاهدين في التصدي لهذه الصراعات، وكيف هي علاقة المجاهدين بأبناء المنطقة في ظل هذه الصراعات المعقدة؟
الحقيقة أنّ المجاهدين نجحوا -بفضل الله تعالى- في منع اندلاع كثير من الصراعات الجاهلية القائمة على أساس قبلي وعرقي، رغم قيام الطواغيت ومن تولاهم من القوميات والعرقيات بتزييف الحقائق، ومحاولة إظهار جهاد المجاهدين ومعاركهم على أنها معارك وثارات قبلية.
ورغم التنوع العرقي والإثني في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، واختلاف الشعوب والأقوام المشكِّلة لهذا النسق، وتعدُّد لهجاتها ولغاتها، إلا أن المجاهدين وخاصة المهاجرين استطاعوا -بفضل الله تعالى- التأقلم مع هذه الأحوال رغم قساوة الظروف المحيطة بهم، والتواصل مع العديد من هذه الأقوام والشعوب في النيجر ومالي وبوركينافاسو، لتبيين الغاية لهم من قتال المجاهدين لهذه الحكومات المرتدة وحلفائهم من الصليبيين، ودعوة تلك الشعوب إلى عدم الانخداع بدعايات أعداء الدين التي تهدف إلى إبعادهم عن دينهم وعن إخوانهم المجاهدين.
وعموما، فإن المجاهدين تربطهم علاقات جيدة مع العديد من أبناء القبائل ممن لا تربطهم علاقات بالأحزاب والحركات المرتدة، ولا برؤسائها وكبرائها، حيث تُعد تلك الحركات والجبهات السبب الرئيس في تضليل القبائل المرتبطة بهم، لتبقى هذه القبائل حزامهم الأمني وخزانهم البشري الذي يعتمدون عليه في تحقيق مصالحهم واستخدامها كورقات ضغط أمام أنظمة الصليبيين.
- يجري حديث عن مفاوضات بين حكومة مالي المرتدة وتنظيم القاعدة في شمال مالي. كيف بدأ الأمر؟ وما مدى جدية الحكومة المرتدة في الحوار؟ وما مدى تقبّل القاعدة وحلفائها للأمر؟ وما توقعاتكم بخصوص سير هذه المفاوضات؟
- منذ تراجع الجيش المالي وفقدانه السيطرة على مناطق شمال مالي، كانت "حركة أنصار الدين" بقيادة المرتد "إياد غالي" بمثابة الواجهة السياسية لتنظيم القاعدة، والتي تمثله في المشهد السياسي في أزواد، حيث قامت الحركة بجولات عديدة في عدد من عواصم الدول المجاورة لمالي، أعلنت من خلالها تمسّكها بوحدة أراضي مالي، وشرحت فيها آفاق سياساتها المستقبلية، ومواقفها من القضايا التي تُقلق هذه الدول وخاصة علاقتها بالجماعات "الجهادية"، وأبدت استعدادها للانخراط في المفاوضات المباشرة مع الحكومة المالية ضمن وفد موحَّد يضم كل الحركات المسلحة في أزواد، وكانت هذه الجولات تجري بعلم ومباركة تنظيم القاعدة.
وهي واحدة من مسارات التفاهمات التي جرت مع عدد من الحكومات الأخرى، فقد كانت "حركة أنصار الدين" تعهدت أمام تكتّل الحركات المسلحة والأعيان والشخصيات القبلية النافذة في الشمال، بثني تنظيم القاعدة عن استهداف الجزائر، وفي هذا السياق حاول تنظيم القاعدة التفاوض عام 1433هـ مع شركة (آريفا) الفرنسية شمال النيجر، للحصول على مبالغ مالية سنوية يتلقاها التنظيم مقابل استفادة الشركة من إنشاء طرق تصدير باتجاه الجزائر (لتصدير اليورانيوم)، وتعهُّد التنظيم بعدم استهداف مصالحها، وهو اتفاق لم يتم بسبب الخلافات بين أمراء التنظيم آنذاك، كما كانت المفاوضات مع الحكومة الموريتانية المرتدة جارية على قدم وساق، عبر سجناء تابعين للتنظيم في سجون موريتانيا وعبر شخصيات مقرّبة من النظام الموريتاني، للوصول إلى اتفاق يوقف التنظيم بموجبه استهداف مصالح موريتانيا، مقابل تلقيه أموالا من الحكومة الموريتانية! وهو ما يفسّر توقف عمليات التنظيم على الأراضي الموريتانية منذ عام 1433هـ وإلى اليوم.
- أما في بوركينافاسو، فقد أصدر التنظيم توجيهات لأتباعه بعدم الدخول في حرب مع القبائل الوثنية والنصرانية هناك، وقد تلقى التنظيم عروضا من قبل حكومة بوركينافاسو عبر وساطة من بعض قادة الحركات المسلحة في شمال مالي، للوصول إلى تسوية يتلقى من خلالها التنظيم أموالا من الحكومة البوركينية مقابل عدم استهدافه لمصالحها وقواتها وللشركات الصليبية العاملة هناك، غير أن وجود أجناد الخلافة وتزايد عملياتهم، أفشل -بفضل الله تعالى- الكثير من مشاريع التفاهمات والتسويات التي كان التنظيم يعتزم إبرامها.
وتمهيدا للحملة الصليبية التي انطلقت عام 1438هـ، عقد الصليبيون اتفاقا مع الحركات الموالية للحكومة المالية من أجل إشراكها في الحملة الصليبية ضد جنود الخلافة، لكن المعارك التي اندلعت أضعفت بشكل كبير تلك الحركات المرتدة بعد انفضاض عدد كبير من أتباعها عنها؛ نتيجة الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها في المنطقة الحدودية بين مالي وبوركينافاسو والنيجر، وفشل التحالف الصليبي في تحقيق أهدافه المعلنة، وهو ما جعل الجيش المالي في مرمى نيران المجاهدين في هذا المثلث الحدودي، وكبده خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، فسارع بالانسحاب من تمركزاته في عدة مناطق، وهو ما فاقم الأوضاع الأمنية المتأزمة في الأساس، وأظهر قصور وضعف حكومة الطاغوت "كيتا" وزاد من حدة الانتقادات الموجهة لها، لترتفع الأصوات المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية وإنهاء الأزمة السياسية والأمنية التي تتخبط فيها مالي منذ سنوات، وذلك بإجراء "حوار وطني شامل" لحل المشاكل العالقة، وفتح الباب أمام إمكانية التفاوض مع القاعدة! فجرت لقاءات جمعت بين بعض الشخصيات ذات التوجه الإخواني السروري في مالي، وعلى رأسها المرتد "محمود ديكو" الرئيس السابق لما يسمى "المجلس الأعلى الإسلامي" في مالي، مع أمراء تنظيم القاعدة قبل حدوث الانقلاب العسكري الأخير الذي أطاح بحكومة "كيتا".
وبعد الانقلاب العسكري، سارع منفّذوه إلى التصريح بالتزامهم بالاتفاقيات العسكرية المبرمة مع القوات الفرنسية، وفي نفس الوقت استعدادهم لقبول التحاور والتفاوض مع تنظيم القاعدة في محاولة لطمأنة الأصوات المنادية بذلك.
ورغم أن تنظيم الردة قد أعلن مرات عديدة -عبر بياناته الرسمية- قبوله المبدئي بالدخول في هذه المفاوضات وفق شروط حددها سابقا، وما سبق ذلك من جولات ولقاءات جمعت أمراءه بشخصيات وسيطة في هذا الموضوع؛ إلا أن المعطيات الميدانية جعلت الشروط التي قدمها التنظيم مبالغا فيها، فالتنظيم المهترئ لم يحقق نصرا عسكريا ملحوظا على قوات (برخان) الفرنسية، ولم يقم بإخراج القوات المالية من مناطق ذات أهمية، ولم يسيطر على أي من المدن، بل تزامنت خرجاته الإعلامية حول مفاوضاته الموعودة مع حكومة مالي المرتدة، مع تحضيراته لشنّ حرب شاملة ضد أجناد الخلافة عام 1441هـ في غرب مالي ووسطها، وعلى الحدود مع بوركينافاسو وفي جميع أراضيها، كجزء من خططه الرامية إلى تفرده في الساحة، وإزاحة أجناد الخلافة لإقناع القوى الأخرى بقدرته على تحقيق نتائج وإحداث تغيرات على مجرى الأحداث في أي وقت وفي أي فترة، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن التنظيم المرتد، فتكبّد خسائر بشرية ومادية كبيرة، و طُرد -بفضل الله تعالى- من عدة مناطق في بوركينافاسو ومالي على يد أجناد دولة الخلافة، وطال أمد الحرب التي ما تزال فصولها لم تنته بعد، ليدخل التنظيم دوامة صراع زاد من تعقيد الأمور أمامه.
كما أن الموقف الرسمي لفرنسا الصليبية لم يتفق مع موقف الانقلابيين العسكريين الصريح القابل مبدئيا التفاوض مع تنظيم القاعدة، حيث ترفض فرنسا في الوقت الراهن بشكل علني هذا التوجه، وقد شنت في الآونة الأخيرة غارات جوية استهدفت مناطق وجود القاعدة على الحدود بين مالي وبوركينافاسو، ويُفسر هذا التوجه العسكري الفرنسي -ربما- كأسلوب من أساليب الضغط التي ينتهجونها ضد هذا النوع من التنظيمات؛ لتعزيز مواقف الحكومات المرتدة أمامها في المفاوضات، ولإجبارها على التنازل عن كثير من مطالبها وعدم رفع سقف تلك المطالب، ومن ثم تقديم أدلة وبراهين على التزامها بالتحول الجذري -في توجهاتها العقدية والعسكرية والتنظيمية- المحدد من قبل الصليبيين وحلفائهم في المنطقة، وذلك قبل المضي قدما في إدماجها في مسارات التسوية، حيث ترى هذه القوى أن الجماعات ذات التوجه "المحلي" يمكن احتواؤها إذا تم فصل العناصر "الأجنبية" عنها وتخليها عنهم.
ورغم كون الحركات المسلحة في عموم شمال مالي تدعم وتؤيد تنظيم القاعدة في حربه ضد أجناد الخلافة، وتؤيد فتح باب التفاوض بين قاعدة الردة وحكومة مالي المرتدة، وعناصر القاعدة -أيضًا- يؤيدون تنظيمهم في المسعى ذاته!، إلا أن المعطيات العسكرية في الميدان تبقى تتحكم فيمن يُقدم التنازلات أكثر، ويبدو أن ذلك سيأخذ وقتا من الشد والجذب قبل أن يبرز إلى العلن بشكله النهائي وفق المقاربات الأمنية للحكومة الجزائرية التي تعول عليها فرنسا وأنظمة المنطقة؛ للعب الدور المهم والراعي لهذا التحول الذي سيسلكه تنظيم القاعدة بشكل جلي، كون الجزائر ستكون حاضنة المشروع والراعية له ضمانا لمصالحها "الجيو سياسية" تماما، كما لعبت بعض دول الخليج نفس الدور في رعاية مشروع المفاوضات مع طالبان الردّة.
- ما رسالتكم إلى المسلمين في منطقة الصحراء الكبرى والساحل وما جاورها عامة، وإلى أجناد الدّولة الإسلاميّة في ولاية غرب إفريقية خاصة؟
لقد حمل المجاهدون سلاحهم في سبيل الله للدفاع عن المسلمين وعن دينهم أمام ظلم أعداء الدين، والذين ما فتئوا يسعون لتضليل المسلمين وحرفهم عن عقيدتهم، فنقول: لا تلتفتوا إلى ما يروّجه المرتدون وأسيادهم من كذب وافتراء على إخوانكم المجاهدين في أجناد الخلافة، لتخويفكم وإبعادكم عن نصرة الحق وأهله، فجنود الخلافة لا يقاتلون إلا مَن حادّ الله ورسوله -صلّى الله عليه وسلّم- وحارب الإسلام والمسلمين.
أما أنتم يا أجناد الدولة الإسلامية، فنوصيكم بالصبر والثبات، والسمع والطاعة لأمرائكم والاعتصام بالوحدة، فأنتم والله على الحقّ -نحسبكم والله حسيبكم-، فذبّوا عن دولتكم واثأروا لدماء إخوانكم.
- وما رسالتكم إلى أفراد الطوائف المرتدّة في منطقة الصحراء الكبرى والساحل، سواء المنضمون إلى الحكومات المرتدّة وأحزابها، أو المنضمون إلى تنظيم "القاعدة" المرتد والجماعات المرتبطة به؟
نقول لهم: توبوا إلى ربكم وعودوا إلى دينكم، فقد حاربتم هذا الدين وأهله سنين طويلة إرضاء لأهوائكم وأسيادكم الصليبيين الحاقدين، ومازال سوق الجهاد قائما بفضل الله تعالى لم يوقفه مكركم، ولم ولن توقفه جحافل جيوش أسيادكم الصليبيين، فتوبوا قبل أن نقدر عليكم فتطير رؤوسكم بأسيافنا، فلقد أعددنا لكم أجيالا تحبُّ الموت في سبيل الله تعالى كما تحبون أنتم الحياة، وإنّ غدا لناظره لقريب.
وأما رسالتنا إلى جنود قاعدة الردة فنقول لهم: لقد مضت الشهور على بدء غدرتكم ولم تحققوا ما كنتم تصبون إليه، وكشف الله خبيئتكم، وبان عوار منهجكم وضلال أمرائكم، وانحراف تنظيمكم، فماذا تنتظرون؟! عودوا إلى ربكم ودينكم قبل أن تلقوا هلاككم فتخسروا دينكم ودنياكم وآخرتكم، وإن توبتكم وهدايتكم أحبّ إلينا من قتالكم.
هذا وصلّ اللهم وسلم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله ربّ العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 308
الخميس 7 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
استكمالًا للحوارِ -بجزئه الثّاني والأخير- الّذي أجرتهُ صحيفة (النّبأ) مع الشيخ المجاهد أبي الوليد الصّحراوي -تقبّله الله تعالى- في العدد (260) من الصّحيفة.
- منطقة الصحراء الكبرى، رغم أهميتها، فإنّ المعلومات عنها شحيحة، ومعرفة الناس بها قليلة. فهلا تكرّمتم بتعريفها مع بيان حالها، طبيعتها، سكانها، حال حكوماتها، وسر اهتمام الصليبيين الكبير بها؟
تُعدّ منطقة الصحراء الكبرى والساحل كغيرها من مناطق غرب إفريقية التي تضم أعراقا وإثنيات مختلفة، حيث يوجد قبائل الطوارق والعرب في المناطق الشمالية من مالي والنيجر، وتنتشر قبائل الفلان في غرب ووسط وجنوب مالي والنيجر، بالإضافة إلى عرقيات وإثنيات أخرى. وقد التحق عدد من أبناء القبائل العربية والطوارق بالجهاد منذ منتصف العشرية الأولى من هذا القرن، وضمّت "جماعة التوحيد والجهاد" في غرب إفريقية في صفوفها منذ تأسيسها -آنذاك- أولى طلائع المجاهدين من قبائل الفلان، وقد اتّسمت العلاقة بين حكومات المنطقة وهذه العرقيات بالتوتر والمواجهات المسلحة طيلة العقود الماضية، فقد مارست هذه الحكومات المرتدة أنواع الظلم والبطش والقتل والتشريد ضد أفراد هذه القبائل خصوصا، كما حرمتهم من الحقوق التي تمنحها لغيرهم من القوميات الأخرى بغية تفقيرهم وإذلالهم وإخضاعهم لسياساتها.
ولم تكتفِ هذه الحكومات فقط بهذه الممارسات، بل اعتمدت على تقريب عرقيات أخرى لتثبيت عروشها واستغلالها للاستقواء بها ضد خصومها وأعدائها من القبائل المذكورة والتي لا تدين بالولاء لها، وإقحامها في هذه الصراعات وإشعال فتيل حروب عرقية لا تنتهي، لتُدخلها بذلك في دوامة صراع يشغلها عن مطالبة هذه الحكومات بتحقيق ما كانت تُطالب به، لتعرض الحكومات على هذه القبائل والحركات حلولا ظرفية لإيقاف هذه الصراعات تحت إشراف هذه الحكومات ووفق أجنداتها ووسطائها ووفق سياساتها الأمنية، لتستفيد هذه الحكومات بعد ذلك من هذه الهدن والتسويات لعدة سنين، ثم تظهر هذه الصراعات مجددا أكثر حدّة وعنفًا لتستخدم تلك الحكومات نفس الأسلوب ونفس العرقيات في مواجهة خصومها وأعدائها عند كل مواجهة وعند تكرار الأحداث، وهكذا دواليك وإلى يومنا هذا.
وتتربع منطقة الساحل والصحراء الكبرى على مساحة كبيرة تضم ثروات طبيعية هائلة، وهو ما جعل اهتمام الصليبيين بها كبيرًا، حيث عملت الدول الصليبية المسيطِرة على المنطقة -من خلال شركات التنقيب التي تديرها عائلات وشخصيات صليبية- على استغلال تلك الثروات المختلفة ونهبها طيلة عقود من الزمن وإلى يومنا هذا، خاصة مناجم الذهب واليورانيوم والمنغنيز.
فالصليبيون ينظرون إلى هذه المنطقة باهتمام بالغ؛ بسبب الخيرات التي تحويها أراضيها، وبسبب موقعها الاستراتيجي المتميز المجاور لليبيا ونيجيريا والذي يُعزز إمكانية التنسيق بين جنود دولة الخلافة لتكثيف أنشطتهم وتحرُّكهم وتمركزهم في هذا المحور المترابط الممتد من سيناء إلى ليبيا إلى نيجيريا، وإلى مناطق الصحراء الكبرى والساحل.
- ابتُليت منطقة الصحراء الكبرى بالصراعات القبلية المتجددة، ما أهم أسباب تلك الصراعات؟ وما دور الحكومات المرتدة والصليبيين في إشعالها؟ وما تأثير ذلك على الجهاد في المنطقة؟
لقد تركت القوى الصليبية الغازية بعد خروجها من المنطقة، حكومات وأنظمة عميلة تنوب عنها وتؤدي دورها الذي يضمن استمرار مصالحها وسياساتها، ولكي تحافظ هذه الحكومات المرتدة على عروشها، سعت إلى استغلال القبائل والعرقيات المختلفة في خدمة مصالحها عبر إثارة القلاقل والنعرات واستمالة قبائل على حساب أخرى.
حيث قامت التركيبة السياسية لحكومات المنطقة -منذ منحها الاستقلال الصوري- على السماح لقبائل وعرقيات دون أخرى بالسيطرة على العديد من الموارد والأراضي المهمة كامتيازات تحظى بها مقابل ولائها وتبعيتها لهذه الحكومات، مما وفّر لها الحماية وساعدها على التحكم في دواليب الحكم وإدارة شؤون البلاد حقبًا متتالية، وهو ما صبغ الصراعات التقليدية بين هذه القوميات المختلفة بطابع التعقيد والتقلب الدائم تبعًا لتقلّب المصالح والولاءات في المنطقة.
- ففي شمال مالي، واجهت حكومة مالي تمردا مسلحا من قبائل الطوارق وحلفائهم، طالبوا فيه بحكم ذاتي للمنطقة، وقد استخدمت الحكومة المالية أبناء قبائل: (البمبارا، والدوغون، والفلان، والسونغاي) المنحدرة من مناطق الجنوب والوسط، في مواجهة قبائل العرب والطوارق المنحدرين من مناطق الشمال، ليأخذ هذا الصراع منْحًا إثنيًا يزداد دموية بمرور السنين.
ومع كل تمرد جديد للحركات المسلحة، تلجأ الحكومة المالية إلى الاستعانة بقوميات موالية لها لمواجهة التمرد القبلي المسلح عبر إحداث خلاف بين مكوناته لإضعافه، كما حدث في حقبة التسعينيات عندما استقطبت الحكومة مجموعات من الطوارق أنفسهم لضرب تمرد الشمال، حيث تحالفت مجموعات من "طوارق الإيفوغاس" -على رأسهم إياد غالي- مع الجيش المالي ضد التمرد الذي يقوده "الهيجي غامو" زعيم حركة طوارق إمغاد، وبعد فشل هذا التحالف بين الجانبين نتيجة تنكّر الحكومة المالية لوعودها، قررت الحكومة في (باماكو) اختيار "الهيجي غامو" وبعض قبائل العرب للقتال ضد قبائل الإفوغاس!، وهكذا استخدمت حكومة مالي مختلف القوميات والحركات لخدمة مصالحها وحماية عروشها، بالتنسيق مع دول كالجزائر وليبيا ومخابراتها الراعية لهذه الحركات.
- أما في وسط مالي وغربه على الحدود مع موريتانيا، والذي يضم قبائل: (البمبارا، والدوغون، والسونغاي، والفلان) التي استخدمتها الحكومات المالية في مواجهة قبائل الطوارق والعرب المتمردة في الشمال طيلة العقود الماضية، إلا أنها كانت تقرّب بعض هذه العرقيات على حساب العرقيات الأخرى لأسباب سياسية وعرقية ودينية، فقد كانت قبائل (البمبارا) تتمتع بامتيازات عديدة حيث يسيطر أفرادها على مقاليد السلطة وأعلى المراتب في السلّم العسكري والإداري في مختلف القطاعات، وبصورة أقل قبائل (الدوغون) و(السونغاي)، فيما كانت تعاني قبائل (الفلان) الفقيرة من تهميش كبير ومتعمد حيث يمتهن أغلب أفرادها الرعي ويُحرم أبناؤها من تلقي التعليم، وقد كانت محاولات العرقيات التي تمتهن الزراعة ضمّ مزيدٍ من الأراضي إلى ممتلكاتها -بدعم من الحكومة- يؤدي إلى التصادم مع قبائل (الفلان) التي تمتهن الرعي…، فكان هذا طابعا يطبع الصراع التقليدي بين القبائل في تلك المناطق.
ومع التحاق شباب قبائل (الفلان) بالمجاهدين -وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء- وانكباب قبائلهم على النصرة ودعم الجهاد، بقيت العرقيات الأخرى تنافح عن الحكومات المرتدة في مواجهتها للمجاهدين، ليتغير طابع الصراعات التقليدية ويستغلها الطواغيت كواجهة لإخفاء حقيقة الجهاد وأهدافه عن عامّة الناس.
- أما في بوركينافاسو فقد سيطر النصارى على الحكم بتأييد وتحالف من المرتدين، حيث ينقسم السكان فيها إلى مسلمين، ونصارى، ووثنيين، وقد تعرض المسلمون طيلة العقود الماضية إلى التهميش والإقصاء والتفقير رغم الثروات الباطنية التي تزخر بها البلاد، في الوقت الذي كانت فيه أنشطة المنظمات التنصيرية تستهدف أبناء المسلمين من أجل حرفِ عقيدتهم وتنصيرهم وفق مناهج تعليمية ممنهجة يتم نشرها عبر المدارس والمؤسسات التعليمية، والتغلغل في أوساط قرى المسلمين الفقيرة تحت غطاء المساعدات الغذائية وبناء المراكز الطبية، بهدف ضرب وتدمير عقيدة المسلمين، والتغطية على حقيقة الحرب الصليبية ضد الإسلام؛ غير أنّ ظهور أجناد الخلافة -بفضل الله تعالى- على أرض بوركينافاسو في عام 1436هـ، وقيامهم منذ ذلك الوقت باستهداف القوات البوركينية ومهاجمة مقراتهم؛ غيّر كثيرًا من الأحداث والأحوال، فبدأ شباب المسلمين يعي حقيقة الصراع الدائر، وعلى إثر ذلك التحق الكثير منهم بالمجاهدين وتخندقوا في خندقهم، وأمام تزايد الهجمات والخسائر في صفوف الحكومة البوركينية، لجأت هذه الحكومة إلى تجنيد ميليشيات نصرانية وقبائل وعرقيات وثنية وخبالة من المرتدين لمواجهة أجناد الخلافة وأنصارها.
- وفي النيجر سلكت حكوماته نفس الطريق الذي سلكته حكومات المنطقة، بل سخّرت أغلب مطاراتها وأراضيها للصليبيين لمحاربة المجاهدين، واستخدمت نفس أساليب النظام المالي في مواجهة جنود دولة الخلافة بعد عجزه عن صدّ هجماتهم المتكررة ضد قواته المختلفة وقواعدها.
حيث تتوزع القبائل الساكنة في النيجر إلى الطوارق والعرب والفلان في أقصى الشمال، وقبائل الفلان والهوسا في الوسط والشرق، إضافة لقبائل الزرما والطوارق السود وبعض الفلان في الجنوب والغرب.
وكان أبناء قبائل الفلان الموجودين على الحدود بين النيجر ومالي، هُم أولى القبائل التي انضمت إلى المجاهدين في الصحراء والساحل عموما، وكان لهم السبق من بين بني جلدتهم في الإثخان بأعداء الله تعالى من الجيش المالي والحركات الوطنية في أزواد، وجيش النيجر والقوات الصليبية، فكانوا أول مَن أعلنوا بيعتهم لدولة الخلافة عام 1436هـ في هذه المنطقة.
وقد تواطأت لمواجهتهم -مع جيشي النيجر ومالي والجيش الفرنسي الصليبي- حركات تدعمها قبائل وعشائر، مستغلة ما كان يحدث من مواجهات قبلية قديمة قبل ظهور الجهاد في هذه المنطقة بين قبائل الفلان والطوارق الموجودة على الحدود مع مالي، أو قبائل الزرما في النيجر، لإثارة الحمية والنعرات القبلية لتجنيد تلك القبائل لحرب المجاهدين وتصويرها على أنها ثارات وتصفية حسابات بين القبائل، حتى لا يُفهم أن تلك القبائل تقاتل لصالح الحكومات المرتدة وتواليها وتشاركها حربها ضد المجاهدين.
وقد استغل عبّاد الصليب أطماع وأحقاد بعض القبائل في تجنيدها لمحاربة المجاهدين مقابل وعود الصليبيين لهم بتحقيق أطماعهم، وتكفلت الحكومات المحلية بتقديم كافة الدعم لهم، والتكتم كذلك على جرائمهم بحق عوام المسلمين والتي يقترفونها أثناء حملاتهم وحروبهم ضد المجاهدين.
- ما موقف تنظيم القاعدة من هذه الصراعات القبلية والعرقية وما دوره فيها؟
- يحاول التنظيم اليوم الدفع بمختلف مكونات شمال مالي من القبائل والحركات المعارضة والموالية للحكومة المالية إلى الوقوف معه في حربه ضد المجاهدين، فتارة يصف جنود الخلافة -في اجتماعاته مع القبائل- بأنهم "أجانب" جاءوا للإفساد في الأرض وتفريق وحدة القبائل!، وتارة يصف الحرب التي يخوضها بأنها لمنع قبائل الفلان من السيطرة على مناطق الطوارق والعرب رغم أن معظم جنوده من الفلان وليسوا من العرب والطوارق!، لكنه يستخدم خطابا مزدوجا أمام قبائل الطوارق والعرب فيهددهم فيه من خطر زحف قبائل الفلان!، وأمام جنوده من قبائل الفلان يحرضهم على قتال جنود الخلافة بزعم أنهم خوارج!، وهكذا يخطو التنظيم وقائده المرتد "إياد غالي" خطى الحكومة المالية المرتدة متبعًا سياستها في إشعال حروب عرقية لاستخدام هذه القبائل كمطية في خدمة مصالحه وحمايته، تحت شعار الجهاد وقتال الخوارج!!.
- وبسبب البيعات التي توالت على الدولة الإسلامية بعد ترْك العديد من أبناء قبائل الفلان تنظيماتهم وأحزابهم السابقة في غرب ووسط مالي تحديدا، أعلن تنظيم قاعدة الردة حربه ضد أجناد دولة الخلافة، بغية وقف استمرار تلك البيعات المباركة، وإيهام مَن تبقى من أنصاره أن جنود الخلافة هم مَن بدأوهم بالحرب والعدوان، وتسابق قادة التنظيم إلى القبائل يشوّهون أمامهم جنود الخلافة ويخوّفونهم منهم، كما أوقفوا حروبهم مع العديد من القبائل الوثنية في كثير من المناطق ليتفرغوا لقتال المجاهدين والغدر بهم في (نامبالا) على الحدود مع موريتانيا، وفي منطقة (ماسينا) وسط مالي، وفي مناطق المثلث الحدودي، وبذلك أثار المرتد "أمادو كوفا" النعرات القبلية في صراعه مع جنود الخلافة وحاد بقبائل كثيرة -انبرت لنصرة الجهاد ابتداء- عن جادة الصواب وهيّج عاطفة الحميّة في أوساطهم، مستخدما نفس الطريقة النتنة التي اعتمدتها الحكومات الطاغوتية قبله حفاظا على الحكم والرياسة.
- أما في بوركينافاسو، وفي خضم تلك المواجهات المستعرة بين جنود الخلافة وميليشيات النصارى والقبائل الوثنية المدعومة من الجيش البوركيني؛ تطوّع تنظيم قاعدة الردة لخوض حرب متزامنة ضد جنود الخلافة، متجاوزا خلافاته وحروبه مع الميليشيات النصرانية والوثنية، ليزجّ بآلاف من أبناء قبائل الفلان في حرب ضد المجاهدين بحجة أنهم خوارج! فتعقّدت بذلك أحوال المسلمين وحارت أفهامهم ولا حول ولا قوة إلا بالله، ليتبين للكثيرين منهم بعد مضي الوقت ظلم تلك الحرب التي شنها التنظيم المرتد وما جرّته على المسلمين من ويلات على أيدي عبدة الصليب والأوثان، بعد أن كانت الدولة الإسلامية أول من تصدى لرد عادية النصارى والوثنيين عن المسلمين في بوركينافاسو، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وما دور المجاهدين في التصدي لهذه الصراعات، وكيف هي علاقة المجاهدين بأبناء المنطقة في ظل هذه الصراعات المعقدة؟
الحقيقة أنّ المجاهدين نجحوا -بفضل الله تعالى- في منع اندلاع كثير من الصراعات الجاهلية القائمة على أساس قبلي وعرقي، رغم قيام الطواغيت ومن تولاهم من القوميات والعرقيات بتزييف الحقائق، ومحاولة إظهار جهاد المجاهدين ومعاركهم على أنها معارك وثارات قبلية.
ورغم التنوع العرقي والإثني في منطقة الساحل والصحراء الكبرى، واختلاف الشعوب والأقوام المشكِّلة لهذا النسق، وتعدُّد لهجاتها ولغاتها، إلا أن المجاهدين وخاصة المهاجرين استطاعوا -بفضل الله تعالى- التأقلم مع هذه الأحوال رغم قساوة الظروف المحيطة بهم، والتواصل مع العديد من هذه الأقوام والشعوب في النيجر ومالي وبوركينافاسو، لتبيين الغاية لهم من قتال المجاهدين لهذه الحكومات المرتدة وحلفائهم من الصليبيين، ودعوة تلك الشعوب إلى عدم الانخداع بدعايات أعداء الدين التي تهدف إلى إبعادهم عن دينهم وعن إخوانهم المجاهدين.
وعموما، فإن المجاهدين تربطهم علاقات جيدة مع العديد من أبناء القبائل ممن لا تربطهم علاقات بالأحزاب والحركات المرتدة، ولا برؤسائها وكبرائها، حيث تُعد تلك الحركات والجبهات السبب الرئيس في تضليل القبائل المرتبطة بهم، لتبقى هذه القبائل حزامهم الأمني وخزانهم البشري الذي يعتمدون عليه في تحقيق مصالحهم واستخدامها كورقات ضغط أمام أنظمة الصليبيين.
- يجري حديث عن مفاوضات بين حكومة مالي المرتدة وتنظيم القاعدة في شمال مالي. كيف بدأ الأمر؟ وما مدى جدية الحكومة المرتدة في الحوار؟ وما مدى تقبّل القاعدة وحلفائها للأمر؟ وما توقعاتكم بخصوص سير هذه المفاوضات؟
- منذ تراجع الجيش المالي وفقدانه السيطرة على مناطق شمال مالي، كانت "حركة أنصار الدين" بقيادة المرتد "إياد غالي" بمثابة الواجهة السياسية لتنظيم القاعدة، والتي تمثله في المشهد السياسي في أزواد، حيث قامت الحركة بجولات عديدة في عدد من عواصم الدول المجاورة لمالي، أعلنت من خلالها تمسّكها بوحدة أراضي مالي، وشرحت فيها آفاق سياساتها المستقبلية، ومواقفها من القضايا التي تُقلق هذه الدول وخاصة علاقتها بالجماعات "الجهادية"، وأبدت استعدادها للانخراط في المفاوضات المباشرة مع الحكومة المالية ضمن وفد موحَّد يضم كل الحركات المسلحة في أزواد، وكانت هذه الجولات تجري بعلم ومباركة تنظيم القاعدة.
وهي واحدة من مسارات التفاهمات التي جرت مع عدد من الحكومات الأخرى، فقد كانت "حركة أنصار الدين" تعهدت أمام تكتّل الحركات المسلحة والأعيان والشخصيات القبلية النافذة في الشمال، بثني تنظيم القاعدة عن استهداف الجزائر، وفي هذا السياق حاول تنظيم القاعدة التفاوض عام 1433هـ مع شركة (آريفا) الفرنسية شمال النيجر، للحصول على مبالغ مالية سنوية يتلقاها التنظيم مقابل استفادة الشركة من إنشاء طرق تصدير باتجاه الجزائر (لتصدير اليورانيوم)، وتعهُّد التنظيم بعدم استهداف مصالحها، وهو اتفاق لم يتم بسبب الخلافات بين أمراء التنظيم آنذاك، كما كانت المفاوضات مع الحكومة الموريتانية المرتدة جارية على قدم وساق، عبر سجناء تابعين للتنظيم في سجون موريتانيا وعبر شخصيات مقرّبة من النظام الموريتاني، للوصول إلى اتفاق يوقف التنظيم بموجبه استهداف مصالح موريتانيا، مقابل تلقيه أموالا من الحكومة الموريتانية! وهو ما يفسّر توقف عمليات التنظيم على الأراضي الموريتانية منذ عام 1433هـ وإلى اليوم.
- أما في بوركينافاسو، فقد أصدر التنظيم توجيهات لأتباعه بعدم الدخول في حرب مع القبائل الوثنية والنصرانية هناك، وقد تلقى التنظيم عروضا من قبل حكومة بوركينافاسو عبر وساطة من بعض قادة الحركات المسلحة في شمال مالي، للوصول إلى تسوية يتلقى من خلالها التنظيم أموالا من الحكومة البوركينية مقابل عدم استهدافه لمصالحها وقواتها وللشركات الصليبية العاملة هناك، غير أن وجود أجناد الخلافة وتزايد عملياتهم، أفشل -بفضل الله تعالى- الكثير من مشاريع التفاهمات والتسويات التي كان التنظيم يعتزم إبرامها.
وتمهيدا للحملة الصليبية التي انطلقت عام 1438هـ، عقد الصليبيون اتفاقا مع الحركات الموالية للحكومة المالية من أجل إشراكها في الحملة الصليبية ضد جنود الخلافة، لكن المعارك التي اندلعت أضعفت بشكل كبير تلك الحركات المرتدة بعد انفضاض عدد كبير من أتباعها عنها؛ نتيجة الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها في المنطقة الحدودية بين مالي وبوركينافاسو والنيجر، وفشل التحالف الصليبي في تحقيق أهدافه المعلنة، وهو ما جعل الجيش المالي في مرمى نيران المجاهدين في هذا المثلث الحدودي، وكبده خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، فسارع بالانسحاب من تمركزاته في عدة مناطق، وهو ما فاقم الأوضاع الأمنية المتأزمة في الأساس، وأظهر قصور وضعف حكومة الطاغوت "كيتا" وزاد من حدة الانتقادات الموجهة لها، لترتفع الأصوات المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية وإنهاء الأزمة السياسية والأمنية التي تتخبط فيها مالي منذ سنوات، وذلك بإجراء "حوار وطني شامل" لحل المشاكل العالقة، وفتح الباب أمام إمكانية التفاوض مع القاعدة! فجرت لقاءات جمعت بين بعض الشخصيات ذات التوجه الإخواني السروري في مالي، وعلى رأسها المرتد "محمود ديكو" الرئيس السابق لما يسمى "المجلس الأعلى الإسلامي" في مالي، مع أمراء تنظيم القاعدة قبل حدوث الانقلاب العسكري الأخير الذي أطاح بحكومة "كيتا".
وبعد الانقلاب العسكري، سارع منفّذوه إلى التصريح بالتزامهم بالاتفاقيات العسكرية المبرمة مع القوات الفرنسية، وفي نفس الوقت استعدادهم لقبول التحاور والتفاوض مع تنظيم القاعدة في محاولة لطمأنة الأصوات المنادية بذلك.
ورغم أن تنظيم الردة قد أعلن مرات عديدة -عبر بياناته الرسمية- قبوله المبدئي بالدخول في هذه المفاوضات وفق شروط حددها سابقا، وما سبق ذلك من جولات ولقاءات جمعت أمراءه بشخصيات وسيطة في هذا الموضوع؛ إلا أن المعطيات الميدانية جعلت الشروط التي قدمها التنظيم مبالغا فيها، فالتنظيم المهترئ لم يحقق نصرا عسكريا ملحوظا على قوات (برخان) الفرنسية، ولم يقم بإخراج القوات المالية من مناطق ذات أهمية، ولم يسيطر على أي من المدن، بل تزامنت خرجاته الإعلامية حول مفاوضاته الموعودة مع حكومة مالي المرتدة، مع تحضيراته لشنّ حرب شاملة ضد أجناد الخلافة عام 1441هـ في غرب مالي ووسطها، وعلى الحدود مع بوركينافاسو وفي جميع أراضيها، كجزء من خططه الرامية إلى تفرده في الساحة، وإزاحة أجناد الخلافة لإقناع القوى الأخرى بقدرته على تحقيق نتائج وإحداث تغيرات على مجرى الأحداث في أي وقت وفي أي فترة، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن التنظيم المرتد، فتكبّد خسائر بشرية ومادية كبيرة، و طُرد -بفضل الله تعالى- من عدة مناطق في بوركينافاسو ومالي على يد أجناد دولة الخلافة، وطال أمد الحرب التي ما تزال فصولها لم تنته بعد، ليدخل التنظيم دوامة صراع زاد من تعقيد الأمور أمامه.
كما أن الموقف الرسمي لفرنسا الصليبية لم يتفق مع موقف الانقلابيين العسكريين الصريح القابل مبدئيا التفاوض مع تنظيم القاعدة، حيث ترفض فرنسا في الوقت الراهن بشكل علني هذا التوجه، وقد شنت في الآونة الأخيرة غارات جوية استهدفت مناطق وجود القاعدة على الحدود بين مالي وبوركينافاسو، ويُفسر هذا التوجه العسكري الفرنسي -ربما- كأسلوب من أساليب الضغط التي ينتهجونها ضد هذا النوع من التنظيمات؛ لتعزيز مواقف الحكومات المرتدة أمامها في المفاوضات، ولإجبارها على التنازل عن كثير من مطالبها وعدم رفع سقف تلك المطالب، ومن ثم تقديم أدلة وبراهين على التزامها بالتحول الجذري -في توجهاتها العقدية والعسكرية والتنظيمية- المحدد من قبل الصليبيين وحلفائهم في المنطقة، وذلك قبل المضي قدما في إدماجها في مسارات التسوية، حيث ترى هذه القوى أن الجماعات ذات التوجه "المحلي" يمكن احتواؤها إذا تم فصل العناصر "الأجنبية" عنها وتخليها عنهم.
ورغم كون الحركات المسلحة في عموم شمال مالي تدعم وتؤيد تنظيم القاعدة في حربه ضد أجناد الخلافة، وتؤيد فتح باب التفاوض بين قاعدة الردة وحكومة مالي المرتدة، وعناصر القاعدة -أيضًا- يؤيدون تنظيمهم في المسعى ذاته!، إلا أن المعطيات العسكرية في الميدان تبقى تتحكم فيمن يُقدم التنازلات أكثر، ويبدو أن ذلك سيأخذ وقتا من الشد والجذب قبل أن يبرز إلى العلن بشكله النهائي وفق المقاربات الأمنية للحكومة الجزائرية التي تعول عليها فرنسا وأنظمة المنطقة؛ للعب الدور المهم والراعي لهذا التحول الذي سيسلكه تنظيم القاعدة بشكل جلي، كون الجزائر ستكون حاضنة المشروع والراعية له ضمانا لمصالحها "الجيو سياسية" تماما، كما لعبت بعض دول الخليج نفس الدور في رعاية مشروع المفاوضات مع طالبان الردّة.
- ما رسالتكم إلى المسلمين في منطقة الصحراء الكبرى والساحل وما جاورها عامة، وإلى أجناد الدّولة الإسلاميّة في ولاية غرب إفريقية خاصة؟
لقد حمل المجاهدون سلاحهم في سبيل الله للدفاع عن المسلمين وعن دينهم أمام ظلم أعداء الدين، والذين ما فتئوا يسعون لتضليل المسلمين وحرفهم عن عقيدتهم، فنقول: لا تلتفتوا إلى ما يروّجه المرتدون وأسيادهم من كذب وافتراء على إخوانكم المجاهدين في أجناد الخلافة، لتخويفكم وإبعادكم عن نصرة الحق وأهله، فجنود الخلافة لا يقاتلون إلا مَن حادّ الله ورسوله -صلّى الله عليه وسلّم- وحارب الإسلام والمسلمين.
أما أنتم يا أجناد الدولة الإسلامية، فنوصيكم بالصبر والثبات، والسمع والطاعة لأمرائكم والاعتصام بالوحدة، فأنتم والله على الحقّ -نحسبكم والله حسيبكم-، فذبّوا عن دولتكم واثأروا لدماء إخوانكم.
- وما رسالتكم إلى أفراد الطوائف المرتدّة في منطقة الصحراء الكبرى والساحل، سواء المنضمون إلى الحكومات المرتدّة وأحزابها، أو المنضمون إلى تنظيم "القاعدة" المرتد والجماعات المرتبطة به؟
نقول لهم: توبوا إلى ربكم وعودوا إلى دينكم، فقد حاربتم هذا الدين وأهله سنين طويلة إرضاء لأهوائكم وأسيادكم الصليبيين الحاقدين، ومازال سوق الجهاد قائما بفضل الله تعالى لم يوقفه مكركم، ولم ولن توقفه جحافل جيوش أسيادكم الصليبيين، فتوبوا قبل أن نقدر عليكم فتطير رؤوسكم بأسيافنا، فلقد أعددنا لكم أجيالا تحبُّ الموت في سبيل الله تعالى كما تحبون أنتم الحياة، وإنّ غدا لناظره لقريب.
وأما رسالتنا إلى جنود قاعدة الردة فنقول لهم: لقد مضت الشهور على بدء غدرتكم ولم تحققوا ما كنتم تصبون إليه، وكشف الله خبيئتكم، وبان عوار منهجكم وضلال أمرائكم، وانحراف تنظيمكم، فماذا تنتظرون؟! عودوا إلى ربكم ودينكم قبل أن تلقوا هلاككم فتخسروا دينكم ودنياكم وآخرتكم، وإن توبتكم وهدايتكم أحبّ إلينا من قتالكم.
هذا وصلّ اللهم وسلم على نبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله ربّ العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 308
الخميس 7 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
أولياء الرافضة يبكون! مِن أول يوم أعلنت فيه الدولة الإسلامية القتال ضد الرافضة المشركين، ...
أولياء الرافضة يبكون!
مِن أول يوم أعلنت فيه الدولة الإسلامية القتال ضد الرافضة المشركين، تعرّضت لحرب شعواء ليست من الرافضة وأشياعهم، بل من قبل الحركات والتنظيمات المنحرفة والمرتدة المنتسبة للإسلام، حيث لم تتوقف هذه الحركات والتنظيمات منذ ذلك اليوم عن انتقادها وهمزها ولمزها بالمجاهدين، باذلةً جهودا كبيرة لتخطئة جهاد الدولة الإسلامية الذي اشتعلت جذوته ضد الرافضة المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى ويطعنون بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
ولو صرفت هذه التنظيمات المرتدة جهودها في محاربة الرافضة بدلا من الاستماتة في الدفاع عنهم وأسلمتهم وتبرئتهم وتحسين صورتهم ومساواتهم بالمسلمين وأتباع المرسلين، لكان الحال أفضل بكثير مما هو عليه الآن.
وكلما سلّت دولة الإسلام سيوفها على رقاب الروافض المشركين وفجّر أبطالها أحزمتهم الناسفة وسط جموعهم ومعابدهم الشركية، سارعت هذه التنظيمات والأحزاب إلى الصراخ والعويل والإنكار والاستنكار! في صورة عجيبة غريبة يضرب فيها المسلمون الرافضة فيتألم لذلك، مَن يزعمون أنهم على هدي النبي صلى الله عليه وسلم سائرون؟!
وبرغم كل الترهات والانحرافات المنهجية التي تدعو إلى أسلمة المشركين الروافض واعتبارهم "شركاء في الوطن" وافتراض أنهم كعوام أهل السنة! وغيرها من الخرافات العقدية التي لا تجدها إلا في أوهام هؤلاء؛ إلا أننا لم نجد أحدا من الرافضة يدعو إلى التعايش مع أهل السنة! ولم نجد أحدا منهم يقول بمثْل ولا حتى بنصف ما تدعو إليه الحركات المرتدة، بل صار الرافضة بكل أطيافهم لا يتحدثون إلا عن "هلال رافضي" وغزو لعواصم المسلمين، وأحلام بالسيطرة على مكة والقدس وليس بغداد وصنعاء وكابل فحسب!
وكلما حكم الرافضة في بلد أو بلدة أو حتى حارة! كان أول ما يقومون به هو محاربتهم للمسلمين قتلا وأسرا وتشريدا وانتهاكا لحرماتهم، وانظر إلى صنائع الرافضة الحوثة في اليمن كيف كانوا وكيف صاروا؟ وانظر إلى الرافضة في العراق، بل انظر إلى الرافضة في لبنان، وانظر كذلك تاريخ الرافضة الهزارة في خراسان وكيف ساندوا وحالفوا القوات الصليبية الغازية في حربها على أفغانستان وكيف شاركوا رافضة إيران في حربهم ضد المسلمين في العراق والشام! بل سل نفسك ما هو النهج الذي سينتهجه الرافضة الهزارة لو أصبحت لهم كلمة وشوكة في خراسان؟! أتراهم سيحذون حذواً غير حذو الحوثة في اليمن؟! أو حزب الشيطان في جنوب لبنان؟!
إن مشكلة هذه الحركات والتنظيمات التي تؤسلم الرافضة المشركين وتدعو إلى التعايش معهم وتعتبرهم "عوام وإخوانا وشهداءَ"! هي مشكلة في أصلها نابعة من انحراف منهجي عقدي، فجميع هذه الحركات والتنظيمات التي تسارع إلى إدانة الهجمات التي تستهدف الرافضة أو تصف قتلاهم بالشهداء، تجدهم قد أماتوا الولاء والبراء من سنين، وحرفوا عقيدتهم من التوحيد إلى ندها وضدها من "الخلائط المنهجية" التي تساوي بين المؤمن والمرتد! والإيمان والشرك! وتساوي بين أحفاد الخميني وأحفاد الصدّيق! في صورة تخالف الفطر والنقل وحتى العقل، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
إن المتأمل في مسار الرافضة يجد أنهم يزدادون عداء وحربا للمسلمين ومكرا بهم يوما بعد يوما، وإن كل دعوات المرتدين والضالين والمنحرفين للتقارب والتعايش معهم بوصفهم شركاء وإخوانا وغيرها من المصطلحات المنحرفة المضللة، كل هذه الدعوات كان ردّ الرافضة عليها واضحا صريحا باستمرار جرائمهم في حق المسلمين بل مضاعفتها والإمعان فيها، بل إنّ الرافضة لا يكلفون أنفسهم حتى مجرد ترديد مثل هذه الأسطوانات المشروخة والدعوات الباهتة التي لا يتوقف قادة الحركات المرتدة عن ترديدها كما تفعل ميليشيات القاعدة وطالبان وأفرع الإخوان المرتدين على اختلاف مسمياتهم وتشكيلاتهم.
إنّ الانحراف المنهجي لهذه الحركات تراه واضحا صريحا عندما تجدهم يسارعون إلى التصريح والمجاهرة بعدائهم وقتالهم لمجاهدي الدولة الإسلامية ووصفهم بكل أوصاف ونعوت الطعن والتشويه، في حين يسارعون إلى مخاطبة الرافضة بكل ألفاظ وصيغ الحب والتودد والتزلف والتولي والموالاة.
بل أصبحت هذه الحركات والميليشيات تتخذ من قتالها للدولة الإسلامية قرابين وصكوك نجاة عند الصليبيين كما نرى ونسمع كل يوم تصريحات قادة طالبان العلنية والتي تتضمن استجداء الدعم والمال الأمريكي مقابل عزم وتأكيد الميليشيا على محاربة الدولة الإسلامية وتفاخرها بدورها القديم -مثلا- في محاربتها للمجاهدين في مناطق شرق أفغانستان يوم كانوا يقاتلون ضدهم على الأرض تحت ظلال طائرات الصليب! ونسوا وتناسوا أن الله تعالى فوقهم وهو على كل شيء شهيد.
إن الدولة الإسلامية اليوم تقف ثابتة -بفضل الله تعالى- في زمن التراجعات وطوفان الانحرافات في وجه مؤامرات الكافرين والمشركين كافة من الصليبيين والمرتدين وعلى رأسهم الرافضة الذين أعلنوا الحرب على المسلمين في كل مكان، بينما ما يزال قادة الميليشيات المرتدة يبرقون إليهم بالتعازي والتهاني وألطف العبارات وأطيب الأمنيات!.
إن الرافضة المشركين شر وخطر يهدد المسلمين في كل المنطقة؛ في العراق والشام ولبنان واليمن وخراسان وغيرها، بينما لم يتصدّ لخطرهم وشرهم هذا في كل هذه الجبهات غير الدولة الإسلامية أعزها الله تعالى، وأخبار هجماتها وعصف أحزمتها في معابد الرافضة وتجمعاتهم لا تخفى على أحد من بغداد إلى خراسان.
وإن قادة الدولة الإسلامية ومشايخها لم يتركوا فرصة ولا مناسبة لبيان خطر الرافضة المشركين وحقيقتهم إلا وفعلوا، وخطاباتهم طارت بها الركبان، فلحق بالركب من لحق وتخلف عنه مَن تخلف ولا يظلم ربك أحدا.
وستستمر الدولة الإسلامية -بإذن الله تعالى- في قتالها للرافضة المشركين في جميع الجبهات وعلى كل الساحات، ولن تدخر في ذلك جهدا ولن تفرّق بين معابدهم ومراكزهم، كما لن تفرّق بين قادتهم وجنودهم، وستواصل استهدافهم بكل طريقة من نحر رقابهم إلى نثر أشلائهم بإذن الله تعالى.
كما ستستمر في نشر التوحيد والهدى بين الناس ودعوتهم إلى الحق والنجاة، ستدعو الدولة الإسلامية في مواطن الدعوة وستقاتل في مواطن القتال، وستمضي على الدرب ولن تبالي بأحد، فلقد شقّت طريقها على بصيرة من أمرها ولم ولن تلتقي مع أعدائها في منتصف الطريق ولن ترضى بأنصاف الحلول ولن تداهن في منهجها، ستفاصل وتقاتل المشركين كافة كما أمر الله تعالى، فإياه تعبد وحده وإياه تستعين، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 308
الخميس 7 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
مِن أول يوم أعلنت فيه الدولة الإسلامية القتال ضد الرافضة المشركين، تعرّضت لحرب شعواء ليست من الرافضة وأشياعهم، بل من قبل الحركات والتنظيمات المنحرفة والمرتدة المنتسبة للإسلام، حيث لم تتوقف هذه الحركات والتنظيمات منذ ذلك اليوم عن انتقادها وهمزها ولمزها بالمجاهدين، باذلةً جهودا كبيرة لتخطئة جهاد الدولة الإسلامية الذي اشتعلت جذوته ضد الرافضة المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى ويطعنون بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
ولو صرفت هذه التنظيمات المرتدة جهودها في محاربة الرافضة بدلا من الاستماتة في الدفاع عنهم وأسلمتهم وتبرئتهم وتحسين صورتهم ومساواتهم بالمسلمين وأتباع المرسلين، لكان الحال أفضل بكثير مما هو عليه الآن.
وكلما سلّت دولة الإسلام سيوفها على رقاب الروافض المشركين وفجّر أبطالها أحزمتهم الناسفة وسط جموعهم ومعابدهم الشركية، سارعت هذه التنظيمات والأحزاب إلى الصراخ والعويل والإنكار والاستنكار! في صورة عجيبة غريبة يضرب فيها المسلمون الرافضة فيتألم لذلك، مَن يزعمون أنهم على هدي النبي صلى الله عليه وسلم سائرون؟!
وبرغم كل الترهات والانحرافات المنهجية التي تدعو إلى أسلمة المشركين الروافض واعتبارهم "شركاء في الوطن" وافتراض أنهم كعوام أهل السنة! وغيرها من الخرافات العقدية التي لا تجدها إلا في أوهام هؤلاء؛ إلا أننا لم نجد أحدا من الرافضة يدعو إلى التعايش مع أهل السنة! ولم نجد أحدا منهم يقول بمثْل ولا حتى بنصف ما تدعو إليه الحركات المرتدة، بل صار الرافضة بكل أطيافهم لا يتحدثون إلا عن "هلال رافضي" وغزو لعواصم المسلمين، وأحلام بالسيطرة على مكة والقدس وليس بغداد وصنعاء وكابل فحسب!
وكلما حكم الرافضة في بلد أو بلدة أو حتى حارة! كان أول ما يقومون به هو محاربتهم للمسلمين قتلا وأسرا وتشريدا وانتهاكا لحرماتهم، وانظر إلى صنائع الرافضة الحوثة في اليمن كيف كانوا وكيف صاروا؟ وانظر إلى الرافضة في العراق، بل انظر إلى الرافضة في لبنان، وانظر كذلك تاريخ الرافضة الهزارة في خراسان وكيف ساندوا وحالفوا القوات الصليبية الغازية في حربها على أفغانستان وكيف شاركوا رافضة إيران في حربهم ضد المسلمين في العراق والشام! بل سل نفسك ما هو النهج الذي سينتهجه الرافضة الهزارة لو أصبحت لهم كلمة وشوكة في خراسان؟! أتراهم سيحذون حذواً غير حذو الحوثة في اليمن؟! أو حزب الشيطان في جنوب لبنان؟!
إن مشكلة هذه الحركات والتنظيمات التي تؤسلم الرافضة المشركين وتدعو إلى التعايش معهم وتعتبرهم "عوام وإخوانا وشهداءَ"! هي مشكلة في أصلها نابعة من انحراف منهجي عقدي، فجميع هذه الحركات والتنظيمات التي تسارع إلى إدانة الهجمات التي تستهدف الرافضة أو تصف قتلاهم بالشهداء، تجدهم قد أماتوا الولاء والبراء من سنين، وحرفوا عقيدتهم من التوحيد إلى ندها وضدها من "الخلائط المنهجية" التي تساوي بين المؤمن والمرتد! والإيمان والشرك! وتساوي بين أحفاد الخميني وأحفاد الصدّيق! في صورة تخالف الفطر والنقل وحتى العقل، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
إن المتأمل في مسار الرافضة يجد أنهم يزدادون عداء وحربا للمسلمين ومكرا بهم يوما بعد يوما، وإن كل دعوات المرتدين والضالين والمنحرفين للتقارب والتعايش معهم بوصفهم شركاء وإخوانا وغيرها من المصطلحات المنحرفة المضللة، كل هذه الدعوات كان ردّ الرافضة عليها واضحا صريحا باستمرار جرائمهم في حق المسلمين بل مضاعفتها والإمعان فيها، بل إنّ الرافضة لا يكلفون أنفسهم حتى مجرد ترديد مثل هذه الأسطوانات المشروخة والدعوات الباهتة التي لا يتوقف قادة الحركات المرتدة عن ترديدها كما تفعل ميليشيات القاعدة وطالبان وأفرع الإخوان المرتدين على اختلاف مسمياتهم وتشكيلاتهم.
إنّ الانحراف المنهجي لهذه الحركات تراه واضحا صريحا عندما تجدهم يسارعون إلى التصريح والمجاهرة بعدائهم وقتالهم لمجاهدي الدولة الإسلامية ووصفهم بكل أوصاف ونعوت الطعن والتشويه، في حين يسارعون إلى مخاطبة الرافضة بكل ألفاظ وصيغ الحب والتودد والتزلف والتولي والموالاة.
بل أصبحت هذه الحركات والميليشيات تتخذ من قتالها للدولة الإسلامية قرابين وصكوك نجاة عند الصليبيين كما نرى ونسمع كل يوم تصريحات قادة طالبان العلنية والتي تتضمن استجداء الدعم والمال الأمريكي مقابل عزم وتأكيد الميليشيا على محاربة الدولة الإسلامية وتفاخرها بدورها القديم -مثلا- في محاربتها للمجاهدين في مناطق شرق أفغانستان يوم كانوا يقاتلون ضدهم على الأرض تحت ظلال طائرات الصليب! ونسوا وتناسوا أن الله تعالى فوقهم وهو على كل شيء شهيد.
إن الدولة الإسلامية اليوم تقف ثابتة -بفضل الله تعالى- في زمن التراجعات وطوفان الانحرافات في وجه مؤامرات الكافرين والمشركين كافة من الصليبيين والمرتدين وعلى رأسهم الرافضة الذين أعلنوا الحرب على المسلمين في كل مكان، بينما ما يزال قادة الميليشيات المرتدة يبرقون إليهم بالتعازي والتهاني وألطف العبارات وأطيب الأمنيات!.
إن الرافضة المشركين شر وخطر يهدد المسلمين في كل المنطقة؛ في العراق والشام ولبنان واليمن وخراسان وغيرها، بينما لم يتصدّ لخطرهم وشرهم هذا في كل هذه الجبهات غير الدولة الإسلامية أعزها الله تعالى، وأخبار هجماتها وعصف أحزمتها في معابد الرافضة وتجمعاتهم لا تخفى على أحد من بغداد إلى خراسان.
وإن قادة الدولة الإسلامية ومشايخها لم يتركوا فرصة ولا مناسبة لبيان خطر الرافضة المشركين وحقيقتهم إلا وفعلوا، وخطاباتهم طارت بها الركبان، فلحق بالركب من لحق وتخلف عنه مَن تخلف ولا يظلم ربك أحدا.
وستستمر الدولة الإسلامية -بإذن الله تعالى- في قتالها للرافضة المشركين في جميع الجبهات وعلى كل الساحات، ولن تدخر في ذلك جهدا ولن تفرّق بين معابدهم ومراكزهم، كما لن تفرّق بين قادتهم وجنودهم، وستواصل استهدافهم بكل طريقة من نحر رقابهم إلى نثر أشلائهم بإذن الله تعالى.
كما ستستمر في نشر التوحيد والهدى بين الناس ودعوتهم إلى الحق والنجاة، ستدعو الدولة الإسلامية في مواطن الدعوة وستقاتل في مواطن القتال، وستمضي على الدرب ولن تبالي بأحد، فلقد شقّت طريقها على بصيرة من أمرها ولم ولن تلتقي مع أعدائها في منتصف الطريق ولن ترضى بأنصاف الحلول ولن تداهن في منهجها، ستفاصل وتقاتل المشركين كافة كما أمر الله تعالى، فإياه تعبد وحده وإياه تستعين، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 308
الخميس 7 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
أولياء الرافضة يبكون! مِن أول يوم أعلنت فيه الدولة الإسلامية القتال ضد الرافضة المشركين، ...
أولياء الرافضة يبكون!
مِن أول يوم أعلنت فيه الدولة الإسلامية القتال ضد الرافضة المشركين، تعرّضت لحرب شعواء ليست من الرافضة وأشياعهم، بل من قبل الحركات والتنظيمات المنحرفة والمرتدة المنتسبة للإسلام، حيث لم تتوقف هذه الحركات والتنظيمات منذ ذلك اليوم عن انتقادها وهمزها ولمزها بالمجاهدين، باذلةً جهودا كبيرة لتخطئة جهاد الدولة الإسلامية الذي اشتعلت جذوته ضد الرافضة المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى ويطعنون بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
ولو صرفت هذه التنظيمات المرتدة جهودها في محاربة الرافضة بدلا من الاستماتة في الدفاع عنهم وأسلمتهم وتبرئتهم وتحسين صورتهم ومساواتهم بالمسلمين وأتباع المرسلين، لكان الحال أفضل بكثير مما هو عليه الآن.
وكلما سلّت دولة الإسلام سيوفها على رقاب الروافض المشركين وفجّر أبطالها أحزمتهم الناسفة وسط جموعهم ومعابدهم الشركية، سارعت هذه التنظيمات والأحزاب إلى الصراخ والعويل والإنكار والاستنكار! في صورة عجيبة غريبة يضرب فيها المسلمون الرافضة فيتألم لذلك، مَن يزعمون أنهم على هدي النبي صلى الله عليه وسلم سائرون؟!
وبرغم كل الترهات والانحرافات المنهجية التي تدعو إلى أسلمة المشركين الروافض واعتبارهم "شركاء في الوطن" وافتراض أنهم كعوام أهل السنة! وغيرها من الخرافات العقدية التي لا تجدها إلا في أوهام هؤلاء؛ إلا أننا لم نجد أحدا من الرافضة يدعو إلى التعايش مع أهل السنة! ولم نجد أحدا منهم يقول بمثْل ولا حتى بنصف ما تدعو إليه الحركات المرتدة، بل صار الرافضة بكل أطيافهم لا يتحدثون إلا عن "هلال رافضي" وغزو لعواصم المسلمين، وأحلام بالسيطرة على مكة والقدس وليس بغداد وصنعاء وكابل فحسب!
وكلما حكم الرافضة في بلد أو بلدة أو حتى حارة! كان أول ما يقومون به هو محاربتهم للمسلمين قتلا وأسرا وتشريدا وانتهاكا لحرماتهم، وانظر إلى صنائع الرافضة الحوثة في اليمن كيف كانوا وكيف صاروا؟ وانظر إلى الرافضة في العراق، بل انظر إلى الرافضة في لبنان، وانظر كذلك تاريخ الرافضة الهزارة في خراسان وكيف ساندوا وحالفوا القوات الصليبية الغازية في حربها على أفغانستان وكيف شاركوا رافضة إيران في حربهم ضد المسلمين في العراق والشام! بل سل نفسك ما هو النهج الذي سينتهجه الرافضة الهزارة لو أصبحت لهم كلمة وشوكة في خراسان؟! أتراهم سيحذون حذواً غير حذو الحوثة في اليمن؟! أو حزب الشيطان في جنوب لبنان؟!
إن مشكلة هذه الحركات والتنظيمات التي تؤسلم الرافضة المشركين وتدعو إلى التعايش معهم وتعتبرهم "عوام وإخوانا وشهداءَ"! هي مشكلة في أصلها نابعة من انحراف منهجي عقدي، فجميع هذه الحركات والتنظيمات التي تسارع إلى إدانة الهجمات التي تستهدف الرافضة أو تصف قتلاهم بالشهداء، تجدهم قد أماتوا الولاء والبراء من سنين، وحرفوا عقيدتهم من التوحيد إلى ندها وضدها من "الخلائط المنهجية" التي تساوي بين المؤمن والمرتد! والإيمان والشرك! وتساوي بين أحفاد الخميني وأحفاد الصدّيق! في صورة تخالف الفطر والنقل وحتى العقل، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
إن المتأمل في مسار الرافضة يجد أنهم يزدادون عداء وحربا للمسلمين ومكرا بهم يوما بعد يوما، وإن كل دعوات المرتدين والضالين والمنحرفين للتقارب والتعايش معهم بوصفهم شركاء وإخوانا وغيرها من المصطلحات المنحرفة المضللة، كل هذه الدعوات كان ردّ الرافضة عليها واضحا صريحا باستمرار جرائمهم في حق المسلمين بل مضاعفتها والإمعان فيها، بل إنّ الرافضة لا يكلفون أنفسهم حتى مجرد ترديد مثل هذه الأسطوانات المشروخة والدعوات الباهتة التي لا يتوقف قادة الحركات المرتدة عن ترديدها كما تفعل ميليشيات القاعدة وطالبان وأفرع الإخوان المرتدين على اختلاف مسمياتهم وتشكيلاتهم.
إنّ الانحراف المنهجي لهذه الحركات تراه واضحا صريحا عندما تجدهم يسارعون إلى التصريح والمجاهرة بعدائهم وقتالهم لمجاهدي الدولة الإسلامية ووصفهم بكل أوصاف ونعوت الطعن والتشويه، في حين يسارعون إلى مخاطبة الرافضة بكل ألفاظ وصيغ الحب والتودد والتزلف والتولي والموالاة.
بل أصبحت هذه الحركات والميليشيات تتخذ من قتالها للدولة الإسلامية قرابين وصكوك نجاة عند الصليبيين كما نرى ونسمع كل يوم تصريحات قادة طالبان العلنية والتي تتضمن استجداء الدعم والمال الأمريكي مقابل عزم وتأكيد الميليشيا على محاربة الدولة الإسلامية وتفاخرها بدورها القديم -مثلا- في محاربتها للمجاهدين في مناطق شرق أفغانستان يوم كانوا يقاتلون ضدهم على الأرض تحت ظلال طائرات الصليب! ونسوا وتناسوا أن الله تعالى فوقهم وهو على كل شيء شهيد.
إن الدولة الإسلامية اليوم تقف ثابتة -بفضل الله تعالى- في زمن التراجعات وطوفان الانحرافات في وجه مؤامرات الكافرين والمشركين كافة من الصليبيين والمرتدين وعلى رأسهم الرافضة الذين أعلنوا الحرب على المسلمين في كل مكان، بينما ما يزال قادة الميليشيات المرتدة يبرقون إليهم بالتعازي والتهاني وألطف العبارات وأطيب الأمنيات!.
إن الرافضة المشركين شر وخطر يهدد المسلمين في كل المنطقة؛ في العراق والشام ولبنان واليمن وخراسان وغيرها، بينما لم يتصدّ لخطرهم وشرهم هذا في كل هذه الجبهات غير الدولة الإسلامية أعزها الله تعالى، وأخبار هجماتها وعصف أحزمتها في معابد الرافضة وتجمعاتهم لا تخفى على أحد من بغداد إلى خراسان.
وإن قادة الدولة الإسلامية ومشايخها لم يتركوا فرصة ولا مناسبة لبيان خطر الرافضة المشركين وحقيقتهم إلا وفعلوا، وخطاباتهم طارت بها الركبان، فلحق بالركب من لحق وتخلف عنه مَن تخلف ولا يظلم ربك أحدا.
وستستمر الدولة الإسلامية -بإذن الله تعالى- في قتالها للرافضة المشركين في جميع الجبهات وعلى كل الساحات، ولن تدخر في ذلك جهدا ولن تفرّق بين معابدهم ومراكزهم، كما لن تفرّق بين قادتهم وجنودهم، وستواصل استهدافهم بكل طريقة من نحر رقابهم إلى نثر أشلائهم بإذن الله تعالى.
كما ستستمر في نشر التوحيد والهدى بين الناس ودعوتهم إلى الحق والنجاة، ستدعو الدولة الإسلامية في مواطن الدعوة وستقاتل في مواطن القتال، وستمضي على الدرب ولن تبالي بأحد، فلقد شقّت طريقها على بصيرة من أمرها ولم ولن تلتقي مع أعدائها في منتصف الطريق ولن ترضى بأنصاف الحلول ولن تداهن في منهجها، ستفاصل وتقاتل المشركين كافة كما أمر الله تعالى، فإياه تعبد وحده وإياه تستعين، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 308
الخميس 7 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
مِن أول يوم أعلنت فيه الدولة الإسلامية القتال ضد الرافضة المشركين، تعرّضت لحرب شعواء ليست من الرافضة وأشياعهم، بل من قبل الحركات والتنظيمات المنحرفة والمرتدة المنتسبة للإسلام، حيث لم تتوقف هذه الحركات والتنظيمات منذ ذلك اليوم عن انتقادها وهمزها ولمزها بالمجاهدين، باذلةً جهودا كبيرة لتخطئة جهاد الدولة الإسلامية الذي اشتعلت جذوته ضد الرافضة المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى ويطعنون بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن.
ولو صرفت هذه التنظيمات المرتدة جهودها في محاربة الرافضة بدلا من الاستماتة في الدفاع عنهم وأسلمتهم وتبرئتهم وتحسين صورتهم ومساواتهم بالمسلمين وأتباع المرسلين، لكان الحال أفضل بكثير مما هو عليه الآن.
وكلما سلّت دولة الإسلام سيوفها على رقاب الروافض المشركين وفجّر أبطالها أحزمتهم الناسفة وسط جموعهم ومعابدهم الشركية، سارعت هذه التنظيمات والأحزاب إلى الصراخ والعويل والإنكار والاستنكار! في صورة عجيبة غريبة يضرب فيها المسلمون الرافضة فيتألم لذلك، مَن يزعمون أنهم على هدي النبي صلى الله عليه وسلم سائرون؟!
وبرغم كل الترهات والانحرافات المنهجية التي تدعو إلى أسلمة المشركين الروافض واعتبارهم "شركاء في الوطن" وافتراض أنهم كعوام أهل السنة! وغيرها من الخرافات العقدية التي لا تجدها إلا في أوهام هؤلاء؛ إلا أننا لم نجد أحدا من الرافضة يدعو إلى التعايش مع أهل السنة! ولم نجد أحدا منهم يقول بمثْل ولا حتى بنصف ما تدعو إليه الحركات المرتدة، بل صار الرافضة بكل أطيافهم لا يتحدثون إلا عن "هلال رافضي" وغزو لعواصم المسلمين، وأحلام بالسيطرة على مكة والقدس وليس بغداد وصنعاء وكابل فحسب!
وكلما حكم الرافضة في بلد أو بلدة أو حتى حارة! كان أول ما يقومون به هو محاربتهم للمسلمين قتلا وأسرا وتشريدا وانتهاكا لحرماتهم، وانظر إلى صنائع الرافضة الحوثة في اليمن كيف كانوا وكيف صاروا؟ وانظر إلى الرافضة في العراق، بل انظر إلى الرافضة في لبنان، وانظر كذلك تاريخ الرافضة الهزارة في خراسان وكيف ساندوا وحالفوا القوات الصليبية الغازية في حربها على أفغانستان وكيف شاركوا رافضة إيران في حربهم ضد المسلمين في العراق والشام! بل سل نفسك ما هو النهج الذي سينتهجه الرافضة الهزارة لو أصبحت لهم كلمة وشوكة في خراسان؟! أتراهم سيحذون حذواً غير حذو الحوثة في اليمن؟! أو حزب الشيطان في جنوب لبنان؟!
إن مشكلة هذه الحركات والتنظيمات التي تؤسلم الرافضة المشركين وتدعو إلى التعايش معهم وتعتبرهم "عوام وإخوانا وشهداءَ"! هي مشكلة في أصلها نابعة من انحراف منهجي عقدي، فجميع هذه الحركات والتنظيمات التي تسارع إلى إدانة الهجمات التي تستهدف الرافضة أو تصف قتلاهم بالشهداء، تجدهم قد أماتوا الولاء والبراء من سنين، وحرفوا عقيدتهم من التوحيد إلى ندها وضدها من "الخلائط المنهجية" التي تساوي بين المؤمن والمرتد! والإيمان والشرك! وتساوي بين أحفاد الخميني وأحفاد الصدّيق! في صورة تخالف الفطر والنقل وحتى العقل، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
إن المتأمل في مسار الرافضة يجد أنهم يزدادون عداء وحربا للمسلمين ومكرا بهم يوما بعد يوما، وإن كل دعوات المرتدين والضالين والمنحرفين للتقارب والتعايش معهم بوصفهم شركاء وإخوانا وغيرها من المصطلحات المنحرفة المضللة، كل هذه الدعوات كان ردّ الرافضة عليها واضحا صريحا باستمرار جرائمهم في حق المسلمين بل مضاعفتها والإمعان فيها، بل إنّ الرافضة لا يكلفون أنفسهم حتى مجرد ترديد مثل هذه الأسطوانات المشروخة والدعوات الباهتة التي لا يتوقف قادة الحركات المرتدة عن ترديدها كما تفعل ميليشيات القاعدة وطالبان وأفرع الإخوان المرتدين على اختلاف مسمياتهم وتشكيلاتهم.
إنّ الانحراف المنهجي لهذه الحركات تراه واضحا صريحا عندما تجدهم يسارعون إلى التصريح والمجاهرة بعدائهم وقتالهم لمجاهدي الدولة الإسلامية ووصفهم بكل أوصاف ونعوت الطعن والتشويه، في حين يسارعون إلى مخاطبة الرافضة بكل ألفاظ وصيغ الحب والتودد والتزلف والتولي والموالاة.
بل أصبحت هذه الحركات والميليشيات تتخذ من قتالها للدولة الإسلامية قرابين وصكوك نجاة عند الصليبيين كما نرى ونسمع كل يوم تصريحات قادة طالبان العلنية والتي تتضمن استجداء الدعم والمال الأمريكي مقابل عزم وتأكيد الميليشيا على محاربة الدولة الإسلامية وتفاخرها بدورها القديم -مثلا- في محاربتها للمجاهدين في مناطق شرق أفغانستان يوم كانوا يقاتلون ضدهم على الأرض تحت ظلال طائرات الصليب! ونسوا وتناسوا أن الله تعالى فوقهم وهو على كل شيء شهيد.
إن الدولة الإسلامية اليوم تقف ثابتة -بفضل الله تعالى- في زمن التراجعات وطوفان الانحرافات في وجه مؤامرات الكافرين والمشركين كافة من الصليبيين والمرتدين وعلى رأسهم الرافضة الذين أعلنوا الحرب على المسلمين في كل مكان، بينما ما يزال قادة الميليشيات المرتدة يبرقون إليهم بالتعازي والتهاني وألطف العبارات وأطيب الأمنيات!.
إن الرافضة المشركين شر وخطر يهدد المسلمين في كل المنطقة؛ في العراق والشام ولبنان واليمن وخراسان وغيرها، بينما لم يتصدّ لخطرهم وشرهم هذا في كل هذه الجبهات غير الدولة الإسلامية أعزها الله تعالى، وأخبار هجماتها وعصف أحزمتها في معابد الرافضة وتجمعاتهم لا تخفى على أحد من بغداد إلى خراسان.
وإن قادة الدولة الإسلامية ومشايخها لم يتركوا فرصة ولا مناسبة لبيان خطر الرافضة المشركين وحقيقتهم إلا وفعلوا، وخطاباتهم طارت بها الركبان، فلحق بالركب من لحق وتخلف عنه مَن تخلف ولا يظلم ربك أحدا.
وستستمر الدولة الإسلامية -بإذن الله تعالى- في قتالها للرافضة المشركين في جميع الجبهات وعلى كل الساحات، ولن تدخر في ذلك جهدا ولن تفرّق بين معابدهم ومراكزهم، كما لن تفرّق بين قادتهم وجنودهم، وستواصل استهدافهم بكل طريقة من نحر رقابهم إلى نثر أشلائهم بإذن الله تعالى.
كما ستستمر في نشر التوحيد والهدى بين الناس ودعوتهم إلى الحق والنجاة، ستدعو الدولة الإسلامية في مواطن الدعوة وستقاتل في مواطن القتال، وستمضي على الدرب ولن تبالي بأحد، فلقد شقّت طريقها على بصيرة من أمرها ولم ولن تلتقي مع أعدائها في منتصف الطريق ولن ترضى بأنصاف الحلول ولن تداهن في منهجها، ستفاصل وتقاتل المشركين كافة كما أمر الله تعالى، فإياه تعبد وحده وإياه تستعين، والحمد لله رب العالمين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 308
الخميس 7 ربيع الأول 1443 هـ ...المزيد
مقال: جاه الأكارم (6) -الرفق- الحمد لله الملك الخلاق، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم ...
مقال: جاه الأكارم (6) -الرفق-
الحمد لله الملك الخلاق، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم الإيمان والأخلاق، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التلاق، أما بعد:
قسمَ الله سبحانه وتعالى الأخلاق كما قسم الأرزاق، فمن رُزقها فإنما رُزق خيرا كثيرا فليحمد الله، ومن لم يُعطها فليسعَ إليها كما يسعى لطلب الرزق، فما الرزق بأولى أن يسعى له العبد من الأخلاق، وكما قيل: إنما العلم بالتعلّم، والحلم بالتحلّم، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطه، ومن يتوقّ الشر يُوقَه.
ومن أجلّ أخلاق الأكارم وجاههم خلق الرفق، ذاكم الخلق الرفيع الذي يبلغ بأصحابه المنازل وتصلح به الأمور وتدرك به مفاتيح الأشياء، فكم من مشاكل شائكة كان علاجها في الرفق، وكم من أناس ما استُمكن منهم إلا بالرفق، وكم من ملك ساس قومه بالرفق فقاد أولهم وآخرهم أحسن قياد، فكل موفق رائد يشار له بالبنان يكون الرفق له رفيقا، وما أحد من الخلفاء الراشدين إلا وكان إماما في الرفق.
• الرفق من صفات الله تعالى
ويكفي للرفق منزلة أنه من صفات ربنا المتعال جل جلاله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) [رواه مسلم] قال النووي: "ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيره" [شرح صحيح مسلم]
فهو من الأعمال التي يحبها الله من عباده، وإنه تعالى يعطي عليه -ولا عطاء كعطائه سبحانه- ما لا يعطي على ما سواه من الثواب والجزاء، فمن إذا يرغب عن عطاء الله تعالى؟.
والرفق يدخل في كل شيء ويزينه ويحسّنه ويُصلحه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يدخل الرفق في شيء إلا زانه، ولم ينزع من شيء إلا شانه) [أحمد]، وقوله: "شيء" عامة تشمل المعاملة والكلام والتعليم والتكليف والعقاب، وتشمل بني آدم والمتاع والدواب، فكلٌ يزينه الرفق، وإن فُقد الرفق من شيء كان قبيحًا ومشينًا، قال صلى الله عليه وسلم: (من يُحرم الرفق يُحرم الخير) [مسلم]
• يسّروا وبشّروا وتطاوعوا
وإن حضور الرفق بين القوم لهو دليلٌ أن الله يريد بهم الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) [مكارم الأخلاق للطبراني] ولحاجة المبلّغ لهذا الدين إلى الرفق من معلّم أو أمير أو مجاهد، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمثالهم إليه، فهذان الصحابيان الجليلان أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: (يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا) [البخاري ومسلم]
فهذه وصية مهمة "التيسير والتبشير"، التيسير لأمور الشرع وتكاليفه التي ربما يراها بعض الناس عسيرة صعبة لا يمكن إدراكها ولا تأديتها فتُيسّر عليهم وتُهوّن، وتُعطى بأحسن طريقة وفي أنسب وقت، مع التبشير بما أعدّ الله لفاعلها من عظيم الجزاء في الآخرة، فإنه أنشط للعمل وأدعى للقبول.
ونهاهما عن "التعسير والتنفير" أي: تعسير الأمور لعامة المسلمين وتكليفهم ما لا طاقة لهم به، أو تهويل وتعظيم ما هو يسير من أمور الشرع أو أحوال الناس في دنياهم وحاجاتهم، فيفضي ذلك إلى تنفيرهم. قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وفيه تأليف مَن قرُب إسلامه، وترْك التشديد عليهم، وكذلك مَن قارب البلوغ من الصبيان ومَن بلغ، ومَن تاب مِن المعاصي، كلهم يُتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلا قليلا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج، فمتى يُسّر على الداخل في الطاعة أو المريد للدخول فيها؛ سهلت عليه وكانت عاقبته غالبا التزايد منها، ومتى عُسّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم، أو لا يستحليها" [شرح صحيح مسلم]
وقد أرشدهما النبي صلى الله عليه وسلم لهذا لأنهما يليان أمر الناس والمسؤولية عنهم، ومن وُلي أمر الناس كان القول له آكد من غيره، فقد جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم مَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه! ومَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)، قال النووي: "هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى".
• ومن الرفق: الحلم والأناة
ويدخل في الرفق أيضا الحلم والأناة، فهاتان الصفتان يحبهما الله كما يحب الرفق، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس حين قدم مع وفده للمدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن فيك خصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة) [مسلم]
فالحلم هو العقل، وهو أيضا العفو عند المقدرة، فحيثما استطاع الإنسان الانتقام لنفسه لكنه ترك ذلك مع مقدرته فهو حليم، والأناة هي التؤدة والرويّة وعدم الاستعجال في الأمور.
والعجلة وإنْ كانت من طبيعة ابن آدم وفطرته كما قال الله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11] إلا أنها أبعد عن الصواب؛ لأنها من الشيطان، وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "لا يزال المرء يجتني من ثمرة العجلة الندامة"، إلا إنْ كانت العجلة في أمر الآخرة والمسارعة في الخيرات فهنا تكون محمودة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) [رواه أبو داود]، والقرآن يحث على المسارعة والتعجيل في أمور البر وأعمال الآخرة كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ} [آل عمران:133]، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]،{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]، {أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61].
والرفق خلق النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان من هديه عليه الصلاة والسلام التيسير على أمته ما استطاع إلى ذلك، قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه" [متفق عليه] فحيث لا يكون إثم، ولا ضعف أو مداهنة في الدين، ولا ورود للشبهات، فالرفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
• رفق النبي صلى الله عليه وسلم
ومن أمثلة رفقه صلى الله عليه وسلم، قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه)، ثم دعا بدلو من ماء فصبّ عليه. [البخاري]، وفي رواية عند النسائي أنه قال: (دعوه، وأهريقوا على بوله دلوا من ماء؛ فإنما بُعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين).
ومن ذلك أيضا قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، لما جاء وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعلم أن الكلام قد نُهي عنه في الصلاة، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم؟ تنظرون إلي! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمِّتُونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). [مسلم]
وبالرفق يسلم الإنسان من الانتصار لنفسه حينما يُرشد غيره، فإن الغاية هي أن يؤخذ بالحق، ويبُيّن، لا أن يُحوّل الأمر لخصومة شخصية فتخرج عن طابعها الأصلي.
جعلنا الله هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، مرشدين مسترشدين، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله الملك الخلاق، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم الإيمان والأخلاق، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التلاق، أما بعد:
قسمَ الله سبحانه وتعالى الأخلاق كما قسم الأرزاق، فمن رُزقها فإنما رُزق خيرا كثيرا فليحمد الله، ومن لم يُعطها فليسعَ إليها كما يسعى لطلب الرزق، فما الرزق بأولى أن يسعى له العبد من الأخلاق، وكما قيل: إنما العلم بالتعلّم، والحلم بالتحلّم، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطه، ومن يتوقّ الشر يُوقَه.
ومن أجلّ أخلاق الأكارم وجاههم خلق الرفق، ذاكم الخلق الرفيع الذي يبلغ بأصحابه المنازل وتصلح به الأمور وتدرك به مفاتيح الأشياء، فكم من مشاكل شائكة كان علاجها في الرفق، وكم من أناس ما استُمكن منهم إلا بالرفق، وكم من ملك ساس قومه بالرفق فقاد أولهم وآخرهم أحسن قياد، فكل موفق رائد يشار له بالبنان يكون الرفق له رفيقا، وما أحد من الخلفاء الراشدين إلا وكان إماما في الرفق.
• الرفق من صفات الله تعالى
ويكفي للرفق منزلة أنه من صفات ربنا المتعال جل جلاله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) [رواه مسلم] قال النووي: "ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيره" [شرح صحيح مسلم]
فهو من الأعمال التي يحبها الله من عباده، وإنه تعالى يعطي عليه -ولا عطاء كعطائه سبحانه- ما لا يعطي على ما سواه من الثواب والجزاء، فمن إذا يرغب عن عطاء الله تعالى؟.
والرفق يدخل في كل شيء ويزينه ويحسّنه ويُصلحه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يدخل الرفق في شيء إلا زانه، ولم ينزع من شيء إلا شانه) [أحمد]، وقوله: "شيء" عامة تشمل المعاملة والكلام والتعليم والتكليف والعقاب، وتشمل بني آدم والمتاع والدواب، فكلٌ يزينه الرفق، وإن فُقد الرفق من شيء كان قبيحًا ومشينًا، قال صلى الله عليه وسلم: (من يُحرم الرفق يُحرم الخير) [مسلم]
• يسّروا وبشّروا وتطاوعوا
وإن حضور الرفق بين القوم لهو دليلٌ أن الله يريد بهم الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) [مكارم الأخلاق للطبراني] ولحاجة المبلّغ لهذا الدين إلى الرفق من معلّم أو أمير أو مجاهد، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمثالهم إليه، فهذان الصحابيان الجليلان أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: (يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا) [البخاري ومسلم]
فهذه وصية مهمة "التيسير والتبشير"، التيسير لأمور الشرع وتكاليفه التي ربما يراها بعض الناس عسيرة صعبة لا يمكن إدراكها ولا تأديتها فتُيسّر عليهم وتُهوّن، وتُعطى بأحسن طريقة وفي أنسب وقت، مع التبشير بما أعدّ الله لفاعلها من عظيم الجزاء في الآخرة، فإنه أنشط للعمل وأدعى للقبول.
ونهاهما عن "التعسير والتنفير" أي: تعسير الأمور لعامة المسلمين وتكليفهم ما لا طاقة لهم به، أو تهويل وتعظيم ما هو يسير من أمور الشرع أو أحوال الناس في دنياهم وحاجاتهم، فيفضي ذلك إلى تنفيرهم. قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وفيه تأليف مَن قرُب إسلامه، وترْك التشديد عليهم، وكذلك مَن قارب البلوغ من الصبيان ومَن بلغ، ومَن تاب مِن المعاصي، كلهم يُتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلا قليلا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج، فمتى يُسّر على الداخل في الطاعة أو المريد للدخول فيها؛ سهلت عليه وكانت عاقبته غالبا التزايد منها، ومتى عُسّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم، أو لا يستحليها" [شرح صحيح مسلم]
وقد أرشدهما النبي صلى الله عليه وسلم لهذا لأنهما يليان أمر الناس والمسؤولية عنهم، ومن وُلي أمر الناس كان القول له آكد من غيره، فقد جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم مَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه! ومَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)، قال النووي: "هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى".
• ومن الرفق: الحلم والأناة
ويدخل في الرفق أيضا الحلم والأناة، فهاتان الصفتان يحبهما الله كما يحب الرفق، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس حين قدم مع وفده للمدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن فيك خصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة) [مسلم]
فالحلم هو العقل، وهو أيضا العفو عند المقدرة، فحيثما استطاع الإنسان الانتقام لنفسه لكنه ترك ذلك مع مقدرته فهو حليم، والأناة هي التؤدة والرويّة وعدم الاستعجال في الأمور.
والعجلة وإنْ كانت من طبيعة ابن آدم وفطرته كما قال الله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11] إلا أنها أبعد عن الصواب؛ لأنها من الشيطان، وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "لا يزال المرء يجتني من ثمرة العجلة الندامة"، إلا إنْ كانت العجلة في أمر الآخرة والمسارعة في الخيرات فهنا تكون محمودة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) [رواه أبو داود]، والقرآن يحث على المسارعة والتعجيل في أمور البر وأعمال الآخرة كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ} [آل عمران:133]، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]،{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]، {أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61].
والرفق خلق النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان من هديه عليه الصلاة والسلام التيسير على أمته ما استطاع إلى ذلك، قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه" [متفق عليه] فحيث لا يكون إثم، ولا ضعف أو مداهنة في الدين، ولا ورود للشبهات، فالرفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
• رفق النبي صلى الله عليه وسلم
ومن أمثلة رفقه صلى الله عليه وسلم، قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه)، ثم دعا بدلو من ماء فصبّ عليه. [البخاري]، وفي رواية عند النسائي أنه قال: (دعوه، وأهريقوا على بوله دلوا من ماء؛ فإنما بُعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين).
ومن ذلك أيضا قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، لما جاء وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعلم أن الكلام قد نُهي عنه في الصلاة، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم؟ تنظرون إلي! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمِّتُونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). [مسلم]
وبالرفق يسلم الإنسان من الانتصار لنفسه حينما يُرشد غيره، فإن الغاية هي أن يؤخذ بالحق، ويبُيّن، لا أن يُحوّل الأمر لخصومة شخصية فتخرج عن طابعها الأصلي.
جعلنا الله هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، مرشدين مسترشدين، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
مقال: جاه الأكارم (6) -الرفق- الحمد لله الملك الخلاق، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم ...
مقال: جاه الأكارم (6) -الرفق-
الحمد لله الملك الخلاق، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم الإيمان والأخلاق، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التلاق، أما بعد:
قسمَ الله سبحانه وتعالى الأخلاق كما قسم الأرزاق، فمن رُزقها فإنما رُزق خيرا كثيرا فليحمد الله، ومن لم يُعطها فليسعَ إليها كما يسعى لطلب الرزق، فما الرزق بأولى أن يسعى له العبد من الأخلاق، وكما قيل: إنما العلم بالتعلّم، والحلم بالتحلّم، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطه، ومن يتوقّ الشر يُوقَه.
ومن أجلّ أخلاق الأكارم وجاههم خلق الرفق، ذاكم الخلق الرفيع الذي يبلغ بأصحابه المنازل وتصلح به الأمور وتدرك به مفاتيح الأشياء، فكم من مشاكل شائكة كان علاجها في الرفق، وكم من أناس ما استُمكن منهم إلا بالرفق، وكم من ملك ساس قومه بالرفق فقاد أولهم وآخرهم أحسن قياد، فكل موفق رائد يشار له بالبنان يكون الرفق له رفيقا، وما أحد من الخلفاء الراشدين إلا وكان إماما في الرفق.
• الرفق من صفات الله تعالى
ويكفي للرفق منزلة أنه من صفات ربنا المتعال جل جلاله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) [رواه مسلم] قال النووي: "ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيره" [شرح صحيح مسلم]
فهو من الأعمال التي يحبها الله من عباده، وإنه تعالى يعطي عليه -ولا عطاء كعطائه سبحانه- ما لا يعطي على ما سواه من الثواب والجزاء، فمن إذا يرغب عن عطاء الله تعالى؟.
والرفق يدخل في كل شيء ويزينه ويحسّنه ويُصلحه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يدخل الرفق في شيء إلا زانه، ولم ينزع من شيء إلا شانه) [أحمد]، وقوله: "شيء" عامة تشمل المعاملة والكلام والتعليم والتكليف والعقاب، وتشمل بني آدم والمتاع والدواب، فكلٌ يزينه الرفق، وإن فُقد الرفق من شيء كان قبيحًا ومشينًا، قال صلى الله عليه وسلم: (من يُحرم الرفق يُحرم الخير) [مسلم]
• يسّروا وبشّروا وتطاوعوا
وإن حضور الرفق بين القوم لهو دليلٌ أن الله يريد بهم الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) [مكارم الأخلاق للطبراني] ولحاجة المبلّغ لهذا الدين إلى الرفق من معلّم أو أمير أو مجاهد، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمثالهم إليه، فهذان الصحابيان الجليلان أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: (يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا) [البخاري ومسلم]
فهذه وصية مهمة "التيسير والتبشير"، التيسير لأمور الشرع وتكاليفه التي ربما يراها بعض الناس عسيرة صعبة لا يمكن إدراكها ولا تأديتها فتُيسّر عليهم وتُهوّن، وتُعطى بأحسن طريقة وفي أنسب وقت، مع التبشير بما أعدّ الله لفاعلها من عظيم الجزاء في الآخرة، فإنه أنشط للعمل وأدعى للقبول.
ونهاهما عن "التعسير والتنفير" أي: تعسير الأمور لعامة المسلمين وتكليفهم ما لا طاقة لهم به، أو تهويل وتعظيم ما هو يسير من أمور الشرع أو أحوال الناس في دنياهم وحاجاتهم، فيفضي ذلك إلى تنفيرهم. قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وفيه تأليف مَن قرُب إسلامه، وترْك التشديد عليهم، وكذلك مَن قارب البلوغ من الصبيان ومَن بلغ، ومَن تاب مِن المعاصي، كلهم يُتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلا قليلا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج، فمتى يُسّر على الداخل في الطاعة أو المريد للدخول فيها؛ سهلت عليه وكانت عاقبته غالبا التزايد منها، ومتى عُسّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم، أو لا يستحليها" [شرح صحيح مسلم]
وقد أرشدهما النبي صلى الله عليه وسلم لهذا لأنهما يليان أمر الناس والمسؤولية عنهم، ومن وُلي أمر الناس كان القول له آكد من غيره، فقد جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم مَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه! ومَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)، قال النووي: "هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى".
• ومن الرفق: الحلم والأناة
ويدخل في الرفق أيضا الحلم والأناة، فهاتان الصفتان يحبهما الله كما يحب الرفق، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس حين قدم مع وفده للمدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن فيك خصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة) [مسلم]
فالحلم هو العقل، وهو أيضا العفو عند المقدرة، فحيثما استطاع الإنسان الانتقام لنفسه لكنه ترك ذلك مع مقدرته فهو حليم، والأناة هي التؤدة والرويّة وعدم الاستعجال في الأمور.
والعجلة وإنْ كانت من طبيعة ابن آدم وفطرته كما قال الله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11] إلا أنها أبعد عن الصواب؛ لأنها من الشيطان، وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "لا يزال المرء يجتني من ثمرة العجلة الندامة"، إلا إنْ كانت العجلة في أمر الآخرة والمسارعة في الخيرات فهنا تكون محمودة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) [رواه أبو داود]، والقرآن يحث على المسارعة والتعجيل في أمور البر وأعمال الآخرة كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ} [آل عمران:133]، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]،{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]، {أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61].
والرفق خلق النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان من هديه عليه الصلاة والسلام التيسير على أمته ما استطاع إلى ذلك، قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه" [متفق عليه] فحيث لا يكون إثم، ولا ضعف أو مداهنة في الدين، ولا ورود للشبهات، فالرفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
• رفق النبي صلى الله عليه وسلم
ومن أمثلة رفقه صلى الله عليه وسلم، قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه)، ثم دعا بدلو من ماء فصبّ عليه. [البخاري]، وفي رواية عند النسائي أنه قال: (دعوه، وأهريقوا على بوله دلوا من ماء؛ فإنما بُعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين).
ومن ذلك أيضا قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، لما جاء وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعلم أن الكلام قد نُهي عنه في الصلاة، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم؟ تنظرون إلي! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمِّتُونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). [مسلم]
وبالرفق يسلم الإنسان من الانتصار لنفسه حينما يُرشد غيره، فإن الغاية هي أن يؤخذ بالحق، ويبُيّن، لا أن يُحوّل الأمر لخصومة شخصية فتخرج عن طابعها الأصلي.
جعلنا الله هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، مرشدين مسترشدين، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله الملك الخلاق، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم الإيمان والأخلاق، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التلاق، أما بعد:
قسمَ الله سبحانه وتعالى الأخلاق كما قسم الأرزاق، فمن رُزقها فإنما رُزق خيرا كثيرا فليحمد الله، ومن لم يُعطها فليسعَ إليها كما يسعى لطلب الرزق، فما الرزق بأولى أن يسعى له العبد من الأخلاق، وكما قيل: إنما العلم بالتعلّم، والحلم بالتحلّم، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطه، ومن يتوقّ الشر يُوقَه.
ومن أجلّ أخلاق الأكارم وجاههم خلق الرفق، ذاكم الخلق الرفيع الذي يبلغ بأصحابه المنازل وتصلح به الأمور وتدرك به مفاتيح الأشياء، فكم من مشاكل شائكة كان علاجها في الرفق، وكم من أناس ما استُمكن منهم إلا بالرفق، وكم من ملك ساس قومه بالرفق فقاد أولهم وآخرهم أحسن قياد، فكل موفق رائد يشار له بالبنان يكون الرفق له رفيقا، وما أحد من الخلفاء الراشدين إلا وكان إماما في الرفق.
• الرفق من صفات الله تعالى
ويكفي للرفق منزلة أنه من صفات ربنا المتعال جل جلاله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) [رواه مسلم] قال النووي: "ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيره" [شرح صحيح مسلم]
فهو من الأعمال التي يحبها الله من عباده، وإنه تعالى يعطي عليه -ولا عطاء كعطائه سبحانه- ما لا يعطي على ما سواه من الثواب والجزاء، فمن إذا يرغب عن عطاء الله تعالى؟.
والرفق يدخل في كل شيء ويزينه ويحسّنه ويُصلحه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يدخل الرفق في شيء إلا زانه، ولم ينزع من شيء إلا شانه) [أحمد]، وقوله: "شيء" عامة تشمل المعاملة والكلام والتعليم والتكليف والعقاب، وتشمل بني آدم والمتاع والدواب، فكلٌ يزينه الرفق، وإن فُقد الرفق من شيء كان قبيحًا ومشينًا، قال صلى الله عليه وسلم: (من يُحرم الرفق يُحرم الخير) [مسلم]
• يسّروا وبشّروا وتطاوعوا
وإن حضور الرفق بين القوم لهو دليلٌ أن الله يريد بهم الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) [مكارم الأخلاق للطبراني] ولحاجة المبلّغ لهذا الدين إلى الرفق من معلّم أو أمير أو مجاهد، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمثالهم إليه، فهذان الصحابيان الجليلان أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: (يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا) [البخاري ومسلم]
فهذه وصية مهمة "التيسير والتبشير"، التيسير لأمور الشرع وتكاليفه التي ربما يراها بعض الناس عسيرة صعبة لا يمكن إدراكها ولا تأديتها فتُيسّر عليهم وتُهوّن، وتُعطى بأحسن طريقة وفي أنسب وقت، مع التبشير بما أعدّ الله لفاعلها من عظيم الجزاء في الآخرة، فإنه أنشط للعمل وأدعى للقبول.
ونهاهما عن "التعسير والتنفير" أي: تعسير الأمور لعامة المسلمين وتكليفهم ما لا طاقة لهم به، أو تهويل وتعظيم ما هو يسير من أمور الشرع أو أحوال الناس في دنياهم وحاجاتهم، فيفضي ذلك إلى تنفيرهم. قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وفيه تأليف مَن قرُب إسلامه، وترْك التشديد عليهم، وكذلك مَن قارب البلوغ من الصبيان ومَن بلغ، ومَن تاب مِن المعاصي، كلهم يُتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلا قليلا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج، فمتى يُسّر على الداخل في الطاعة أو المريد للدخول فيها؛ سهلت عليه وكانت عاقبته غالبا التزايد منها، ومتى عُسّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم، أو لا يستحليها" [شرح صحيح مسلم]
وقد أرشدهما النبي صلى الله عليه وسلم لهذا لأنهما يليان أمر الناس والمسؤولية عنهم، ومن وُلي أمر الناس كان القول له آكد من غيره، فقد جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم مَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه! ومَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)، قال النووي: "هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى".
• ومن الرفق: الحلم والأناة
ويدخل في الرفق أيضا الحلم والأناة، فهاتان الصفتان يحبهما الله كما يحب الرفق، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس حين قدم مع وفده للمدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن فيك خصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة) [مسلم]
فالحلم هو العقل، وهو أيضا العفو عند المقدرة، فحيثما استطاع الإنسان الانتقام لنفسه لكنه ترك ذلك مع مقدرته فهو حليم، والأناة هي التؤدة والرويّة وعدم الاستعجال في الأمور.
والعجلة وإنْ كانت من طبيعة ابن آدم وفطرته كما قال الله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11] إلا أنها أبعد عن الصواب؛ لأنها من الشيطان، وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "لا يزال المرء يجتني من ثمرة العجلة الندامة"، إلا إنْ كانت العجلة في أمر الآخرة والمسارعة في الخيرات فهنا تكون محمودة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) [رواه أبو داود]، والقرآن يحث على المسارعة والتعجيل في أمور البر وأعمال الآخرة كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ} [آل عمران:133]، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]،{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]، {أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61].
والرفق خلق النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان من هديه عليه الصلاة والسلام التيسير على أمته ما استطاع إلى ذلك، قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه" [متفق عليه] فحيث لا يكون إثم، ولا ضعف أو مداهنة في الدين، ولا ورود للشبهات، فالرفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
• رفق النبي صلى الله عليه وسلم
ومن أمثلة رفقه صلى الله عليه وسلم، قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه)، ثم دعا بدلو من ماء فصبّ عليه. [البخاري]، وفي رواية عند النسائي أنه قال: (دعوه، وأهريقوا على بوله دلوا من ماء؛ فإنما بُعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين).
ومن ذلك أيضا قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، لما جاء وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعلم أن الكلام قد نُهي عنه في الصلاة، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم؟ تنظرون إلي! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمِّتُونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). [مسلم]
وبالرفق يسلم الإنسان من الانتصار لنفسه حينما يُرشد غيره، فإن الغاية هي أن يؤخذ بالحق، ويبُيّن، لا أن يُحوّل الأمر لخصومة شخصية فتخرج عن طابعها الأصلي.
جعلنا الله هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، مرشدين مسترشدين، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
مقال: فإما نُرينَّك أو نتوفينَّك مختلفةٌ هي الموازين عند الله تعالى وعند البشر، فالله تبارك ...
مقال: فإما نُرينَّك أو نتوفينَّك
مختلفةٌ هي الموازين عند الله تعالى وعند البشر، فالله تبارك وتعالى ربُّ السماوات والأرض وما بينهما، وربّ الدنيا والآخرة وهو أعلمُ بهما، أما البشر فهم خلْقٌ مِن خلقه وما أوتوا من العلم إلا قليلا، وعلى هذا فالقصور والجهل جِبِلّةٌ وأصلٌ فيهم.
ومن هذه الموازين المتباينة عند الله تعالى وعند البشر ميزان الفوز، ومع أن الله تعالى بيّن ووضّح هذا الميزان في كتابه الحكيم، لكن أكثر الناس لا يعقلون ولا يؤمنون.
فأكثر الناس اليوم يرون أن الفوز لا يكون إلا بالنصر والظفر، بينما يرون القتل دون ذلك خسارة وإخفاقا، ولذلك نسمع ونرى المنهزمين اليائسين يلمزون المجاهدين بعد مقتلهم على أيدي أعدائهم، ويتساءلون مستنكرين: ماذا استفادوا؟ وماذا حقّقوا؟ وماذا أنجزوا؟ ولأي شيء قُتلوا؟! فبئست الأقاويل أقاويل النفاق حسابات المادة.
ولقد أكّد القرآن الكريم حقيقة الفوز، لما خاطب اللهُ تعالى عباده المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران:156]، فقد نهانا الله تعالى عن التشبّه بالمنافقين الذين اعترضوا على قضاء الله وقدره! وقالوا عن إخوانهم ممّن خرجوا للتجارة أو الغزو فقُتلوا: {لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}؛ ثم بيّن الله لنا الميزان الحقيقي الذي نزن به القتل والموت، وهو المحيي والمميت سبحانه فقال: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران:157]، فالخيرية والفوز في القتل والموت في سبيل الله، وهو خير من الغنيمة التي يحصّلها الأحياء، بل خير من سائر ما يأمل أن يجمعه الجامعون من حطام الدنيا.
ثم إنّ الآجال موقوتة، فمن قُتل أو مات فهو إلى الله راجعٌ لا محالة، فلا يملك العبد توقيت وفاته، ولكنه يملك أن يختار في أي سبيل يُزهق نفسه ويُسيل دمه، أفي سبيل الله أو سبيل الطاغوت؟، سبيلان لا ثالث لهما.
وقد نزلت هذه الآية في قتلى أحد، التي قُتل فيها سبعون من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ وهي خسارة كبيرة في موازين البشر اليوم، فأراد الله تعالى أن يُرشد عباده المؤمنين إلى تصحيح الموازين والمقاييس التي يقيسون ويفرّقون بها بين الفوز والخسارة، وأن يهديهم إلى كيفية التعامل مع هذه المواقف التي ستتكرر كثيرا في خضم الحرب الدائرة بين معسكري الإيمان والكفر.
كما ذكر القرآن الكريم نماذج للفوز الحقيقي وقعت في الأمم السابقة، فيها ذكرى لمن أراد أن يذكّر، ومنها قصة السحَرة الذين دعاهم فرعون ليغلبوا موسى -عليه الصلاة والسلام- فلما جاؤوا وبدأ التحدي بين الفريقين، لم يلبثوا حتى خرّوا سُجّدا لله مؤمنين، فتوعدهم فرعون بالقتل والصلب، فما رجعوا عن دينهم الحق، بل ثبتوا وقالوا: {إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف:125-126] فقُتلوا في يومهم رضي الله عنهم، قال ابن كثير رحمه الله: "فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة"، فهؤلاء لم يؤمنوا بالله تعالى أكثر من يوم! فما الذي استفادوه وما النصر والإنجاز الذي حققوه؟ لقد فازوا بالشهادة في سبيل الله وانتصروا حين ثبتوا على إيمانهم حتى قُتلوا جميعا، ولم يقل لهم موسى يومها إنكم أهلكتم أنفسكم باستعجالكم واستفزازكم لفرعون الطاغية، فما هذا بميزان أهل الآخرة، وليست تلك حساباتهم ولن تكون.
ومثال آخر لميزان الفوز، قصة أهل الأخدود الذين ضرب الله بهم مثلا يُتلى إلى يوم القيامة في الفوز والثبات، فهؤلاء الأبرار لم يلبثوا بين قولهم: "آمنا بربّ الغلام" وبين إحراقهم في الأخدود إلا يسيرا، وما رأوا بأعينهم هزيمة للكافرين ولا انتصارا للمؤمنين، ومع ذلك وصف الله نهايتهم بوصف لم يصفه في موضع آخر من كتابه، فقال: {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}، فلم يكن موتهم فوزا فحسب، بل كان فوزا كبيرا، فتأمل.
ولقد أحيت الدولة الإسلامية ورعاياها هذه المعاني السامية في هذا العصر، كما وقع في قصة أهل الباغوز والموصل وغيرهم -تقبلهم الله تعالى-، فلقد أبادتهم طائرات الروم والفرس وأحرقت جثثهم ودمرت بيوتهم، وما نقموا منهم إلا أنهم آمنوا بالله وحده وكفروا بكل طواغيت الأرض، أفلا يكون ذلك فوزا كبيرا؟ بفضله تعالى.
ولا يعني ذلك أنّ الله لن يُهلك الذين كفروا وطغوا وقتلوا أولياءه، فمعاذ الله وهو الحكم العدل القوي العزيز، فقد قال تعالى بعد ذكر قصة أصحاب الأخدود: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج:12]، وعلّق الطبري في تفسيره على هذه الآية بقوله: "هو تحذير من الله لقوم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن يُحلّ بهم من عذابه ونقمته، نظير الذي حلّ بأصحاب الأخدود على كفرهم به"، وكذلك كانت نهاية فرعون الذي قتل السحرة -لما آمنوا- وخيمة، وهلاكه آية حتى يومنا هذا.
ولكن ليس كل عباد الله مقدّرا عليهم مشاهدة ومعاينة زوال الكافرين ونهايتهم، فكثيرون يتوفاهم الله قبل ذلك، كما قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر:77]، قال الطبري: "أي: فإما نرينك يا محمد -في حياتك- بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب، أو نتوفينّك قبل أن يَحِلَّ ذلك بهم"، ولو كان النصر هو الفوز لما توفّاه الله تعالى حتى أراه نهاية الكافرين وسيادة المسلمين على العالم، ولو كان هو الفوز لاختار النبيُّ أن يشهد انتصار الإسلام على فارس والروم بدلا من الرفيق الأعلى.
فالجنة هي ثواب الجهاد وهي الفوز العظيم الذي ذكرته آيِ القرآن المحرِّضة على الجهاد، وما النصر إلا "خصلة أخرى في العاجل، مع ثواب الآخرة تحبونها"، كما قال الله تعالى بعد قوله: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، قال: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، قال ابن كثير: "أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها نصر من الله"، فهذا ميزان الله تعالى وحكمه العدل، فإلى أي ميزان تحتكمون؟
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
مختلفةٌ هي الموازين عند الله تعالى وعند البشر، فالله تبارك وتعالى ربُّ السماوات والأرض وما بينهما، وربّ الدنيا والآخرة وهو أعلمُ بهما، أما البشر فهم خلْقٌ مِن خلقه وما أوتوا من العلم إلا قليلا، وعلى هذا فالقصور والجهل جِبِلّةٌ وأصلٌ فيهم.
ومن هذه الموازين المتباينة عند الله تعالى وعند البشر ميزان الفوز، ومع أن الله تعالى بيّن ووضّح هذا الميزان في كتابه الحكيم، لكن أكثر الناس لا يعقلون ولا يؤمنون.
فأكثر الناس اليوم يرون أن الفوز لا يكون إلا بالنصر والظفر، بينما يرون القتل دون ذلك خسارة وإخفاقا، ولذلك نسمع ونرى المنهزمين اليائسين يلمزون المجاهدين بعد مقتلهم على أيدي أعدائهم، ويتساءلون مستنكرين: ماذا استفادوا؟ وماذا حقّقوا؟ وماذا أنجزوا؟ ولأي شيء قُتلوا؟! فبئست الأقاويل أقاويل النفاق حسابات المادة.
ولقد أكّد القرآن الكريم حقيقة الفوز، لما خاطب اللهُ تعالى عباده المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران:156]، فقد نهانا الله تعالى عن التشبّه بالمنافقين الذين اعترضوا على قضاء الله وقدره! وقالوا عن إخوانهم ممّن خرجوا للتجارة أو الغزو فقُتلوا: {لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}؛ ثم بيّن الله لنا الميزان الحقيقي الذي نزن به القتل والموت، وهو المحيي والمميت سبحانه فقال: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران:157]، فالخيرية والفوز في القتل والموت في سبيل الله، وهو خير من الغنيمة التي يحصّلها الأحياء، بل خير من سائر ما يأمل أن يجمعه الجامعون من حطام الدنيا.
ثم إنّ الآجال موقوتة، فمن قُتل أو مات فهو إلى الله راجعٌ لا محالة، فلا يملك العبد توقيت وفاته، ولكنه يملك أن يختار في أي سبيل يُزهق نفسه ويُسيل دمه، أفي سبيل الله أو سبيل الطاغوت؟، سبيلان لا ثالث لهما.
وقد نزلت هذه الآية في قتلى أحد، التي قُتل فيها سبعون من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ وهي خسارة كبيرة في موازين البشر اليوم، فأراد الله تعالى أن يُرشد عباده المؤمنين إلى تصحيح الموازين والمقاييس التي يقيسون ويفرّقون بها بين الفوز والخسارة، وأن يهديهم إلى كيفية التعامل مع هذه المواقف التي ستتكرر كثيرا في خضم الحرب الدائرة بين معسكري الإيمان والكفر.
كما ذكر القرآن الكريم نماذج للفوز الحقيقي وقعت في الأمم السابقة، فيها ذكرى لمن أراد أن يذكّر، ومنها قصة السحَرة الذين دعاهم فرعون ليغلبوا موسى -عليه الصلاة والسلام- فلما جاؤوا وبدأ التحدي بين الفريقين، لم يلبثوا حتى خرّوا سُجّدا لله مؤمنين، فتوعدهم فرعون بالقتل والصلب، فما رجعوا عن دينهم الحق، بل ثبتوا وقالوا: {إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف:125-126] فقُتلوا في يومهم رضي الله عنهم، قال ابن كثير رحمه الله: "فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة"، فهؤلاء لم يؤمنوا بالله تعالى أكثر من يوم! فما الذي استفادوه وما النصر والإنجاز الذي حققوه؟ لقد فازوا بالشهادة في سبيل الله وانتصروا حين ثبتوا على إيمانهم حتى قُتلوا جميعا، ولم يقل لهم موسى يومها إنكم أهلكتم أنفسكم باستعجالكم واستفزازكم لفرعون الطاغية، فما هذا بميزان أهل الآخرة، وليست تلك حساباتهم ولن تكون.
ومثال آخر لميزان الفوز، قصة أهل الأخدود الذين ضرب الله بهم مثلا يُتلى إلى يوم القيامة في الفوز والثبات، فهؤلاء الأبرار لم يلبثوا بين قولهم: "آمنا بربّ الغلام" وبين إحراقهم في الأخدود إلا يسيرا، وما رأوا بأعينهم هزيمة للكافرين ولا انتصارا للمؤمنين، ومع ذلك وصف الله نهايتهم بوصف لم يصفه في موضع آخر من كتابه، فقال: {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}، فلم يكن موتهم فوزا فحسب، بل كان فوزا كبيرا، فتأمل.
ولقد أحيت الدولة الإسلامية ورعاياها هذه المعاني السامية في هذا العصر، كما وقع في قصة أهل الباغوز والموصل وغيرهم -تقبلهم الله تعالى-، فلقد أبادتهم طائرات الروم والفرس وأحرقت جثثهم ودمرت بيوتهم، وما نقموا منهم إلا أنهم آمنوا بالله وحده وكفروا بكل طواغيت الأرض، أفلا يكون ذلك فوزا كبيرا؟ بفضله تعالى.
ولا يعني ذلك أنّ الله لن يُهلك الذين كفروا وطغوا وقتلوا أولياءه، فمعاذ الله وهو الحكم العدل القوي العزيز، فقد قال تعالى بعد ذكر قصة أصحاب الأخدود: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج:12]، وعلّق الطبري في تفسيره على هذه الآية بقوله: "هو تحذير من الله لقوم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن يُحلّ بهم من عذابه ونقمته، نظير الذي حلّ بأصحاب الأخدود على كفرهم به"، وكذلك كانت نهاية فرعون الذي قتل السحرة -لما آمنوا- وخيمة، وهلاكه آية حتى يومنا هذا.
ولكن ليس كل عباد الله مقدّرا عليهم مشاهدة ومعاينة زوال الكافرين ونهايتهم، فكثيرون يتوفاهم الله قبل ذلك، كما قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر:77]، قال الطبري: "أي: فإما نرينك يا محمد -في حياتك- بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب، أو نتوفينّك قبل أن يَحِلَّ ذلك بهم"، ولو كان النصر هو الفوز لما توفّاه الله تعالى حتى أراه نهاية الكافرين وسيادة المسلمين على العالم، ولو كان هو الفوز لاختار النبيُّ أن يشهد انتصار الإسلام على فارس والروم بدلا من الرفيق الأعلى.
فالجنة هي ثواب الجهاد وهي الفوز العظيم الذي ذكرته آيِ القرآن المحرِّضة على الجهاد، وما النصر إلا "خصلة أخرى في العاجل، مع ثواب الآخرة تحبونها"، كما قال الله تعالى بعد قوله: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، قال: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، قال ابن كثير: "أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها نصر من الله"، فهذا ميزان الله تعالى وحكمه العدل، فإلى أي ميزان تحتكمون؟
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
مقال: فإما نُرينَّك أو نتوفينَّك مختلفةٌ هي الموازين عند الله تعالى وعند البشر، فالله تبارك ...
مقال: فإما نُرينَّك أو نتوفينَّك
مختلفةٌ هي الموازين عند الله تعالى وعند البشر، فالله تبارك وتعالى ربُّ السماوات والأرض وما بينهما، وربّ الدنيا والآخرة وهو أعلمُ بهما، أما البشر فهم خلْقٌ مِن خلقه وما أوتوا من العلم إلا قليلا، وعلى هذا فالقصور والجهل جِبِلّةٌ وأصلٌ فيهم.
ومن هذه الموازين المتباينة عند الله تعالى وعند البشر ميزان الفوز، ومع أن الله تعالى بيّن ووضّح هذا الميزان في كتابه الحكيم، لكن أكثر الناس لا يعقلون ولا يؤمنون.
فأكثر الناس اليوم يرون أن الفوز لا يكون إلا بالنصر والظفر، بينما يرون القتل دون ذلك خسارة وإخفاقا، ولذلك نسمع ونرى المنهزمين اليائسين يلمزون المجاهدين بعد مقتلهم على أيدي أعدائهم، ويتساءلون مستنكرين: ماذا استفادوا؟ وماذا حقّقوا؟ وماذا أنجزوا؟ ولأي شيء قُتلوا؟! فبئست الأقاويل أقاويل النفاق حسابات المادة.
ولقد أكّد القرآن الكريم حقيقة الفوز، لما خاطب اللهُ تعالى عباده المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران:156]، فقد نهانا الله تعالى عن التشبّه بالمنافقين الذين اعترضوا على قضاء الله وقدره! وقالوا عن إخوانهم ممّن خرجوا للتجارة أو الغزو فقُتلوا: {لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}؛ ثم بيّن الله لنا الميزان الحقيقي الذي نزن به القتل والموت، وهو المحيي والمميت سبحانه فقال: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران:157]، فالخيرية والفوز في القتل والموت في سبيل الله، وهو خير من الغنيمة التي يحصّلها الأحياء، بل خير من سائر ما يأمل أن يجمعه الجامعون من حطام الدنيا.
ثم إنّ الآجال موقوتة، فمن قُتل أو مات فهو إلى الله راجعٌ لا محالة، فلا يملك العبد توقيت وفاته، ولكنه يملك أن يختار في أي سبيل يُزهق نفسه ويُسيل دمه، أفي سبيل الله أو سبيل الطاغوت؟، سبيلان لا ثالث لهما.
وقد نزلت هذه الآية في قتلى أحد، التي قُتل فيها سبعون من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ وهي خسارة كبيرة في موازين البشر اليوم، فأراد الله تعالى أن يُرشد عباده المؤمنين إلى تصحيح الموازين والمقاييس التي يقيسون ويفرّقون بها بين الفوز والخسارة، وأن يهديهم إلى كيفية التعامل مع هذه المواقف التي ستتكرر كثيرا في خضم الحرب الدائرة بين معسكري الإيمان والكفر.
كما ذكر القرآن الكريم نماذج للفوز الحقيقي وقعت في الأمم السابقة، فيها ذكرى لمن أراد أن يذكّر، ومنها قصة السحَرة الذين دعاهم فرعون ليغلبوا موسى -عليه الصلاة والسلام- فلما جاؤوا وبدأ التحدي بين الفريقين، لم يلبثوا حتى خرّوا سُجّدا لله مؤمنين، فتوعدهم فرعون بالقتل والصلب، فما رجعوا عن دينهم الحق، بل ثبتوا وقالوا: {إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف:125-126] فقُتلوا في يومهم رضي الله عنهم، قال ابن كثير رحمه الله: "فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة"، فهؤلاء لم يؤمنوا بالله تعالى أكثر من يوم! فما الذي استفادوه وما النصر والإنجاز الذي حققوه؟ لقد فازوا بالشهادة في سبيل الله وانتصروا حين ثبتوا على إيمانهم حتى قُتلوا جميعا، ولم يقل لهم موسى يومها إنكم أهلكتم أنفسكم باستعجالكم واستفزازكم لفرعون الطاغية، فما هذا بميزان أهل الآخرة، وليست تلك حساباتهم ولن تكون.
ومثال آخر لميزان الفوز، قصة أهل الأخدود الذين ضرب الله بهم مثلا يُتلى إلى يوم القيامة في الفوز والثبات، فهؤلاء الأبرار لم يلبثوا بين قولهم: "آمنا بربّ الغلام" وبين إحراقهم في الأخدود إلا يسيرا، وما رأوا بأعينهم هزيمة للكافرين ولا انتصارا للمؤمنين، ومع ذلك وصف الله نهايتهم بوصف لم يصفه في موضع آخر من كتابه، فقال: {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}، فلم يكن موتهم فوزا فحسب، بل كان فوزا كبيرا، فتأمل.
ولقد أحيت الدولة الإسلامية ورعاياها هذه المعاني السامية في هذا العصر، كما وقع في قصة أهل الباغوز والموصل وغيرهم -تقبلهم الله تعالى-، فلقد أبادتهم طائرات الروم والفرس وأحرقت جثثهم ودمرت بيوتهم، وما نقموا منهم إلا أنهم آمنوا بالله وحده وكفروا بكل طواغيت الأرض، أفلا يكون ذلك فوزا كبيرا؟ بفضله تعالى.
ولا يعني ذلك أنّ الله لن يُهلك الذين كفروا وطغوا وقتلوا أولياءه، فمعاذ الله وهو الحكم العدل القوي العزيز، فقد قال تعالى بعد ذكر قصة أصحاب الأخدود: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج:12]، وعلّق الطبري في تفسيره على هذه الآية بقوله: "هو تحذير من الله لقوم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن يُحلّ بهم من عذابه ونقمته، نظير الذي حلّ بأصحاب الأخدود على كفرهم به"، وكذلك كانت نهاية فرعون الذي قتل السحرة -لما آمنوا- وخيمة، وهلاكه آية حتى يومنا هذا.
ولكن ليس كل عباد الله مقدّرا عليهم مشاهدة ومعاينة زوال الكافرين ونهايتهم، فكثيرون يتوفاهم الله قبل ذلك، كما قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر:77]، قال الطبري: "أي: فإما نرينك يا محمد -في حياتك- بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب، أو نتوفينّك قبل أن يَحِلَّ ذلك بهم"، ولو كان النصر هو الفوز لما توفّاه الله تعالى حتى أراه نهاية الكافرين وسيادة المسلمين على العالم، ولو كان هو الفوز لاختار النبيُّ أن يشهد انتصار الإسلام على فارس والروم بدلا من الرفيق الأعلى.
فالجنة هي ثواب الجهاد وهي الفوز العظيم الذي ذكرته آيِ القرآن المحرِّضة على الجهاد، وما النصر إلا "خصلة أخرى في العاجل، مع ثواب الآخرة تحبونها"، كما قال الله تعالى بعد قوله: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، قال: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، قال ابن كثير: "أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها نصر من الله"، فهذا ميزان الله تعالى وحكمه العدل، فإلى أي ميزان تحتكمون؟
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
مختلفةٌ هي الموازين عند الله تعالى وعند البشر، فالله تبارك وتعالى ربُّ السماوات والأرض وما بينهما، وربّ الدنيا والآخرة وهو أعلمُ بهما، أما البشر فهم خلْقٌ مِن خلقه وما أوتوا من العلم إلا قليلا، وعلى هذا فالقصور والجهل جِبِلّةٌ وأصلٌ فيهم.
ومن هذه الموازين المتباينة عند الله تعالى وعند البشر ميزان الفوز، ومع أن الله تعالى بيّن ووضّح هذا الميزان في كتابه الحكيم، لكن أكثر الناس لا يعقلون ولا يؤمنون.
فأكثر الناس اليوم يرون أن الفوز لا يكون إلا بالنصر والظفر، بينما يرون القتل دون ذلك خسارة وإخفاقا، ولذلك نسمع ونرى المنهزمين اليائسين يلمزون المجاهدين بعد مقتلهم على أيدي أعدائهم، ويتساءلون مستنكرين: ماذا استفادوا؟ وماذا حقّقوا؟ وماذا أنجزوا؟ ولأي شيء قُتلوا؟! فبئست الأقاويل أقاويل النفاق حسابات المادة.
ولقد أكّد القرآن الكريم حقيقة الفوز، لما خاطب اللهُ تعالى عباده المؤمنين بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا} [آل عمران:156]، فقد نهانا الله تعالى عن التشبّه بالمنافقين الذين اعترضوا على قضاء الله وقدره! وقالوا عن إخوانهم ممّن خرجوا للتجارة أو الغزو فقُتلوا: {لَّوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا}؛ ثم بيّن الله لنا الميزان الحقيقي الذي نزن به القتل والموت، وهو المحيي والمميت سبحانه فقال: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران:157]، فالخيرية والفوز في القتل والموت في سبيل الله، وهو خير من الغنيمة التي يحصّلها الأحياء، بل خير من سائر ما يأمل أن يجمعه الجامعون من حطام الدنيا.
ثم إنّ الآجال موقوتة، فمن قُتل أو مات فهو إلى الله راجعٌ لا محالة، فلا يملك العبد توقيت وفاته، ولكنه يملك أن يختار في أي سبيل يُزهق نفسه ويُسيل دمه، أفي سبيل الله أو سبيل الطاغوت؟، سبيلان لا ثالث لهما.
وقد نزلت هذه الآية في قتلى أحد، التي قُتل فيها سبعون من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم؛ وهي خسارة كبيرة في موازين البشر اليوم، فأراد الله تعالى أن يُرشد عباده المؤمنين إلى تصحيح الموازين والمقاييس التي يقيسون ويفرّقون بها بين الفوز والخسارة، وأن يهديهم إلى كيفية التعامل مع هذه المواقف التي ستتكرر كثيرا في خضم الحرب الدائرة بين معسكري الإيمان والكفر.
كما ذكر القرآن الكريم نماذج للفوز الحقيقي وقعت في الأمم السابقة، فيها ذكرى لمن أراد أن يذكّر، ومنها قصة السحَرة الذين دعاهم فرعون ليغلبوا موسى -عليه الصلاة والسلام- فلما جاؤوا وبدأ التحدي بين الفريقين، لم يلبثوا حتى خرّوا سُجّدا لله مؤمنين، فتوعدهم فرعون بالقتل والصلب، فما رجعوا عن دينهم الحق، بل ثبتوا وقالوا: {إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف:125-126] فقُتلوا في يومهم رضي الله عنهم، قال ابن كثير رحمه الله: "فكانوا في أول النهار سحرة، فصاروا في آخره شهداء بررة"، فهؤلاء لم يؤمنوا بالله تعالى أكثر من يوم! فما الذي استفادوه وما النصر والإنجاز الذي حققوه؟ لقد فازوا بالشهادة في سبيل الله وانتصروا حين ثبتوا على إيمانهم حتى قُتلوا جميعا، ولم يقل لهم موسى يومها إنكم أهلكتم أنفسكم باستعجالكم واستفزازكم لفرعون الطاغية، فما هذا بميزان أهل الآخرة، وليست تلك حساباتهم ولن تكون.
ومثال آخر لميزان الفوز، قصة أهل الأخدود الذين ضرب الله بهم مثلا يُتلى إلى يوم القيامة في الفوز والثبات، فهؤلاء الأبرار لم يلبثوا بين قولهم: "آمنا بربّ الغلام" وبين إحراقهم في الأخدود إلا يسيرا، وما رأوا بأعينهم هزيمة للكافرين ولا انتصارا للمؤمنين، ومع ذلك وصف الله نهايتهم بوصف لم يصفه في موضع آخر من كتابه، فقال: {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}، فلم يكن موتهم فوزا فحسب، بل كان فوزا كبيرا، فتأمل.
ولقد أحيت الدولة الإسلامية ورعاياها هذه المعاني السامية في هذا العصر، كما وقع في قصة أهل الباغوز والموصل وغيرهم -تقبلهم الله تعالى-، فلقد أبادتهم طائرات الروم والفرس وأحرقت جثثهم ودمرت بيوتهم، وما نقموا منهم إلا أنهم آمنوا بالله وحده وكفروا بكل طواغيت الأرض، أفلا يكون ذلك فوزا كبيرا؟ بفضله تعالى.
ولا يعني ذلك أنّ الله لن يُهلك الذين كفروا وطغوا وقتلوا أولياءه، فمعاذ الله وهو الحكم العدل القوي العزيز، فقد قال تعالى بعد ذكر قصة أصحاب الأخدود: {إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ} [البروج:12]، وعلّق الطبري في تفسيره على هذه الآية بقوله: "هو تحذير من الله لقوم رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، أن يُحلّ بهم من عذابه ونقمته، نظير الذي حلّ بأصحاب الأخدود على كفرهم به"، وكذلك كانت نهاية فرعون الذي قتل السحرة -لما آمنوا- وخيمة، وهلاكه آية حتى يومنا هذا.
ولكن ليس كل عباد الله مقدّرا عليهم مشاهدة ومعاينة زوال الكافرين ونهايتهم، فكثيرون يتوفاهم الله قبل ذلك، كما قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} [غافر:77]، قال الطبري: "أي: فإما نرينك يا محمد -في حياتك- بعض الذي نعد هؤلاء المشركين من العذاب، أو نتوفينّك قبل أن يَحِلَّ ذلك بهم"، ولو كان النصر هو الفوز لما توفّاه الله تعالى حتى أراه نهاية الكافرين وسيادة المسلمين على العالم، ولو كان هو الفوز لاختار النبيُّ أن يشهد انتصار الإسلام على فارس والروم بدلا من الرفيق الأعلى.
فالجنة هي ثواب الجهاد وهي الفوز العظيم الذي ذكرته آيِ القرآن المحرِّضة على الجهاد، وما النصر إلا "خصلة أخرى في العاجل، مع ثواب الآخرة تحبونها"، كما قال الله تعالى بعد قوله: {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}، قال: {وَأُخْرَىٰ تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}، قال ابن كثير: "أي: وأزيدكم على ذلك زيادة تحبونها نصر من الله"، فهذا ميزان الله تعالى وحكمه العدل، فإلى أي ميزان تحتكمون؟
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
مقال: جاه الأكارم (6) -الرفق- الحمد لله الملك الخلاق، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم ...
مقال: جاه الأكارم (6) -الرفق-
الحمد لله الملك الخلاق، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم الإيمان والأخلاق، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التلاق، أما بعد:
قسمَ الله سبحانه وتعالى الأخلاق كما قسم الأرزاق، فمن رُزقها فإنما رُزق خيرا كثيرا فليحمد الله، ومن لم يُعطها فليسعَ إليها كما يسعى لطلب الرزق، فما الرزق بأولى أن يسعى له العبد من الأخلاق، وكما قيل: إنما العلم بالتعلّم، والحلم بالتحلّم، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطه، ومن يتوقّ الشر يُوقَه.
ومن أجلّ أخلاق الأكارم وجاههم خلق الرفق، ذاكم الخلق الرفيع الذي يبلغ بأصحابه المنازل وتصلح به الأمور وتدرك به مفاتيح الأشياء، فكم من مشاكل شائكة كان علاجها في الرفق، وكم من أناس ما استُمكن منهم إلا بالرفق، وكم من ملك ساس قومه بالرفق فقاد أولهم وآخرهم أحسن قياد، فكل موفق رائد يشار له بالبنان يكون الرفق له رفيقا، وما أحد من الخلفاء الراشدين إلا وكان إماما في الرفق.
• الرفق من صفات الله تعالى
ويكفي للرفق منزلة أنه من صفات ربنا المتعال جل جلاله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) [رواه مسلم] قال النووي: "ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيره" [شرح صحيح مسلم]
فهو من الأعمال التي يحبها الله من عباده، وإنه تعالى يعطي عليه -ولا عطاء كعطائه سبحانه- ما لا يعطي على ما سواه من الثواب والجزاء، فمن إذا يرغب عن عطاء الله تعالى؟.
والرفق يدخل في كل شيء ويزينه ويحسّنه ويُصلحه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يدخل الرفق في شيء إلا زانه، ولم ينزع من شيء إلا شانه) [أحمد]، وقوله: "شيء" عامة تشمل المعاملة والكلام والتعليم والتكليف والعقاب، وتشمل بني آدم والمتاع والدواب، فكلٌ يزينه الرفق، وإن فُقد الرفق من شيء كان قبيحًا ومشينًا، قال صلى الله عليه وسلم: (من يُحرم الرفق يُحرم الخير) [مسلم]
• يسّروا وبشّروا وتطاوعوا
وإن حضور الرفق بين القوم لهو دليلٌ أن الله يريد بهم الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) [مكارم الأخلاق للطبراني] ولحاجة المبلّغ لهذا الدين إلى الرفق من معلّم أو أمير أو مجاهد، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمثالهم إليه، فهذان الصحابيان الجليلان أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: (يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا) [البخاري ومسلم]
فهذه وصية مهمة "التيسير والتبشير"، التيسير لأمور الشرع وتكاليفه التي ربما يراها بعض الناس عسيرة صعبة لا يمكن إدراكها ولا تأديتها فتُيسّر عليهم وتُهوّن، وتُعطى بأحسن طريقة وفي أنسب وقت، مع التبشير بما أعدّ الله لفاعلها من عظيم الجزاء في الآخرة، فإنه أنشط للعمل وأدعى للقبول.
ونهاهما عن "التعسير والتنفير" أي: تعسير الأمور لعامة المسلمين وتكليفهم ما لا طاقة لهم به، أو تهويل وتعظيم ما هو يسير من أمور الشرع أو أحوال الناس في دنياهم وحاجاتهم، فيفضي ذلك إلى تنفيرهم. قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وفيه تأليف مَن قرُب إسلامه، وترْك التشديد عليهم، وكذلك مَن قارب البلوغ من الصبيان ومَن بلغ، ومَن تاب مِن المعاصي، كلهم يُتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلا قليلا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج، فمتى يُسّر على الداخل في الطاعة أو المريد للدخول فيها؛ سهلت عليه وكانت عاقبته غالبا التزايد منها، ومتى عُسّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم، أو لا يستحليها" [شرح صحيح مسلم]
وقد أرشدهما النبي صلى الله عليه وسلم لهذا لأنهما يليان أمر الناس والمسؤولية عنهم، ومن وُلي أمر الناس كان القول له آكد من غيره، فقد جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم مَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه! ومَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)، قال النووي: "هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى".
• ومن الرفق: الحلم والأناة
ويدخل في الرفق أيضا الحلم والأناة، فهاتان الصفتان يحبهما الله كما يحب الرفق، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس حين قدم مع وفده للمدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن فيك خصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة) [مسلم]
فالحلم هو العقل، وهو أيضا العفو عند المقدرة، فحيثما استطاع الإنسان الانتقام لنفسه لكنه ترك ذلك مع مقدرته فهو حليم، والأناة هي التؤدة والرويّة وعدم الاستعجال في الأمور.
والعجلة وإنْ كانت من طبيعة ابن آدم وفطرته كما قال الله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11] إلا أنها أبعد عن الصواب؛ لأنها من الشيطان، وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "لا يزال المرء يجتني من ثمرة العجلة الندامة"، إلا إنْ كانت العجلة في أمر الآخرة والمسارعة في الخيرات فهنا تكون محمودة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) [رواه أبو داود]، والقرآن يحث على المسارعة والتعجيل في أمور البر وأعمال الآخرة كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ} [آل عمران:133]، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]،{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]، {أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61].
والرفق خلق النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان من هديه عليه الصلاة والسلام التيسير على أمته ما استطاع إلى ذلك، قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه" [متفق عليه] فحيث لا يكون إثم، ولا ضعف أو مداهنة في الدين، ولا ورود للشبهات، فالرفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
• رفق النبي صلى الله عليه وسلم
ومن أمثلة رفقه صلى الله عليه وسلم، قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه)، ثم دعا بدلو من ماء فصبّ عليه. [البخاري]، وفي رواية عند النسائي أنه قال: (دعوه، وأهريقوا على بوله دلوا من ماء؛ فإنما بُعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين).
ومن ذلك أيضا قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، لما جاء وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعلم أن الكلام قد نُهي عنه في الصلاة، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم؟ تنظرون إلي! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمِّتُونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). [مسلم]
وبالرفق يسلم الإنسان من الانتصار لنفسه حينما يُرشد غيره، فإن الغاية هي أن يؤخذ بالحق، ويبُيّن، لا أن يُحوّل الأمر لخصومة شخصية فتخرج عن طابعها الأصلي.
جعلنا الله هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، مرشدين مسترشدين، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
الحمد لله الملك الخلاق، والصلاة والسلام على نبينا محمد معلم الإيمان والأخلاق، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم التلاق، أما بعد:
قسمَ الله سبحانه وتعالى الأخلاق كما قسم الأرزاق، فمن رُزقها فإنما رُزق خيرا كثيرا فليحمد الله، ومن لم يُعطها فليسعَ إليها كما يسعى لطلب الرزق، فما الرزق بأولى أن يسعى له العبد من الأخلاق، وكما قيل: إنما العلم بالتعلّم، والحلم بالتحلّم، ومن يتحرَّ الخيرَ يُعطه، ومن يتوقّ الشر يُوقَه.
ومن أجلّ أخلاق الأكارم وجاههم خلق الرفق، ذاكم الخلق الرفيع الذي يبلغ بأصحابه المنازل وتصلح به الأمور وتدرك به مفاتيح الأشياء، فكم من مشاكل شائكة كان علاجها في الرفق، وكم من أناس ما استُمكن منهم إلا بالرفق، وكم من ملك ساس قومه بالرفق فقاد أولهم وآخرهم أحسن قياد، فكل موفق رائد يشار له بالبنان يكون الرفق له رفيقا، وما أحد من الخلفاء الراشدين إلا وكان إماما في الرفق.
• الرفق من صفات الله تعالى
ويكفي للرفق منزلة أنه من صفات ربنا المتعال جل جلاله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) [رواه مسلم] قال النووي: "ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه ما لا يثيب على غيره" [شرح صحيح مسلم]
فهو من الأعمال التي يحبها الله من عباده، وإنه تعالى يعطي عليه -ولا عطاء كعطائه سبحانه- ما لا يعطي على ما سواه من الثواب والجزاء، فمن إذا يرغب عن عطاء الله تعالى؟.
والرفق يدخل في كل شيء ويزينه ويحسّنه ويُصلحه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يدخل الرفق في شيء إلا زانه، ولم ينزع من شيء إلا شانه) [أحمد]، وقوله: "شيء" عامة تشمل المعاملة والكلام والتعليم والتكليف والعقاب، وتشمل بني آدم والمتاع والدواب، فكلٌ يزينه الرفق، وإن فُقد الرفق من شيء كان قبيحًا ومشينًا، قال صلى الله عليه وسلم: (من يُحرم الرفق يُحرم الخير) [مسلم]
• يسّروا وبشّروا وتطاوعوا
وإن حضور الرفق بين القوم لهو دليلٌ أن الله يريد بهم الخير، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرفق) [مكارم الأخلاق للطبراني] ولحاجة المبلّغ لهذا الدين إلى الرفق من معلّم أو أمير أو مجاهد، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمثالهم إليه، فهذان الصحابيان الجليلان أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما، بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: (يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا) [البخاري ومسلم]
فهذه وصية مهمة "التيسير والتبشير"، التيسير لأمور الشرع وتكاليفه التي ربما يراها بعض الناس عسيرة صعبة لا يمكن إدراكها ولا تأديتها فتُيسّر عليهم وتُهوّن، وتُعطى بأحسن طريقة وفي أنسب وقت، مع التبشير بما أعدّ الله لفاعلها من عظيم الجزاء في الآخرة، فإنه أنشط للعمل وأدعى للقبول.
ونهاهما عن "التعسير والتنفير" أي: تعسير الأمور لعامة المسلمين وتكليفهم ما لا طاقة لهم به، أو تهويل وتعظيم ما هو يسير من أمور الشرع أو أحوال الناس في دنياهم وحاجاتهم، فيفضي ذلك إلى تنفيرهم. قال النووي رحمه الله: "وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته، والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد محضة من غير ضمها إلى التبشير، وفيه تأليف مَن قرُب إسلامه، وترْك التشديد عليهم، وكذلك مَن قارب البلوغ من الصبيان ومَن بلغ، ومَن تاب مِن المعاصي، كلهم يُتلطف بهم ويدرجون في أنواع الطاعة قليلا قليلا، وقد كانت أمور الإسلام في التكليف على التدريج، فمتى يُسّر على الداخل في الطاعة أو المريد للدخول فيها؛ سهلت عليه وكانت عاقبته غالبا التزايد منها، ومتى عُسّرت عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم، أو لا يستحليها" [شرح صحيح مسلم]
وقد أرشدهما النبي صلى الله عليه وسلم لهذا لأنهما يليان أمر الناس والمسؤولية عنهم، ومن وُلي أمر الناس كان القول له آكد من غيره، فقد جاء في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اللهم مَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فشقّ عليهم فاشقق عليه! ومَن ولي مِن أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)، قال النووي: "هذا من أبلغ الزواجر عن المشقة على الناس، وأعظم الحث على الرفق بهم وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى".
• ومن الرفق: الحلم والأناة
ويدخل في الرفق أيضا الحلم والأناة، فهاتان الصفتان يحبهما الله كما يحب الرفق، وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على أشج عبد القيس حين قدم مع وفده للمدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن فيك خصلتين يحبهما الله؛ الحلم والأناة) [مسلم]
فالحلم هو العقل، وهو أيضا العفو عند المقدرة، فحيثما استطاع الإنسان الانتقام لنفسه لكنه ترك ذلك مع مقدرته فهو حليم، والأناة هي التؤدة والرويّة وعدم الاستعجال في الأمور.
والعجلة وإنْ كانت من طبيعة ابن آدم وفطرته كما قال الله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا} [الإسراء:11] إلا أنها أبعد عن الصواب؛ لأنها من الشيطان، وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "لا يزال المرء يجتني من ثمرة العجلة الندامة"، إلا إنْ كانت العجلة في أمر الآخرة والمسارعة في الخيرات فهنا تكون محمودة ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة) [رواه أبو داود]، والقرآن يحث على المسارعة والتعجيل في أمور البر وأعمال الآخرة كقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ} [آل عمران:133]، {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء:90]،{فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]، {أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون:61].
والرفق خلق النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان من هديه عليه الصلاة والسلام التيسير على أمته ما استطاع إلى ذلك، قالت عائشة رضي الله عنها: "ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين أحدهما أيسر من الآخر إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه" [متفق عليه] فحيث لا يكون إثم، ولا ضعف أو مداهنة في الدين، ولا ورود للشبهات، فالرفق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
• رفق النبي صلى الله عليه وسلم
ومن أمثلة رفقه صلى الله عليه وسلم، قصة الأعرابي الذي بال في المسجد، فقاموا إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزرموه)، ثم دعا بدلو من ماء فصبّ عليه. [البخاري]، وفي رواية عند النسائي أنه قال: (دعوه، وأهريقوا على بوله دلوا من ماء؛ فإنما بُعثتم ميسّرين ولم تبعثوا معسّرين).
ومن ذلك أيضا قصة معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، لما جاء وصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن يعلم أن الكلام قد نُهي عنه في الصلاة، قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت واثكل أمياه ما شأنكم؟ تنظرون إلي! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يُصمِّتُونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي ما رأيت معلّما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن). [مسلم]
وبالرفق يسلم الإنسان من الانتصار لنفسه حينما يُرشد غيره، فإن الغاية هي أن يؤخذ بالحق، ويبُيّن، لا أن يُحوّل الأمر لخصومة شخصية فتخرج عن طابعها الأصلي.
جعلنا الله هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، مرشدين مسترشدين، وصلّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 306
الخميس 23 صفر 1443 هـ ...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00
يتبقى على
19
رجب
1447
| الفجر 00:00 | الظهر 00:00 | العصر 00:00 | المغرب 00:00 | العشاء 00:00 |