الأحدث إضافة

• الإمامة العظمى تسعى لظهور دين الإسلام وبالإضافة إلى أن إقامة دين الله، وسياسة الدنيا بالدين، ...

• الإمامة العظمى تسعى لظهور دين الإسلام

وبالإضافة إلى أن إقامة دين الله، وسياسة الدنيا بالدين، وحماية الدين، والذود عن دار الإسلام، والدفاع عن المسلمين وحرماتهم وأموالهم، من أهم ما يقوم به خليفة المسلمين، فإن من مهامه أيضا أن يسعى لبسط سلطان الدين على كل أرض الله.

فالله -تعالى- يريد إرادة شرعية أن يعمل المسلمون ليكون دين الإسلام هو المهيمن على الأديان كلها، والمنتصر عليها، حتى تكون كلمة الله هي العليا، وتكون كلمة الذين كفروا هي السفلى، وكذلك فللَّه -تعالى- إرادة كونية أن يعلو دينه على كل الأديان علواً ظاهراً، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].

وإظهار الله لدين الإسلام يشمل إظهاره على الأديان كلها بالحجج والبراهين، فأظهر الله أنه دين الحق، وما عداه فباطل زائف زاهق، كما يشمل إظهاره بمعنى نصره على أهل الأديان الأخرى، حتى زال سلطانهم وانهدم بنيانهم، فأزال الله بدين الإسلام وأهله المجاهدين الأولين أكبر دولتين كانتا قائمتين وقت سطوع نور النبوة، هما دولتا فارس والروم فضلاً عن ممالك الكفار المتفرقة.

والمراد أن دين الله ظهر وانتصر على الكفار حينما قامت للمسلمين دولة، أسسها وأرسى دعائمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم خلفاؤه الراشدون من بعده، وكذلك يقوم بهذا الأمر اليوم خليفة المسلمين وجنوده بعون الله تعالى، فلا يتصور حصول نصر أو عزة للمسلمين دون قيام دولة الإسلام التي أحيت الخلافة الراشدة.

• الأرض لله يورثها عباده الصالحين:

ومن مهام من وُلِّيَ أمر المسلمين (وهو الخليفة أعزه الله) أن يبسط سلطان دولة الإسلام على أرض الله كلها، فالأرض أرض الله، وليس لكافر فيها حق، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]، وقد فسر المفسرون ومنهم ابن عباس -رضي الله عنهما- (الأرض) بالجنة، وقال ابن عباس أيضاً: "أخبر -سبحانه- في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض، أنه يورث أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون"، فهما قولان صحيحان لا يتعارضان، وهذه الوراثة للأرض لا تكون إلا بالجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، فالكفار لا يتركون كفرهم وفتنتهم للناس عن دين الإسلام إلا بالقتال الذي يقوم به أولياء الرحمن ضد أولياء الشيطان، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، وقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًاً} [النساء: 75 - 76]، فإن لم تقم الدولة الإسلامية وجنودها بواجب القتال في سبيل الله ولإنقاذ المستضعفين من المؤمنين من براثن الكفر وأهله، فمن سيقوم بذلك؟!

إنها أمور جسام تضطلع بها دولة الخلافة قيادة وجنوداً، وإننا لموقنون بنصر الله لها قريباً، فقد أقسم الله -عز وجل- على نصر من ينصر دينه، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، أكد الله وعده بالنصر بالقسم الذي تدل عليه لام القسم، وأكده بـ (إن) المشددة وبلام التوكيد الداخلة على اسمين من أسماء الله الحسنى -وكلها حسنى- {لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، فلا تكافئ قوته قوة، فهو خالق الخلق وهو الذي أعطاهم ما شاء من أسباب القوة، وهو القوي وخلقه الضعفاء، وهو الغني وخلقه الفقراء إليه، وهو العزيز الذي لا يغالَب، الذي جعل العزة للمؤمنين من عباده، والذي وعد بنصرهم وكفايتهم، قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ} [الزمر: 36] بالجمع على قراءة حمزة والكسائي وخلف العاشر وأبي جعفر.

نسأل الله أن يحفظ إمامنا خليفة المسلمين، وأن يسدد رأيه، وأن يجعل له ولجند الخلافة من لدنه سلطاناً نصيراً، وأن يثبت أقدامهم وينصرهم على القوم الكافرين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة الصحيفة وللأعداد الجديدة.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
منزلة الإمامة من الدين
...المزيد

• الإمامة العظمى تسعى لظهور دين الإسلام وبالإضافة إلى أن إقامة دين الله، وسياسة الدنيا بالدين، ...

• الإمامة العظمى تسعى لظهور دين الإسلام

وبالإضافة إلى أن إقامة دين الله، وسياسة الدنيا بالدين، وحماية الدين، والذود عن دار الإسلام، والدفاع عن المسلمين وحرماتهم وأموالهم، من أهم ما يقوم به خليفة المسلمين، فإن من مهامه أيضا أن يسعى لبسط سلطان الدين على كل أرض الله.

فالله -تعالى- يريد إرادة شرعية أن يعمل المسلمون ليكون دين الإسلام هو المهيمن على الأديان كلها، والمنتصر عليها، حتى تكون كلمة الله هي العليا، وتكون كلمة الذين كفروا هي السفلى، وكذلك فللَّه -تعالى- إرادة كونية أن يعلو دينه على كل الأديان علواً ظاهراً، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].

وإظهار الله لدين الإسلام يشمل إظهاره على الأديان كلها بالحجج والبراهين، فأظهر الله أنه دين الحق، وما عداه فباطل زائف زاهق، كما يشمل إظهاره بمعنى نصره على أهل الأديان الأخرى، حتى زال سلطانهم وانهدم بنيانهم، فأزال الله بدين الإسلام وأهله المجاهدين الأولين أكبر دولتين كانتا قائمتين وقت سطوع نور النبوة، هما دولتا فارس والروم فضلاً عن ممالك الكفار المتفرقة.

والمراد أن دين الله ظهر وانتصر على الكفار حينما قامت للمسلمين دولة، أسسها وأرسى دعائمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم خلفاؤه الراشدون من بعده، وكذلك يقوم بهذا الأمر اليوم خليفة المسلمين وجنوده بعون الله تعالى، فلا يتصور حصول نصر أو عزة للمسلمين دون قيام دولة الإسلام التي أحيت الخلافة الراشدة.

• الأرض لله يورثها عباده الصالحين:

ومن مهام من وُلِّيَ أمر المسلمين (وهو الخليفة أعزه الله) أن يبسط سلطان دولة الإسلام على أرض الله كلها، فالأرض أرض الله، وليس لكافر فيها حق، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]، وقد فسر المفسرون ومنهم ابن عباس -رضي الله عنهما- (الأرض) بالجنة، وقال ابن عباس أيضاً: "أخبر -سبحانه- في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض، أنه يورث أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- الأرض، ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون"، فهما قولان صحيحان لا يتعارضان، وهذه الوراثة للأرض لا تكون إلا بالجهاد في سبيل الله الذي هو ذروة سنام الإسلام، فالكفار لا يتركون كفرهم وفتنتهم للناس عن دين الإسلام إلا بالقتال الذي يقوم به أولياء الرحمن ضد أولياء الشيطان، قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} [الأنفال: 39]، وقال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا * الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًاً} [النساء: 75 - 76]، فإن لم تقم الدولة الإسلامية وجنودها بواجب القتال في سبيل الله ولإنقاذ المستضعفين من المؤمنين من براثن الكفر وأهله، فمن سيقوم بذلك؟!

إنها أمور جسام تضطلع بها دولة الخلافة قيادة وجنوداً، وإننا لموقنون بنصر الله لها قريباً، فقد أقسم الله -عز وجل- على نصر من ينصر دينه، {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج: 40]، أكد الله وعده بالنصر بالقسم الذي تدل عليه لام القسم، وأكده بـ (إن) المشددة وبلام التوكيد الداخلة على اسمين من أسماء الله الحسنى -وكلها حسنى- {لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}، فلا تكافئ قوته قوة، فهو خالق الخلق وهو الذي أعطاهم ما شاء من أسباب القوة، وهو القوي وخلقه الضعفاء، وهو الغني وخلقه الفقراء إليه، وهو العزيز الذي لا يغالَب، الذي جعل العزة للمؤمنين من عباده، والذي وعد بنصرهم وكفايتهم، قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عِبَادَهُ} [الزمر: 36] بالجمع على قراءة حمزة والكسائي وخلف العاشر وأبي جعفر.

نسأل الله أن يحفظ إمامنا خليفة المسلمين، وأن يسدد رأيه، وأن يجعل له ولجند الخلافة من لدنه سلطاناً نصيراً، وأن يثبت أقدامهم وينصرهم على القوم الكافرين.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة الصحيفة وللأعداد الجديدة.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR

منزلة الإمامة من الدين
...المزيد

الغنيمة والفيء والاحتطاب مسائل وأحكام (2) [1/4] تكلمنا -بفضل الله- في القسم الأول من هذه ...

الغنيمة والفيء والاحتطاب
مسائل وأحكام (2)

[1/4]
تكلمنا -بفضل الله- في القسم الأول من هذه المقالة عن بعض أحكام الأموال التي تؤخذ من أهل الحرب، وبيّنّا حكم أموال الكفار المحاربين، وفرّقنا بين ما يؤخذ منها على وجه الفيء والغنيمة، وما يؤخذ منها على وجه التلصص والاحتيال، وذكرنا مذاهب الفقهاء في تخميس الأموال التي يحتطبها المسلمون من الكفار في دار الحرب.

ونتابع في هذا القسم -بإذن الله- الحديث في هذا الباب، لنتكلم في مسائل تخميس الغنيمة والفيء، ونبيّن حقيقة الأمان الذي يعطيه المسلم للكافر، ويمنعه من أخذ ماله، ونرد على شبهات أهل الضلال في هذا الباب، سائلين المولى -عز وجل- الهداية والسداد.

التقسيم فيما أُخذ من أهل الحرب:

الغنيمة:
قال الله تعالى: {واعلمُوا أنّما غنمتُم من شيءٍ فأنّ للّه خُمُسهُ وللرّسُول ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل إن كُنتُم آمنتُم باللّه وما أنزلنا على عبدنا يوم الفُرقان يوم التقى الجمعان واللّهُ على كُلّ شيءٍ قديرٌ} [الأنفال: 41].
فالأخماس الأربعة من الغنيمة هي للمجاهدين الغانمين، والخمس المتبقي هو للأصناف المذكورة في آية الغنيمة في سورة الأنفال، وهذا الخمس المتبقي يقسم على خمسة أسهم، قال الإمام أحمد، رحمه الله: "خُمس الله والرسول واحدة، ولذي القربى سهم، وهم قرابة النبي، صلى الله عليه وسلم؛ وهم بنو هاشم وبنو المطلب، لم يقسمه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا فيهم، لليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم" [مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله بن أحمد].

مصرف سهم الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم
يُصرف سهم الله والرسول صلى الله عليه وسلم -على الأصح- في الخيل والسلاح ومصالح المسلمين، قال ابن قدامة: "إنما أضافه الله -تعالى- إلى نفسه وإلى رسوله، ليُعلم أن جهته جهة المصلحة، وأنه ليس بمختص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فيسقط بموته" [المغني].

الفيء:
بيّن الله -سبحانه وتعالى- المواضع التي يُصرف فيها الفيء في سورة الحشر: {ما أفاء اللّهُ على رسُوله من أهل القُرى فللّه وللرّسُول ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل كي لا يكُون دُولةً بين الأغنياء منكُم وما آتاكُمُ الرّسُولُ فخُذُوهُ وما نهاكُم عنهُ فانتهُوا واتّقُوا اللّه إنّ اللّه شديدُ العقاب * للفُقراء المُهاجرين الّذين أُخرجُوا من ديارهم وأموالهم يبتغُون فضلًا من اللّه ورضوانًا وينصُرُون اللّه ورسُولهُ أُولئك هُمُ الصّادقُون * والّذين تبوّءُوا الدّار والإيمان من قبلهم يُحبُّون من هاجر إليهم ولا يجدُون في صُدُورهم حاجةً ممّا أُوتُوا ويُؤثرُون على أنفُسهم ولو كان بهم خصاصةٌ ومن يُوق شُحّ نفسه فأُولئك هُمُ المُفلحُون * والّذين جاءُوا من بعدهم يقُولُون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقُونا بالإيمان ولا تجعل في قُلُوبنا غلًّا للّذين آمنُوا ربّنا إنّك رءُوفٌ رحيمٌ} [الحشر: 7 - 10].

واختلف أهل العلم هل يُخمّس الفيء أو لا يُخمّس، وسبب الخلاف هو أن الآية السابعة من سورة الحشر ذكرت الأصناف ذاتها التي ذكرها الله -تعالى- في آية الغنيمة في سورة الأنفال، فأخذ فريق بظاهر الآية مع العلم أن الله -تعالى- لم يذكر الخمس كما ذكره في آية الأنفال، وفريق ذهبوا إلى قول عمر -رضي الله عنه- لما قرأ قول الله -تعالى- في الآيات المذكورة أعلاه: "هذه استوعبت المسلمين"، فذكر هذه الأصناف على وجه الاستيعاب لا على وجه تخصيص هؤلاء المذكورين في الآية السابعة من سورة الحشر بخمس الفيء.
قال ابن قدامة: "وظاهر المذهب أنه لا يُخمّس، لقول الله تعالى: {وما أفاء اللّهُ على رسُوله منهُم فما أوجفتُم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ} [الحشر: 6]... الآيات. فجعله كله لجميع المسلمين. قال عمر -رضي اللّه عنه- لما قرأها: هذه استوعبت المسلمين، ولئن عشت ليأتين الراعي -وهو بسرو حمير- نصيبُه منها لم يعرق فيها جبينه" [الكافي في فقه الإمام أحمد].

وذهب ابن قدامة إلى أن الفيء يُخمّس، فخمس الفيء لمن ذكر الله -تعالى- في آية الغنيمة في سورة الأنفال وآية الفيء في سورة الحشر، والأخماس الأربعة المتبقية من الفيء لجميع المسلمين على الترتيب الذي ذكره في كتاب الكافي فقال: "يبدأ فيه بالأهم فالأهم، وأهم المصالح كفاية أجناد المسلمين بأرزاقهم، وسد الثغور بمن فيه كفاية، وكفايتهم بأرزاقهم، وبناء ما يحتاج إلى بنائه منها، وحفر الخنادق، وشراء ما يحتاج إليه من الكراع والسلاح، ثم الأهم فالأهم من عمارة القناطر والطرق والمساجد، وكري الأنهار، وسد البثوق، وأرزاق القضاة، والأئمة، والمؤذنين، ومن يحتاج إليه المسلمون، وكل ما يعود نفعه إلى المسلمين، ثم ما فضل قسمه على المسلمين، لما ذكرنا من الآية، وقول عمر، رضي اللّه عنه" [الكافي في فقه الإمام أحمد].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 90
الخميس 26 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

الغنيمة والفيء والاحتطاب مسائل وأحكام (2) [1/4] تكلمنا -بفضل الله- في القسم الأول من هذه ...

الغنيمة والفيء والاحتطاب
مسائل وأحكام (2)

[1/4]
تكلمنا -بفضل الله- في القسم الأول من هذه المقالة عن بعض أحكام الأموال التي تؤخذ من أهل الحرب، وبيّنّا حكم أموال الكفار المحاربين، وفرّقنا بين ما يؤخذ منها على وجه الفيء والغنيمة، وما يؤخذ منها على وجه التلصص والاحتيال، وذكرنا مذاهب الفقهاء في تخميس الأموال التي يحتطبها المسلمون من الكفار في دار الحرب.

ونتابع في هذا القسم -بإذن الله- الحديث في هذا الباب، لنتكلم في مسائل تخميس الغنيمة والفيء، ونبيّن حقيقة الأمان الذي يعطيه المسلم للكافر، ويمنعه من أخذ ماله، ونرد على شبهات أهل الضلال في هذا الباب، سائلين المولى -عز وجل- الهداية والسداد.

التقسيم فيما أُخذ من أهل الحرب:

الغنيمة:
قال الله تعالى: {واعلمُوا أنّما غنمتُم من شيءٍ فأنّ للّه خُمُسهُ وللرّسُول ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل إن كُنتُم آمنتُم باللّه وما أنزلنا على عبدنا يوم الفُرقان يوم التقى الجمعان واللّهُ على كُلّ شيءٍ قديرٌ} [الأنفال: 41].
فالأخماس الأربعة من الغنيمة هي للمجاهدين الغانمين، والخمس المتبقي هو للأصناف المذكورة في آية الغنيمة في سورة الأنفال، وهذا الخمس المتبقي يقسم على خمسة أسهم، قال الإمام أحمد، رحمه الله: "خُمس الله والرسول واحدة، ولذي القربى سهم، وهم قرابة النبي، صلى الله عليه وسلم؛ وهم بنو هاشم وبنو المطلب، لم يقسمه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا فيهم، لليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم" [مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله بن أحمد].

مصرف سهم الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم
يُصرف سهم الله والرسول صلى الله عليه وسلم -على الأصح- في الخيل والسلاح ومصالح المسلمين، قال ابن قدامة: "إنما أضافه الله -تعالى- إلى نفسه وإلى رسوله، ليُعلم أن جهته جهة المصلحة، وأنه ليس بمختص بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فيسقط بموته" [المغني].

الفيء:
بيّن الله -سبحانه وتعالى- المواضع التي يُصرف فيها الفيء في سورة الحشر: {ما أفاء اللّهُ على رسُوله من أهل القُرى فللّه وللرّسُول ولذي القُربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل كي لا يكُون دُولةً بين الأغنياء منكُم وما آتاكُمُ الرّسُولُ فخُذُوهُ وما نهاكُم عنهُ فانتهُوا واتّقُوا اللّه إنّ اللّه شديدُ العقاب * للفُقراء المُهاجرين الّذين أُخرجُوا من ديارهم وأموالهم يبتغُون فضلًا من اللّه ورضوانًا وينصُرُون اللّه ورسُولهُ أُولئك هُمُ الصّادقُون * والّذين تبوّءُوا الدّار والإيمان من قبلهم يُحبُّون من هاجر إليهم ولا يجدُون في صُدُورهم حاجةً ممّا أُوتُوا ويُؤثرُون على أنفُسهم ولو كان بهم خصاصةٌ ومن يُوق شُحّ نفسه فأُولئك هُمُ المُفلحُون * والّذين جاءُوا من بعدهم يقُولُون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الّذين سبقُونا بالإيمان ولا تجعل في قُلُوبنا غلًّا للّذين آمنُوا ربّنا إنّك رءُوفٌ رحيمٌ} [الحشر: 7 - 10].

واختلف أهل العلم هل يُخمّس الفيء أو لا يُخمّس، وسبب الخلاف هو أن الآية السابعة من سورة الحشر ذكرت الأصناف ذاتها التي ذكرها الله -تعالى- في آية الغنيمة في سورة الأنفال، فأخذ فريق بظاهر الآية مع العلم أن الله -تعالى- لم يذكر الخمس كما ذكره في آية الأنفال، وفريق ذهبوا إلى قول عمر -رضي الله عنه- لما قرأ قول الله -تعالى- في الآيات المذكورة أعلاه: "هذه استوعبت المسلمين"، فذكر هذه الأصناف على وجه الاستيعاب لا على وجه تخصيص هؤلاء المذكورين في الآية السابعة من سورة الحشر بخمس الفيء.
قال ابن قدامة: "وظاهر المذهب أنه لا يُخمّس، لقول الله تعالى: {وما أفاء اللّهُ على رسُوله منهُم فما أوجفتُم عليه من خيلٍ ولا ركابٍ} [الحشر: 6]... الآيات. فجعله كله لجميع المسلمين. قال عمر -رضي اللّه عنه- لما قرأها: هذه استوعبت المسلمين، ولئن عشت ليأتين الراعي -وهو بسرو حمير- نصيبُه منها لم يعرق فيها جبينه" [الكافي في فقه الإمام أحمد].

وذهب ابن قدامة إلى أن الفيء يُخمّس، فخمس الفيء لمن ذكر الله -تعالى- في آية الغنيمة في سورة الأنفال وآية الفيء في سورة الحشر، والأخماس الأربعة المتبقية من الفيء لجميع المسلمين على الترتيب الذي ذكره في كتاب الكافي فقال: "يبدأ فيه بالأهم فالأهم، وأهم المصالح كفاية أجناد المسلمين بأرزاقهم، وسد الثغور بمن فيه كفاية، وكفايتهم بأرزاقهم، وبناء ما يحتاج إلى بنائه منها، وحفر الخنادق، وشراء ما يحتاج إليه من الكراع والسلاح، ثم الأهم فالأهم من عمارة القناطر والطرق والمساجد، وكري الأنهار، وسد البثوق، وأرزاق القضاة، والأئمة، والمؤذنين، ومن يحتاج إليه المسلمون، وكل ما يعود نفعه إلى المسلمين، ثم ما فضل قسمه على المسلمين، لما ذكرنا من الآية، وقول عمر، رضي اللّه عنه" [الكافي في فقه الإمام أحمد].


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 90
الخميس 26 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 88 مقال: منزلة الإمامة من الدين الحمد لله الذي يحب من ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 88
مقال:

منزلة الإمامة من الدين

الحمد لله الذي يحب من عباده أن يدعوه قائلين: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، والصلاة والسلام على رسوله إمام المتقين، الذي جمع الله له بين إمامة الناس بأن يحكمهم بما أنزل الله وبين أن يكون إمامهم الذي يُقتدى به في الدين، ثم جعل خلفاءه الراشدين على منهاجه وسيرته، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..

فقد روى الإمام أحمد والحاكم وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة، تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة).

فالإمامة العظمى الشرعية من عرى الإسلام، وانتقاض أمر الحكم بما أنزل الله هو نقصان يلحق أهل الإسلام في دينهم ودنياهم، فكم من شُعَب للإسلام والإيمان لا تتحقق إلا بهذه العروة من الإسلام، ومهمة الحكم بما أنزل الله إنما يضطلع بها الحاكم وأهل العلم الشرعي الذين يعينونه وينصحون له، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44]، فبيَّن -تعالى- أن من كلفهم بالحكم بما أنزل هم النبيون (وهم الذين كانوا يسوسون بني إسرائيل)، كما قال عليه الصلاة والسلام: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ، وإنه لا نبيَّ بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا، قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) [رواه مسلم]، فالخلفاء يقومون مقام الأنبياء في حكم الناس بما أنزل الله، والعلماء الربانيون عون لهم في ذلك.

• الخلافة الراشدة ترث منهاج النبوة

إن من أهم مهام الخلافة في هذا الزمان، تجديد الدين، وإقامته على منهاج النبوة، كما وعد نبينا -عليه الصلاة والسلام- بقوله: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة) [رواه أحمد]، فالخلافة المطلوبة هي التي تكون على منهاج النبوة، وهي التي تتحقق فيها صفة الرشد، التي وُصِفت بها خلافة الرعيل الأول من صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وإن اتصاف الخلافة بالرشد إنما حصل ويحصل -بإذن الله- باتباع الخلفاء لكتاب الله واقتفائهم هدي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور والأحوال.

وللرشد معانٍ في كتاب الله تعالى، من أعظمها ما أخبر -تعالى- عنه من فضله وهدايته لعباده الذين يحبهم: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7]، فالتزام أركان الإيمان وخصاله وشعبه ومحبة ذلك والتمسك به، والابتعاد عن كل ما يخالفه من كفر أو فسوق أو عصيان، كل ذلك من الرشد، وأعظم داعٍ إلى الرشد هو كتاب ربنا عز وجل، كما أخبر -تعالى- عن قول الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن: 1 - 2]، وأخبر -تعالى- أنه آتى نبيه وخليله إبراهيم الرشد، فدعا الناس إلى توحيد الله وجادلهم مبيناً لهم ضلالهم، وصبر على أذاهم وتهديداتهم بل ومحاولتهم قتله حرقاً، فالتجأ إلى الله، فنجاه من النار وجعلها عليه برداً وسلاماً، وأعلن براءته من أبيه وقومه لمَّا أصروا على الكفر، ومفارقته لهم بالهجرة عنهم، {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99].

فالخلافة الراشدة تقيم كل شرائع الدين وتحيي السنن وتميت البدع، وتجاهد الكفار والمعاندين، لا تتبع أهواء البشر بل هي مستجيبة لأوامر الله متبعة لما يحبه مجتنبة لما يسخطه، قال تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
...المزيد

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 88 مقال: منزلة الإمامة من الدين الحمد لله الذي يحب من ...

الدولة الإسلامية - صحيفة النبأ العدد 88
مقال:

منزلة الإمامة من الدين

الحمد لله الذي يحب من عباده أن يدعوه قائلين: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74]، والصلاة والسلام على رسوله إمام المتقين، الذي جمع الله له بين إمامة الناس بأن يحكمهم بما أنزل الله وبين أن يكون إمامهم الذي يُقتدى به في الدين، ثم جعل خلفاءه الراشدين على منهاجه وسيرته، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد..

فقد روى الإمام أحمد والحاكم وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة، تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضاً الحكم، وآخرهن الصلاة).

فالإمامة العظمى الشرعية من عرى الإسلام، وانتقاض أمر الحكم بما أنزل الله هو نقصان يلحق أهل الإسلام في دينهم ودنياهم، فكم من شُعَب للإسلام والإيمان لا تتحقق إلا بهذه العروة من الإسلام، ومهمة الحكم بما أنزل الله إنما يضطلع بها الحاكم وأهل العلم الشرعي الذين يعينونه وينصحون له، قال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} [المائدة: 44]، فبيَّن -تعالى- أن من كلفهم بالحكم بما أنزل هم النبيون (وهم الذين كانوا يسوسون بني إسرائيل)، كما قال عليه الصلاة والسلام: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبيٌّ خلفه نبيٌّ، وإنه لا نبيَّ بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا، قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم) [رواه مسلم]، فالخلفاء يقومون مقام الأنبياء في حكم الناس بما أنزل الله، والعلماء الربانيون عون لهم في ذلك.

• الخلافة الراشدة ترث منهاج النبوة

إن من أهم مهام الخلافة في هذا الزمان، تجديد الدين، وإقامته على منهاج النبوة، كما وعد نبينا -عليه الصلاة والسلام- بقوله: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة) [رواه أحمد]، فالخلافة المطلوبة هي التي تكون على منهاج النبوة، وهي التي تتحقق فيها صفة الرشد، التي وُصِفت بها خلافة الرعيل الأول من صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

وإن اتصاف الخلافة بالرشد إنما حصل ويحصل -بإذن الله- باتباع الخلفاء لكتاب الله واقتفائهم هدي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في جميع الأمور والأحوال.

وللرشد معانٍ في كتاب الله تعالى، من أعظمها ما أخبر -تعالى- عنه من فضله وهدايته لعباده الذين يحبهم: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7]، فالتزام أركان الإيمان وخصاله وشعبه ومحبة ذلك والتمسك به، والابتعاد عن كل ما يخالفه من كفر أو فسوق أو عصيان، كل ذلك من الرشد، وأعظم داعٍ إلى الرشد هو كتاب ربنا عز وجل، كما أخبر -تعالى- عن قول الجن: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن: 1 - 2]، وأخبر -تعالى- أنه آتى نبيه وخليله إبراهيم الرشد، فدعا الناس إلى توحيد الله وجادلهم مبيناً لهم ضلالهم، وصبر على أذاهم وتهديداتهم بل ومحاولتهم قتله حرقاً، فالتجأ إلى الله، فنجاه من النار وجعلها عليه برداً وسلاماً، وأعلن براءته من أبيه وقومه لمَّا أصروا على الكفر، ومفارقته لهم بالهجرة عنهم، {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99].

فالخلافة الراشدة تقيم كل شرائع الدين وتحيي السنن وتميت البدع، وتجاهد الكفار والمعاندين، لا تتبع أهواء البشر بل هي مستجيبة لأوامر الله متبعة لما يحبه مجتنبة لما يسخطه، قال تعالى: {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186].
...المزيد

أدلة وجوب إقامة الإمامة العظمى الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، والصلاة والسلام على نبيه ...

أدلة وجوب إقامة الإمامة العظمى

الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى المختار، وعلى آله وصحبه الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار، أما بعد...

فقد تحدثنا في المقالات الماضية عن أهمية الإمامة العظمى لقيادة المسلمين وإصلاح دينهم ودنياهم، وفي هذه المقالة نتناول -إن شاء الله- الأدلة الشرعية الموجبة لإقامة الإمامة العظمى والخلافة الراشدة، المتمسكة بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في سياسة أمة الإسلام.

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم

- قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]. أخرج الطبري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: "[أولو الأمر] هم الأمراء"، ثم قال الطبري: أَوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: "هم الأمراء والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة"، وقال ابن كثير: "الظاهر -والله أعلم- أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء".

ووجه الاستدلال بهذه الآية هو أن الله -سبحانه- أوجب على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم وهم الأئمة، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولي الأمر، لأن الله -تعالى- لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من يُندَب وجوده، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده، فدل على أن تنصيب إمام للمسلمين واجب عليهم.

- ومن الأدلة أيضاً قول الله -تعالى- مخاطباً الرسول، صلى الله عليه وسلم: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وقوله –تعالى- في الآية التي تليها: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49].

فهذا الأمر من الله -تعالى- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله أي بشرعه، والخطاب للرسول -صلى الله عليه وسلم- خطاب لأمته ما لم يرد دليل على التخصيص، كما هو الحال هنا، فيكون خطابا للمسلمين جميعا بإقامة الحكم بما أنزل الله إلى يوم القيامة، ولا تكون إقامة الحكم والسلطان إلا بإقامة الإمامة، لأن ذلك من أعمالها ولا يمكن القيام به على الوجه الأكمل إلا عن طريقها، فتكون جميع الآيات الآمرة بالحكم بما أنزل الله دالة على وجوب نصب إمام يتولى ذلك.

- ومن الأدلة كذلك قول الله، تبارك وتعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

فمهمة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- أن يقيموا العدل بين الناس وفقا لما أنزل في الكتاب، وأن ينصروا ذلك بالقوة، وهذا لا يحصل لأتباع الرسل إلا بتنصيب إمام يقيم فيهم العدل، وينظم جيوشهم الناصرة لدين الله، قال الإمام ابن تيمية، رحمه الله: "ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بتولية ولاة أمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى" [مجموع الفتاوى].

- ومن أدلة القرآن أيضا آيات الحدود والقصاص وجمع الزكاة ونحوها من الأحكام التي هي في الأصل من أعمال الإمام ثم من ينوب عن الإمام، فجميع الآيات التي نزلت بتشريع الأحكام التي تتعلق بالإمامة وشؤونها دلت على أن قيام الإمامة الشرعية وقيام الدولة الإسلامية هي من أساسيات وضروريات الشريعة الإسلامية.


ثانياً: الأدلة من السنة

أ- الأدلة من السنة القولية:
جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة تدل على وجوب نصب الإمام، ومنها:
1) ما رواه عبدُ الله بنُ عمرَ -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من خلع يداً من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة ولا حُجَّة له، ومن مات وليس في عُنقه بيعةٌ مات مِيتَة جاهليَّة) [صحيح مسلم]، أي: طاعة الإمام والبيعة له، وهذا بيِّن الدلالة على وجوب نصب الإمام والسمع والطاعة له، لأنه إذا كانت البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، فنصب الإمام واجب، وكذلك الاستمرار في طاعته وعدم الخروج عليه وعدم نزع اليد من طاعته.

2) ومنها أيضا الحديث المشهور في السنن عن العرباض بن سارية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) [رواه أبو داود والترمذي].
وقد تواتر عن الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم بايعوا أبا بكر -رضي الله عنه- بالخلافة بعد لحاق النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى، ثم استخلف أبو بكر عمرَ، رضي الله عنهما، ثم جعل عُمَرُ أمر الخلافة في ستة هم خيار الصحابة فاختاروا من بينهم عثمانَ، رضي الله عنهم أجمعين، ثم بعد استشهاده بايعوا عليا -رضي الله عنه- بالخلافة، فهذه سنتهم -رضي الله عنهم- في الخلافة، وعدم التهاون في إقامتها، فوجب الاقتداء بهم في ذلك كما أمر النبي، صلى الله عليه وسلم.

وكذلك الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الحكام فيما لا معصية فيه، وأحاديث البيعة والأمر بالوفاء بها للأول فالأول، وحرمة الخروج على أئمة المسلمين، والحث على ضرب عنق من جاء ينازع الإمام الحق،كل هذه الأحاديث تقتضي وجود الإمام المسلم، فدلّ ذلك على وجوب تنصيبه، بل وأنه لا صلاح لحياة المسلمين إلا بإمام شرعي لهم.

ب- سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الفعلية في إقامة الإمامة العظمى:

منذ بعث الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- وآمن به من علم اللهُ فيهم الخير العظيم، كان صحبه الكرام يأتمرون بأمره ويطيعونه ليس في العبادات فحسب، بل كان هو مرجعهم في تنظيم أمور الدعوة والتعامل مع الكفار، وكل ما يستجد من أمور كالهجرة إلى الحبشة ثم المدينة، وكون مكة لم تكن دار تمكين فلم يكن معنى ذلك أن يعيش المسلمون بلا إمارة تدير ما استطاعت من أمور حياتهم، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين إماماً معلماً وأباً شفيقاً.

ولما هيأ الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- من ينصرون دينه من أهل المدينة ويمنعونه كما يمنعون أهليهم وأبناءهم، وبايعوه على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وكان للأنصار قوة ومنعة في دارهم، حينذاك هاجر إليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وقام حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين ودارهم على ساقه، واكتمل بناء دار الإسلام بالنبي الإمام -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الأبرار.

وبالإضافة إلى أدلة الكتاب والسنة، فإن إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على نصب الإمام، وحرصهم على ذلك وتقديمه على واجب دفن النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته، واستمرارهم على هذا الإجماع، بنصبهم للإمام تلو الإمام، هو دليل أيضا على هذا الواجب المتعين على المسلمين.

ووجوب الإمامة شرعا من أكثر الأمور التي اتفق عليها علماء أهل السنة عبر العصور، ولم يخالف فيها إلا أهل البدع والضلال، الذين لا يعتد بمخالفتهم، والحمد لله رب العالمين.

• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 90
الخميس 26 شوال 1438 ه‍ـ
...المزيد

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل 5/5 • ما أخطأك لم يكن ليصيبك: انتهت نوبتي في الرباط، وجاء الأخ ...

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل
5/5

• ما أخطأك لم يكن ليصيبك:

انتهت نوبتي في الرباط، وجاء الأخ البديل ليحل محلي، حملت أغراضي، وهممت بالخروج فتذكرت أن حي الشفاء والمجمع الطبي قد تغيرت معالمهما بسبب القصف اليومي العنيف من الطيران والمدفعية والهاون، فلا تكاد تجد بناية سالمة من القصف، فخشيت أن أتيه وأضيع الطريق، فترصدني طائرات الدرونز التي لا تفارق الأجواء دقيقة.

استفسرت من الإخوة القادمين حديثاً لثغرنا فأرشدوني إلى طريق سلكته، كان الجزء الأكبر منه يلزمك أن تسير بفضاء مفتوح، لا سقف يظلك، ولا جدار يحميك، فالمكان مدمر، غير أن عناية الله تكلأ المجاهدين وعينه تحرسهم، فيعمي أبصار الصليبيين وكلابهم عنهم.

مررت بأطلال صالة الطوارئ في المستشفى، حيث كانت هناك جثث متفسخة لمصابين وصل المسعفون إليهم بعد أن فارقوا الحياة... دماء قاتمة عند حمالة عليها جثمان لا يُعرف كنهه، ترسم بوضوح إجرام وصلف الصليبيين والمرتدين المحاربين لديار المسلمين... بدلة طبيب ملقاة عند باب الخروج كانت قد تلبدت بدماء جرحاه ثم بدمائه...

اندفعت خارجاً بسرعة، داعيا الله أن يتقبل الشهداء، وصلت مكانا بمثابة محطة أولى للانتقال إلى نقطتي القادمة، وجدت بقايا ماء، اغتسلت به وأبدلت ملابسي التي تغير لونها ولوني، فكان أدق وصف لها، هو وصف الشيخ الطبيب عبد الله لمنظري حينما قال لمرافقه يحيى، تقبله الله: "أبو فلان، من التراب بدا للناظر كأنه كتلة كونكريت"، قررت النوم ليرتاح جسدي المنهك قبل أن أكمل المسير إلى محطتي القادمة.

كان المكان يعتبر خطرا بعض الشيء، لقربه من مواقع العدو وخطوط الاشتباك، فتوكلت على الله، والتحفت حزامي وسلاحي، ونمت سويعات قطعها صوت الاشتباكات والانفجارات، خشيت أن أكون قد حوصرت، فخرجت مسرعا إلى مكان ثانٍ بغية الاستراحة قليلاً، ونمت من جديد، وما هي إلا هنيهة حتى دوَّى انفجار خمسة صواريخ متعاقبة على المكان، هدت أركانه وما حوله، ونجوت ومعي بعض الإخوة، فالحمد لله على حفظه، فقد رسّخ هذا الدرس في نفسي حقيقة أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.

جلست أنتظر قدوم دليل الطريق نحو المحطة القادمة، وفجأة دخل أخ قائلاً: الأخ الدليل أوصل قبلك عدة إخوة، ولما عاد للمجموعة الثانية قُصف، تقبله الله، سألته عن التفاصيل، قال: في طريق الرجوع قصفته طائرة مسيرة فنزف نزفاً شديداً ولم نتمكن من إسعافه وكان آخر ما يلهج به "اللهم الجنة... اللهم تقبلني في الشهداء"، فما أصابك لم يكن ليخطأك، نِعمَ المصاب في سبيل الله والفوز برضوانه وجنته.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل 5/5 • ما أخطأك لم يكن ليصيبك: انتهت نوبتي في الرباط، وجاء الأخ ...

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل
5/5

• ما أخطأك لم يكن ليصيبك:

انتهت نوبتي في الرباط، وجاء الأخ البديل ليحل محلي، حملت أغراضي، وهممت بالخروج فتذكرت أن حي الشفاء والمجمع الطبي قد تغيرت معالمهما بسبب القصف اليومي العنيف من الطيران والمدفعية والهاون، فلا تكاد تجد بناية سالمة من القصف، فخشيت أن أتيه وأضيع الطريق، فترصدني طائرات الدرونز التي لا تفارق الأجواء دقيقة.

استفسرت من الإخوة القادمين حديثاً لثغرنا فأرشدوني إلى طريق سلكته، كان الجزء الأكبر منه يلزمك أن تسير بفضاء مفتوح، لا سقف يظلك، ولا جدار يحميك، فالمكان مدمر، غير أن عناية الله تكلأ المجاهدين وعينه تحرسهم، فيعمي أبصار الصليبيين وكلابهم عنهم.

مررت بأطلال صالة الطوارئ في المستشفى، حيث كانت هناك جثث متفسخة لمصابين وصل المسعفون إليهم بعد أن فارقوا الحياة... دماء قاتمة عند حمالة عليها جثمان لا يُعرف كنهه، ترسم بوضوح إجرام وصلف الصليبيين والمرتدين المحاربين لديار المسلمين... بدلة طبيب ملقاة عند باب الخروج كانت قد تلبدت بدماء جرحاه ثم بدمائه...

اندفعت خارجاً بسرعة، داعيا الله أن يتقبل الشهداء، وصلت مكانا بمثابة محطة أولى للانتقال إلى نقطتي القادمة، وجدت بقايا ماء، اغتسلت به وأبدلت ملابسي التي تغير لونها ولوني، فكان أدق وصف لها، هو وصف الشيخ الطبيب عبد الله لمنظري حينما قال لمرافقه يحيى، تقبله الله: "أبو فلان، من التراب بدا للناظر كأنه كتلة كونكريت"، قررت النوم ليرتاح جسدي المنهك قبل أن أكمل المسير إلى محطتي القادمة.

كان المكان يعتبر خطرا بعض الشيء، لقربه من مواقع العدو وخطوط الاشتباك، فتوكلت على الله، والتحفت حزامي وسلاحي، ونمت سويعات قطعها صوت الاشتباكات والانفجارات، خشيت أن أكون قد حوصرت، فخرجت مسرعا إلى مكان ثانٍ بغية الاستراحة قليلاً، ونمت من جديد، وما هي إلا هنيهة حتى دوَّى انفجار خمسة صواريخ متعاقبة على المكان، هدت أركانه وما حوله، ونجوت ومعي بعض الإخوة، فالحمد لله على حفظه، فقد رسّخ هذا الدرس في نفسي حقيقة أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.

جلست أنتظر قدوم دليل الطريق نحو المحطة القادمة، وفجأة دخل أخ قائلاً: الأخ الدليل أوصل قبلك عدة إخوة، ولما عاد للمجموعة الثانية قُصف، تقبله الله، سألته عن التفاصيل، قال: في طريق الرجوع قصفته طائرة مسيرة فنزف نزفاً شديداً ولم نتمكن من إسعافه وكان آخر ما يلهج به "اللهم الجنة... اللهم تقبلني في الشهداء"، فما أصابك لم يكن ليخطأك، نِعمَ المصاب في سبيل الله والفوز برضوانه وجنته.


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

أدلة وجوب إقامة الإمامة العظمى الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، والصلاة والسلام على نبيه ...

أدلة وجوب إقامة الإمامة العظمى

الحمد لله الذي يخلق ما يشاء ويختار، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى المختار، وعلى آله وصحبه الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القرار، أما بعد...

فقد تحدثنا في المقالات الماضية عن أهمية الإمامة العظمى لقيادة المسلمين وإصلاح دينهم ودنياهم، وفي هذه المقالة نتناول -إن شاء الله- الأدلة الشرعية الموجبة لإقامة الإمامة العظمى والخلافة الراشدة، المتمسكة بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- في سياسة أمة الإسلام.

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم

- قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]. أخرج الطبري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: "[أولو الأمر] هم الأمراء"، ثم قال الطبري: أَوْلَى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: "هم الأمراء والولاة فيما كان لله طاعة وللمسلمين مصلحة"، وقال ابن كثير: "الظاهر -والله أعلم- أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء".

ووجه الاستدلال بهذه الآية هو أن الله -سبحانه- أوجب على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم وهم الأئمة، والأمر بالطاعة دليل على وجوب نصب ولي الأمر، لأن الله -تعالى- لا يأمر بطاعة من لا وجود له، ولا يفرض طاعة من يُندَب وجوده، فالأمر بطاعته يقتضي الأمر بإيجاده، فدل على أن تنصيب إمام للمسلمين واجب عليهم.

- ومن الأدلة أيضاً قول الله -تعالى- مخاطباً الرسول، صلى الله عليه وسلم: {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 48]، وقوله –تعالى- في الآية التي تليها: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: 49].

فهذا الأمر من الله -تعالى- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- بأن يحكم بين المسلمين بما أنزل الله أي بشرعه، والخطاب للرسول -صلى الله عليه وسلم- خطاب لأمته ما لم يرد دليل على التخصيص، كما هو الحال هنا، فيكون خطابا للمسلمين جميعا بإقامة الحكم بما أنزل الله إلى يوم القيامة، ولا تكون إقامة الحكم والسلطان إلا بإقامة الإمامة، لأن ذلك من أعمالها ولا يمكن القيام به على الوجه الأكمل إلا عن طريقها، فتكون جميع الآيات الآمرة بالحكم بما أنزل الله دالة على وجوب نصب إمام يتولى ذلك.

- ومن الأدلة كذلك قول الله، تبارك وتعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].

فمهمة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- أن يقيموا العدل بين الناس وفقا لما أنزل في الكتاب، وأن ينصروا ذلك بالقوة، وهذا لا يحصل لأتباع الرسل إلا بتنصيب إمام يقيم فيهم العدل، وينظم جيوشهم الناصرة لدين الله، قال الإمام ابن تيمية، رحمه الله: "ولهذا أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته بتولية ولاة أمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله تعالى" [مجموع الفتاوى].

- ومن أدلة القرآن أيضا آيات الحدود والقصاص وجمع الزكاة ونحوها من الأحكام التي هي في الأصل من أعمال الإمام ثم من ينوب عن الإمام، فجميع الآيات التي نزلت بتشريع الأحكام التي تتعلق بالإمامة وشؤونها دلت على أن قيام الإمامة الشرعية وقيام الدولة الإسلامية هي من أساسيات وضروريات الشريعة الإسلامية.


ثانياً: الأدلة من السنة

أ- الأدلة من السنة القولية:
جاءت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة تدل على وجوب نصب الإمام، ومنها:
1) ما رواه عبدُ الله بنُ عمرَ -رضي الله عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (من خلع يداً من طاعةٍ لقي الله يوم القيامة ولا حُجَّة له، ومن مات وليس في عُنقه بيعةٌ مات مِيتَة جاهليَّة) [صحيح مسلم]، أي: طاعة الإمام والبيعة له، وهذا بيِّن الدلالة على وجوب نصب الإمام والسمع والطاعة له، لأنه إذا كانت البيعة واجبة في عنق المسلم، والبيعة لا تكون إلا لإمام، فنصب الإمام واجب، وكذلك الاستمرار في طاعته وعدم الخروج عليه وعدم نزع اليد من طاعته.

2) ومنها أيضا الحديث المشهور في السنن عن العرباض بن سارية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) [رواه أبو داود والترمذي].
وقد تواتر عن الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم بايعوا أبا بكر -رضي الله عنه- بالخلافة بعد لحاق النبي -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى، ثم استخلف أبو بكر عمرَ، رضي الله عنهما، ثم جعل عُمَرُ أمر الخلافة في ستة هم خيار الصحابة فاختاروا من بينهم عثمانَ، رضي الله عنهم أجمعين، ثم بعد استشهاده بايعوا عليا -رضي الله عنه- بالخلافة، فهذه سنتهم -رضي الله عنهم- في الخلافة، وعدم التهاون في إقامتها، فوجب الاقتداء بهم في ذلك كما أمر النبي، صلى الله عليه وسلم.

وكذلك الأحاديث الدالة على وجوب طاعة الحكام فيما لا معصية فيه، وأحاديث البيعة والأمر بالوفاء بها للأول فالأول، وحرمة الخروج على أئمة المسلمين، والحث على ضرب عنق من جاء ينازع الإمام الحق،كل هذه الأحاديث تقتضي وجود الإمام المسلم، فدلّ ذلك على وجوب تنصيبه، بل وأنه لا صلاح لحياة المسلمين إلا بإمام شرعي لهم.

ب- سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- الفعلية في إقامة الإمامة العظمى:

منذ بعث الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- وآمن به من علم اللهُ فيهم الخير العظيم، كان صحبه الكرام يأتمرون بأمره ويطيعونه ليس في العبادات فحسب، بل كان هو مرجعهم في تنظيم أمور الدعوة والتعامل مع الكفار، وكل ما يستجد من أمور كالهجرة إلى الحبشة ثم المدينة، وكون مكة لم تكن دار تمكين فلم يكن معنى ذلك أن يعيش المسلمون بلا إمارة تدير ما استطاعت من أمور حياتهم، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين إماماً معلماً وأباً شفيقاً.

ولما هيأ الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- من ينصرون دينه من أهل المدينة ويمنعونه كما يمنعون أهليهم وأبناءهم، وبايعوه على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وكان للأنصار قوة ومنعة في دارهم، حينذاك هاجر إليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وقام حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- للمسلمين ودارهم على ساقه، واكتمل بناء دار الإسلام بالنبي الإمام -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الأبرار.

وبالإضافة إلى أدلة الكتاب والسنة، فإن إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على نصب الإمام، وحرصهم على ذلك وتقديمه على واجب دفن النبي عليه الصلاة والسلام بعد موته، واستمرارهم على هذا الإجماع، بنصبهم للإمام تلو الإمام، هو دليل أيضا على هذا الواجب المتعين على المسلمين.

ووجوب الإمامة شرعا من أكثر الأمور التي اتفق عليها علماء أهل السنة عبر العصور، ولم يخالف فيها إلا أهل البدع والضلال، الذين لا يعتد بمخالفتهم، والحمد لله رب العالمين.

• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 90
الخميس 26 شوال 1438 ه‍ـ
...المزيد

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل 4/5 • لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا: جاء الصباح على وقع صوت ...

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل

4/5

• لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا:

جاء الصباح على وقع صوت النذير أن هناك حركة غريبة بالجوار، وعند تجهزنا للخروج جاء أبو عبيدة وهو مجاهد تِقَنيّ بشوش الوجه، كان إذا داعب النسيم وجهه أضحكه، وكان عند أهله في إجازة ليوم واحد، ملابسه نظيفة وشعره مسرّح على غير عادة المرابطين، إذ يحول الانشغال بالرباط والقتال وفقدان الماء دون ذلك، شُعثٌ غُبرٌ.

قلت له: هل ودعت أهلك؟ قال: نعم، قلت لهم: هذا آخر لقاء بكم. فقد أوصيته قبل ذهابه لأهله أن يستودعهم الله ويقول لهم: لعلي لا أرجع، فقال: أبشر، وهو يتهلل ضاحكا.

صاح النذير أنَّ جرافة بدت واضحة أمامكم فعالجوها، فما كان من أبي عبيدة إلا أن ناداني أريد بازوكا (قاذفة) حتى أعالجها، فأعطيته فضربها فولَّت هاربة، فلم تمضِ إلا دقائق وناداني قائلا: المرتدون قدموا صنمهم الأبرامز، فاجلب لي بازوكا أخرى وسأضربها، بإذن الله.

أعطيته الإذن والبازوكا، بعدما أوصيته بإجراءات الأمان، لأنهم ما قدموها إلا لتضرب موضع انطلاق القذيفة الأولى، أخذت مكانا آخرا وهو يتحين ذاك الصنم ليحطمه، فناديته مازحاً بالكنية التي يلقبونه بها في بيته لما كان صغيرا: "يا فلان، بالقنابل اليدوية أخي... بالقنابل اليدوية"، في تعبيرٍ بيننا أنه في قتالنا للعدو يجب أن نكون في موضع يصله مدى قنابلنا اليدوية حيث لا رجعة، فضحك وقال: بالبازوكات، بإذن الله.

وما هي إلا لحظات حتى عم المكانَ الغبارُ والدخانُ والانفجاراتُ والإطلاقاتُ، فهرعنا لمكان أخينا، ووجدناه يلفظ أنفاسه الأخيرة بين الركام والنار ووجهه معفَّر بالتراب وقد بُترت إحدى رجليه وكُسرت الأخرى، فسحبناه علّنا نستطيع إسعافه، لكن المنية كانت أقرب له. لم نحزن عليه، لأنه لم يلفت وجهاً واستقبل دبابة العدو بصدره العاري، نحسبه والله حسيبه، لم نكترث أننا لم نمسح التراب من على وجهه فهناك من مسحه، نحسبه، ففي مصنف عبد الرزاق عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير الليثي، قال: "إذا التقى الصفان أهبط اللّه الحور العين إلى السماء الدنيا، فإذا رأينَ الرجل يرضينَ مقدمه، قلن: اللهم ثبته، فإن نكص، احتجبن منه، فإن هو قُتل، نزلتا إليه، فمسحتا التراب عن وجهه، وقالتا: اللهم عفِّر من عفَّره، وترِّب من ترَّبه".

لم نستطع أول الأيام دفنه لشدة المعارك وكثافة القصف، رحل الفارس المغوار أبو عبيدة ذو العرجة والبسمة والهمة والغيرة. 


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل 4/5 • لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا: جاء الصباح على وقع صوت ...

خواطر مجاهد من ملحمة الموصل

4/5

• لا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا:

جاء الصباح على وقع صوت النذير أن هناك حركة غريبة بالجوار، وعند تجهزنا للخروج جاء أبو عبيدة وهو مجاهد تِقَنيّ بشوش الوجه، كان إذا داعب النسيم وجهه أضحكه، وكان عند أهله في إجازة ليوم واحد، ملابسه نظيفة وشعره مسرّح على غير عادة المرابطين، إذ يحول الانشغال بالرباط والقتال وفقدان الماء دون ذلك، شُعثٌ غُبرٌ.

قلت له: هل ودعت أهلك؟ قال: نعم، قلت لهم: هذا آخر لقاء بكم. فقد أوصيته قبل ذهابه لأهله أن يستودعهم الله ويقول لهم: لعلي لا أرجع، فقال: أبشر، وهو يتهلل ضاحكا.

صاح النذير أنَّ جرافة بدت واضحة أمامكم فعالجوها، فما كان من أبي عبيدة إلا أن ناداني أريد بازوكا (قاذفة) حتى أعالجها، فأعطيته فضربها فولَّت هاربة، فلم تمضِ إلا دقائق وناداني قائلا: المرتدون قدموا صنمهم الأبرامز، فاجلب لي بازوكا أخرى وسأضربها، بإذن الله.

أعطيته الإذن والبازوكا، بعدما أوصيته بإجراءات الأمان، لأنهم ما قدموها إلا لتضرب موضع انطلاق القذيفة الأولى، أخذت مكانا آخرا وهو يتحين ذاك الصنم ليحطمه، فناديته مازحاً بالكنية التي يلقبونه بها في بيته لما كان صغيرا: "يا فلان، بالقنابل اليدوية أخي... بالقنابل اليدوية"، في تعبيرٍ بيننا أنه في قتالنا للعدو يجب أن نكون في موضع يصله مدى قنابلنا اليدوية حيث لا رجعة، فضحك وقال: بالبازوكات، بإذن الله.

وما هي إلا لحظات حتى عم المكانَ الغبارُ والدخانُ والانفجاراتُ والإطلاقاتُ، فهرعنا لمكان أخينا، ووجدناه يلفظ أنفاسه الأخيرة بين الركام والنار ووجهه معفَّر بالتراب وقد بُترت إحدى رجليه وكُسرت الأخرى، فسحبناه علّنا نستطيع إسعافه، لكن المنية كانت أقرب له. لم نحزن عليه، لأنه لم يلفت وجهاً واستقبل دبابة العدو بصدره العاري، نحسبه والله حسيبه، لم نكترث أننا لم نمسح التراب من على وجهه فهناك من مسحه، نحسبه، ففي مصنف عبد الرزاق عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير الليثي، قال: "إذا التقى الصفان أهبط اللّه الحور العين إلى السماء الدنيا، فإذا رأينَ الرجل يرضينَ مقدمه، قلن: اللهم ثبته، فإن نكص، احتجبن منه، فإن هو قُتل، نزلتا إليه، فمسحتا التراب عن وجهه، وقالتا: اللهم عفِّر من عفَّره، وترِّب من ترَّبه".

لم نستطع أول الأيام دفنه لشدة المعارك وكثافة القصف، رحل الفارس المغوار أبو عبيدة ذو العرجة والبسمة والهمة والغيرة. 


• المصدر:
صحيفة النبأ - العدد 88
الخميس 12 شوال 1438 ه‍ـ

لقراءة المقال كاملاً.. تواصل معنا تيليجرام:
@WMC11AR
...المزيد

شخصيات قد تهتم بمتابَعتها

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً