مِن أقوال علماء الملّة قال الإمام الطبري -رحمه الله تعالى-: "في قوله {يَا أَيُّهَا ...

مِن أقوال علماء الملّة


قال الإمام الطبري -رحمه الله تعالى-:

"في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ} [البقرة]، "يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتي في جهاد عدوّكم، وترك معاصيَّ، وأداء سائر فرائضي عليكم، ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله: هو ميت، فإنَّ الميت من خَلقي مَنْ سلبته حياتَه وأعدمتُه حواسَّه، فلا يلتذَ لذة ولا يُدرك نعيما، فإنّ مَن قُتل منكم ومِن سائر خَلقي في سبيلي، أحياءُ عندي، في حياة ونعيم، وعيش هَنِيّ، ورزق سنيّ، فَرحين بما آتيتهم من فضلي، وَحبوتهم به من كرامتي". [جامع البيان] ...المزيد

مقال: تطاير الصحف موقف رهيب، يرى العبد فيه الصحف تتطاير فوق رؤوس العباد، وينتظر أن تصله صحيفة ...

مقال: تطاير الصحف


موقف رهيب، يرى العبد فيه الصحف تتطاير فوق رؤوس العباد، وينتظر أن تصله صحيفة عمله، التي لا تغادر صغيرة ولا كبيرة، كلها مكتوبة بتفاصيلها، ويترقب خائفا: أيستلمها بيمينه فيسعد، أم من وراء ظهره فيشقى؟ أيّ انتظار أصعب من هذا الانتظار؟ أيّ وجل فوق هذا الوجل؟ نحاول -في هذا المقال- أن نتذكر هذا الموقف العصيب، ونتمعن في وصف آيات القرآن العظيم له، ونسأل الله أن يرحمنا برحمته وينجينا من أهوال يوم الحساب.


• ما هي الصحف؟

الصحف هي السجلات التي يكتب فيها الملائكة الكرام الكاتبون كل ما نفعله في هذه الدنيا، قال الله تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار]، قال الطبري: "يقول: يعلم هؤلاء الحافظون ما تفعلون من خير أو شرّ، يحصون ذلك عليكم" [التفسير]؛ فكل فعل نفعله من خير أو شر مسجل علينا في صحيفة أعمالنا، يسجله ملكان عن يميننا وشمالنا، قال ربنا سبحانه: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} [ق]، فلا قول ولا فعل، لا حركة ولا سكنة، إلا وهي مرصودة مكتوبة: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق]، ثم تختم هذه الصحيفة عندما ينتهي أجلنا، وتحفظ علينا لنواجهها في ذلك الموقف العصيب، موقف تطاير الصحف.

قال الحسن البصري -رحمه الله-: "وتلا هذه الآية: {عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ} يابن آدم، بُسطتْ لك صحيفة، ووُكل بك ملكان كريمان أحدُهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر، حتى إذا متّ طُويت صحيفتُك، وجُعلت في عنقِك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء]، ثم يقول: عدل -والله- فيك من جعلك حسيب نفسك" [تفسير ابن كثير].

فينبغي للعبد أن يتأمل هذا دوما ويتذكره، ويتذكر أن أعماله تحصى عليه كلها، وأنها ستعرض عليه يوم الحساب، فلا يثبت فيها إلا ما يحب أن يراه يومها، نسأل الله الكريم أن يعيننا على طاعته واجتناب معاصيه.


• تطاير الصحف واستلامها

بعد أن تطوى صحيفة العبد بانتهاء أجله في هذه الحياة الدنيا، ستُنشر له مرة أخرى يوم القيامة، ليجد ما عملت نفسه من خير أو شر محضرا أمام عينيه، قال تعالى: {وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ} [التكوير]، قال القرطبي: "أي فُتحت بعد أن كانت مطوية، والمراد صحف الأعمال التي كتبت الملائكة فيها ما فعل أهلُها من خير وشر، تُطوى بالموت، وتُنشر في يوم القيامة، فيقف كلّ إنسان على صحيفته، فيعلم ما فيها" [التفسير]، ويقف الناس في ساحة المحشر، تتطاير صحف أعمالهم فوق رؤوسهم، ويترقّب كلّ عبد صحيفتَه، في مشهد مرعب وصفته آيات الله الكريم: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا * إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ * بَلَىٰ إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا} [الانشقاق]، فالناس في هذا الموقف بين آخذٍ كتابَه بيمينه، وهذا سيحاسبه الله حسابا يسيرا، يتجاوز عنه فلا يُحقّق عليه كلّ دقائق أعماله، ثم يذهب إلى أهله في الجنة مسرورا برضى الله عنه وتجاوزه عن خطيئاته، وبين آخذٍ كتابَه بشماله أو من وراء ظهره، فهذا الذي سيصيح بالهلاك والثبور والويل، حين لا ينفعه صياحه هذا بشيء! فهو سيصلى بأعماله التي يراها في صحيفته نارَ جهنم؛ ذلك أنه عندما كان في الحياة الدنيا، بقي مسرورا بين أهله بملذات الدنيا، ولم يحسب لهذا الموقف حسابه، وظنّ أنه لن يرجع إلى ربه ليحاسبه على أعماله، فيندم يوم لا ينفع الندم، وهذا والله هو موقف الحسرة والندامة، نسأل الله السلامة والعافية.• اقرأ كتابك!

ولمّا يستلم العبد صحيفة أعماله سيقرؤها بنفسه، سواء كان أمّيّاً أم قارئا، وسيقرّ بما جاء فيها من أعماله المحصاة عليه، قال تعالى: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء]، قال ابن كثير: "طائره: هو ما طار عنه من عملِه، كما قال ابنُ عباس ومجاهد وغير واحد: من خير وشر، يُلزم به ويُجازى عليه، إنما ذكر العنق؛ لأنه عضو لا نظير له في الجسد، ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه..{وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا} أي: نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة، إما بيمينه إن كان سعيدا، أو بشماله إن كان شقيا، {مَنشُورًا} أي: مفتوحا يقرؤه هو وغيره، فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره..{اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} أي: إنك تعلم أنك لم تُظلم ولم يُكتب عليك غير ما عملت؛ لأنك ذكرت جميع ما كان منك، ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه، وكلّ أحد يقرأ كتابه من كاتبٍ وأمّي" [التفسير].

وحينئذٍ، سيُصدم المجرمون، حين يرون كل أعمالهم السيئة التي عملوها مكتوبة في صحائف أعمالهم،فيقرؤونها وهم خائفون مشفقون من عاقبتها، ووصف الله تعالى حالهم هذا فقال سبحانه: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف]، قال ابن كثير: "قوله: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ} أي: كتاب الأعمال، الذي فيه الجليل والحقير، والفتيل والقطمير، والصغير والكبير، {فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ} أي: من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة، {ويقولون ياويلتنا} أي: يا حسرتنا وويلنا على ما فرطنا في أعمارنا، {مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا} أي: لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر {إِلَّا أَحْصَاهَا} أي: ضبطها وحفظها".

فعلى من حرص على سلامته في الآخرة ألا يحقر صغيرة من السيئات ويتهاون في ارتكابها، فكل شيء مكتوب، صغيره وكبيره، وسيراه أمامه يوم العرض على الله تعالى، فلْيحسب لذلك حسابا.


• ثم ماذا؟

ثم بعد استلام الصحف وقراءتها والإقرار بما فيها أمام الله جل وعلا، سيعرف كلّ إنسان مصيره، قال ربنا سبحانه: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَه * فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ * قُطُوفُهَا دَانِيَة * كُلُواْ وَٱشرَبُواْ هَنِيٓـَٔا بِمَآ أَسلَفتُم فِي ٱلأَيَّامِ ٱلخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَن أُوتِيَ كِتَٰبَهُ بِشِمَالِه فَيَقُولُ يَٰلَيتَنِي لَم أُوتَ كِتَٰبِيَه * وَلَم أَدرِ مَا حِسَابِيَه * يَٰلَيتَهَا كَانَتِ ٱلقَاضِيَةَ * مَآ أَغنَىٰ عَنِّي مَالِيَه * هَلَكَ عَنِّي سُلطَٰنِيَه} [الحاقة]، وهكذا ينقسم الناس يوم يعرضون على الله تعالى لفريقين، فمن أخذ كتابه بيمينه وفاز، وبدل الله سيئاته حسنات، صار كتابه مليئا بما يفرح به، إلى الحد الذي يدعو فيه كل الخلائق لقراءته؛ ذلك أنه كان يعلم علم اليقين أنه سيلاقي يوم حسابه هذا؛ فاستعد له في أيام الدنيا الخالية بما ينجيه من سوء العاقبة، ليدخله الله برحمته في جنته العالية، ذات القطوف الدانية، وعلى النقيض منه، يستلم فريق من الناس كتبهم بشمائلهم، وحينها يرون حقيقة ما صاروا إليه من الخسران، فيقول قائلهم: يا ليتني لم أستلم كتابي ولم أعرف ما فيه من هذه الأعمال الطالحة، وما سيؤول أمري من الحساب العسير، ويتمنى لو أنه لم يبعث للحساب وكانت موتته الأولى هي القاضية على حياته، فيومها لا يغني عنه ماله ولا ولده، ولا تنفعه حجة ولا اعتذار، نسأل الله أن يسلمنا في هذا الموقف الرهيب، وأن يؤتينا صحائفنا بأيماننا، ويسترنا يوم العرض عليه، ويبدل سيئاتنا حسنات.• حتى لا نُؤتى صحائفَنا بشمائلنا

وحتى لا نؤتى صحائفنا بشمائلنا؛ علينا أن نستشعر أنّ اللهَ مطلع على حالنا، لا يخفى عليه شيء من أمرنا، وأن نوقن أننا سنعرض عليه يوم الحساب، فنستعد لذلك العرض بالأعمال الصالحة، روى الإمام مسلم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما روى عن اللهِ تبارك وتعالى أنه قال: (يا عبادي، إنما هي أعمالُكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجَد غيرَ ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسَه)، وينبغي أن نضع في حساباتنا أننا إن عملنا السيئات ونسيناها فإن الله تعالى لا ينسى، بل يثبت في صحائف الأعمال كل عمل، قال سبحانه: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المجادلة]، قال القرطبي: "أي: الرجال والنساء، يبعثهم من قبورهم في حالة واحدة {فينبئهم} أي: يخبرهم بما عملوا في الدنيا أحصاه الله عليهم في صحائف أعمالهم ونسوه هم حتى ذكرهم به في صحائفهم ليكون أبلغ في الحجة عليهم، والله على كل شيء شهيد مطلع وناظر لا يخفى عليه شيء" [التفسير].

كذلك علينا أيضا ألا نغترّ بما نقدّم من الأعمال الصالحة في هذه الدنيا، فما ندري هل يتقبلها الله فتكتب في صحيفة أعمالنا أم لا، وتأمل حال محمد بن المنكدر -رحمه الله- فإنه ذات ليلة كان قائما يصلي "إذ استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله وسألوه: ما الذي أبكاه؟ فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي، قال: يا أخي ما الذي أبكاك؟ قد رُعت أهلك! أفمن علة أم ما بك؟ فقال: إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل، قال: وما هي؟ قال: قول الله تعالى {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} فبكى أبو حازم أيضًا معه، واشتد بكاؤهما فقال بعض أهله لأبي حازم: جئنا بك لتفرج عنه فزدته! فأخبرهم ما الذي أبكاهما" [حلية الأولياء].


• خوف السلف

لقد كان السلف الصالح، مع كثرة عبادتهم وقلة معاصيهم، يخافون من عذاب الله خوفا عظيما، بل كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يخافون يوم الحساب أشد الخوف، قال ابن القيم: "ومن تأمل أحوال الصحابة -رضي الله عنهم- وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جميعا بين التقصير، بل التفريط والأمن، فهذا الصديق -رضي الله عنه- يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن، ذكره أحمد عنه، وذكر عنه أيضا أنه كان يمسك بلسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد!، وكان يبكي كثيرا، ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله عز وجل.. وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ: {إنَّ عذابَ ربِّك لواقع} فبكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه، وقال لابنه وهو في الموت: ويحك ضع خدي على الأرض عساه أن يرحمني، ثم قال: ويل أمي، إن لم يغفر لي (ثلاثا)، ثم قُضي، وكان يمر بالآية في ورده بالليل فتخيفه، فيبقى في البيت أياما يُعاد، يحسبونه مريضا، وكان في وجهه -رضي الله عنه- خطان أسودان من البكاء.. وهذا عثمان بن عفان -رضي الله عنه- كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبل لحيته، وقال: لو أنني بين الجنة والنار لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي، لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير، وهذا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وبكاؤه وخوفه، وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى، قال: "فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة مقبلة، ولكل واحدة بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل..." [الجواب الكافي]، وهكذا كان حال مَن بعدهم من الصالحين، قال بشر بن منصور -رحمه الله-: "كنت أوقد بين يدي عطاء العبدي -وهو من التابعين- في غداة باردة، فقلت له: يا عطاء، يسرّك الساعة لو أنك أمرت أن تلقي نفسك في هذه النار لا تبعث إلى الحساب؟ فقال: إي ورب الكعبة، ثم قال: والله مع ذلك لو أمرت بذلك لخشيت أن تخرج نفسي فرحاً، قبل أن تصل إليها" وقال عنه نعيم بن مورع -رحمه الله-: "أتينا عطاء السليمي وكان عابدا فدخلنا عليه فجعل يقول: "ويلٌ لعطاء! ليت عطاء لم تلدْه أمّه"، فلم يزل كذلك حتى اصفرّت الشمس، فذكرنا بعدُ منازلنا فقمنا وتركناه، وكان يقول في دعائه: "اللهمّ ارحم غربتي في الدنيا، وارحم مصرعي عند الموت، وارحم وحدتي في قبري، وارحم قيامي بين يديك" [سير أعلام النبلاء]، قال إبراهيم التيمي -رحمه الله-: "شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكرُ الموت وذكر الموقف بين يدي الله تعالى" [التذكرة للقرطبي]، ومثل هذا عن السلف كثير جدا.

نسأل الله الكريم أن يرحمنا برحمته، ويتجاوز عن تقصيرنا، ويؤتينا صحائف أعمالنا بأيماننا، ولا يخزينا يوم يبعثون.


● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 367
السنة الرابعة عشرة - الخميس 7 جمادى الأولى 1444 هـ
...المزيد

مقال: خصال المجاهدين (3) الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام ...

مقال: خصال المجاهدين (3)


الحمد لله رب العالمين، ولي المتقين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين وخاتم المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

نواصل الحديث عن أهمّ الخصال لكل مجاهد مفضال، لَزِم الجهاد ودربه، أو امرئ أحب هذا السبيل ولامس شِغاف قلبِه، وتجولُ في خَلَجاته عزمة النفير فلا يرى له مستقبلا إلا في ساحات الجهاد، يسّر الله له المسير.

وإلى بستان الخصال وحول أغصانه ندور:


• عدم الاستئذان لترك الجهاد

الخصلة الحادية عشرة: قوله تعالى: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} [التوبة: 44]

قال ابن كثير رحمه الله: "أخبر تعالى أنه لا يستأذنه في القعود عن الغزو أحد يؤمن بالله ورسوله، فقال: {لا يستأذنك} أي: في القعود عن الغزو {الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم}؛ لأن أولئك يرون الجهاد قربة، ولما ندبهم إليه بادروا وامتثلوا". [التفسير]، وقال القرطبي: "أي في القعود ولا في الخروج، بل إذا أمرت بشيء ابتدروه، فكان الاستئذان في ذلك الوقت من علامات النفاق لغير عذر" [التفسير].

فالمؤمن حقيقة هو مَن إذا سمع داعيَ الجهاد لبّى مجيبا دون تأخر أو تردد، فلا هو يبحث ويفتش عن أعذار وتبريرات للاستئذان والتملص والقعود، ولا هو يتسمّع لشبه المرجفين والمخذلين حول وجوب الجهاد، ولا هو يستأذن ليعود للوراء مع الغثاء بعد أن كان في صفوف المجاهدين، فليست هذه من صفات المجاهدين ولا خصالهم، فالمجاهد يرى فيه الجهاد عبادة وقربة وفرضا أكيدا لا نقاش فيه، وإنْ كان الله تعالى قد ذمَّ المستأذنين بالقعود ووصفهم بالنفاق! فما حال القاعدين الذين يروّجون للقعود ويرون فيه سلامة لدينهم؟! بل ما حال المحاربين للجهاد الطاعنين بأهله؟! والله المستعان.


• بذل النصح من المعذور

الخصلة الثانية عشرة: وهي لأهل الأعذار، قال الله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 91]، قال القرطبي: "(إذا نصحوا لله ورسوله) إذا عرفوا الحق وأحبوا أولياءه وأبغضوا أعداءه" [التفسير]، فهذا الذي عذره الله لمرض أو عرجٍ بيّنٍ أو عمى، شرط الله عليه أن يكون قلبه وحبه لأهل الإيمان وأهل الجهاد وأن يدعو لهم، ويبغض الكفار الذين يحاربونهم ويدعو عليهم، ولا يخذّل أو يُرجف، قال ابن كثير: "فليس على هؤلاء حَرَج إذا قعدوا ونصحوا في حال قعودهم، ولم يرجفوا بالناس، ولم يُثَبِّطوهم، وهم محسنون في حالهم هذا؛ ولهذا قال: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}" [التفسير].

فإن كان هذا الشخص مبغضا لأهل الحق مروّجا لأقوال الضالين المضلين، غير حريص على قتال أعداء الله، فإنه يشمله الإثم كالقاعدين، وهذا تنبيه لكل مَن هو مِن أهل الأعذار أنْ يساهم في الجهاد ولو بالكلمة أو المناصرة أو الذبّ عن أعراض المجاهدين وتفقد ذويهم، وكذلك فيه دعوى لمن أصيب في الجهاد فعجز عن القتال لإصابته، فإن فرصة جهاده ماضية، وذلك برفعه لهمم المجاهدين ونشر أخبارهم وإغاظته للكفار ونحو ذلك من سبل نصرة المجاهدين التي يقدر عليها، فإن فعل ذلك فإن له مثل أجر المجاهدين، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم)، قالوا يا رسول الله وهم بالمدينة قال: (وهم بالمدينة، حبسهم العذر) [البخاري]، وقصص الصحابة في هذا عديدة، فمنهم من خرج مع المجاهدين ليكثّر سوادهم أو يطأ الجنة بعرجته، ومنهم من بكى حين لم يجد سبيلا للجهاد، ولا زلنا نرى ونسمع أمثال هذه القصص بين المجاهدين إلى اليوم، والحمد لله.


• التوبة إلى الله

الخصلة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {التَّائِبُونَ}، وهي بعد قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ...} فأخبرنا بعدها عن صفات هؤلاء الشهداء الذين اشترى منهم نفوسهم، جاء عند الطبري: "عن الضحاك بن مزاحم، وسأله رجل عن قوله: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم)، الآية، قال الرجل: ألا أحمل على المشركين فأقاتل حتى أقتل؟ قال: ويلك! أين الشرط؟ (التائبون العابدون)". وهذه الآية فيها خصال الشهداء، عن ابن عباس قال: "الشهيد من كان فيه التسع خصال {التائبون العابدون} إلى قوله {وبشر المؤمنين}" [السيوطي]وكانت التوبة إلى الله تعالى أول صفة للبائعين نفوسهم، وعن الحسن: أنه قرأ {التائبون العابدون}، قال: "تابوا من الشرك، وبرئوا من النفاق" [تفسير الطبري]، وهذا دأب المجاهد فإنه كثير التوبة؛ لأن الذنوب تخذل في الجهاد سواء كانت معاصيَ قولية أو فعلية أو معاصي قلبية وهي أخطر كالرياء والعُجب والاغترار، ألم تر أن الربيين أول ما دعوا الله سألوه المغفرة؟ فقالوا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}، وهذا من أدبهم فقدّموا اعترافهم بذنوبهم، ولذلك يُستحب تجديد التوبة قبل دخول المعركة حتى لا يزل المجاهد بسبب ذنوبه، فقد سبّبت الذنوب زلة لبعض المسلمين يوم أحد، فقال الله: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا}، وكيف لا يكون المجاهد من أهل التوبة، وقد سميت أطول سور الجهاد بالتوبة؟، ومن لطف الله بالعبد في الجهاد أن يتوب عليه ويحفظ عليه جهاده عندما يرى الشدة والمشقة فيمنعه عن الزلل والزيغ، قال الله تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ}، قال ابن جرير: "يقول: من بعد ما كاد يميل قلوب بعضهم عن الحق، ويشك في دينه ويرتاب، بالذي ناله من المشقة والشدّة في سفره وغزوه" [التفسير]


• المداومة على العبادة

الخصلة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {الْعَابِدُونَ} أي أهل العبادة والتبتّل لله، قال السيوطي في تفسيره عن الحسن: "عبدوا الله في أحايينهم كلها، أَمَا والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ولكن كما قال العبد الصالح {وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا}"، وقال عن قتادة: "قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم". وقال الطبري: "فهم الذين ذلُّوا خشيةً لله وتواضعًا له، فجدُّوا في خدمته" [التفسير].

والجهاد جمع أبواب الخير والعبادة كلها من قراءة القرآن والصلاة، وفيها خير الشُغُل، قال حبيب بن الشهيد: "قيل لنافع: ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: لا تطيقونه: الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما" [سير أعلام النبلاء]، أو عبادة الذكر أو الخدمة أو تفقّد حال إخوانه والسعي في حاجتهم أو مجلس ذكر وعلم أو صدقة، أو التخطيط لعمل، وهذه أعمال صالحة تقوي إيمان المجاهد، وإنّ طالب الجنة لا تجده يعدّ نفسه من أهل الدنيا فكل وقته يجتهد في إعمار داره هناك في جنات النعيم.

لأن وقت المجاهد ثمين وهو وإن كان مأجورا في سائر عمله لحبس نفسه في سبيل الله، فإن حظ العبادة له آكد، إما شكرا لله على نعمة الجهاد كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي حتى تتفطر قدماه ليكون عبدا شكورا، وإما طلبا للثبات على هذا الخير، فما يثبّتك أخي المجاهد على ذروة السنام إلا العبادة والتسابق في الخيرات.

فاستغل الوقت الذي تجده خارج القتال استعدادا لحال القتال، ولا تدعنّ لنفسك فراغا، فإن الفراغ بداية خيوط الشيطان عليك فتنبّه.


• شكر الله وحمده

الخصلة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {الْحَامِدُونَ}، قال القرطبي: "أي الراضون بقضائه المصرفون نعمته في طاعته، الذين يحمدون الله على كل حال" [التفسير]، فهم المعترفون لله بالنعم، والشاكرون في السراء والضراء، فكل فضل يدركهم ينسبونه إلى الله وكل شر يصيبهم يرضون به لأنه قدر الله، ومن أعظم ما يتعلمه المجاهد في سبيل الله أن ينسب كل خير إلى الله تواضعا واعترافا وعبودية لله تعالى وتعلقا به، وإن كان قد اجتهد اجتهادا شديدا فإن الفضل لله أولا وآخرا، وفي قوله تعالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} تبيان لهذه الحقيقة، فإن قتلت الكافر فذلك بفضل الله، وإن أثخنت في الكفار فالله هو المسدّد، وإن عظُم بلاؤك فهو بقدر من الله، ومن كان كذلك فهو الموحد، جاء في رسالة سعد بن أبي وقاص إلى عمر رضي الله عنهم بعد فتح المدائن: "وإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو وأصلي على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- على ما منحنا الله الظفر على العدو الذي أطاع شيطانه وأرخى في ميدان الغي عنانه، وقد أجرانا الله سبحانه على جميل العادة وأخذنا الملك من يزدجرد بن كسرى في كثرة أطواده واحتزاز رؤوس أجناده" [فتوح الشام]، وغير هذا كثير في رسائلهم رضي الله عنهم التي يرجعون كل فضل فيها إلى الله سبحانه.

اللهم اجعلنا تائبين عابدين حامدين ولك شاكرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 367
السنة الرابعة عشرة - الخميس 7 جمادى الأولى 1444 هـ
...المزيد

مؤسسة الفرقان - فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ الحمد لله القوي المتين، معز عباده الموحدين ومذل ...

مؤسسة الفرقان - فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ


الحمد لله القوي المتين، معز عباده الموحدين ومذل أعدائه الكافرين، والصلاة والسلام على المبعوث بالسيف رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قال تعالى: {ِإنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. [التوبة: 111]

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل).

أنعى إلى الأمة الإسلامية وجنود دولة الإسلام الأبية أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الشيخ المجاهد أبا الحسن الهاشميَّ القرشيَّ تقبله الله حيث قتل مقبلا غير مدبر وهو يراغم أعداء الله ويجالدهم فقَتَلَ منهم ما شاء الله أن يَقتُل ثم قُتِل كما يُقتَل الرجال في سوح الوغى والنزال، ولقد ضحى تقبله الله براحة باله ونفسه وماله في سبيل الله عز وجل، فكان بين إخوانه يدير شؤونهم ويعينهم على قضاء حوائجهم غير آبه بترصد الكفار ولا بمكر الفجار فأنعم به وأكرم.

لم يبق للدمع شأن في مآقينا
لكنه الثأر نذكيه فيذكينا
إنا لمن معشر تاقت نفوسهم
إلى الجنان فخضبنا الميادينا
منا أبو مصعب منا أبو عمرٍ
منا أبو بكرِ منا الهاشميونا
وكان آخرَهم فخرا أبو حسن
قد دوّن المجد بالأشلاء تدوينا
خاض الحروب فما لانت عزيمته
فقاد للعز آسادا ميامينا

ولقد عوَّدنا أمراؤنا أمراء المؤمنين وخلفاء المسلمين جزاهم الله عن الإسلام خير الجزاء، على بذل النفس رخيصة في سبيل الله يخوضون غمار الحروب غير هيابين صبرٌ عند اللقاء أسود لدى الهيجاء فأنعم بهم من أمراء، وليرني امرؤ أميره.

للقتل نسعى كي نجود بمهجة
ما بعدها جود فهلا نعذر
تأبى التعرض للطام خدودنا
وعلى الثرى بعد الطعان تعفر
ما مات منا سيد بفراشه
أو كان في سوح الوغى يتأخر
وإذا تجندل فارس منا علا
في إثره شهم جواد قسور

ولقد اجتمع أهل الحل والعقد في الدولة الإسلامية، وتشاوروا وتوافقوا وبايعوا الشيخ الهمام والفارس المقدام أبا الحسين الحسيني القرشي حفظه الله أميرا للمؤمنين وخليفة للمسلمين أسأل الله أن يسدده ويعينه ويبسط على الكفار شماله ويمينه وأن يفتح على يديه البلاد، وأن يقيم شرع الله بالدعوة والجهاد.

فيا جنود الإسلام بايعوا خليفتكم فهو من قدامى المجاهدين ومن أبناء الدولة المخلصين نحسبه والله حسيبه، وسيكفيكم ما ترون من أفعاله إن شاء الله عن ذكر سيرته وأقواله، فواصلوا مسيرتكم فوالله إنما هي إحدى الحسنيين بإذن الله، إما نصر وعزة وتمكين، وإما قتلة في سبيل رب العالمين.ويا أبناء الأمة الإسلامية هلُمُّوا أيديكم وبايعوا خليفةً حمل على عاتقه نصرة دين الله والمستضعفين من المسلمين أينما كانوا وتحكيم شرع الله في كل بقعة مكنه الله فيها، وأخذ على نفسه عهدا بفك أسرى المسلمين في كل مكان مستعينا بالله متوكلا عليه، وبمحاربة أعداء الله أينما ثقفوا بحول الله وقوته، فوجبت والله طاعته ونصرته وإعانته فلا تتأخروا عما أوجبه الله عليكم قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ اللَّهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: بِالْجَمَاعَةِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)، وقال ابن حزم رحمه الله: "لا يحل لمسلم أن يبيت ليلتين ليس في عنقه لإمام بيعة"، ووالله لا أعلم إماما غيره يدعو إلى دين الله على بصيرة وإلى تحكيم شرع الله واتباع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وليعلم القاصي والداني أننا لا يَثنينا البلاء ولا تزلزلنا الشدة واللأواء ونسأل الله العافية، ولن يمنعنا الثقلان من نصرة دين الله والجهاد في سبيله إن شاء الله حتى تكونَ كلمة الله هي العليا ويكونَ الدين كله لله، وأننا على يقين بنصر رب العالمين وأن القتل لا يزيدنا إلا تمسكا بالطريق وصبرا على الكرب والضيق، مستعينين بالله متوكلين عليه متبرئين من حولنا وقوتنا إلى حوله سبحانه وقوته.

وأما الوعيد والتهديد لأهل الكفر من كل جبار عنيد فستجدونه إن شاء الله في حَرِّ كل مهند بتار بيد كل فارس صنديد من جنود وأمراء دولة الإسلام أعزها الله وكما قال شيخنا أسد الغاب وحذاف الرقاب أمير الاستشهاديين أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله: "فمن لم يسمعه صرير الأقلام وصدى زئير الكلام فسيسمعه صليل السيوف فالأرحام التي ولدت خالداً لا تزال تحمل وتضع رغم غطرسة الباطل".

إنا لمن أمة طابت أرومتها
فليس في خَلقِها عيب ولا عوجُ
يَمُضُّها الجرح لكن لا يزلزلها
وينهش القيد رجليها فينزلجُ
لئن غزاها عبيد السوط فليثقوا
أن سوف نخرجهم من حيثما ولجوا
الحق عُدتنا في حرب باطلهم
والسيف حجتنا إن أعوزت حججُ
سطا عليها غزاة الشرق واندثروا
ومر فيها بزاة الغرب واندرجوا
لم يبق منهم ومن آثار دولتهم
سوى أساطيرَ باللعنات تمتزجُ
لن يسكت الأسد عما قد ألم بهم
ما دام فيهم دم الإيمان يختلجُ

{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



● المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 367
السنة الرابعة عشرة - الخميس 7 جمادى الأولى 1444 هـ

تفريغ كلمة صوتيّة للمتحدّث الرّسمي للدّولة الإسلاميّة الشيخ المجاهد أبي عمر المهاجر (حفظه اللَّه) بعنوان: (فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)
...المزيد

وبشر نحل الذين سلمو فضاء وما تركتم من شي فهو مغلق يخلفه وهو خير رازقين صادقين

وبشر نحل الذين سلمو فضاء
وما تركتم من شي فهو مغلق يخلفه وهو خير رازقين صادقين

وبشر نحل الذين سلمو فضاء وما تركتم من شي فهو مغلق يخلفه وهو خير رازقين صادقين ن والقلم وما ...

وبشر نحل الذين سلمو فضاء
وما تركتم من شي فهو مغلق يخلفه وهو خير رازقين صادقين
ن والقلم وما يسطرون
انت بنعمة ربك بمجنون

انت يونس3 هواء ضم حق اختك تاكلان من نفس طبسي فلما عرفت زادتك من طبق

انت يونس3 هواء
ضم حق اختك تاكلان من نفس طبسي
فلما عرفت زادتك من طبق

ثم بزقها شمة عادت له اجنحته انت يونس ي ي طويل صحبة-اجنحة مع مصطفى انلاين تم قتل

ثم بزقها شمة عادت له اجنحته
انت يونس ي ي طويل صحبة-اجنحة
مع مصطفى انلاين تم قتل

‌الْبِرُّ ‌حُسْنُ ‌الْخُلُقِ عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ...

‌الْبِرُّ ‌حُسْنُ ‌الْخُلُقِ



عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْبِرُّ ‌حُسْنُ ‌الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) [رواه مسلم]

- قال ابن دقيق العيد في قوله: (البر حُسْنُ الخلُق): "يعني: أنّ حُسْنَ الخلُق أعظم خصال البر كما قال: (الحجّ عَرَفة)، أما البر فهو الذي يبرّ فاعله ويُلحقُه بالأبرار، وهم المطيعون لله عز وجل، والمراد بحسن الخلق: الإنصافُ في المعاملة، والرفق في المحاولة، والعدل في الأحكام، والبذلُ في الإحسان وغير ذلك من صفات المؤمنين".

- قوله: (والإثم ما حاكَ في نفسِك وكرِهْتَ أن يطلعَ عليه الناس) يعني: هو الشيءُ الذي يُورثُ نفرةً في القلب، وهذا أصْلٌ يُتمسّك به لمعرفة الإثم من البر: إن الإثم ما يحوك في الصدر ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس، والمراد بالناس والله أعلم أماثلهم ووجوههم لا غوغاؤهم، فهذا هو الإثم فيتركه والله أعلم". [شرح الأربعين النووية]

- قال ابن رجب في قوله: (والإثم ما حاك في نفسك): "إشارة إلى أن الإثم ما أثَّرَ في الصدر حرجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا، فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستَنكر؛ بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكره الناس على فاعله وغير فاعله... فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البر والحلال، وما كان خلاف ذلك فهو الإثم والحرام".

تنبيه: ولا شك أنّ ما سبق محمول على المسائل التي لا نصّ فيها ولا دليل، أما إذا كان في المسألة نصٌ، فيقول ابن رجب: "فأما ما كان مع المفتِي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدره، وهذا كالرخَصِ الشرعية، مثل الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجُهَّال؛ فهذا لا عبرة به، وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإنَّ ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به، والتسليم له".

[جامع العلوم والحكم]



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 368
السنة الرابعة عشرة - الخميس 14 جمادى الأولى 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

‌الْبِرُّ ‌حُسْنُ ‌الْخُلُقِ عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ...

‌الْبِرُّ ‌حُسْنُ ‌الْخُلُقِ



عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (الْبِرُّ ‌حُسْنُ ‌الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ: مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ) [رواه مسلم]

- قال ابن دقيق العيد في قوله: (البر حُسْنُ الخلُق): "يعني: أنّ حُسْنَ الخلُق أعظم خصال البر كما قال: (الحجّ عَرَفة)، أما البر فهو الذي يبرّ فاعله ويُلحقُه بالأبرار، وهم المطيعون لله عز وجل، والمراد بحسن الخلق: الإنصافُ في المعاملة، والرفق في المحاولة، والعدل في الأحكام، والبذلُ في الإحسان وغير ذلك من صفات المؤمنين".

- قوله: (والإثم ما حاكَ في نفسِك وكرِهْتَ أن يطلعَ عليه الناس) يعني: هو الشيءُ الذي يُورثُ نفرةً في القلب، وهذا أصْلٌ يُتمسّك به لمعرفة الإثم من البر: إن الإثم ما يحوك في الصدر ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس، والمراد بالناس والله أعلم أماثلهم ووجوههم لا غوغاؤهم، فهذا هو الإثم فيتركه والله أعلم". [شرح الأربعين النووية]

- قال ابن رجب في قوله: (والإثم ما حاك في نفسك): "إشارة إلى أن الإثم ما أثَّرَ في الصدر حرجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا، فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستَنكر؛ بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكره الناس على فاعله وغير فاعله... فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البر والحلال، وما كان خلاف ذلك فهو الإثم والحرام".

تنبيه: ولا شك أنّ ما سبق محمول على المسائل التي لا نصّ فيها ولا دليل، أما إذا كان في المسألة نصٌ، فيقول ابن رجب: "فأما ما كان مع المفتِي به دليل شرعي، فالواجب على المستفتي الرجوع إليه، وإن لم ينشرح له صدره، وهذا كالرخَصِ الشرعية، مثل الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدور كثير من الجُهَّال؛ فهذا لا عبرة به، وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضا، فإنَّ ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمان والرضا به، والتسليم له".

[جامع العلوم والحكم]



• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 368
السنة الرابعة عشرة - الخميس 14 جمادى الأولى 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد

مقتطفات نفيسة 37 من كلام الشيخ المجاهد أبي محمد العدناني -تقبله الله تعالى- ويا جنود الدولة ...

مقتطفات نفيسة 37

من كلام الشيخ المجاهد أبي محمد العدناني -تقبله الله تعالى-


ويا جنود الدولة الإسلامية؛ خذوا عنّا كلمات:

لا تخشوا على الخلافة، فإن الله تبارك وتعالى يحفظها، ويُصلحُ لها من يقيمها، وإنما اخشوا على أنفسكم، حاسبوها، وتوبوا وأوبوا لربكم.

ولقد مرّ على الدولة الإسلامية ومنذ نشأتها الأولى وحتى اليوم؛ من الفتن والمحن والشدائد والزلازل ما يهدُّ الجبال؛ من فقد القادة، واستحرار القتل، وكثرة الأسر، ونقص في الأنفس والثمرات والأموال وصمدت بفضل الله وحده، من شدة إلى شدة، ومن كُربة إلى كُربة، ومن محنة وفتنة إلى فتنة ومحنة، ولا تعصف داهية بالدولة إلا ويقول العارف بحالها: هلكت؛ فما تلبث أن تنجلي واللهُ وحده يعلم كيف انجلتْ إلا وتنزل نازلة فيقول العارف: ليس لها زائلة، فيرفعها الله.

فتأتي التي بعدها، فنقول: هذهِ هذه! وهكذا؛ فلا تنزل داهية أو يقع كرب إلا وجاء الفرج من حيث لم نتوقع أو نحتسب؛ لا نفقد قائداً أو يُقتل أمير إلا ويُهيئ الله مكانه من يُحسن التدبير، ويتابع المسير، حتى نتفاجأ بحسن أدائه، وعظيم بلائه، وشدة إتقانه عمله، وأنه أنكى بأعداء الله وأغيظ لهم ممن قبله، وقد كنا من قبل نظن أن لن نجد من يسد مسدّه! فالحمد لله الذي صدق وعده، ونصر جنده، وأقام هذه الخلافة وحده.


• المصدر:
صحيفة النبأ – العدد 368
السنة الرابعة عشرة - الخميس 14 جمادى الأولى 1444 هـ
إنفوغرافيك العدد
...المزيد
يتم الآن تحديث اوقات الصلاة ...
00:00:00 يتبقى على
3 ذو الحجة 1447
الفجر 00:00 الظهر 00:00 العصر 00:00 المغرب 00:00 العشاء 00:00

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً