بعد القضاء على ملوك الطوائف المرابطون يواصلون الجهاد في الأندلس • وصلنا في العدد السابق إلى ...

بعد القضاء على ملوك الطوائف
المرابطون يواصلون الجهاد في الأندلس

• وصلنا في العدد السابق إلى قضاء يوسف بن تاشفين -رحمه الله تعالى- على ملوك الطوائف في الأندلس، بعد أن تيقن من رِدّة فريق منهم وبغي فريق آخر، ورأينا كيف أنه بعد أن ضم الأندلس، سارع متواضعا مطيعا أمر الله ورسوله، إلى بيعة الخليفة القرشي العباسي في بغداد، وذكرنا أن المعتمد بن عباد الذي قال كلمته الشهيرة «لأن أكون راعي إبل في صحراء المغرب عند ابن تاشفين، خير من أن أكون راعي خنازير عند ألفونسو» لم يعمل بحكمته، وارتمى في حضن الصليبيين يبتغي عندهم العزة، فأذله الله، واستعان بهم لقتال المسلمين بعد أن كان له باع في قتالهم بالأمس القريب، وكان يصول بفرسه في جموعهم يطاعنهم يوم الزلّاقة، فمن دروس التاريخ أن العبرة بمن صدق، لا بمن سبق.

بعد أن استتبت الأوضاع السياسية والعسكرية في الأندلس لدولة المرابطين، كان أول ما أمر به ابن تاشفين -رحمه الله تعالى- تنظيم الجيش ورسم الخطط الحربية وإنفاذ السرايا والبعوث، فتقدمت جيوش المرابطين -التي تتشكل أساسا من متطوعين- على كل الجبهات، حتى وصلوا حدود مدن فرنسا الصليبية، وحاولوا مرارا فتح مدينة طليطلة إلا أن قدر الله عز وجل كان أن تبقى المدينة بيد الصليبيين، مع أنهم حرروا -بفضل الله- أغلب ريف المدينة.

في سنة 498 هـ، هاجم الصليبيون يقودهم حامل صليبهم ألفونسو السادس أرياف إشبيلية بجيش قوامه 3500 فارس صليبي، فعاثوا في بلاد المسلمين فسادا وسبوا النساء والذراري، فتصدى لهم أمير المرابطين على إشبيلية حينئذ، ودحرهم المرابطون بفضل الله تعالى، وقتلوا منهم ما يزيد على الـ 2000 من جنود الصليب، وأثناء انشغال المرابطين برد عادية الصليبيين، مرض القائد يوسف بن تاشفين مرض موته، حتى قبض البارئ روحه في الأول من شهر محرم عام 500 هـ، بعد أن عاش عمره كله في الجهاد وخدمة الإسلام والمسلمين

أيقن المرابطون أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم فكانت معركة أقليش

خلف الأمير يوسف من بعده في الحكم ولده علي بن يوسف، الذي ما إن أكمل ترتيب شؤون دولته الداخلية حتى أعطى أوامره لأخيه تميم بن يوسف بأن يستأنف الجهاد ضد الصليبيين في الأندلس، إعزازا للتوحيد، ونكاية في الكفر والتنديد، وما هو إلا عام واحد على موت ابن تاشفين، حتى أكمل ولداه علي وتميم السير على دربه وخطاه، فخرج تميم بن يوسف من مدينة غرناطة في العشر الأواخر من شهر رمضان لعام 501 هـ، قاصدا ملاقاة الصليبيين وحربهم، وقد علم المرابطون أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم، فلم يكتفوا بالدفاع عن مدن وأحواز الأندلس، بل طرقوا أبواب الدول الصليبية يطلبون نزال جيوشها، وقد انضم لجيش المرابطين الآلاف من المجاهدين المتطوعين من أهالي الأندلس، الذين لمسوا العز تحت حكم المرابطين جنود الخلافة القرشية، وقد عاشوا -في زمن غير بعيد- الذل والهوان أيام حكم الطوائف، التي والى أغلب ملوكها الصليبيين، واصطفوا في صفهم ضد بني جلدتهم

واصل جيش المرابطين زحفه إلى أن وصل إلى بلدة أقليش الحصينة، حيث ظن الصليبيون أن حصون البلدة مانعتهم من أمر الله عز وجل، ونسوا أنهم سينازلون قوما لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها بحول الله وقوته

وفي الرابع عشر من شوال لعام 501 هـ بدأ المرابطون حصارهم لمدينة أقليش ذات الحصون العالية المنيعة، فدب الرعب في قلوب الصليبيين، ففتح المرابطون مدينة أقليش بالتكبير بعد يوم واحد من حصارها في الخامس عشر من شوال، تحصنت فلول الصليبيين الهاربة من أسياف المرابطين في قلعة أقليش وبعثوا رسالة استنجاد مستعجلة إلى حامل الصليب ألفونسو السادس، الذي كان قد بلغ الثمانين من عمره، ولم يعد قادرا على قيادة الحملات الصليبية بنفسه كما كان في شبابه، فأرسل عشرات الآلاف من نخبة جيشه يقودهم قائده العسكري العام إلبار هانس وولي عهده سانشو بن ألفونسو ذو الأحد عشر عاما.

بلغ القائد تميم بن يوسف نبأ خروج جيوش الصليبيين لنجدة أقليش، ففكر في العودة خوفا على أرواح المسلمين الذين معه، فقد كان عدد جنوده قليلا مقارنة بجيوش الصليبيين (مسلم واحد يقابله 15 صليبي)، إلا أن من حسنات أمراء المرابطين أن كل حاشيتهم وبطانتهم من العلماء والصالحين، رهبان الليل فرسان النهار، فقام بعضهم وشجعوا تميماً على القتال وذكّروه بعظم معصية التولي يوم الزحف والانسحاب من وجه الصليبيين، وأخبروه أن النصر من الله إن هو صدق، فثبّت الله -عز وجل- القائد تميمًا بن يوسف، وقد كان لكلام صالحي العلماء غاية الأثر في تثبيته وإقناعه بلقاء الصليبيين في أقليش.

وفي السادس عشر من شوال لعام 501 هـ التقى الصفان، وكان عدد الصليبيين يفوق الثلاثين ألفا، بينما عدد المسلمين لا يتعدى الـ 2300 رجل، لم يخرجهم من ديارهم إلا نية صادقة في إعلاء كلمة لا إله إلا الله.

■ المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ - العدد 20
السنة السابعة - الثلاثاء 21 جمادى الأول 1437 هـ

من التاريخ:
بعد القضاء على ملوك الطوائف
المرابطون يواصلون الجهاد في الأندلس
...المزيد

خنساوات الخلافة آيات في الصبر • الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ...

خنساوات الخلافة آيات في الصبر

• الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

فعن أبي وجزة، عن أبيه، قال: (حضرت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السُلَمية حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال، فقالت لهم من أول الليل: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غبرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين.

واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمّرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة.

فخرج بنوها قابلين لنصحها، عازمين على قولها... فقاتلوا حتى قُتلوا، فبلغها الخبر فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته) [الاستيعاب في معرفة الأصحاب 4/1829].

ولقد كنا نحسب أن زمان الخنساء قد ولّى، وأن الأرحام قد عقمت عن إنجاب مثيلاتها من بعدها، حتى عادت دولة الإسلام، عادت بمجاهديها وأمهاتهم، بشهدائها وخنساواتهم.

خنساوات الخلافة، آيات في الصبر والاحتساب، نساء بهمم رجال، يأتيها خبر ارتقاء فلذة كبدها، فتخر لله ساجدة شاكرة، وكأنه قد زُفَّ إلى عروس، وإن أنت زرتها لتعزيها، فلن ترى من الحزن شيئا سوى عينٍ باكية، ولسانٍ لا يفتر عن الحمد والشكر، تروم تصبيرها فتصبرك وهي تحدثك عمّن هم أحياء عند ربهم يرزقون، عن حواصل الطير، والحور والشفاعة، من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، قد تذكر شهيدها -كما نحسبه والله حسيبه- فتذرف العين شوقا إليه وهي تتذكر بره بها، ممازحته، كلماته، حركاته، سكناته وكيف ودّعها عند آخر لقاء!

تقول إحدى الخنساوات وهي أمٌ لشهيدين -بإذن الله تعالى- متذكرة يوم فارقها أحدهما: لقد وصل إلى الباب وقبل أن يدلف منه خارج البيت نظر وقال: (أمي... القرآن القرآن)، ثم خرج ولم يعد، أفلا تحزن على مثل هذا؟!

إذا فارقوا دنياهم فارقوا الأذى
وصاروا إلى ميعاد ما في المصاحف

والعجب ممن قدّمت ثلاثة وأربعة وخمسة، جميعهم قتلوا تحت هذه الراية، راية الحق، راية الدولة الإسلامية، ولا زالت تلك الخنساء تنتظر بيع بقية أبنائها بل وأحفادها.

ثم إن أغلب خنساوات هذه الدولة المباركة لسن من طالبات العلم، بل هن من عوام المسلمين، ولكنها الفطرة السليمة، التي علّمتها وبمنتهى اليسر: (لله ما أعطى ولله ما أخذ)، لا تجادل في أمر الله، ولا تعقّب على حكمه، بل منهن من تجهّز جعبة فلذة كبدها وسلاحه بنفسها، لترسله إلى حتفه، إنها الفطرة التي لم تعانِ مما يعانيه كثير من حاملي العلم وحاملاته، من لوثة إرجاء، أو سرورية، أو أشعرية، أو صوفية أو غير ذلك من أوبئة الشراك والشباك.

فشتّان شتّان بين الخنساء (بنت عمرو) التي باعت بنيها لله تعالى، وبين خُناس (بنت مالك) التي قتّرت على ابنها مصعب بن عمير وضيقت عليه لما أسلم وسار على طريق الحق.

فلله در كل صابرة محتسبة، لله در كل من لم تتصدق بدرهم ولا دينار ولكنها تصدقت بدماء وأشلاء أحب الناس إلى قلبها، ربح البيع أم الشهيد!

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

■ المصدر: صحيفة النبأ - العدد 20
السنة السابعة - الثلاثاء 21 جمادى الأول 1437 هـ

مقال:
خنساوات الخلافة آيات في الصبر
...المزيد

دروس العراق والشام في الولايات الليبية وخراسان • بعد انطلاق الجهاد في الشام حاول بعض المنحرفين ...

دروس العراق والشام في الولايات الليبية وخراسان

• بعد انطلاق الجهاد في الشام حاول بعض المنحرفين أن يسوّقوا انحرافاتهم تحت عنوان مخادع هو «عدم تكرار أخطاء العراق»، زاعمين أن إعلان الدولة الإسلامية كان فيه خطأ كبير، وأن الشام تختلف في واقعها عن العراق، وبالتالي لا يمكن أن تتكرر فيها الأحداث التي جرت في العراق، من صحوات وانحرافات وما شابه.

ثم مرت السنون لتثبت أن الدولة الإسلامية لم تخطئ بإعلانها في العراق أولا، ثم امتدادها إلى الشام ثانيا، فهي بذلك قد أقامت الواجب الشرعي، وحفظت الجهاد من أن يقطف ثمرته الانتهازيون من مشركي الديموقراطية، ومرتدي الفصائل العميلة، وأن ما جرى في العراق من أحداث تكرر في الشام، وإن كان ثمة اختلاف بسيط في المظهر تفرضه طبائع المعركتين.

فقد كان من ثمرات دروس العراق، التي كلفت الدولة الإسلامية سنوات من القتال مع الصحوات والرافضة، أن تمكنت -بفضل الله- من حسم معركة صحوات الشام خلال شهور قليلة، وهيأت نفسها فورا لاستقبال الحملة الصليبية التي كان قدومها مؤكدا بعد فشل الصحوات، ومع إعلان الخلافة وامتداد الدولة الإسلامية إلى مشارق الأرض ومغاربها، كان لابد أن يضع جنودها دروس العراق والشام نصب أعينهم وهم ينطلقون في جهادهم لأعداء الله، فيجعلون التوحيد أصلا لكل أعمالهم، وجهاد الكفار والمنافقين منهجا لحياتهم، وتحكيم شرع الله في أرضه غاية عظمى لا يمكن التنازل عنها في حال من الأحوال، فَوَقاهم الله بذلك مسايرة الفصائل في انحرافاتها، والوقوع ضحية لغدر الكفار والمرتدين ما تمسكوا بهذه الثوابت، كما أن الصليبيين الذين يديرون المعركة ضد الدولة الإسلامية ينقلون تجاربهم من ساحة إلى أخرى في حربهم عليها.

فبعد الخسائر الكبيرة التي دفعوها ثمنا لتدخلهم المباشر في العراق، ونجاح مشروع الصحوات في إضعاف دولة العراق الإسلامية، حاولوا تكرار التجربة في الشام، لكن الدولة الإسلامية نجحت في العراق والشام -بفضل الله- في إفشال مشروع الصحوات باكرا بما امتلكته من خبرات وبما تعلمته من عِبَر في العراق، وبعدما حققت لهم تجربة الدعم الجوي للمرتدين العاملين على الأرض من الرافضة وعلمانيي الكرد بعض النجاح في الحرب على الدولة الإسلامية في ولايات العراق والشام، انطلقوا يعملون على تعميم التجربة في ساحات أخرى للقتال ضدها.

فأعلنت الولايات المتحدة وحلفاؤها خطة حربهم على جنود الخلافة في ولاية خراسان، بتقديم الدعم المادي والغطاء الجوي لمرتدي الجيش الأفغاني، وسارعوا إلى إطلاق مشروع مشابه في الولايات الليبية، وذلك بسبب تمكن الدولة الإسلامية هناك -بفضل الله- من تجاوز مرحلة الصحوات، فأعلن الطاغوت (خليفة حفتر) قرين الهالك القذافي، عن حملة عسكرية كبيرة ضد جنود الدولة الإسلامية في الولايات الليبية، وذلك بدعم مباشر من الصليبيين في أمريكا وأوروبا، وتمويل من طواغيت الدول العربية، وبمشاركة كبيرة لكتائب من جيش الهالك القذافي الذي أعيد بناؤه لمثل هذه المهمة.

إن تورط الولايات المتحدة وحلفائها من الصليبيين والطواغيت في ساحة قتال جديدة ضد الدولة الإسلامية، سيؤدي -بإذن الله- إلى المزيد من تشتيت جهدها وقواتها، وإلى تحميلهم المزيد من الأعباء المالية، التي يحاولون قدر استطاعتهم التخفيف منها في ظل الأزمات الاقتصادية الراهنة، وفي النهاية لن يحقق لهم الاستثمار في هذه المشاريع أي عائد يذكر، وسيتحقق فيهم قول الله عز وجل: (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ).

إن دولة الخلافة قد استفادت -بفضل الله- من دروسها وتجاربها، فعضت بالنواجذ على شرع ربها، وعلمت أن التقوى والصبر هما عماد مقاومة مكر وكيد الكافرين، وأن إقامة الدين كاملا غير منقوص هو أقوى الحصون في وجه هجماتهم وغاراتهم، وأن الدولة الإسلامية باقية ببقاء الدين الذي قامت عليه، والذي تكفّل الله -عز وجل- بحفظه، وأنه لن ينقص منها إلا بمقدار ما ينقص من هذا الدين في بنيانها.

كما علمتها التجارب السالفة أن أي مشروع معادٍ قد يؤخر مسيرة الخلافة الإسلامية قليلا ولكن لن يوقفها بإذن الله، وأن تكرار الأعداء تجاربهم يقلل من تأثيرها على هذه المسيرة، وأن الفترة اللازمة للقضاء على المشاريع المعادية تنخفض، وتكاليفه تقل كلما كانت التجربة أكثر تكرارا.

وعلى أعدائها أيضا أن يتّعظوا من تجاربهم، ويتذكروا أن الفشل الذي لازمهم في تجاربهم الماضية، لن يفارقهم -بإذن الله- في تجاربهم الباقية، والعاقبة للمتقين.

■ المصدر: صحيفة النبأ - العدد 20
السنة السابعة - الثلاثاء 21 جمادى الأول 1437 هـ

المقال الافتتاحي:
دروس العراق والشام في الولايات الليبية وخراسان
...المزيد

إذَا سَألتَ فاسأل الله ◾️ قال ابن رجب -رحمه الله-: "اعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين ...

إذَا سَألتَ فاسأل الله

◾️ قال ابن رجب -رحمه الله-:
"اعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلاً وشرعاً، وذلك من وجوه متعددة

• منها: أن السؤال فيه بذل ماء الوجه وذلَّة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، فلا يصلح الذلّ إلا له بالعبادة والمسألة، وذلك من علامات المحبة الصادقة

• ومنها: أن في سؤال الله عبوديةً عظيمةً لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضرِّ عنها فكيف يقدر على ذلك لغيره؟ وسؤاله إقامة له مقام مَن يقدر وليس هو بقادر

• ومنها: أن الله يُحب أن يُسأل، ويغضب على مَن لا يسأله فإنه يُريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويُحب المُلحِّين في الدعاء، والمخلوق غالباً يكره أن يُسأل لفقره وعجزه

• ومنها: أن الله تعالى يستدعي من عباده سؤاله، وينادي كل ليلة: هل من سائل فأعطيه؟ هل من داٍع فأستجيب له؟

[نور الاقتباس]


▫️المصدر: إنفوغرافيك النبأ - إذَا سَألتَ فاسأل الله
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 469
الخميس 12 جمادى الأولى 1446 هـ
...المزيد

ويكأنه لا يفلح الكافرون • وإن المتأمل في النسخ الغابرة من ترامب كقارون مثلا الذي جمع من الكنوز ...

ويكأنه لا يفلح الكافرون

• وإن المتأمل في النسخ الغابرة من ترامب كقارون مثلا الذي جمع من الكنوز ما تنوء بحمل مفاتيحها العصبة القوية من الرجال، ومع ذلك لمّا طغى وتكبر، كانت عاقبته: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ}، فما أغنى عنه ملكه ولا حكمه، ولم يقدر أنْ ينصر نفسه، ولا أنْ ينصره غيرُه.

إن المسلمين اليوم بحاجة ماسة إلى التمعن والتدبر في قصص الغابرين ممن شابهوا أو فاقوا ترامب في الكفر والأشر والبطر والغرور، ليدركوا أن عاقبة الكفر والتجبر ثابتة، كما أن عاقبة الإيمان والخضوع لله تعالى ثابتة.

كما ينبغي للمسلم أن يزيد يقينه بهزيمة الكافرين وزوال ملكهم وسقوط عروشهم، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقول لليهود بعد بدر لما تفاخروا بقوتهم: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} وهذا هو موقف المسلم من الكفر وأربابه في كل زمان، فقولوا لترامب وإدارته ستغلبون وتحشرون إلى جهنم، قولوا لنتنياهو وجيشه ستغلبون وتحشرون إلى جهنم، قولوا للخميني وقطعانه وبوتين وفيالقه ستغلبون وتحشرون إلى جهنم، هذا أمر الله تعالى وحكمه ووعده، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

بهذه النفسية الإيمانية ينبغي للمؤمن أن يحيا، هكذا يستعلي المؤمن بإيمانه على أمم الكفر والباطل، والواجب على دعاة التوحيد وطلابه أن يغرسوا هذه المعاني في نفوس العامة وأن يقرعوها في مسامعهم ويقدّموا بين أيديهم آي القرآن ونصوصه البينة القاطعة، فلقد أهمل الناس القرآن تدبُّرا ويقينا، كما عطلوه حُكما وتشريعا.

على الصعيد السياسي، تردَّد كثيرا أن تولّي ترامب للحكم، سيعرّي الديمقراطية الأمريكية!! وهل بقي فيها شيء مستور ليتعرى؟! بل متى كانت مستورة أصلا؟! ثم إن الديمقراطية الأمريكية أو اليهودية، الغربية أو الشرقية، سواء، حكما ووصفا، والتفريق بينها استحسان لبعضها، وهي شر مطلق، وهل كل شرور الدنيا إلا بسبب هذه الديمقراطية ومفرزاتها من المناهج الكفرية الأرضية؟!

من زاوية أخرى، يُلاحظ أنّ كثيرا من السياسيين شخصنوا القضية مع ترامب، حتى صوروا للناس أن المشكلة في شخصية ترامب "المزاجية" وعقليته "التجارية" وليست في الإدارة الأمريكية الصليبية وعداوتها للإسلام، ولذلك رهنت بعض "حركات التحرُّر الوطني" موقفها من ترامب بموقفه من قضيتها! ونسيت أنّ "صفقة القرن" التي كانت "خطة" في عهد ترامب صارت "واقعا" في عهد بايدن، وجهلت أن تغيُّر الرؤساء والإدارات الأمريكية "جمهورية أو ديمقراطية"، "يمينية أو يسارية" لا يغيّر من "ثوابتها" بشأن الحرب على الإسلام.

في رصد حركة الشعوب، فإنّ انتخاب ترامب مجددا، رئيسا لأمريكا رغم سوء سمعته وسابقته؛ يعكس بالضرورة حقيقة الشعب الأمريكي الصليبي وشعوب النصارى التي تؤيد الحرب على الإسلام وتصوّت بقوة لمن يوغل في ذلك أكثر.

أما موقف الدولة الإسلامية من الانتخابات الأمريكية، فهو الموقف ذاته في كل مرة، لأنه أيا يكن "الفائز" فيها فهو لا شك كافر "صليبي" أو "صليبي يهودي" لن يتوانى في حرب الإسلام، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدولة الإسلامية، فما فعله ترامب إبان فترة حكمه الأولى، استمر خلفه بايدن في فعله، فحربهم ضد المجاهدين لم تتوقف يوما، ولذلك لن يختلف الأمر بالنسبة لمجاهد في خندقه أو مرابط على ثغره، فالعدو هو العدو والحرب هي الحرب، والجهاد هو الجهاد، والله الناصر والمعين.

بقي أنْ نذكِّر ترامب أنه أنهى رئاسته الأولى بزعم القضاء على الدولة الإسلامية، ثم ها هو يعود مجددا محمّلا بإرث من الفشل والكذب معا، فشل في إيقاف جهاد الدولة الإسلامية، وكذب في مزاعم القضاء عليها حتى إنه "أعلن عن هزيمتها نحو 16 مرة خلال 99 يوما فقط!" وها قد عاد لفترة رئاسية ثانية وما زالت بلاده وقواته منهمكة في الحرب ضد الدولة الإسلامية وطائرات بلاده وأجهزة مخابراته تطير ذهابا وإيابا بين العراق والشام وغيرها خشية المجاهدين، وإدارته عاجزة عن وقف خطرهم في خراسان رغم تفاني "الإمارة"، وحلفاؤه وخصومه على حد سواء غارقين في أدغال الولايات الإفريقية، وما زال للحرب بقية وفصول، فليتهيأ المجاهدون لها كما ينبغي {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}.

▫️ المصدر: مقتطف من افتتاحية النبأ
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 469
الخميس 12 جمادى الأولى 1446 هـ
...المزيد

ويكأنه لا يفلح الكافرون • أسرفَ السياسيون في الحديث عن التغيُّرات المرتقبة بعد تولي الطاغوت ...

ويكأنه لا يفلح الكافرون

• أسرفَ السياسيون في الحديث عن التغيُّرات المرتقبة بعد تولي الطاغوت ترامب للحكم، بنبرةٍ توحي وكأنَّ العالم يخضع لسيطرته وتصرُّفه المطلق، إنهم يتحدثون عنه بنزعة هوسٍ جنونية كما لو أنَّه المدبِّر المسيِّر لشؤون الخلق!، هذه ليست مبالغة في الوصف، إنها فقط توصيف للواقع بدون تحفُّظات.

لقد سادت حالة من "التهافت المحموم" على عتبات الانتخابات الأمريكية من جميع الشرائح والفئات، كلٌّ يتهيأ ويستعد ويعدّل مساراته ويطوّع سياسته ارتهانا لسياسة الطاغوت القادم، بدءا بحكومة قطر التي سبقت نظيراتها "الخليجية المطبِّعة" في تجديد قرابين الطاعة استرضاء لترامب، مرورا بربيبتها "طالبان" التي عبّرت عن أملها في "فتح فصل جديد من العلاقات" مع إدارته، وليس انتهاء بمواقف حكومات وطواغيت تركيا ومصر والسعودية والإمارات والأردن وغيرهم من الحلفاء والشركاء والفرقاء.

إنّ الخشية والرهبة والرغبة التي أبداها الكثيرون تجاه الطاغوت ترامب بعد فوزه بالحكم، وكأنه الملِك المتصرِّف بالكون؛ تعكس عمق الجاهلية التي يعيشها العالم، ولو قدر هؤلاء اللَّهَ -تعالى- حقّ قدره؛ لما غرّهم فوز ترامب ولا أبهرهم ولا أرهبهم، لكن لمّا خلت قلوبهم من محبة الله تعالى وخشيته ورهبته وتعظيمه، امتلأت بخشية ورهبة وتعظيم غيره من الأنداد.

لقد غاب عن هؤلاء أن الطاغوت الأمريكي كغيره مخلوق لا يملك أن يقوم من مقامه أو يحرّك عضوا من أعضائه إلا بإذن الله، ولو شاء سبحانه لألحقه بسلفه الغابر من طواغيت الكفر كالنمرود وقارون وفرعون وغيرهم ممن طغوا وبغوا، ولكنها حكمة الله تعالى في إمهال هؤلاء واستدراجهم، قال تعالى: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ}، يعني تصرّفهم في الأرض وعلوّهم وزهوهم فيها، فإنما هو إمهال واستدراج من الله لهم، وقد بيّن الإمام الطبري الحكمة من هذا "الإمهال" رغم شركهم وطغيانهم فقال: "حتى يبلغ الكتاب أجله، ولتحق عليهم كلمة العذاب، وليبلغوا بمعصيتهم ربهم المقدار الذي كتبه لهم من العقاب، ولتتكامل حجج الله عليهم".

وإن المتأمل في النسخ الغابرة من ترامب كقارون مثلا الذي جمع من الكنوز ما تنوء بحمل مفاتيحها العصبة القوية من الرجال، ومع ذلك لمّا طغى وتكبر، كانت عاقبته: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ}، فما أغنى عنه ملكه ولا حكمه، ولم يقدر أنْ ينصر نفسه، ولا أنْ ينصره غيرُه.

إن المسلمين اليوم بحاجة ماسة إلى التمعن والتدبر في قصص الغابرين ممن شابهوا أو فاقوا ترامب في الكفر والأشر والبطر والغرور، ليدركوا أن عاقبة الكفر والتجبر ثابتة، كما أن عاقبة الإيمان والخضوع لله تعالى ثابتة.

كما ينبغي للمسلم أن يزيد يقينه بهزيمة الكافرين وزوال ملكهم وسقوط عروشهم، وقد أمر الله تعالى نبيه أن يقول لليهود بعد بدر لما تفاخروا بقوتهم: {قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} وهذا هو موقف المسلم من الكفر وأربابه في كل زمان، فقولوا لترامب وإدارته ستغلبون وتحشرون إلى جهنم، قولوا لنتنياهو وجيشه ستغلبون وتحشرون إلى جهنم، قولوا للخميني وقطعانه وبوتين وفيالقه ستغلبون وتحشرون إلى جهنم، هذا أمر الله تعالى وحكمه ووعده، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

بهذه النفسية الإيمانية ينبغي للمؤمن أن يحيا، هكذا يستعلي المؤمن بإيمانه على أمم الكفر والباطل، والواجب على دعاة التوحيد وطلابه أن يغرسوا هذه المعاني في نفوس العامة وأن يقرعوها في مسامعهم ويقدّموا بين أيديهم آي القرآن ونصوصه البينة القاطعة، فلقد أهمل الناس القرآن تدبُّرا ويقينا، كما عطلوه حُكما وتشريعا.

على الصعيد السياسي، تردَّد كثيرا أن تولّي ترامب للحكم، سيعرّي الديمقراطية الأمريكية!! وهل بقي فيها شيء مستور ليتعرى؟! بل متى كانت مستورة أصلا؟! ثم إن الديمقراطية الأمريكية أو اليهودية، الغربية أو الشرقية، سواء، حكما ووصفا، والتفريق بينها استحسان لبعضها، وهي شر مطلق، وهل كل شرور الدنيا إلا بسبب هذه الديمقراطية ومفرزاتها من المناهج الكفرية الأرضية؟!

من زاوية أخرى، يُلاحظ أنّ كثيرا من السياسيين شخصنوا القضية مع ترامب، حتى صوروا للناس أن المشكلة في شخصية ترامب "المزاجية" وعقليته "التجارية" وليست في الإدارة الأمريكية الصليبية وعداوتها للإسلام، ولذلك رهنت بعض "حركات التحرُّر الوطني" موقفها من ترامب بموقفه من قضيتها! ونسيت أنّ "صفقة القرن" التي كانت "خطة" في عهد ترامب صارت "واقعا" في عهد بايدن، وجهلت أن تغيُّر الرؤساء والإدارات الأمريكية "جمهورية أو ديمقراطية"، "يمينية أو يسارية" لا يغيّر من "ثوابتها" بشأن الحرب على الإسلام.

▫️ المصدر: مقتطف من افتتاحية النبأ
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 469
الخميس 12 جمادى الأولى 1446 هـ
...المزيد

ستَةُ مَشاهد ◾️ قال ابن القيم رحمه الله: من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره ...

ستَةُ مَشاهد


◾️ قال ابن القيم رحمه الله:
من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المكاره ومن خلقه للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات، لما طلب آدم الخلود في الجنة من جانب الشجرة عوقب بالخروج منها ولما طلب يوسف الخروج من السجن من جهة صاحب الرؤيا لبث فيه بضع سنين

إذا جرى على العبد مقدور يكرهه، فله فيه ستة مشاهد:

• مشهد التوحيد
وأن الله هو الذي قدره وشاءه وخلقه، وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن

• مشهد العدل
وأنه ماض فيه حكمه عدل فيه قضاؤه

• مشهد الرحمة
وأن رحمته في هذا المقدور غالبة، لغضبه، وانتقامه

• مشهد الحكمة
وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك لم يقدره سدًى، ولا قضاه عبثًا

• مشهد الحمد
وأنَّ له سبحانه الحمد التام على ذلك من جميع وجوهه

• مشهد العبودية
وأنه عبد محض من كل وجه تجري عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده فيصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية، فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه

- [الفوائد]


▫️المصدر: إنفوغرافيك النبأ - ستَةُ مَشاهد
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 470
الخميس 19 جمادى الأولى 1446 هـ
...المزيد

الجزيرة الأسيرة • ولا شك أن شريحة من بلاد الحرمين يتملكهم الأسى والقهر على ما يرونه من مظاهر ...

الجزيرة الأسيرة

• ولا شك أن شريحة من بلاد الحرمين يتملكهم الأسى والقهر على ما يرونه من مظاهر الفساد العريض في البلاد، لكنهم لا يقدرون على إعلاء صوتهم بالإنكار لهذا المنكر، خشية الأسر والقتل الذي يلوح به نظام آل سلول، وهو ما يحتم عليهم سلوك الطريق الوحيد الذي يمكّنهم من ذلك وهو الجهاد، إذ إنه لم يعد هناك سبيل لإنكار هذا المنكر إلا بوجود قوة تحمي الدعوة، ولا قوة للمؤمن بغير الجهاد.

وإن من الحِكم الإلهية في اختيار الجزيرة العربية مهدا للدين؛ أميّتها، وبالتالي خلوها من فلسفات وأفكار الأمم المحيطة بها كالروم والمجوس والبوذيين، ولذلك لم تأت دعوة التوحيد من "تبادل الثقافات" ولا "تنوع الحضارات"، بل جاءت من الوحي الإلهي، بينما يتنافس طواغيت الجزيرة اليوم على "الانفتاح" على كل "الحضارات" و "الثقافات" الجاهلية ونقلها إلى أرض الجزيرة لمزاحمة الوحي!!، بغية إفساد العقائد والأخلاق، فجمعوا بين شرين كبيرين، الأول: جلب الصليبيين واليهود! والثاني جلب عاداتهم وموروثاتهم الساقطة المصادمة لميراث النبوة!

واليوم ينفق طواغيت آل سلول مئات الملايين في الصد عن سبيل الله عبر التعاقد مع الساقطين والساقطات لإشاعة الفاحشة وإحياء الرذيلة وقتل الفضيلة وإماتة الحياء، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

ولأن سنن الله لا تحابي، فإن حالة الأمن التي يتفاخر بها أنصار الطاغوت في الجزيرة ويعيّرون بها غيرهم من البلاد، لن تدوم، والجرأة على حرمات الله والمبارزة بالفواحش والمجاهرة بالمعاصي والفسق إيذان بقرب القلاقل وبداية النهاية لقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}، وهو عين ما يجري في بلاد الحرمين من تسلط حكامها ومترفيها وأكابر مجرميها إيذانا بقرب هلاكهم ودمارهم بإذن الله.

ولقد توعد الله تعالى من يحبون إشاعة الفاحشة بين المؤمنين بقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، وتأمل كيف أن الله تعالى علّق العقوبة والعذاب على مجرد محبة إذاعة الفاحشة وأخبارها، فكيف بمن يخطط ويجتهد وينفق الملايين لجلبها وتذليل أسبابها وتهيئة الأرض لها، وهو ما يفعله آل سلول بإظهار وإشاعة الفاحشة ونقلها واستيرادها من بلادها، بل كيف بما هو أعظم من كل الفواحش والكبائر وهو الشرك بالله والردة عن دينه بارتكاب نواقض الإيمان؟!، وهو ما تلبس به طواغيت آل سلول قديما وحديثا، ومنه على سبيل المثال لا الحصر: الموالاة لليهود والنصارى.

وهنا نقطة منهجية مهمة، فإن من يغضب لعقد حفل ماجن في بلاد الحرمين، ولا يغضب لعقد اجتماع للتحالف الصليبي في نفس البلاد، لديه مشكلة عقدية كبيرة، فإن آل سلول ما تجرأوا على عقد هذه الحفلات الساقطة العلنية إلا بعد سنوات من عقد التحالفات الجاهلية مع اليهود والنصارى، فهم جهة التخطيط وآل سلول جهة التنفيذ! فمن تغضبه السهرات ولا تهتز له شعرة أمام الشرك الذي استشرى في بلاد الحرمين حتى قبل عهد ابن سلمان، ومن يغضب لجلب الفاجرات ولم يغضب لجلب النصارى وجيوشهم ومستشاريهم من قبل، ومن تستفزه البغي الفاجرة ولا يستفزه الشيخ الذي أفتى بأنها ذمّية مستأمنة! وأوصى العساكر بحمايتها! من كان هذا حاله فليراجع عقيدته فإنه على خطر.

إن بلاد الجزيرة بحاجة ماسة إلى بدر جديدة، يفرّق الله بها بين الحق والباطل، ويُقتل فيها أئمة الكفر ويبرز فيها أئمة التوحيد وحملة رايته، إنها بحاجة ماسة لخروج المخلصين فيها من المرحلة المكية التي طالت، والارتقاء إلى المرحلة المدنية التي صبغت بالجهاد والقتال ضد دهاقنة الكفر وطواغيت الجزيرة.

أما جنود الخلافة في الولايات والمعسكرات، فلسان حال كل واحد منهم، بأننا لن نترك بلاد الوحي ومسقط رأس النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ومدرج صحابته الكرام؛ لهؤلاء الكفرة الفجرة، إنّها الأرض التي ولد ونشأ فيها نبيّ الهدى، وسار فيها أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الأصحاب، ولن نبيع ميراثهم، ولن نفرط في أمجادهم، ولن نخون وصيّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب).


▫️ المصدر: مقتطف من افتتاحية النبأ
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 470
الخميس 19 جمادى الأولى 1446 هـ
...المزيد

الجزيرة الأسيرة • مع كل موسم جديد من مواسم "هيئة الترفيه" السلولية الجاهلية، يشتد غضب الناس على ...

الجزيرة الأسيرة

• مع كل موسم جديد من مواسم "هيئة الترفيه" السلولية الجاهلية، يشتد غضب الناس على الاحتفالات الساقطة التي يتصدرها طغمة من فُسّاق العالم، دخلوا بلاد الحرمين بفتاوى من أجازوا وشرعنوا وأصّلوا لولاة أمورهم استجلاب النصارى واليهود إلى جزيرة العرب مهبط الوحي ومأرز الإسلام.

وللمفارقة، فإن المَعلم الأقذر في هذه المواسم الجاهلية، يقبع في حي (حطين) في الرياض وكأنها رسالة ما للحالمين بتحرير بيت القدس، أن سبيل تحريرها لا يكتمل إلا بتحرير الجزيرة الأسيرة منطلق الفتوحات الإسلامية.

مآرب ومشارب الغاضبين، تنوعت بين غاضب لمحارم الله تعالى وبلده الحرام، وغاضب لمآرب أخرى سياسية وحزبية، وفرق كبير بين من يوظّف الحَرم لينتصر لنفسه وحزبه!، وبين من ينتصر حقا للحَرم.

وآخرون منافقون يرون في الحدث فرصة لانتقاص دعوة التوحيد ومنهج السلف، فيطعنون في منهاج النبوة انتقاصا من حكام السعودية ومشايخهم، فهل حكام السعودية ومشايخهم وهيئاتهم يمثلون دعوة التوحيد ومنهج السلف؟!

وفريق راح يقلل من خطورة الأمر، بحجة أن المعصية في بلاد الحرمين وغيرها واحدة، وهذا صحيح خلا مكة والمدينة؛ لكنه ليس مبررا للتقليل من خطورة ما يجري من جهتين؛ الجهة الأولى: الاستخفاف بمكانة بلاد الحرمين في الإسلام وتبديد هيبتها وقدسيتها في قلوب المسلمين وهو هدف رئيس لهذه المواسم الجاهلية، ومن جهة ثانية: تكرار هذه المواسم الساقطة وما يجره ذلك من استمراء الجرم وتقبّله والتسليم به وصولا إلى التعايش معه!

ومن الأغاليط المتصلة بذلك، تفسير ما يجري على أنّ الغاية منه -فقط- إلهاء أهل الجزيرة عن سياسات ابن سلمان ومشاريعه في المنطقة، وهذا تقزيم للجرم وفهم منقوص للواقع، بل إنّ ما يجري غاية في حد ذاته، وهل هناك خطر أكبر من سلخ المسلم عن عقيدته وأخلاقه، وتدنيس مقدساته، وجلب عدوه إلى عقر داره؟! إنها حرب ممنهجة على بلاد الوحي، تهدف إلى "علمنتها" وإفساد أهلها وضرب قدسيتها.

وكما في كل مرة، توجهت سهام الغاضبين نحو تفاصيل الحفلات الهابطة أو نحو "هيئة الترفيه" الكافرة الساقطة على أفضل الأحوال، لكن سهام الغضب هذه لم توجه بشكل كاف إلى صدور "هيئة كبار العلماء!" الذين هم سدنة الطاغوت وغطاؤه الشرعي؛ ولا حتى إلى جنود الطاغوت وأوتاده حراس الشرك وحماة الرذيلة.

ولا شك أن شريحة من بلاد الحرمين يتملكهم الأسى والقهر على ما يرونه من مظاهر الفساد العريض في البلاد، لكنهم لا يقدرون على إعلاء صوتهم بالإنكار لهذا المنكر، خشية الأسر والقتل الذي يلوح به نظام آل سلول، وهو ما يحتم عليهم سلوك الطريق الوحيد الذي يمكّنهم من ذلك وهو الجهاد، إذ إنه لم يعد هناك سبيل لإنكار هذا المنكر إلا بوجود قوة تحمي الدعوة، ولا قوة للمؤمن بغير الجهاد.

وإن من الحِكم الإلهية في اختيار الجزيرة العربية مهدا للدين؛ أميّتها، وبالتالي خلوها من فلسفات وأفكار الأمم المحيطة بها كالروم والمجوس والبوذيين، ولذلك لم تأت دعوة التوحيد من "تبادل الثقافات" ولا "تنوع الحضارات"، بل جاءت من الوحي الإلهي، بينما يتنافس طواغيت الجزيرة اليوم على "الانفتاح" على كل "الحضارات" و "الثقافات" الجاهلية ونقلها إلى أرض الجزيرة لمزاحمة الوحي!!، بغية إفساد العقائد والأخلاق، فجمعوا بين شرين كبيرين، الأول: جلب الصليبيين واليهود! والثاني جلب عاداتهم وموروثاتهم الساقطة المصادمة لميراث النبوة!

واليوم ينفق طواغيت آل سلول مئات الملايين في الصد عن سبيل الله عبر التعاقد مع الساقطين والساقطات لإشاعة الفاحشة وإحياء الرذيلة وقتل الفضيلة وإماتة الحياء، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.

ولأن سنن الله لا تحابي، فإن حالة الأمن التي يتفاخر بها أنصار الطاغوت في الجزيرة ويعيّرون بها غيرهم من البلاد، لن تدوم، والجرأة على حرمات الله والمبارزة بالفواحش والمجاهرة بالمعاصي والفسق إيذان بقرب القلاقل وبداية النهاية لقوله تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}، وهو عين ما يجري في بلاد الحرمين من تسلط حكامها ومترفيها وأكابر مجرميها إيذانا بقرب هلاكهم ودمارهم بإذن الله.

▫️ المصدر: مقتطف من افتتاحية النبأ
صحيفة النبأ الأسبوعية العدد 470
الخميس 19 جمادى الأولى 1446 هـ
...المزيد

ابن تاشفين.. يقضي على الطوائف ويبايع الخليفة القرشي • قبل أن يرجع ابن تاشفين إلى المغرب، اجتمع ...

ابن تاشفين.. يقضي على الطوائف ويبايع الخليفة القرشي

• قبل أن يرجع ابن تاشفين إلى المغرب، اجتمع مرة أخرى بملوك الطوائف، ونصحهم ووعظهم وقال كلمته المشهورة: "أصلحوا نياتكم، تُكفَوا عدوكم"، إلا أنهم أصموا آذانهم عن كل نصيحة، وعادوا لسابق عهدهم، فهاجمهم ألفونسو من جديد، وطالبهم بدفع الجزية له، فساءت أحوال الأندلس، وعادت مثلما كانت قبل معركة الزلّاقة.

تواردت الأخبار إلى ابن تاشفين عن وضع الأندلس وخضوع أمراء الطوائف للصليبيين، فقرر اجتياز البحر للمرة الثالثة، وخلال عام 483 هـ، سار ابن تاشفين بجيشه إلى أن وصل طليطلة (عاصمة ألفونسو) وحاصرها، لم يشارك أمراء الطوائف -هذه المرة- في جيش المرابطين كما في معركتي الزلاقة وحصن لييط، ولم يساندوه ولم يقدموا له المؤن وما يحتاجه، فاضطر ابن تاشفين لرفع الحصار عن طليطلة لنقص مؤونة جيشه، فنقم على ملوك الطوائف، وأحس بخيانتهم، وتأكد أن بعض ملوك الطوائف أحجموا عن جهاد الصليبيين مجاملة لهم، فقرر وضع حد لمهزلة التفرق والتشرذم، وكثرة الطوائف والفصائل، ولم يكن من دافع يدفعه لجهاد هؤلاء بعد أن ظهرت خيانتهم إلا طاعة لله وغيرة على دينه، وشفقة على المسلمين أهالي الأندلس.

ففتح المرابطون -بفضل الله- مدينة غرناطة بعد حصارها شهرين، وأسر المرابطون ملك غرناطة عميل الصليبيين ابن بلقين، واعتقل المرابطون بعدها تميم بن بلقين أمير مالقة.


رجع ابن تاشفين إلى المغرب، وأرسل أربعة جيوش إلى الأندلس في الوقت نفسه للقضاء على من تبقى من ملوك الطوائف، فتمكنت الجيوش الأربع -بفضل الله- من الاستيلاء على قرطبة، ووصلوا إلى ضواحي طليطلة، واستولوا على قلعة رباح وقرمونة، فقرر المعتمد بن عباد الاستعانة بألفونسو لقتال المرابطين، فبعث ألفونسو مؤازراته بقيادة الكونت جوميز معه أربعون ألفا من المشاة وعشرون ألف فارس، فدارت بريف قرطبة معركة كبيرة بين الطرفين، كانت نتيجتها فتح إشبيلية عام 484 هـ، أما ابن عباد، فقد وقع أسيرا حقيرا بيد المجاهدين المرابطين، ولم تغن عنه شيئا جيوش الصليب المجيشة التي استعان بها لقتال المسلمين، وهو القائل بالأمس "لأن أكون راعي إبل بصحراء المغرب عند ابن تاشفين، خير من أن أكون راعي خنازير عند ألفونسو"، قال حكمة كتبت بماء الذهب وعمل بنقيضها، بل ووقع في ناقض من نواقض الإسلام، وظاهر المشركين على المسلمين، فكان مصيره أسيرا ذليلا في أيدي المجاهدين.

وخلال ثمانية عشر شهرا افتتح ابن تاشفين -بفضل الله- مدن الأندلس كلها: غرناطة، مالقة، جيّان، قرطبة، إشبيلية، ألمرية، بلنسية، بطليوس وجزر البليار، وتمكن ابن تاشفين من القضاء على ملوك الطوائف المتناحرة، وتوحيد الأندلس والغرب الإسلامي.

بعد أن قضى ابن تاشفين على ملوك الطوائف أرسل رسالة إلى الخليفة العباسي ببيعته له

ذكر ابن الأثير في الكامل، وابن خلدون في تاريخه، والمقري في نفح الطيب وغيرهم، أن ابن تاشفين بعد أن عزم على القضاء على ملوك الطوائف وتخليص الأمة من شرهم، بعث رسائل إلى الخليفة العباسي في بغداد المستظهر بالله، لإبلاغه ببيعته له، واطلاعه على أحوال الأندلس والمغرب الإسلامي، فعُيّن سلطانا على الغرب الإسلامي من الخليفة المستظهر بالله، وكان يُدعى للخليفة العباسي من على منابر الدولة المرابطية.

وهكذا، يكون ابن تاشفين قد حطم دويلات الطوائف والفصائل، لأنه أدرك ألّا شوكة للمسلمين إلا بالوحدة تحت راية واحدة، وأن سبب ضعف وهوان الأمة وتكالب الصليبيين عليها تفرقهم وتشتتهم، ولهذا السبب وغيره، سارع ابن تاشفين إلى بيعة الخليفة القرشي، مع كونه ليس محتاجا إليه، إلا أنه استجاب لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، أن الإمامة في قريش، فرحم الله الأمير يوسف بن تاشفين، كاسر الصليبيين وقاهر المرتدين ومقيم دولة المرابطين.

■ المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 19
السنة السابعة - الثلاثاء 14 جمادى الأولى 1437 هـ

من التاريخ:
ابن تاشفين.. يقضي على الطوائف
ويبايع الخليفة القرشي
...المزيد

ابن تاشفين.. يقضي على الطوائف ويبايع الخليفة القرشي • في الحلقة السابقة، تناولنا انتصار المسلمين ...

ابن تاشفين.. يقضي على الطوائف ويبايع الخليفة القرشي

• في الحلقة السابقة، تناولنا انتصار المسلمين بقيادة ابن تاشفين -رحمه الله- في معركة الزلاقة التاريخية، التي انتهت باندحار الصليبيين مخذولين، مخلفين وراءهم أشلاء ثمانين ألف قتيل، وقد نُكِّسَ -بفضل الله- صليبهم، ومُرِّغَ في ثرى الأندلس أنف كبيرهم ألفونسو.

أبقى ابن تاشفين -رحمه الله- ثلاثة آلاف مجاهد من جنوده في الأندلس سندا لأهلها، وقد ولّى عليهم القائد المرابطي "سير بن أبي بكر"، إلا أن المرابطين لم يكتفوا بالدفاع فحسب، بل وصل الأمر إلى الهجوم على الصليبيين ومقارعتهم، فتوغل جيش المرابطين في منطقة شمال البرتغال، وزحفت قوة مرابطية ثانية صوب طليطلة، ففتح الله على المرابطين قلاعا ومواقع عسكرية استراتيجية، أهمها حصن أقليش.

ما إن أحس ملوك طوائف الأندلس بزوال الخطر الصليبي القشتالي، حتى رجعوا لموالاة الصليبيين ومجاملتهم، والاقتتال فيما بينهم، وظلم رعيتهم، وعادوا إلى حياة المجون، فاستغل ألفونسو ما آلت إليه أحوال ملوك الأندلس، وأعاد الكرّة وفي نفسه رغبة في الثأر جامحة، لما لحقه من خسارة في معركة الزلّاقة، فبعث قواته تشنّ الغارات على مناطق المسلمين، انطلاقا من حصن لييط، معزّزا بقوات ضخمة من مملكتي بيزا وجنوة الصليبيتين الإيطاليتين، زاد ألفونسو حدة هجماته، فحاصر بلنسية، حاضرة الشرق الأندلسي، وهاجم السواحل الشرقية للأندلس، توجه بعدها إلى إشبيلية، فتوافد أهل الأندلس إلى المغرب زرافات ووحدانا، يطلبون النجدة من ابن تاشفين، لرد عادية الصليبيين، وكان الملك المعتمد من بين الذين جاؤوا إلى المغرب يستنصرون ابن تاشفين، فقرر ابن تاشفين العبور ثانية ونصرة الأندلس وأهلها، وحفظها من السقوط بيد الصليبيين.

فكان العبور الثاني لجيش المرابطين يقوده ابن تاشفين، وكان عمره يناهز 81 سنة، وذلك في عام 481 هـ، وبمجرد وصوله شاطئ الأندلس راسل ملوك الطوائف بأن يتوبوا ويستعدوا للجهاد ويتجهزوا للقاء الصليبيين، فلحقت به قوات أقل ممن لحقوا به يوم الزلّاقة، فسار بهم إلى حصن لييط وحاصره أربعة أشهر، حاول خلالها اقتحام الحصن مرات، إلا أن الحصن كان كبير الحجم شديد التحصين، خلف جدرانه المنيعة ثلاثة عشر ألف صليبي.

استشعر ابن تاشفين نفاق ملوك الطوائف، وأن بعضهم يكن للصليبيين المودة

بدأت الخلافات تظهر بين ملوك الطوائف المحاصِرين للحصن، فهم لم يعَوِّدُوا أنفسهم على حروب طويلة ورباط في سبيل الله، بعيدا عن قصورهم الفارهة، وجواريهم وقيناتهم، استشعر ابن تاشفين نفاق ملوك الطوائف، واكتشف أن بعضهم يكنّ للصليبيين مودة، ولا يرغب في اقتحام الحصن ولا التوغل في ديار الكفر، وبعد نقص مؤونة جيش المرابطين، وامتناع ملوك الطوائف عن إمداده، قرر ابن تاشفين الانحياز من محيط حصن لييط، وبمجرد انحياز المرابطين من محيط الحصن، أعطى ألفونسو أوامره بإخلائه وحرقه، وفَرَّت قواته مذعورة إلى طليطلة، فاستولى المعتمد على الحصن، وبذلك تخلصت الأندلس من خطر حصن لييط، وقرر ابن تاشفين العودة إلى المغرب بعد أن أرسل أربعة آلاف مجاهد من قواته إلى مدينة بلنسية للدفاع عنها.

قبل أن يرجع ابن تاشفين إلى المغرب، اجتمع مرة أخرى بملوك الطوائف، ونصحهم ووعظهم وقال كلمته المشهورة: "أصلحوا نياتكم، تُكفَوا عدوكم"، إلا أنهم أصموا آذانهم عن كل نصيحة، وعادوا لسابق عهدهم، فهاجمهم ألفونسو من جديد، وطالبهم بدفع الجزية له، فساءت أحوال الأندلس، وعادت مثلما كانت قبل معركة الزلّاقة.

تواردت الأخبار إلى ابن تاشفين عن وضع الأندلس وخضوع أمراء الطوائف للصليبيين، فقرر اجتياز البحر للمرة الثالثة، وخلال عام 483 هـ، سار ابن تاشفين بجيشه إلى أن وصل طليطلة (عاصمة ألفونسو) وحاصرها، لم يشارك أمراء الطوائف -هذه المرة- في جيش المرابطين كما في معركتي الزلاقة وحصن لييط، ولم يساندوه ولم يقدموا له المؤن وما يحتاجه، فاضطر ابن تاشفين لرفع الحصار عن طليطلة لنقص مؤونة جيشه، فنقم على ملوك الطوائف، وأحس بخيانتهم، وتأكد أن بعض ملوك الطوائف أحجموا عن جهاد الصليبيين مجاملة لهم، فقرر وضع حد لمهزلة التفرق والتشرذم، وكثرة الطوائف والفصائل، ولم يكن من دافع يدفعه لجهاد هؤلاء بعد أن ظهرت خيانتهم إلا طاعة لله وغيرة على دينه، وشفقة على المسلمين أهالي الأندلس.

ففتح المرابطون -بفضل الله- مدينة غرناطة بعد حصارها شهرين، وأسر المرابطون ملك غرناطة عميل الصليبيين ابن بلقين، واعتقل المرابطون بعدها تميم بن بلقين أمير مالقة.

■ المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 19
السنة السابعة - الثلاثاء 14 جمادى الأولى 1437 هـ

من التاريخ:
ابن تاشفين.. يقضي على الطوائف
ويبايع الخليفة القرشي
...المزيد

(الرباط والطريق إلى الشهادة) • منذ تجديد الجهاد قبل أكثر من ثلاثين عاما، ذكر أمراء الجهاد أن ...

(الرباط والطريق إلى الشهادة)

• منذ تجديد الجهاد قبل أكثر من ثلاثين عاما، ذكر أمراء الجهاد أن الجهاد لكل شخص يتضمن خطوات على طريق الشهادة، إذ يهاجر المرء أولاً إلى أراضي الجهاد (والهجرة هي الآن إلى دار الإسلام)، ثم يبايع على السمع والطاعة للأمير (والبيعة الآن للخليفة) والاعتصام بالجماعة (وهي الآن الخلافة)، ثم يعد العدة للتدرب في المعسكرات، ثم يرابط صابرا لأشهر ويخدم ساعات غير معدودة في الحراسة، ثم يُقاتِل ويَقتُل من يستطيع من العدو الكافر، ثم في النهاية يفوز بالشهادة، هذه الخطوات مبنية على نصوص من القرآن والسنة تربط هذه الأعمال بعضها ببعض، وعلى الخبرة المكتسبة من العيش في الجهاد يوما بعد يوم، وعلى مشاهدة الشهداء وقوافلهم، ولا شك أن هناك استثناءات في كل حين، كالمهاجر الذي يستشهد في معسكر التدريب أو المرابط الذي يستشهد في أول يوم من رباطه، لكن هذه الخطوات التي ينبغي أن يتمسك بها كل مجاهد حتى يزيد من ثمار جهاده، وإلا كيف يتوقع المرء أنه سيصبر في ساحة المعركة الشرسة وهو لا يستطيع أن يتحمل مشقة الرباط؟

نسأل الله تعالى أن يكرم كل مسلم بنعمة الرباط على ثغور الخلافة وأن يرزقه الصبر المحمود ليكون سببا لثباته حتى يلقى الله جل في علاه.


■ المصدر: مقتطف من صحيفة النبأ – العدد 19
السنة السابعة - الثلاثاء 14 جمادى الأولى 1437 هـ

مقال:
فضائل الرباط في سبيل الله
...المزيد

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً