السحرة من التحدي إلى الاستسلام لحظات رغم أنها مرت بسرعة البرق، إلا أنها أخذت الحاضرين في ذهول ما ...

السحرة من التحدي إلى الاستسلام
لحظات رغم أنها مرت بسرعة البرق، إلا أنها أخذت الحاضرين في ذهول ما بعده ذهول، فرعون.. السحرة.. الجمهور.. الكل ينظر ولا يصدق ما يراه !
﴿ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ ﴾ الأعراف:119، وبدأ الكل ينكس رأسه ويرفع راية الاستسلام، فهذا هو الحق وما عداه هو الباطل، وأول من أيقن بذلك هم السحرة فلم يتمالكوا أنفسهم، وخروا ساجدين ..
﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ الشعراء:46.
إنه الإيمان لمس القلب فانتفض الجسم كله فجاء النور وأشرق الظلام !
لقد رأى السّحرة شيئا لم يكن من واردات السّحر الذي معهم، واستيقنوا أن ما مع موسى ليس من السحر في شيء، وأنه ليس في مقدور بشر أن يأتي به؛ فهو إذاً عمل من أعمال رب السّماء، وقدر من أقداره، أعطاه لموسى، ليكون شاهد صدق على أنه رسول من ربّ العالمين، فيحق الحق ويبطل الباطل؛ وتلك هي شهادة أهل الخبرة، وأصحاب الكلمة في هذا الأمر، وليس لأحد قول بعد قولهم، شهادة عجز كثير من إعلامي عصرنا على النطق بها, فهم - وعلى عكس الكثيرين منا كمواطنين عاديين - يرون الحقيقة أمامهم في الكواليس، ورغم رؤيتهم للحقيقة التي رآها من قبل سحرة فرعون, إلا أنهم لا يقرون بالحق أمام الناس، ولا يظهرون للناس الحقيقة التي يرونها أمامهم !
أعلن السحرة إسلامهم واستسلامهم أمام هذه القوة الخارقة، وبدأت أصواتهم تتعالى بهتافات يعلنون فيه انضمامهم إلى دين موسى، فهتف بعض السحرة فقالوا: ﴿ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ الشعراء:48، وهتف البعض الآخر فقال:﴿ آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾ طه:70
فلك أن تتخيل الساحة وهي تُرج بهذه الهتافات الحارة وبتلك الكلمات الخالدة(1)؛ والنبي موسى عليه السلام يهز رأسه وعيناه دامعتين من الفرح والسرور، قبل أن يضمه هارون إلى صدره ويدور به من شدة الفرح فقد ارتفعت راية الحق عالية خفاقة ..
فرعون ينتفض
أما فرعون ومن معه فهم في ذهول تام مما يرون ! فما دبره دمره؛ وما يراه لم يرد على خياله ! فمن كان يتوقع أن جماعة من رعايا فرعون، وعابديه، الذين ولدوا كما ولد آباؤهم- في ظل ربوبيته، وسلطان ألوهيته - أن يأتي اليوم الذي يقف فيه هؤلاء «العباد» في وجه هذا «الإله» موقف التحدّي، بل والاستخفاف والسخرية؟
ولكنه الإيمان الذي يصنع المعجزات، ويقلب الأوضاع والموضوعات!
والطواغيت الظلمة لا يدركون كيف يتسرب النور إلى قلوب البشر، ولا كيف تمازجها بشاشة الإيمان وحرارة اليقين؛ فهم لطول ما استعبدوا الناس يحسبون أنهم يملكون تصريف الأرواح وتقليب القلوب- وهي بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء- ومن ثم فقد فوجئ فرعون بهذا الإيمان الذي لم يسمع دبيبه في القلوب، ولم يتابع خطاه في النفوس، ولم يفطن إلى مداخله في شعاب الضمائر !
حاول فرعون أن يستدرك الأمر، ويشوش على الجماهير الحاضرة تفكيرهم فيما يقوله السحرة، وما رأوه من معجزة عظيمة جعلتهم يستغرقون في تفكير قد يقودهم إلى ما انقاد إليه السحرة؛ فوقف الزعيم يهدر صارخاً بكل قوة، وهو يشير إلى السحرة بإصبع الاتهام قائلاً:
﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ﴾ طه:71، كيف ؟! كيف تصدقون موسى وتؤمنون بإلهه قبل أن تأخذوا الإذن مني؛ لقد فُضح أمركم أيها الخونة المتآمرون ..
﴿ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ طه:71، وأنتم تنظيمه السري الذي يريد به ضرب استقرار مصر ووحدة شعبها، ﴿ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ﴾ الأعراف:123، وقد تواطأتم وتآمرتم معه سوياً ضد مصلحة الوطن للاستيلاء على حكمه، وإن الدولة ستتعامل معكم أيها المتآمرون بكل قوة وحزم وبدون أي تهاون .. ﴿ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ الشعراء:49.
ثم استل خنجره، واقترب من كبير السحرة وأمسكه من تلابيبه وقال له قبل أن يلقيه على الأرض: ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ﴾ طه:71.
مشيراً إلى ما تهددهم به موسى قبل أن تبدأ المعركة، وذلك عندما قال لهم: «وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى». طه:61، فالعذاب الذي تهددهم به موسى، هو عذاب مؤجل ليوم القيامة، أما العذاب الذي سيأخذهم به فرعون، فهو عذاب حاضر وسيقع عليهم حالاً.
كلمات بأحكام تحمل من الوعيد ما يزلزل القلوب، ولكن أنًى لقلوب رسخ الإيمان فيها أن تهزها هذه الأحكام، إن النفوس إذا استحكم فيها الإيمان وتغلغل في عروقها؛ ستهون عليها الدنيا بمتعها، وستستهين بما تلاقيه من إيذاء في سبيل ربها؛ فما شاء الله كان - وما لم يشأ - لن يكون أبداً .
صمود وإصرار
وها هي الجماهير تنتظر رد السحرة على فرعون، فلعلهم – بعد ما قاله فرعون - يرجعون معتذرين إليه عما قالوه، لينجوا بأنفسهم من هذا العذاب المنتظر، فإذا بالمفاجأة..
التف السحرة حول كبيرهم، وأقاموه من على الأرض ثم نظروا لفرعون بأعين يملؤها التحدي والإصرار قائلين: ﴿ قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ ﴾ الشعراء:51، وبما أن هذه نيتنا وتلك هي رؤيتنا لما تتوعدنا به، لذا نعلنها لك بوضح أكثر.. ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾. طه:73، فالعمر مضى، وقد رأينا فيه من إذلالك لنا ما رأينا، وحقيق علينا الآن وبعدما شاهدنا من آيات ربنا ما شاهدنا، أن ننهي أعمارنا بشرف.
ثم توجهوا بالكلام – الذي ألهموه من ربهم – ليقيموا الحجة عليه وعلى هذه الجماهير العريضة التي انتظرت ردهم فقالوا:
﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾.طه:76
وهنا يقف الطغيان عاجزاً أمام الإيمان، وأمام الوعي، وأمام الاطمئنان..
يقف الطغيان عاجزاً أمام القلوب التي خيل إليه أنه يملك الولاية عليها كما يملك الولاية على الرقاب! ويملك التصرف فيها كما يملك التصرف في الأجسام،ولكنه يجدها مستعصية عليه.
تنفيذ الحكم الإعدام
فصرخ فرعون صرخة المهزوم وقال لجنده: اقبضوا عليهم، واربطوهم في جذوع النخل، وامنعوا عنهم الطعام والشراب، ثم اقطعوا أيديهم وأرجلهم من خلاف، واطعموا أمعاءهم للكلاب، ليكونوا لمن خلفهم عبرة وآية.
وبدأ جنوده يتحركون لتنفيذ ما أمرهم به فرعون، والحضور يرقبون الحدث في صمت مخزٍ..
وما أقساه من حكم! إنها قتلة شنعاء، يجد فيها فرعون بعض الشفاء، لما فجعه به هؤلاء السحرة، الذين خذلوه في موقفه من موسى، ثم فاجئوه بإتباعهم له، وإيمانهم بربه؛ وبشاعة هذه القتلة في كون أن تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف، لا يقضي على الكائن الحي فوراً، بل تظل الحياة فيه وقتاً أطول يعالج آلام الموت وسكراته، حيث أن الحركة الدموية ستظل تسري في نصف نصفه العلوي مع نصف نصفه السفلى المخالف له، ليظل القلب يعمل بشريان واحد من شرياني الحياة؛ وقد اختار لهم فرعون هذه القتلة بهذه الكيفية ليطيل عذابهم قبل موتهم.
فقد كان من بشاعة هذه القتلة أيضاً أنهم سيصلبون على جذوع النخل في الشوارع ليعانوا من ألمين، ألم تقطيع أطرافهم، وألم الوقوف أمام الناس أثناء تعذيبهم، فيمر هذا ليسخر منهم، ويمر ذاك فرميهم بالحجارة، وهذا يتهمهم بالخيانة والعمالة، وهذا يرى ما هم فيه من عذاب فيخاف ويتردد لكي لا يكون مصيره كمصيرهم!
ابتسامة الإصرار وأنشودة الصمود
وقبل غروب شمس هذا اليوم الحزين في تاريخ الإنسانية نُفذ فيهم حكم فرعون، وقُتل السحرة أمام الناس، وهم في قمة الصمود والثبات، وسالت دماؤهم الذكية على أرض مصر، ليقيموا الحجة على كل من يرى الظلم ويسكت عليه، ويرى الفاسد ويحابيه، ومضى هذا المشهد المفزع في تاريخ البشرية إعلاناً لحرية القلب البشري واستعلائه على قيود الأرض وسلطان الظلم، طمعاً في رضا الله والجنة.
...المزيد

يوم الزينة .. يوم انتصار الحق النفس عادة في يوم العيد تكون مسرورة مبتهجة، وبالتالي يكون صاحبها ...

يوم الزينة .. يوم انتصار الحق
النفس عادة في يوم العيد تكون مسرورة مبتهجة، وبالتالي يكون صاحبها أقرب لقبول الحق من أي وقت آخر، وقد اختار موسى وقت الضحى لتكون الرؤية أوضح، والجمع أحشد، والشهود أكثر، فتكون المقاضاة لفرعون على الملأ أمام الخلائق، ويتناقل الناس فضيحته من أول اليوم إلى آخره.
وصل الرسولان إلى الساحة المتفق عليها، فإذا بمئات الآلاف من المصريين يملئونها، ويجول موسى ببصره في هذه الساحة الواسعة ويذهل من تلك الحشود الضخمة من عوام المصريين التي جاءت تهتف باسم الفرعون، رغم ما تجرعوه من مرارة العيش في عصره؛ ولكن لا عجب! "فالعوام هم قوت المستبدُّ وقوته؛ بهم يصول وعليهم يطول! يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدون حكمته؛ ويُهِينُهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ إذا أسرف في أموالهم قالوا كريماً؛ وإذا قتّل منهم ولم يمثِّل بالجثث اعتبروه رحيماً "(2).
فعاليات اليوم
حين أضحى النهار نُفخ في البوق نفخة طويلة ومميزة مما يعني أن أمراً ما سيحدث ..
ترقب الناس حتى لاح موكب فرعون وكبار رجال دولته عن بعد، يسبقه حراس يفرقون الناس إلى الأطراف ويأمرونهم بالسجود لجلالة الملك الإله !
توقفت عربة هامان فنزل منها، ثم باقي عربات الملأ، ثم اقتربت العربة الملكية ..
نزل منها فرعون بزيِّ مزركش مُرصَع بالذهب، وفوق رأسه التاج وفي يده سيدة مصر الأولى السيدة آسية بنت مزاحم زوجته المحببة والمقربة إلى قلبه، نظر فرعون للرؤوس الساجدة، والظهور المنحنية في ذلة وصغار قبل أن يتجه إلى المنصة ليجلس على عرشه المًذهب.
أشار فرعون لحامل البوق أن ينفخ فيه نفخة أخرى ليرفع الناس رؤوسهم ..
وهنا اقترب هامان من فرعون وهمس في أذنه:
- المنصة جاهزة لكلمة معاليك يا فخامة الزعيم !
وبدأت فعاليات اليوم بكلمة يلقيها فرعون أمام هذه الجماهير الحاشدة مستخفاً بوزنهم، ومستغلاً لجهل بعضهم ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ الزخرف:54، فما الطاغية إلا فرد لا يملك في الحقيقة قوة ولا سلطاناً، وإنما هي الجماهير الغافلة الذلول, يمتطيها فيركبها! وتمُدُ له أعناقها فيجُرها! والجماهير تفعل هذا مخدوعة من جهة، وخائفة من جهة أخرى، وهذا الخوف لا ينبعث إلا من الوهم؛ فالطاغية - وهو فرد - لا يمكن أن يكون أقوى من الألوف، لو أنها شعرت بإنسانيتها وكرامتها وعزتها وحريتها.
كلمة فرعون في يوم الزينة
بدأ فرعون كلمته بقوله: أيها الناس أنا ما علمت لكم إلهاً غيري، ولا معبوداً سواي، أيها الناس ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ النازعات:23.
فاستقبلت الجموع الغفيرة من الشعب هذه الكلمات بوابل من التصفيق الحاد الذي استمر عدة دقائق، وفرعون يبتسم ويهز رأسه، ويشير بكفيه – كفى .. كفى-!!
وما كان فرعون يجرؤ أن يقول هذه الكلمات أبداً لو وجد أمة واعية, تعرف أنه عبد ضعيف لا يقدر على شيء! ولكنه لما وجد في شعبه من الغفلة ومن الذلة ومن خواء القلب من الإيمان, جرؤ على قول هذه الكلمة الكافرة الفاجرة: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ فما أسعد كل ديكتاتور يحكم شعباً لا يفكر.
ثم بدأ فرعون يبين لهم سر حضورهم في هذا الجمع المهيب، متغنياً بالحرية والديمقراطية، فلولاهما لكان قتل ربيب قصره - ابن خرائب بني إسرائيل- عندما أتاه هو وأخوه مدعيان أنهما رسولان من عند الله، ولكن من أجل إرساء مبدأ الحرية، جاء بهم إلى هذه الساحة وجمعهم ليسمعوا من وموسى ويحكموا عليه، هل هو ساحر أم نبي؟!
المبارزة الكلامية
وفي هذه الأثناء نظر موسى للسحرة الذين يتجهزون لمبارزته! وتقدم نحوهم - قبل بدء المباراة بينهم – ليُذكرهم بالله قبل أن يرتكبوا هذه الجريمة - جريمة مساندة الباطل والدفاع عنه – قائلاً: ﴿ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى ﴾ طه:61.
فتغلغلت كلمات موسى عليه السلام في قلوبهم - فالنصيحة المخلصة تنفذ إلى القلب فتخترقه --؛ فاستشعروا أنهم لا يعادون ساحر، فما هذه بكلمات ساحر أو مشعوذ؛ فدب الخلاف بينهم؛ قال بعضهم لبعض: هذا الرجل ليس بساحر كما قيل لنا، ويبدو أن معه الحق، وتنازع طرف آخر الحديث فقالوا: لا .. بل هو يريد بهذه الكلمات أن يرهبنا فنخسر جولتنا معه وينتصر هو، وقال بعضهم: إن كان ساحراً فسنغلبه بقوتنا وجمعنا وإن كان على حق فسيغلبنا وعندها علينا أن نتبعه ﴿ فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ طه:62.
وظل هذا الجدل السري يدور بينهم، حتى قطعه أحدهم فقال لهم: هل نسيتم ما قاله فرعون وهامان: ﴿ إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾ طه:63، فتنبهوا لهما ولا يغرنكم معسول كلامهما ﴿ فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ اسْتَعْلَى﴾ طه:64.
فوحد بهذه الكلمات صفوفهم، وشد بها من عزمهم..
ثم راحوا ينظمون طريقة عرض سحرهم، وهم يتعاهدون أن يبذل كل واحد منهم قصارى جهده في عمله، ولا يخفي شيئاً مما تعلمه من السحر حتى تنتهي المباراة بعلوهم وانتصارهم.
وبعد أن تجهزوا ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ طه:65، فرد موسى– بكل ثقة في نصر ربه - مستهيناً بما معهم: ﴿ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾ يونس:80.
إنهم أعطوه الفرصة، فردها عليهم، ليُظهروا كل ما عندهم فيها، وكان ذلك عن حكمة وتدبير وتقدير؛ فلو بدأ موسى- وقد جعلوا هم الأمر إليه في اختيار من يأخذ المبادرة- لكان غير عادل معهم، إذ بدءوه بالإحسان! ولهذا فقد ردّ إليهم إحسانهم بإحسان، وأعطاهم حقّ المبادرة التي كان له أن يأخذها لنفسه.
ثم- من جهة أخرى- إن موسى عليه السلام كان واثقاً من تأييد الله ونصره له في هذا الموقف؛ فلو بدأ هو الجولة، وضرب السحرة ضربته، وأوقع بهم الهزيمة من قبل أن يعطوا ما عندهم ويبذلوا جهدهم، لقال الناس: لو أن السحرة أظهروا السّحر الذي في أيديهم أولا، لشلّوا حركة موسى، وضربوه الضربة القاضية، ولكنه بدأ قبلهم فكانت الضربة له، ولم تكن لهم!!
وهذا قول من السهل أن يقال وينتشر بين الناس في مثل تلك الحال، فتفاداه موسى بحكمة ربانية.

وتبدأ المعركة
ضُربت الطبول بهدير هزَّ الصدور، ونفخت النايات، وأعطى هامان لهم إشارة البدء ..
﴿ فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ ﴾ الشعراء:44.
فأعجب فرعون بهذه الكلمة وهز رأسه فرحاً ورضاً عمن قالوها ..
رفع السحرة أيديهم للسماء بقبضات مُغلقة، ثم ظلوا يرددون كلمات مبهمة، ثم فتحوا كفوفهم ونثروا منها شيئاً على عِصِيُّهُم وحبالهم التي ألقوها على الأرض، فاهتزت ثم تموجت وتلوت ببطء كأنها ثعابين وحيات تسعى(1) ﴿ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إليه مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ﴾ طه:66، ضربت الدهشة الرءوس .. حبال وعِصِي تتحول إلى ثعابين لامعة، إذا رفع السحرة أيديهم لليمين وللشمال فتتحرك تبعاً لأوامرهم! ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ ﴾ الأعراف:116.
فوقف الناس مشدوهين منبهرين، ومنهم من صاح فرحاً، ومنهن من علا صوتها بالزغاريد، وضجت الساحة بفرحة كبيرة لِما كان من عرض رائع للسحرة وصفه الله فقال:
﴿ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ ﴾ الأعراف:116، فقد نجحت هذه النخبة من السحرة في قلب صورة "الحبال والعصي" في أعين الناس لتبدوا لهم حيّات وثعابين عملاقة؛ وعلى نفس طريقة التزييف هذه، يقوم بعض إعلامي عصرنا الذين بلانا الله ببعضهم بإيهام الناس بأمور لا أساس لها من الصحة، فما يلفقونه في وسائل الإعلام للدعاة والمصلحين يبدو كأنه حقيقة للوهلة الأولى، ولكن ما يلبث أن يكتشف الناس زيفه لاحقا.
وبعض إعلاميو عصرنا يشتركون مع سحرة فرعون في خصيصة استرهاب الناس وسحر أعينهم وقلب الحقائق رأسا على عقب.(1)
اللحظة الفاصلة
بدأت الجماهير تهدأ، وانحبست الهمهمات ..
وقف هامان وقفة فخر وشموخ، وابتسم له فرعون ابتسامة المنتصر ..
نظر هارون لموسى نظرة تخوف من مآلات الأمور بعد النجاح الباهر الذي حققه السحرة، فارتجف قلب موسى تحت وطأة الشك، ﴿ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ﴾ طه:67، فجاءته نجدة السماء، فربطت على قلبه، وثبتت قدمه، وذكرته بمقامه ..
لقد استمع لنفس الصوت الذي سمعه عند الشجرة .. سمعه يقول له: ﴿ لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ﴾ طه:86، فهدأت نفس موسى وقرة عينه، وثبتَّ هارون وشد من أزره.
ثم نظر إلى السحرة وأشار إلى ما ألقوه من ثعابين وحيات، وعلا صوته قائلاً:
﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ يونس:82، لتجوب هذه الكلمات الصادقة الساحة كلها، فدخلت في أذن كل من حضر وشاهد، فهزتهم هزاً، خاصة قوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾.
فإن الباطل لينتفش، ويسحر العيون، ويسترهب القلوب، ويخيل إلى الكثيرين أنه غالب، وإنه في الحقيقة لحقير صغير! وما هو إلا أن يواجه الحق الهادئ الواثق حتى ينفثىء كالفقاعة، وينكمش كالقنفذ، وينطفئ كالشمعة.
حانت اللحظة الفاصلة لبدء الجولة الثانية بتوقيت السماء ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ﴾ الأعراف:117، فأغمض موسى عينيه، وسحب نفساً عميقاً لصدره قبل أن يرفع عَصَاه إلى أعلى ليلقيها على أرض الساحة بين حيات السحرة وثعابينهم.
لحظات من السكون أيقظت الهمهمات مجدداً بين الناس، قبل أن تضطرب العصا وتهتز هزة عنيفة، ثم تحولت لثعبان أسود لامِع هو أكبر وأخطر من الذي رآه فرعون في قصره !
اضطرب قلب فرعون، وهلع هامان وانزوى بعيداً، وتيبس السحرة وهم ينظرون لبعضهم البعض غير مصدقين !
أصدر ثعبان موسى فحيحاً مفزعاً وبدأ يتحرك بسرعة البرق نحو ما رماه السحرة على الأرض ﴿ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ﴾ الأعراف:117، فلم تترك حبلاً ولا عصاً إلا التهمته في فمها الضخم، فركض جنود فرعون الذين كانوا يحيطون بأرض الساحة الداخلية من الفزع والرعب، وصرخ الناس تشجيعاً وتحميساً ..
...المزيد

حشد الجماهير وبدأت مؤسسات الدولة في كل مدينة وقرية وشارع يحشدون الجماهير لحضور يوم الزينة في ...

حشد الجماهير
وبدأت مؤسسات الدولة في كل مدينة وقرية وشارع يحشدون الجماهير لحضور يوم الزينة في العاصمة(1)﴿ وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ﴾ الشعراء:41،وهذا الحشد للناس غايته، هو شدّ أزر هؤلاء السّحرة، وإلقاء الرعب في قلب موسى بهذه الحشود الضخمة التي تتربص به، وتنتظر الهزيمة له، لتسخر منه أو لتفتك به !.
ويظهر من التعبير حركة الإثارة والتحميس للجماهير بقولهم: «هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ، لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ؟» هل لكم في التجمع وعدم التخلف عن الموعد، لنترقب فوز السحرة وغلبتهم على موسى الإسرائيلي الذي يزعم أن له إله غير فرعون !
وهكذا استطاع فرعون ونظامه حشد عدداً كبيراً من المصريين ومازال الحشد مستمراً، فكلما زاد العدد تحمس السحرة ونشطوا لإرضاء فرعون وإرضاء مشجعيهم، وهزم موسى نفسياً قبل أن تبدأ المباراة؛ فهو وحيد وسط هذه الحشود الضخمة !
وكذلك ليضمن الدعاية الكافية - في حالة انتصار السحرة – أن فرعون الإله لا يهزم أبداً، فيحقق السطو الفكري على عقول العامة، ويضمن لنفسه الحكم لعقود جديدة دون أدنى احتمال للتمرد أو ظهور موسى جديد !
ولعل هذه هي أهم أسباب حرص فرعون على جمع هذه الحشود من الجماهير.
التضليل الإعلامي
وبما أن هناك جزءاً من الشعب المصري قد لا تشغله المباريات والحفلات وأمثال هذه الأمور فقد حرص فرعون على استدعائه بطريقة أخرى؛ وهي إذاعة الأخبار الكاذبة وترويجها، حتى إذا سمعوها ثاروا وانتفضوا وتحركوا، فأذاعت أذرع فرعون الإعلامية أن موسى وهارون ﴿ .. يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ﴾ طه:63؛ والغرض الواضح من هذه الرسالة هو تحريض الشعب ضد موسى وهارون.
فالإعلام الفرعوني لم يكتفِ بعدم الحياد والبعد عن المهنية عندما أمر الشعب بالنزول لإتباع السحرة إن كانوا هم الغالبين وفقط، بل اتبع سياسة قلب الحقائق ونشر الشبهات لتضليل الرأي العام، فاستغلوا ارتباط البسطاء من الشعب المصري بأرض مصر ونيلها، وخوفهم من إعادة حكم الغرباء – تجربة الهكسوس - فنشروا أكذوبة أن موسى يسعى للاستيلاء على الأرض والوطن ليهيمن على مقاليد الأمور فيها، ويبسط نفوذه وسلطانه هو وعشيرته من بني إسرائيل، بعدما يقصى المصريين ويخرجهم من أراضيهم !
واستمرت هذه الحملة التحريضية إلى أن ردد الشعب كلامهم ﴿ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ سورة يونس: 78.
وقد سبق وأن قال فرعون هذه المقولة لموسى عندما تناظرا في قصره فقال له: ﴿ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى ﴾ طه:57، ثم قالها لحاشيته ووزرائه المقربين منه ﴿ قَالَ لِلْملأ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عليمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ الشعراء:35، ثم رددها الملأ في اجتماعاتهم وندواتهم ولقاءاتهم الجماهيرية والإعلامية ﴿ قَالَ الملأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عليمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ﴾ الأعراف:110، ثم نشروها بين الناس ﴿ قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ طه:64.
وهكذا يَكذب فرعون الكَذِبة، ويرددها نظامه، وتلوكها أذرعه الإعلامية صباحاً ومساءً، إلى أن يصدقهم الشعب المسكين وتثار حميته لا لإلوهية فرعون المهددة بدين موسى الجديد؛ وإنما دفاعاً عن مصالحهم الاقتصادية المهددة بالانهيار إذا أُخرجوا من أرضهم كما يريد موسى!
فاستطاع فرعون بإعلامه أن يدخل الشعب كله في معادلة ليسوا طرفاً فيها، بعدما غرس فيهم بذور العداء والانتقام من هذين الساحرين "موسى وهارون"؛ بالرغم أن موسى لم يطلب سوى إخراج أهله من بني إسرائيل لرفع الظلم عنهم، ولكنها كما قلت سياسة تضليل الرأي العام.
الاستعداد ليوم الزينة
والآن انتهت أجهزة الدولة من استثارة فضول الجماهير واستنفارهم لحضور هذا اليوم، واستعداء بعضهم على رسالة موسى؛ والآن بدءوا يهيئون الساحة التي ستتسع لكل هذه الحشود الغفيرة من الجماهير، وإعداد مكان آمن يجلس فيه فرعون وزوجته آسية وكبار رجال الدولة، كما أعدوا مكاناً مخصصاً لمعدات السحرة(1) من عصىّ وحبال ومكاناً واسعاً ليستطيعوا أن يقفوا فيه ويعرضوا فقراتهم السحرية بوضوح.
وقد لخص القرآن كل ما قاله فرعون وما أشار به الملأ من قومه، وما دار بينه وبين السحرة من تشجيع وتحميس ووعد بالمكافأة، وما فكر فيه وما دبر هو ومستشاروه في قوله ﴿ فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى﴾ طه:60.
...المزيد

اجتماعات الملأ لاحتواء الأزمة اجتمع فرعون بالملأ من حاشيته ورجال دولته في اجتماع استشاري، ليتباحث ...

اجتماعات الملأ لاحتواء الأزمة
اجتمع فرعون بالملأ من حاشيته ورجال دولته في اجتماع استشاري، ليتباحث معهم ما يجب عليهم فعله تجاه هذه الأزمة؛ وكانت الكلمة الأولى - كالعادة - لفرعون وقد بدا فيها تغيراً في طريقة إدارته للأزمات ﴿ قَالَ لِلْملأ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عليمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ الشعراء:35، فهو يُسلم أن الأرض أرضهم وليست ملكه كما يدعِى؛ وبما أن الأرض أرضهم، وموسى يريد أن يخرجهم من أرضهم بسحره، فالأمر إذاً أمرهم فماذا يرون؟ وبم يأمرون؟!
ولا تعجب! فهذا هو دأب الطغاة حينما يحسون أن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم، عندئذ يلينون في القول بعد التجبر، ويلجئون إلى الشعوب وقد كانوا يدوسونها بالأقدام، ويتظاهرون بالشورى في الأمر وهم كانوا يستبدون بالهوى، ذلك إلى أن يتجاوزوا منطقة الخطر، ثم إذا هم جبابرة مستبدون ظالمون! .
فردد الملأ – بلا وعي– ما قاله فرعون بالحرف:﴿ قالَ الملأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عليمٌ ﴾ الأعراف:110، يقوم سحره على علم ومعرفة لعله تعلمها خلال السنوات التي قضاها في مدين ثم جاء ﴿ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ ﴾ الأعراف:110، إذاً فقد أصبح مصدر خطر عظيم علينا وعلى مكانتنا ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ ؟! الأعراف:110.
فعادوا إلى نقطة الصفر مرة أخرى؛ وذلك لأن فرعون لم يعودهم من قبل على اتخاذ أي قرار؛ فقد كان الأمر أمره والنهي نهيه وقوله لهم: ﴿ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ خروج على المألوف بينه وبينهم، فما اعتادوا أن يسمعوا منه غير كلمة واحدة: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ غافر:29، ولكنها الصدمة التي قلبت حياته وحياة من حوله.
توصيات الاجتماع
فقال أحدهم: أنا أرى ألا نتصدى لهما، ولا نعتدي عليهما حتى لا يتعاطف الناس معهما، ولكن رأيي المتواضع لجناب الفرعون هو ألا تقتله و﴿ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ ﴾ الأعراف:111، اتركهما بحريتهما إلى يوم الزينة ﴿ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عليمٍ﴾ الأعراف:111، وبهذا نكون أبطلنا سحراً بسحر مثله .
فهز فرعون رأسه بإبداء الموافقة على هذا الرأي، وكلف فريقاً مختاراً بعناية لمهمة جمع أمهر السحرة وحشرهم أمراً وجبراً إلى العاصمة ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عليمٍ ﴾ يونس:79، كما كلف أذرعه الإعلامية بعمل الدعاية اللازمة لجمع أكبر عدد من المصريين لحضور هذه المباراة بين موسى والسحرة.
جمع السحرة
وبدأ رجال فرعون على الفور بجمع السحرة، وبعد فترة قليلة بدأت حشودهم تتوافد على المكان المخصص لاستقبالهم في العاصمة المصرية، وليس مذكورا فيما اطلعت عليه من مصادر ما إذا كان المواطن المصري اندهش من عدم التكافؤ العددي فتساءل: ما الداعي لجمع هذه الحشود من السحرة المتخصصين لمواجهة رجليْن فحسب ؟!
المهم أن المكان عج بكثرة السحرة الذين قدروا بالآلاف(1)، وقد علموا أنهم سيواجهون رجلاً اسمه موسى يُخرج من عصاه ثعباناً ومن يده نوراً؛ فالرواية الرسمية التي تناقلتها وسائل الإعلام هي ظهور ساحريْن أثارا بعض المشكلات ويُتوقَّع أنهما قد يمثلان خطرا على استقرار البلاد، ورغبة من فرعون في الشفافية وإنهاء الوضع بصورة سلمية؛ فقد قررت الدولة إجراء مناظرة عامة بينهما وبين المتخصصين في هذا المجال، ومن هنا وقع في أنفسهم أنهما ساحرين مثلهم، وأنّهما إذا كانا على شيء من القوة بالنسبة لهم، فإن في جمعهم هذا ما يتغلب على كل قوة.
فراودتهم فكرة فقالوا: بما أننا سنخلص فرعون من هذين الساحرين، فما المانع أن نطالب بأجر إضافي؟ فاجتمعوا على هذا الرأي؛ وأرسلوا منهم من يطمئن فرعون بالنصر المظفر ويتفاوض معه على بعض العطايا بعد هذا النصر المتوقع ﴿ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ ﴾ الشعراء:41.
وهكذا ينكشف الموقف عن جماعة مأجورة يستعين بها فرعون الطاغية تبذل مهارتها في مقابل الأجر الذي تنتظره، ولا علاقة لهم بعقيدة، ولا صلة لهم بقضية، بل لا يوجد شيء يشغلهم سوى الأجر والمصلحة؛ وهؤلاء هم الذين يستخدمهم الطغاة دائما لتزييف وعي الجماهير.
ولا يملك فرعون في هذا الموقف إلا أن يستجيب لهم، ويترضّى مشاعرهم، وقد كانوا من قبل هذا الموقف عبيداً مسخّرين رهن إشارة منه يعملون بلا أجر﴿ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴾ الشعراء:42، فليس المال فقط الذي سيبذله لهم إن هم انتصروا على موسى وأبطلوا كيده، ولكن لهم إلى جانب هذا المال الوفير الذي سيغدقه عليهم أن يقرّبهم إليه، ويدنيهم منه، ويجعلهم أعوانه، وأصحاب الكلمة والرأي عنده.
...المزيد

موسى وهارون داخل القصر الفرعوني وصل الرسولان إلى قصر فرعون ودخلا عليه عندما أُذن لهما بالدخول، في ...

موسى وهارون داخل القصر الفرعوني
وصل الرسولان إلى قصر فرعون ودخلا عليه عندما أُذن لهما بالدخول، في مراسم كلها هيبة وإجلال فهما سيدخلان على الفرعون الإله، وسيخوضان مواجهة عنيفة مع فرعون وملئه بهذه الحقيقة الواحدة، التي واجه بها كل نبي- قبله أو بعده- عقائد الجاهلية الفاسدة..
هذه المواجهة التي لا تعني – بالنسبة لهما– إلا التمرد على النظام، والثورة على فرعون وملئه؛ فإن ربوبية الله للعالمين التي جاءا بها تعني- أول ما تعني- إبطال شرعية كل حكم يزاول السلطان على الناس بغير شريعة الله وأمره، وإعلان تحرير الإنسان من الخضوع والطاعة والتبعية والعبودية لغير الله؛ تعني تحرير الإنسان من شرع البشر، ومن هوى البشر، ومن تقاليد البشر، ومن حكم البشر للبشر؛ إلى حكم الله وحده.
مفاهيم استقاها الرجل العربي- بفطرته وسليقته- حين سمع رسول الله يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقال: «هذا أمر تكرهه الملوك!»؛ بل وقال له رجل آخر من العرب بفطرته وسليقته: «إذن تحاربك العرب والعجم».
لقد كان هذا العربي وذاك يفهمان مدلولات لغتهم، كانا يفهمان أن شهادة أن لا إله إلا الله تعني ثورة على الحاكمين بغير شرع الله عرباً كانوا أم عجماً، فما كان أحد منهم يفهم أنه يمكن أن تجتمع في قلب واحد، ولا في أرض واحدة، شهادة أن لا إله إلا الله، مع الحكم بغير شرع الله! فيكون هناك آلهة مع الله! ما كان أحد منهم يفهم شهادة أن لا إله إلا الله كما يفهمها اليوم من يدعون أنفسهم «مسلمين» ذلك الفهم الباهت التافه الهزيل!
ولأهمية هذا اللقاء وهذه المواجهة، قد سجلها القرآن في مواضع كثيرة اختلفت بسطاً وإيجازاً ولكنها لم تختلف من حيث المحتوى والمضمون والموضوع؛ فلقد حاول فرْعون بكلِّ وسيلةٍ أن يخرج من حوار الفكْرة إلى اتِّهام الشخص، ولكن موسى - عليه السلام - استطاع في كلِّ مرَّة أن يُعيد الحوار إلى الفِكْرة، وأن يتجاوز محاولات "الشَّخصنة "حتى انتصر.
تعالوا بنا نشاهد ما حدث عن قرب ...
مناظرة موسى مع فرعون
دخل موسى وهارون إلى حيث يجلس فرعون وملؤه وحاشيته، وسط نظرات احتقار – متبادلة – من فرعون وملئه لموسى وهارون، نظرات رسمت على وجوه الحضور عدة أسئلة لعل أبرزها ما الذي جاءا في طلبه ؟!، وما الذي حدث لموسى طوال هذه الفترة من الزمن ؟!، ولماذا عاد وهو يعلم أننا سنقتله بالرجل الذي قتله ؟!، وما هذه الملابس الرديئة التي يلبسها موسى، وما هذه العصا التي يمسكها بيده ؟!!
نظرات قصدوا بها هزيمة موسى - عليه السلام - نفسياً قبل أن يبدأ بالكلام؛ وبعد لحظات الصمت المشحون بكل هذه الأسئلة، أشار فرعون بأصبعه لموسى كي يقترب، ثم بدأ بالكلام معه متجاهلاً هارون، وموجهاً كلامه لموسى فقط قائلاً: ما الذي جاء بك ؟!!
فقال موسى بكل ثبات وثقة: لم آتيك وحدي، بل جئتك أنا وأخي برسالة من السماء أمرنا الله بتبليغها لك: ﴿ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إسرائيل وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إلينا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴾ طه:48، فلتدع بني إسرائيل وشأنهم، لنمضي بهم إلى حيث يشاء الله، بعيداً عن محيط ملكك وسلطانك، والسلام ينتظر كل من اتبع الهدى الذي معنا، كما أن العذاب ينتظر كل من يرفضه.
ثم سأله موسى فقال:﴿ … هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴾ النازعات:19.
الجولة الأولى
فرد فرعون تاركاً مضمون الفكرة - وكأنه لم يسمع شيئاً - بل وكأنه لا يرى هارون واقفاً أصلاً، مشيراً بسبابة الاتهام إلى موسى قائلاً: ومن أنت حتى تجيء إلينا اليوم في صورة مبعوث سماويّ تريد هدايتنا؟ ﴿ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ الشعراء:18، ألست ربيب نعمتنا، وغذىّ فضلنا وإحساننا؟ كيف تجئ إلينا من هذا العلوّ، وتطلب إلينا هذا الطلب، الذي هو من خاصة شئوننا، ومن بعض سلطاننا في رعيتنا؟
ثم كيف تتحدث معي بهذه الجرأة وقد سبق ﴿ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الشعراء:19 من الاعتداء بالقتل العمد على أحد رجال قصري الأبرياء ﴿ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الشعراء:19 بنعمى وإحساني عليك !!
وظن فرعون بعلو صوته أن هذه الكلمات نزلت كالأسهم ترشق جنبات موسى لتغتاله نفسياً فموسى بالفعل ارتكَبَ هذه الأخْطاء في حياته السَّابقة، وقد وُضِع الآن في مأزق الفضل، كما وضع في مأزق "البدعة"؛ فلقد لبِث سنين من قبل في مصر ولم يجهر بمثل هذه "الأفكار الدخيلة" كما يسميها فرعون؛ وقد كانت هذه أولى مُحاولات فرعون لـ "شخصنة الموضوع".، ولكن هيهات.. هيهات .. فموسى يقف في معية الله الذي أطلق لسانه بكلمات قصيرة وبليغة جعلت اتهامات فرعون له تنقلب ضده وتشل لسانه عن فتح هذا الموضوع مرة أخرى.
فقال موسى معترفاً: ﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالينَ﴾ الشعراء:20، إذ كانت هذه الفعلة التي تستنكرها وتتحاشى أن يذكرها لسانك أثر من آثار تربيتي في قصرك ومجتمعك الذي لا ترعى للدماء فيه حرمة، وأنت من رباني على هذا، ومع ذلك أنا لما قتلته خطأ وبلغني أنكم تتآمرون علىً، ما وجدت بُداً من الفرار ﴿ فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ الشعراء:21، طالباً النجاة لنفسي، هارباً من هذا الظلم الممنهج في دولتكم ﴿ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الشعراء:21، فرأيت الهدى وأبصرت النور الذي لو بقيت فيكم أبد الدهر ما نالني أبداً.
ثم عاد موسى بالحوار إلى موضوع الرسالة التي ترفض الاستعباد وتسعى لكسب الحرية فقال: وأي نعمة تمنها عليّ في بقائي عندك؟ ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا على أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسرائيل﴾ الشعراء:22؛ هل تربيتي عندك بعيداً عن أبويّ نعمة ؟!
لقد كانت تربيتي في بيتك وليداً من جراء استعبادك لبني إسرائيل، وقتلك لأبنائهم، مما اضطر أمي أن تلقيني في تابوت سحبه الماء إلى قصرك، فتربيت في بيتك بعيداً عن بيت أبويّ !
فهل تربيتي بعيداً عن أبويّ نعمةً تمنّ ؟! هل عطفك على فرد وإذلالك لشعب كامل نعمة تُمنّ ؟! هل هذا هو فضلك العظيم؟!
كلمات جاب صداها الرنان كل ركن من أركان قصر فرعون، قالها موسى بطريقة لبقة ذات اتزان في الصوت، وتناسق في الحركات والإشارات، فقلب الاتهامات الموجهة له إلى سكين ذبح بها غرور فرعون - من الجولة الأولى - فأصبح الطالب مطلوباً، والمدّعىِ متّهماً.
الجولة الثانية
فاضطرَّ فرعون أن يعود إلى الفكرة ولكنَّه قفز على موضوع اضطِهاده لبني إسرائيل، متجاهلاً اتهامات موسى له، ناقلاً الحوار بعيداً عن هذا المجال الذي خسره، وسأل عمَّا ظنَّ أنَّه يُمكن أن يجادل فيه فقال منكراً ومتهكماً:﴿ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ طه :49، الذي تصفه بأنه ﴿ رَبُّ الْعَالَمِينَ !!﴾ الشعراء:16
فأعطاه موسى جوابًا واضحًا وعمليًّا، ولم يحاول تقديم "تعريف نظري"، أو أن يصِف الله بما يمكن أن يدَّعيه فرعون؛ فقال موسى: إنه رب هذا الكون الهائل الذي لا يبلغ إليه سلطانك ولا علمك﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ الشعراء:24.
فنظر فرعون لمن حوله ساخراً من كلام موسى وقال:﴿ أَلا تَسْتَمِعُونَ!!﴾ الشعراء:25، إن موسى طريح الماء أصبح رسولاً ! ثم ضحك ضحكات متصاعدة، وضحك من حوله لضحكه سخرية من موسى عليه السلام ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ الزخرف:47.
لم يعبأ موسى بضحكاتهم وسخريتهم منه وواصل حديثه الذي قطع ضحكاتهم وزلزل قلوب بعضهم فقال:﴿ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ﴾ الشعراء:26، الذي كان يرعاكم ويرعى آباءكم قبل أن يولد فرعون! فمن كان من قبله إلا الله رب للعالمين ؟!
وكانت هذه الكلمات قاصمة لفرعون فما طاق عليها صبراً؛ فقطع فرعون صمتهم الذي تحركت فيه عقولهم وقلوبهم، وعاد إلى"شخصنة" الحوار واتِّهام المتحدث فقال: مالكم تستمعون إلى كلامه وكأنه عاقل﴿ ... إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إليكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ الشعراء:27.
ولكن يبدو أن اتهام فرعون لموسى بالجنون لم يرُق لبعضهم، فما هذا بكلام المجانين؛ فتوجهوا لموسى بأنظارهم كأنهم يقولون له: أكمل.. أكمل!
فقال موسى- عليه السلام - وهو يتصفح وجوههم ويهز عقولهم: إن ربي يملكُ فرعون وما ملك، فإن لربي مُلك ما أشرقت عليه الشمس وغربت ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الشعراء:28، فخيم الصمت على الحضور حتى كاد دبيب النملة على الأرض أن يُسمع!
فاسترسل موسى في وصف ربه فقال: ربي الذي أوجد الوجود وخلق الخلائق، وأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، من حيث كبر الجسم وصغره وتوسطه ﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ طه:50، فبعد أن خلق ربنا المخلوقات هدى كل مخلوق إلى ما خلقه له، فتجدون الطفل يخرج - وهو لا علم له- فيرضع من أمه بفضل هداية الله له، وتجدون النحلة تطوف لتجمع الرحيق من كل مكان ثم تعود به إلى خليتها ولا تخطئها، وتجدون الأسد الهصور رحيماً بأولاده، فهل فرعون هو الذي هدى هؤلاء إلى هذه الأعمال؟
فقطع فرعون إنصاتهم لموسى للمرة الثانية، ونقل الحديث إلى موضوع آخر، ليقطع على موسى ترتيب أفكاره ويشتت ذهنه ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ سورة طه:51، أين ذهبت، وما قصتها ؟.
ففهم موسى - عليه السلام - أن فرعون بخبثه ولؤمه يريد أن يبعده عن غايته التي جاء من أجلها، فكانت إجابته مختصرة جداً ﴿ قَالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى﴾ طه:50، ثم توجه بنظره مرة أخرى للملأ من قوم فرعون ليعرفهم بإلهه فقال أما إلهي فهو: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ طه:54.
لقد فطن موسى إلى ما يريده فرعون، فصمم على هدفه ولم يلتفت للفرعيات التي حاول أن يقحمه فيها.
الجولة الثالثة
نفذ صبر فرعون، وجن جنونه، فقد استطاع موسى بأدبه الجم، وبراعته في العرض أن يوقظ ضمائرهم وينشط عقولهم، وإن كل طاغية ظالم لا يخشى شيئا كما يخشى من يقظة الشعوب، وصحوة القلوب؛ ولا يكره أحداً كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة، ولا ينتقم من أحد كما ينتقم من هؤلاء الذين يهزون الضمائر ويزلزلون القلوب؛ فقرر أن ينهي الحوار، وينتقِل من قوَّة المنطق – التي فشل فيها - إلى منطق القوَّة؛ فقام من على عرشه واقفاً يصرخ في موسى صرخة تهديد ووعيد هزت أركان القصر، قائلاً:﴿ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ﴾ الشعراء:29.
فقال موسى - عليه السلام - مستخدماً أسلوب الإثارة والتشويق: ﴿ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾ الشعراء:30، يدل على أنني رسول من عند رب العالمين ؟!
لقد تحسس موسى نقاط الضعف عند خصمه - فرعون- قبل أن يناظره ولمس منه فضولاً زائداً، بدا واضحاً عندما عاد إلى مصر وأرسل لقصر فرعون طلباً لمقابلته وقد حظي طلبه بالقبول السريع! ففرعون يريد بفضوله أن يعرف السبب الذي جاء من أجله موسى فأخفى موسى ورقته الأخيرة – سر العصا – ليثير بها فضول فرعون إذا أراد أن ينهى اللقاء، أو إذا تأزم الحوار، فلما جاءت تلك اللحظة قال ﴿ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ ﴾.
لذا سال لعاب فرعون شوقاً لرؤية ما يخفيه موسى فقال بلهفة: ﴿ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ الشعراء:31.
فرفع موسى عصاه ليحشد نظر الحاضرين إليها - فنظر فرعون ساخراً- فألقى موسى العصا على بلاط القصر، فاضطربت العصا وخرج منها رأس ثعبان، وكسي خشبها بجلد، وتضخمت، وازداد طولها وعرضها ﴿ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ ﴾ الشعراء:32، نافخاً أوداجه، فاغراً فاه حتى بدا لسانه المشقوق، مصدراً فحيحاً مفزعاً ..
توقف الزمن لدقيقة قبل أن يشرع فرعون بالرجوع خطوة للوراء ..
فازداد الثعبان منه اقتراباً وعلواً حتى باتت عيناه المشقوقتان في مستوى رأس فرعون، ثم اهتز هزة عنيفة للأمام وصاح بفحيحه المفزع مرة أخرى ..
فما كان من فرعون إلا أنه هرول مسرعاً نحو عرشه يجلس عليه منكمشاً خائفاً، واضعاً رأسه بين رجليه يستنجد بموسى أن يبعد هذا الثعبان عنه؛ فانفضح أمر فرعون في نظر حاشيته لما بدا منه من خوف وذعر.
فلمس موسى – عيه السلام – ذيل الثعبان فانكمش وعادت عصاه كما كانت من فرع خشبي عتيق !
ومع نظرات انبهار ودهشة خرجت من أعين الحضور قال موسى: هذه هي معجزتي الأولى، أما الثانية فهذه يدي انظروا إليها!! – يرفعها أمامهم يستجمع بها نظرهم – ثم أدخلها في فتحة قميصه، ثم أخرجها ﴿ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ الشعراء:33، ترسل ضوءا مشرقاً كضوء الكوكب الدري في فحمة الليل، فازداد انبهار الحضور بموسى وإعجابهم به.
وهكذا ضُرب فرعون ضربة قاضية، ولم يدع له موسى – في الجولات الثلاثة - فرصة واحدة ليلتقط أنفاسه، فأصبح عاجزاً أمام براعة عرض موسى ومعجزتيه، ولكنه حفظاً لماء وجهه، مسح العرق المتصبب من جبينه واستجمع كلمتين يحاول بهما أن ينجو من المأزق الذي وقع فيه فقال:
ما لي أراكم لا تنطقون؟ سَحَرت أفاعيل هذا الساحر أعينكم ؟ ربيب القصر، ابن الخرائب يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره ثم قال: ﴿ قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ طه:58.
فنظر موسى إلى هارون، وتبسم ساخراً من حالة فرعون التي لا يرثى لها، ثم قال: ﴿ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ طه:59.
ثم تركهم وانصرف مع هارون وهم في حالة ذهول تام مما رأوا، فصرخ فيهم فرعون قائلاً:
اعلما، لقد بدأتما حَرباً، عليكما تحمُل عواقبها، ومن ورائكم كل من يؤيدكما من قبيلتكم.
فلم يكترثا لكلامه .. وأكملا سيرهما ..
في طريق الخروج رافق الحرَّاس الأخوين عن بعد، ينظرون إليهما بهيبة وللعصا برعب، حتى مر موسى بالقرب من مسكنه الذي تربى فيه، فوقف يتأمله، جناحاً ملحقاً باستراحة الملكة "آسية"، التي وقفت منذ علمت بدخوله القصر تنتظره كي تطمئن عليه عندما يخرج.
آثار النعيم الذي تحيا فيه لم تغير من ملامحها شيئاً رغم مرور الزمن ..
احتضنت ولدها موسى فقبلها بين عينيها ..
قالت له: حسبت أنني لن أراك ثانية، حتى هرعت إليَّ خادمتي وأخبرتني بخبر ظهورك المفاجئ، أنسيت أمك يا موسى ؟
فقال لها: عار عليَّ أن أنساكِ يوماً، وأنتِ كل ما بقي لي في ذلك المكان.
قالت له: أين كنت هذه السنوات، وما الذي جئت في طلبه من فرعون ؟
نظر موسى للحراس الذين حاصروه وبدئوا يدفعوه للأمام ليلحق بأخيه هارون، ثم التفت لها وهم يجروه للخارج قائلاً:
لا أظن أن الحراس سيصبرون على بقائي داخل الأسوار إلى أن أخبرك، ولكنك ستعلمين من الخدم والحشم كل ما دار بيني وبين فرعون قبل قليل فقد استمعوا لمقالتي وعاينوا ما معي، ولنا موعد ولقاء يوم الزينة.
...المزيد

الاجتماع الأول لشيوخ بني إسرائيل استدعى هارون سِراً رءوس العائلات من بني إسرائيل في بيت رجل منهم، ...

الاجتماع الأول لشيوخ بني إسرائيل
استدعى هارون سِراً رءوس العائلات من بني إسرائيل في بيت رجل منهم، تذمروا من الانتظار حتى دخل عليهم موسى، كشف وجهه فقطبوا جبينهم في اندهاش وتشاؤم، جلس بينهم فساد الصمت قبل أن يتساءلوا عن سبب عودته، حكى لهم عن رحلته إلى مدين ثم عن الرسالة التي حُمِّل بظهره بها، عبست الوجوه وتمشَّى في ملامحها الاستهزاء والاستنكار والوجل.
ثم قال كبيرهم: كلماتك لا تحمل إلا الهلاك لنا يا ربيب القصور، أتريد أن نخرج معك من ديارنا – التي تربيت بعيداً عنها - إلى الصحراء فنعود بدواً رُحلاً لا أرض لنا ولا زرع ؟.
فرد موسى بلسان الحال:
وعَبْدُ النَّفْسِ - مَهْمَا عاشَ- عَبْدٌ ........ ويَأبَى العَبْدُ يَوْماً أنْ يَسودَا
يُحِبُّ القَيْدَ يُدْمي مِعْصَمَيْهِ .................وَيَكْرَهُ أَنْ تَفُكَّ لَهُ القُيودا
ثم قال لهم: إن الله ابتعثني لأخرجكم من الظلمات إلى النور، ومن المهانة والعبودية إلى السعادة والحرية.
ثم نظر إليهم مستنكراً فقال: مالكم تتكلمون كأنكم تعيشون في مصر أسياد مكرمون ؟!
فقال أحدهم: وهل يصدِّق عقلك أن فرعون سيتركنا نخرج مصر أحياء ؟
فقال موسى: عليَّ وأخي إقناعه، تلك مهمّتنا.
فقالوا: إن طلبت منه هذا الطلب سيُنكِّل بنا ويصلبنا في جذوع النخل.
فرد عليهم هارون: وكأن هذا لا يحدث لكم من قبل مجيء موسى لأتفه الأسباب !
فتأهب القوم للقيام وقالوا: سنؤيدكما فيما تقولان إن عدتما من عند فرعون على قيد الحياة، ثم تركوهما وانصرفوا بلا سلام !..
الخوف يدب في قلبيهما !
ولما أرادا - موسى وهارون - أن يذهبا إلى قصر فرعون ليطلبان موعداً للقائه، دب الخوف في قلبيهما – فهما بشر والمكان له هيبة - حتى وإن كانت مصطنعة، وحياتهما بعد هذا اللقاء ستكون مهددة بالخطر، فقالا: ﴿ رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ علينا أَوْ أَنْ يَطْغى ﴾ طه:45.
ولا تعجب من خوفهما ..
فلكم كان فرعون باغياً متسلطاً، وجباراً عنيداً، وكم أوقع في قلوب الناس – لهيبته المصطنعة - من فزع ورعب، حتى كاد يكون ذلك طبيعة متمكنة فيهم يصعب علاجها، وإلّا فما بال موسى، وقد رأى من آيات ربّه ما رأى، في كل مرحلة من مراحل حياته، ثم أُمدّ من السماء بهذه الأسلحة من المعجزات القاهرة المتحدية، ثم كان إلى جانبه أخوه هارون، ما باله لا يزال مع هذا كلّه يخشى فرعون، ويرهبه ويخاف من لقائه؟
إن ذلك ليس إلا لما كان عليه فرعون من جبروت أوقع به في قلوب الناس هذا الخوف الرهيب، الذي اندسّ في كيان موسى(1) القوي صاحب المعجزات، فما بالكم بالضعفاء ؟!
نجدة السماء
فقال الله لهما: ﴿ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى ﴾ فنزل هذا الوعد الرباني على قلبيهما فهدئ من روعهما، وسكّن من خوفهما، فمن فوت على فرعون فرصتين سانحتين لقتل موسى إحداهما حين كان فرعون يطلبه وليداً، والأخرى حين كان يطلبه قاتلاً؛ قادر على أن يحميهما منه.
ثم لقنهما الله عز وجل وصيتين جديدتين
الأولى: أن يؤكد موسى لمن سيلتقي به من فرعون وآله، أن هارون مرسل أيضا من لدن الله بنفس الرسالة ﴿ إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ ﴾ سورة طه: 47، ولعل السبب في ذلك التأكيد هو أن فرعون كان متعالياً سَمْجاً رَذْل الخُلُق، فإن تكلم هارون ليشد أزر أخيه، فقد يقول له فرعون: وما دخلك أنت؟
ولكن حين يدخل عليه الاثنان، ويعلنان أنهما رسولان من عند رب العالمين، ويَرُد فرعون هارون، فكأنه يرد موسى أيضاً.
أما الوصية الثانية فهي إيجاز الرسالة واختصارها في العرض على هذا النحو ﴿ إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسرائيل وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ﴾ طه:47، فإن فرعون لا يصبر على الاستماع، وإنّ أحداً لا يجرؤ على أن يجري معه حديثا أو حواراً ممتداً؛ فما اعتادت أذنه أن تسمع كلاماً من أحد، وإنما هو الذي يتكلم فقط - بل - وسرعان ما تتحول كلماته إلى أفعال، وأحلامه إلى أوامر !
إذاً فقولا له بإيجاز ووضوح: ﴿ إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسرائيل وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى ﴾ طه:47.
فيا ترى ..
- لماذا لم يسعى فرعون لقتل موسى فور علمه بوصوله إلى مصر، وقَبِلَ باستقباله في القصر ؟
- كيف استطاع موسى أن يبهر الملأ ببراعة أسلوبه، وقوة منطقه ؟
- ما هي أحداث يوم الزينة، ولماذا اختار فرعون تلك القتلة الشنيعة لإنهاء حياة السحرة ؟
- كيف تناولت الأذرع الإعلامية لفرعون أحداث مذبحة السحرة، وما هو رد فعل الجماهير التي شاهدت المذبحة ؟
- ما هي القرارات الاستثنائية الجديدة التي أصدرها فرعون ضد كل من يؤمن بدين موسى نزولاً على رغبة الملأ ؟
هذا ما سنشاهده عن قرب في أحداث الفصل الثالث - بمشيئة الله - بالإضافة إلى جولة حصرية داخل سجون فرعون، سنشاهد خلالها كيف كان يعذب المعارضين.
هيا بنا نشاهد ..
...المزيد

نداء الله لموسى فبدأ موسى يمشى بتأنٍ شديد.. رويداً.. رويداً حتى اقترب أكثر وأكثر من مكان النار ﴿ ...

نداء الله لموسى
فبدأ موسى يمشى بتأنٍ شديد.. رويداً.. رويداً حتى اقترب أكثر وأكثر من مكان النار ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ ﴾ نودي نداء جديداً .. بالتحديد ﴿ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴾ القصص:29
- ﴿.. يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى ﴾ طه:13
وسجل ضمير الوجود ذلك النداء العلوي، وبوركت البقعة التي تجلى عليها ربنا ذو الجلال والإكرام، وتميز الوادي الذي كُرّم بهذا التجلي، ووقف موسى عليه السلام في أكرم موقف يلقاه إنسان، يردد بين نفسه: (ربي !! اختارني ؟! .. أنا ؟).
ثم قاوم رَعشّته، واعتدل في وجل، وسَلت نعليه من قدميه وجثا على رُكبتيه مُحنياً رأسه يستمع إلى الصوت؛ فإذا بنداء ثالث يُعرّف الله فيه نفسه لموسى قائلاً:
- ﴿ يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ النمل:9 ﴿ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ القصص:30، ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ..﴾ طه:14
فبدأ الله لقاءه مع موسى عليه السلام بالتعارف، فعرفه بنفسه على نفسه، فهو العزيز الحكيم رب العالمين الذي لا إلاه غيره ولا رب سواه، ثم يقول له بعد هذا التعارف؛ إذا عرفتني يا موسى حقاً﴿ فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ طه:14، فمن عرفني أحبني، ومن أحبني عبدني بالصلاة التي هي أم العبادات، ثم قال الله له محذراً ومنبهاً ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى(1)﴾.
معجزة العصا
فازداد موسى اضطراباً وخضوعاً وذلة بين يدي الله عز وجل، واستحى أن يرفع عينه من التراب إجلالاً وهيبة لله، فهدّأَ الله من روع موسى وسأله سؤالاً الغرض منه أن يلاطفه، ويؤانسه ..
- فقال:﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى ﴾ ؟! طه: 17.
ففهم موسى المغزى، فلم يقل: هي عصاً وسكت، وإنما لمّا لذّ له الخطاب زاد في الجواب؛ ليستمر الحوار بينه وبين رب العزة(1)
- فقال: ﴿ قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى ﴾ طه: 18، ثم سكت من باب التأدب مع الله، فهو بعلمه غني عن كل هذه التفاصيل.
- فقال له ربه: ﴿ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ طه:19
فرمى موسى بعصاه على الأرض، فما إن لامَسَت الأرض حتى اهتزَّت، ثم بدأت تتحرك وتتلوى !! وكلما تحركت انتفخت وانتفشت ونمى حجمها وطولها !
﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ ﴾ النمل :10، تركها وهرول يجري مسرعاً من شدة الفزع ﴿ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ﴾، ولم ينظر خلفه ولم يفكر حتى في مجرد العودة إليها ليتبين ماذا سيحدث لها بعد هذا الانتفاخ والانتفاش والاهتزاز.
فناداه ربه قائلاً:
- ﴿يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ القصص:31
فلبى موسى النداء وعاد إليها مرة أخرى .. فإذا بالمفاجأة ﴿ فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾ طه:20، وجدها حيَّةٌ تتلوى، لونها أسود تتوسط أوداجَها المنفوخة دائرتان صفراوان كالأعين، تنفث فحيحاً، فخاف من فظاعة هيئتها وصوت فحيحها وهم بالهروب منها مرة أخرى !
فطمأنه ربه قائلاً:
- ﴿ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ﴾ النمل:10، فأقبِل عليها وخذها ولا تخف منها فهي لن تؤذيك لنعيدها لك كما كانت؛ ﴿ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى ﴾ طه:21.
بَعد تردد .. اتجه موسى لعَصَاه، ووقف أمامها لحظات قبل أن ينحني بحذر ويقبِض على ذيلها الذي يتلوى، فإذا بها تتيبس وتتصلب فتعود كما كانت !
معجزة اليد
- ثم قال له ربه: ﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى ﴾ طه:22.
فضم موسى ذراعه الأيمن تحت إبط ذراعه الأيسر.
- فقال له ربه: لا يا موسى أدخلها في جيبك ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ النمل:12، أي في فتحة قميصك من المكان الذي ترتديه منه.
فارتاب موسى وتردد، خوفاً من أن يخرج من يديه شيء كالذي خرج من العصا !
فأمره ربه أن ينفذ الأمر فوراً فقال:
- ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ ﴾ القصص:28 ﴿ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ﴾.
فأطاع موسى الأمر، وأدخل يده في فتحة ثوبه من عند صدره ثم أخرجها؛ فإذا بالمفاجأة الثانية، إنها بيضاء لامعة مشعة كالشمس تتلألأ من الصفاء من غير مرض، وقد عهدها أدماء تضرب إلى السمرة.
فارتجف من جلال الله وهيبة المكان، وسجد على الأرض مقاوماً التلعثم والرعشة بسبب خوارق الموقف المتتابعة، فأدركته الرعاية الحانية بتوجيه يرده إلى السكينة، وذلك بأن يضم يده على قلبه، لتنخفض سرعة دقاته، وتهدأ خفقاته ..
- فقال له ربه: ﴿ وَاضْمُمْ إليكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ القصص:32.
فضم ذراعيه على صدره، ورفع وجهه برهبة ونظر للشجرة التي ازدادت خضرة وحُسناً، شرد فيها متأملاً، فَسَحر الوميض المتلألئ عَينَيه حتى سَكَن وهدأت روعته، فهمس مناجياً ربه:
- ما قد يرغب الرب مِن عبد فَقير ؟
التكليف بالرسالة
- فقال له ربه: ستكون رسولي ونبيي كما كان أجدادك؛ يوسف ومن قبله يعقوب وإسحاق وإبراهيم.
- فقال موسى: رسولك ! إلى مَن ؟
- فقال له ربه: ﴿ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾ القصص:32، ثم أكد الله عليه بوضوح جوهر رسالته فقال:﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴾ طه:18.
وهذا هو الشق الأول من رسالته: مواجهة الطاغية فرعون ودعوته للعودة إلى جادة الصواب قبل أن تحل به وبالناس من حوله القارعة الكبرى، فالظلم منذر بخراب العمران، أما الشق الثاني من رسالته فهو تحرير قومه المستَعبدين، ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ الأعراف:105، فرسالة كل الأنبياء هي تحرير البشر ليعبدوا الله وحده لا شريك له وينعكس هذا التوحيد على سلوكهم وحياتهم فلا يكون قولًا بالألسن يخالفه العمل والأنماط الاجتماعية السائدة.
عوائق في طريق الدعوة
شرد موسى للحظات قبل أن يشكو إلى الله بعض العقبات التي قد تكون عائقاً في طريق دعوته فقال: ﴿ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ على ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ﴾ الشعراء:14
لقد كان شبح القتيل الذي قتله موسى ما زال يطارده، وإن لقاءه بفرعون بوجه سافر سيحرك هذا الحدث الذي كاد يُنسى من ذاكرة المجتمع، ولهذا أظهر موسى ما بنفسه من خوف، وأن لقاءه فرعون، وعرض ما يعرض عليه من آيات قد يقع عند فرعون أنه حيلة يريد أن يشغله بها عن فعلته التي فعلها، ولهذا طلب أن يكون معه أخوه هارون، الذي لا تهمة له عند فرعون، ليكون بعيداً عن هذا الظن.
ولما كان اسم فرعون يقع من نفس موسى موقعاً يثير الرعب والفزع - إنه فرعون بجبروته، وعتوه!! – استرسل متضرعاً إلى الله أن يعينه على مواجهة هذا البلاء، وأن يذهب ما به من اضطراب وفزع!
- فقال: ﴿ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ طه:25، حتى يتّسع لامتثال أمرك، فيتقبله قلبي قبولاً حسناً، فلا يضيق به، ولا يجد حرجاً منه؛ ﴿ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ﴾ فإن الموقف خطير، والأمر عظيم؛ فإذا لم يكن منك العون والتيسير، فلا طاقة لي به، ولا حيلة لي فيه، ﴿ وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي ﴾(1)، ليكون لدي البيان الفصيح والقدرة العالية على محاجّة فرعون، ومناظرته، فـ ﴿ يَفْقَهُوا قَوْلِي ﴾ ويعقلوه، ولا تأخذهم العزّة بالإثم، فيردوه على، ﴿ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي ﴾ إن نسيت ذكرني، وإن نويت خيراً أعانني وحفزني، وليكن هذا المعين هو: ﴿ هَارُونَ أَخِي ﴾ طه:30، فهو بحكم عاطفة الأخوة حريص على سلامتي، وسيقف إلى جانبي في ساعة العسرة، كما أنه ﴿ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا ﴾ القصص:34، فأرسله معي ﴿ اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ طه:31، الذي ندبتني إليه، وأكرمتني به ﴿ كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا ﴾ طه:35.
واستجيب الطلب
فأجابه المجيب القريب سبحانه وتعالى فقال: ﴿ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴾ طه:36، فكل ما سألتني إياه – من شرح الصدر، وتيسير الأمر، وقوة في الحُجة والفصاحة - أعطيتهم لك ولا أبالي.
كأن الله عز وجل يقول لموسى عليه السلام: "يا موسى من راعى مصلحتك وأعطاك من قبل أن تسأل، أيمنع عنك خيره وأنت تسأل ؟! يا موسى من صعد بك إلى مراتب المعالي، وسما بك إلى درجات الرفعة، أيحجب عنك ما تؤمله ؟! "(1).
- يا موسى ! كل ما سألتني إياه قد أجيب، وأبشر ﴿ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ(2) بِأَخِيكَ ﴾ هارون، علاوة على ما طلبت، وتلك منة جديدة سبقتها منا منن كثيرة ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى ﴾ طه:37، ثم عدد عليه ربه بعض هذه المنن وتلك الحفاوات فقال:
المنة الأولى: حين ألهمنا أمك أنّ أفضل الطرق لخلاصك من فرعون وجبروته، أن تضعك في تابوت- صندوق- ثم تطرح هذا التابوت في النهر ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ﴾ طه:38
المنة الثانية: زرعت حبك في قلب كل من رآك ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فعندما تعرضت لخطر الذبح في قصر فرعون، قالت زوجة فرعون – التي أحبتك - لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً.
المنة الثالثة: أنك تربيت وفق إرادتي، ونشأت كما اقتضت مشيئتي ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ حتى تأتي وفق ما أحبّ وأبغي.
المنة الرابعة: ﴿ إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ بعدما حرمنا عليك المراضع ﴿ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ﴾.
المنة الخامسة: عندما دخلت المدينة على حين غفلة من أهلها﴿ وَقَتَلْتَ نَفْسًا ﴾ دفاعاً عن رجل من قومك ﴿ فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ ﴾ الذي كان قد نالك بقتله خوفاً من عقابنا، فقبلنا توبتك وغفرنا لك ذنبك، ونجيناك من جنود فرعون الذين كانوا يتربصون بك.
المنة السادسة: ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ﴾ عندما أعنّاك على تحمل ما ابتليناك به من مشقة السفر، ومرارة الغربة، وخشونة عيش الصحراء، لتتعلم الخشونة بعد حياة الترف والرفاهية فتشعر بالمحتاج، وتتعلم الصبر بعد ما كان منك من اندفاع وحِدّة فتتصدر للدعوة.
﴿ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾ فاصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ طه:41.
لا أدري بأي قلب استقبل موسى سماع هذه الحفاوة الربانية به، كفاه فخراً فقط أن يستمع إلى قول ربه: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ !
وصايا ربانية
وفي نهاية هذا اللقاء النوراني الفريد، وبعد أن عرّف الله موسى عليه السلام بألوهيته الواحدة، وبين له الهدف الأساسي من دعوته وهو عبادة الله عز وجل وإقامة شرائعه في الأرض، وزرع الإيمان الغيبي بقيام الساعة في قلبه، وبين له أن كل إنسان سوف يجزى بحسب عمله، ووجهه بعدم الاكتراث بأقوال المعرضين عنها لأن في نسيان الساعة هلاك للمؤمن، وعرفه بأعدائه الحقيقيين وحذرّه منهم، وأمره بالبدء بدعوتهم لأنهم أفسدوا البلاد وادّعوا الألوهية، واستمع إلى مشاكله وحلها له.
الآن يُختم هذا اللقاء بعدد من الوصايا الربانية كان أولها هو الحرص على ذكر الله: ﴿ اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي ﴾ طه:42، فذكر الله قوة تدفع بصاحبها نحو تحقيق هدفه، وهو حصن حصين من دخله أمن على نفسه من جميع المخاطر؛ فمن يَعِش في كنف الله وحصنه من ذا الذي يجرؤ على إيذائه ؟!.
وفي طيات "الوصية الأولى" هذه درراً فريدة، ووصايا محفزة ..
ففي قوله تعالى: ﴿ اذْهَبْ ﴾ تحطيم للسلبية وبناء للإيجابية؛ فأنت قائد التغيير ولو كنت وحدك فإياك أن تستقل، أو تستصغر نفسك.
﴿ أَنتَ وَأَخُوكَ ﴾ إشارة إلى أهمية العمل الجماعي المنظم، في مواجهة الظلم والظالمين، فالمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه.
﴿ بِآيَاتِي ﴾ فيها كسر للجهل والعشوائية في العمل وتأكيد على أهمية العلم والتخطيط.
﴿ ولا تَنِيَا ﴾ فيها تحذير من الكسل أو التواكل.
﴿ فِي ذِكْرِي ﴾ فيها تحطيم للمادية وبناء للربانية.
ثم تأتي "الوصية الثانية" بالرفق بالمدعو حتى ولو كان فرعون ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾ طه:44، فاللين واللطف هما سمة الحكماء مع الجهلاء، والأطباء مع المرضى؛ أما رد السفاهة بالسفاهة، والجهل بالجهل، هو نفخ في النار الموقدة، وإمداد لها بالوقود، الذي يزيدها اشتعالاً وتأججاً.
ثم تأتي "الوصية الثالثة" بعدم اليأس؛ فبالرغم أنه قد سبق في علم الله أن فرعون سيموت على الكفر غارقاً، ولكنه يقول لهما: اذهبا إليه غير يائسين من هدايته ﴿ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾، طه:44.
فالداعية الذي ييأس من اهتداء أحد بدعوته لا يبلغها إليه بحرارة، والله يريد أن يوقع الحجة على الناس عامة – وفرعون خاصة - بما وقع منهم في حياتهم؛ وليس بما سبق في علمه هو حتى وإن كان علمه بمستقبل الحوادث كعلمه بالحاضر والماضي في درجة سواء؛ حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.
موسى الكليم
وينتهي هذا اللقاء النوراني التاريخي الفاصل بهذه الوصايا الثلاثة:
"المداومة على ذكر الله، والرفق في الدعوة، والتفاؤل وعدم اليأس".
ويحظى موسى عليه السلام بلقب "كليم الله" فهو الوحيد الذي كلمه الله مباشرة بغير واسطة - جبريل - ولعل ذلك يعود إلى مشقة المهمة المنوط بها وصعوبتها، فهو سيبدأ أول ما يبدأ بالجهر بالدعوة ومن داخل قصر أعتى ملوك الأرض وأطغاهم؛ لذا استحق موسى هذا الشرف(1).
سجد موسى لله شكراً على استجابته لكل دعائه، وعلى مننه المتتالية، سجود طال هذه المرة بعدما شعر بسبات مُريح، إلى أن داعبت الرياح وجهه فرفع رأسه ونظر للشجرة التي انطفأ وميضها، ونظر للقمر في سماء صَفَت، ثم التقط عصاه المُلقاة بجانبه واتجه نحو "أهله" الذين تركهم بالقرب من الوادي المقدس، وحكا لهم ما كان من أمر النار والشجرة، ثم ما دار بينه وبين رب السماوات والأرض.
فاقشعر جلدها إجلالاً لله، وبكت شوقاً إليه، فكم شرفها أن كانت زوجة نبي ورسول وكليم لله، كما تشرفت بأن كانت أول من آمن به من البشر.
سر الابتلاء
وفي طريق عودة موسى لمصر تذكر سر ابتلائه في تلك اللحظات الخوالي، عندما خرج منها خائفاً يترقب، الآن فهم السر، وعرف لماذا ابتلي هذا البلاء، فالله لم يكشف مخططه الذي سعى به لقيادة ثورة إصلاحية لأوضاع بني إسرائيل بغضاً فيه، ولا لخطأٍ في طريق التغيير الذي أراد أن يتبناه، ولكن لأن الله دبر أمراً آخر فيه الخير له ولمن بعده، فلقد كان هذا "الابتلاء" في صالحه وإن بدا له في وقتها غير ذلك، وهذا من تمام تدبير الله وحكمته، وصدق بن عطاء الله السكندري عندما قال"ربما منعك ليعطيك"(2)، ففوض أمرك للذي يدبر الأمور، وللذي من حكمته أن ربما يمنع الإنسان من خير صغير ليجلب له الخير الأكبر.
عاد موسى إلى مصر، ودخل نحو خرائب وأكواخ بني إسرائيل، فوجد أهلها ازدادوا فقراً وتهميشاً، نَحلت الوجوه، وهزلت الأجساد، وغُلّقت المتاجر وتناثر المرابون والعاهرات، كثر الذباب وفاح العرق والمرض والشقاء من كل رُكن، لم يندهش موسى كثيراً من أوضاعهم التي تزداد كل يومٍ سوءاً على سوء، فتلك نتيجة السكوت على ظلم الظالم وفساده.
طرق موسى باب بيت أمه والشوق يسبقه لرؤياها ..
فتح هارون الباب واحتاج للحظات حتى تعرف على وجه أخيه، الذي أخفى ملامحه تحت قلنسوة، وتناثر الشيب في لحيته، وغبرت ملابسه بتراب السفر في الصحراء !
ولكن سرعان ما تذكره واحتضنه بفرحة حتَّى بكيا، ثم أدخله ومن معه بسرعة وأحكم غلق الباب.
فلما دخل وجد أمه قد أعياها المرض وجعلها طريحة الفراش، لا تقوى على النهوض لاستقباله، وكأن الله أطال في عمرها حتى ترى بعينيها موسى بعدما أكرمه الله بالرسالة، ليتحقق وعد الله الثاني عندما بشرها فقال: ﴿ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ القصص:7.
فضمها إلي صدره ضمة نسي بعدها آلام الغربة والفراق ..
وبعد أن زال عن موسى عنت السفر، وارتاح من مشقة الطريق، حكى لهم ما كان من أمر سنواته العشر في مدين، وعرفهم بزوجته الشريفة العفيفة التي ارتضته زوجاً لها رغم أنه وقتها كان بلا مال ولا سكن ولا عمل، إضافة إلى أنه أحد المطلوبين لدى الطاغية فرعون، ثم قطع حديثه عند رحلة العودة وما حدث عند الشجرة العجيبة، ليسأل هارون عن حال أبيهما "عمران" ؟!
- فأخبره هارون أنه قد مات بعد مرض لم يمهله، وأن مريم قد تزوجت برجل صالح من بني إسرائيل وتعيش معه بجوارهم.
فسأله موسى عن فرعون ..
فأخبره أنه ما زال يعيث في الأرض فساداً، ولا يزال يزداد ظلماً على ظلمه وجبروتاً على جبروته؛ يُوتِد الأطراف ويُقطِّع الرقاب، ويُصلِّب الناس على جذوع النخل لأتفه الأسباب، ولا زال يأخذ فتيات بني إسرائيل ليُبعن أو يخدمن أو يحترفن البغاء، والشعب لا يحرك ساكناً، يبدد قواهم كل يوم في حفر الخنادق وبناء القصور والمعابد، وصناعة الطوب في موقد ضخم لا تخبو ناره.
طلب هارون من موسى أن يكمل ما بدأه من حديث خاصة ما حدث لهم عند الشجرة في صحراء سيناء ..
فأكمل موسى حديثه إلى أن أخبره أنه دعا الله أن يكلفه معه بالرسالة، وقد استجاب الله دعاءه وأصبح مكلفاً مثله تماماً – من الله - بتوصيل الرسالة إلى فرعون، وإقامة الحجة عليه وعلى قيادات الدولة من الملأ، حتى يؤمنوا بالله الواحد الأحد ويرفعوا العبودية عن بني إسرائيل ويتركوهم يخرجون من مصر إلى أرض الله الواسعة.
فتدلّى فكُ هارون وانقطعت أنفاسه وزاغت عيناه شروداً فيما قاله أخوه، ولم يفق هارون من صدمته إلا حين أخرج موسى يده من جيبه بيضاء مضيئة، وألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، قائلاً له: تلك آيات ربي التي أرسلني بها إلى فرعون وملئه.
دمعت عينا هارون ثم جثا على ركبتيه شاكراً الله على أن اختصه مع أخيه بالرسالة، ودعاه أن يوفقهما في إقامة الحجة على القوم الظالمين.
...المزيد

الحنين إلى مصر عشر سنوات من الغربة قضاها موسى في صحراء مدين الواسعة بين جبالها ورمالها وخشونة ...

الحنين إلى مصر
عشر سنوات من الغربة قضاها موسى في صحراء مدين الواسعة بين جبالها ورمالها وخشونة عيشها، يعتني بأسرته الصغيرة وماشيته طوال النهار، وفي الليل يختلي بنفسه ليقف متفكراً في بديع خلق الله، متعبداً له على دين وشريعة جده الأكبر إبراهيم عليه السلام.
مرَّت الآن عشرة أعوام بحلوها ومرها، أتم بهن العقد الرابع من عمره، وقد قضى بذلك حِجَج حَميه بالزيادة، وها هو الآن يفكر في الاستجابة لمشاعر الشوق التي تدفعه منذ فترة لأخذ قرار العودة إلى مصر، بعدما وفى ما عليه.
ولست أُقَدِر كيف يجعله مثل هذا الخاطر يغامر تلك المغامرة، ويخوض هذه المخاطرة، متناسياً ولو للحظات النفس التي قتلها هناك، بل ومتناسياً فرعون الذي كان يتآمر مع الملأ من قومه ليقتلوه؟! لعله ظن أن تلك السنوات العشر قادرة على تبديل الناس وطمس الوجوه، وبالتالي لن يعرفه أحد من الملأ إن عاد إلى مصر؟!، أو لعل ازدياد الميل الفطري لمجاورة الأهل والعشيرة، والحنين الزائد لبلد المنشأ والمولد - حتى وإن كان أهلها ظالمون - جعله لا يطيق المقام في الغربة ؟!
كل هذه الاحتمالات واردة .. وقد صدق الشاعر إذ يقول:
بلاد ألفناها على كل حالة
وقد يؤلف الشيء الذي ليس بالحسن
وتستعذب الأرض التي لا هوى بها
ولا ماؤها عذب ولكنها وطن !
المهم أن الحنين إلى مصر زاد في قلبه، وحلم العودة إلى حضن أسرته وإخوته يزداد يوماً بعد يوم، فحسم أمره واستأذن من صهره -والد زوجته- في أن يعود لمصر بزوجته وولده(1)، ليستقر فيها.
فأذن لهم الشيخ الكبير على مضض؛ لما لمسه من موسى من تصميم وعزم جاد على العودة إلى مصر.
جمع موسى أشتات متاعه مع زوجته وهيأ رحله، وعندما تحيّن وقت صفاء ووضوح نجوم السماء، ودّعوا الشيخ .. فبارك ترحالهم ودعا لهم بخير .. وانصرفوا..
الطريق إلى مصر
ها هو ذا عائد إلى مصر وقد سار بأهله نحو الجنوب على هَدي النجوم، حتى وصلوا عند طور سيناء، فلما حل عليهم الليل بظلامه، تلبدت السماء بالغمام، واستترت نجومها خلف السحاب الداكن !
فضل موسى الطريق لعدم رؤية النجوم التي كان يهتدي بها في طريقه(2)، ثم بدأت السماء تمطر مطراً شديداً، واشتد البرد القارص !
فتوقف موسى عن السير، وأناخ النوق بجانب صخرة بوادي طوى، وجلس بمن معه ليستريحوا هناك إلى أن تصفو السماء، أو يبيتوا في أماكنهم إلى أن يشرق النهار ويبصر طريقه فيرتحل؛ لذا حاول أن يشعل لهم ناراً يستدفئون بها إلى أن يتخذ القرار المناسب بالرحيل أو المبيت، فظل يحاول أن يشعل النار فلم تشتعل !!
فألم به الهم – كحال أي إنسان حل عليه الظلام وليس معه ما يستضيء به - ولكن عناية الله أدركته ..
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان !
فبينما هو يحاول أن يشعل النار، إذا به يرى ناراً مشتعلة بجانب جبل الطور، فقرر أن ينطلق إليها وحده، وأن يدع أهله حيث هم، ﴿ فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا ﴾ طه:10
وفي قوله المتكرر لأهله: «امْكُثُوا»، «امْكُثُوا»(1) - هو تأكيد لهم بأن يظلوا مكانهم، وألا يتحولوا عنه، لأنه لا يدرى من يكون عند النار، فلربما كانوا ركباً مسافراً، أو قطّاع طريق؛ إذاً فمن الحكمة أن يذهب وحده، ويتحسس أمرهم وخبرهم، من غير أن يقحم أهله ويدفع بهم إلى هذا المصير المجهول، ثم أشرك زوجته بأدبه العالي فيم يفكر ويخطط له فقال:
﴿ سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴾ النمل:7
﴿ لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴾ طه:10
فهو يريد أن يأتي بقبس مشتعل من هذه النار ليستدفئوا به إن قررا المبيت، أو يهتدوا به في طريقهم إن قررا الارتحال ..
اتكأ موسى على عصاه، وذهب إلى حيث يرى النار ..
ولكن العجيب أن موسى عليه السلام عندما اقترب من النار لم يجد عندها أحداً من الناس،، ووجد النار تزداد اشتعالاً رغم هبوب الرياح ونزول الأمطار!
فأبطأ خُطواته واتجه نجوها وهو يدقِّق النظر ..
فلما صار قاب قوسين أو أدنى أدرك أن توهجها ليس ناراً، بل وميض فسفوري مُشِع يَسير بداخل أفرعها سير الدماء في الشرايين !
- ﴿ فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ النمل:7
فاستوقفته هذه الكلمات التي زادت المكان هيبة وخشوعاً وتلفَّت حَوله مضطرباً، فلم يرى شيئاً !
...المزيد

الزواج السعيد جلس الشيخ إلى جوار موسى وقال له: يا موسى إني وجدتك قوياً على العمل، أميناً عفيفاً في ...

الزواج السعيد
جلس الشيخ إلى جوار موسى وقال له: يا موسى إني وجدتك قوياً على العمل، أميناً عفيفاً في تعاملك مع بناتي، وإني ﴿ أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ ﴾ اللتين رأيتهما عن قرب وعلمت ما كان من أدبهما وحيائهما، ﴿ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾، وهذا هو المهر الذي أطلبه إن قبلت زواج إحداهن، فما قولك ؟
فتبسم موسى وهو يهز رأسه بالموافقة، فمن ذا الذي تعرض عليه امرأة عفيفة مثل التي جاءته تمشي على استحياء، ويرفض! وزد على الزواج منها وظيفة مستقرة، وسكناً في بيت الشيخ الكبير!
أيُّ فتح هذا وأيُّ فضل..!
منذ عدة ساعات كان خائفًا يترقَّب يأوي إلى الظل مفتقرًا، الآن قد أُجر وأمِن ونجا، وزُوج ووظف! إنه فتحُ الفتاح جل جلاله..
الفتاح الذي يفتح مهما بلغت المغاليق، ويُفرِج مهما ضاقت واستحكمت حلقاتها.. يفتح حتى لو ظن كل الخلق أنه لا يفتح أبدًا.. حتى ولو بلغ الاستيئاس مبلغه !
ولقد بدا من كلام الشيخ أنه يود أن يكون المهر عشر سنوات لكنّه طلب ثمانية لأنه يعلم أن القوانين في مصر - آن ذاك - كانت تنص أن الجاني الذي يهرب خارج سيطرة الحاكم ثماني سنوات يسقط الحكم عنه بسبب التقادم فإن عاد فهو حرّ(1) ؛ وبما أن حب الوطن كبير، والمرء حين يمكن له العودة إلى وطنه ثم يجد عائقاً يتألم، ويضعف عمله تبعاً لحالته النفسية؛ حرص الشيخ أن يعود موسى إلى وطنه وأهله في الوقت المناسب، فالغربة قاتلة، والغريب سجين في غربته وإن كان حراً.
لذا حسم موسى هذه النقطة الفضفاضة في اتفاق زواجه فقال:﴿ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ﴾ فإن أتممتُ الثمانية فقط فلا تلومني، وإن استطعت إتمام العشر سنوات فهذا سيكون هدية مني ﴿ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ القصص:28.
وتم الزواج وكان الله خير شاهد ووكيل، ولله در هذا الشيخ الذي زوج موسى لا بنته رغم أنه بلا مال، ولا سكن، ولا عمل !
ولكنه اكتفى لابنته أن يزوجها لصاحب خُلقٍ ودين، فلو أحبها سيكرمها، وإن كرهها فلن يظلمها.
سنوات الإعداد والتجهيز
تزوج موسى من ابنة الرجل الصالح ومكث في مدين يرعى الغنم كعادة كل نبي قبل إرساله برسالة هداية البشر وإصلاح دنياهم، فما من نبي إلا ورعى الغنم(2) ثم اشتغل بعد ذلك بأيّة مهنة أخرى، لأن في رعي الغنم تدريب على الصبر، وتعلم لجمع الشتات؛ لأن الغنم من أكثر الأنعام شروداً عن القطيع، وتحتاج إلى قائدٍ صبورٍ يسوسها، كما هو حال البشر مع أنبيائهم وقادتهم، يحتاجون إلى من يسوسهم ويصبر على أذاهم، فالداعية لابد أن يتحلى بسمو السماء، وذلة الأرض، وثبات الجبال، وصبر الإبل، وإلا انفضّ الناس من حوله.
وهكذا نرى القدرة الإلهية تنقل موسى من مكان إلى آخر، ومن طبيعة إلى أخرى، ومن عادات قوم إلى عادات آخرين؛ ليزداد في كل يوم حنكة وعلماً وحكمة، فتجارب الحياة تصنع الرجال وقد خاض موسى عدة تجارب ساهمت في تكوين شخصيته وصناعته على عين الله؛ فمن تجربة الرعاية والحب والتدليل من أمه ومن آسية امرأة فرعون، إلى تجربة الاندفاع والتهور تحت ضغط الغيظ الحبيس مما يشاهده من ظلم لبني إسرائيل، إلى تجربة الندم والتحرج والاستغفار بعد قتله للمصري، إلى تجربة الخوف والمطاردة والفزع عندما لاحقه جنود فرعون، إلى تجربة الغربة والوحدة والجوع في صحراء مصر حتى وصل إلى مدين، إلى تجربة الخدمة ورعي الغنم لمدة عشر سنوات بعد حياة القصور والترف الذي عاشه في قصر فرعون
خاض كل هذه التجارب – دون إرادة منه - ليستطيع قيادة بني إسرائيل ويستطيع مواجهة فرعون، فلو لم يخرج موسى من قصر فرعون ولاقى ما لاقاه من خشونة العيش ومشقة السفر وعذاب الغربة، كيف كان سيشعر بمعاناة بني إسرائيل؟!
وإن لم يتعلم موسى الصبر من رعيه للغنم التي هي من أكثر الأنعام شروداً، كيف كان سيتعامل مع بني إسرائيل ويسوسهم وهو بكل هذه الحدة التي كانت ومازالت رواسبها متعلقة به ؟!
لقد سار موسى عليه السلام دون أن يشعر على خط طويل من الرعاية والتوجيه، ومن التلقي والتدريب، قبل النداء وقبل التكليف وصدق القائل: إذا أرادك الله لأمر هيأك له وهيأ لك أسبابه؛ وتكليف الله لموسى بحمل الرسالة تكليف ضخم وشاق متعدد الجوانب والتبعات، يحتاج صاحبه إلى زاد ضخم من التجارب والإدراك والمعرفة والتذوق في واقع الحياة العملي، إلى جانب هبة الله اللدنية، ووحيه وتوجيهه للقلب والضمير.
ورسالة موسى بالذات قد تكون أضخم تكليف تلقاه بشر- عدا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم- فهو مرسل إلى فرعون الطاغية المتجبر، أعتى ملوك الأرض، وأقدمهم عرشاً، وأثبتهم ملكاً، وأعرقهم حضارة، وأشدهم استذلالاً للخلق واستعلاء في الأرض.
كما أنه مرسل لاستنقاذ قوم قد شربوا من كؤوس الذل حتى استمرءوا مذاقه، فمردوا عليه واستكانوا دهراً طويلاً، واستنقاذ قوم كهؤلاء عمل شاق عسير كان يحتاج لكل هذه التجارب التي خاضها موسى عليه السلام في حياته قبل نزول الرسالة.
...المزيد

موسى والحياة الربانية ﴿ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ﴾ يدعو ربه ويقول: ﴿ رَبِّ ...

موسى والحياة الربانية
﴿ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ﴾ يدعو ربه ويقول: ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ وهنا تجد قلب موسى متعلق بربه يناديه ويناجيه بطلب جديد للمرة الرابعة، فلقد نادى موسى ربه عندما قتل الرجل المصري فقال:﴿ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي ﴾ وقد استجاب الله دعاءه ﴿ فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ القصص:16
ثم دعاه للمرة الثانية عندما خرج من مصر خائفاً من ملاحقة جنود فرعون له فقال: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ القصص:21، فنجا منهم ولم يمسك به أحد منهم.
ثم دعى ربه للمرة الثالثة عندما سار في صحراء مصر الواسعة لا يعرف كيف يسلك منها طريقاً سهلاً إلى مدين، فرفع يديه مناجياً ربه قائلاً: ﴿ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ القصص:22، فهداه ربه للطريق الصحيح وها هو الآن داخل مدين آمنا مطمئناً.
والآن يريد أي خير من طعام لأنه لم يأكل منذ عدة أيام إلا ورق الشجر؛ فرفع يديه يسبقه حسن ظنه بربه الذي استجاب له ما مضى من دعوات وأنزل عليه كل هذه الخيرات ﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إلى مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ القصص:24، فأنا فقير إلى نزول المزيد من خيراتك التي قسمتها لي يارب؛ فاستجاب الله دعاءه، ﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى(1) اسْتِحْيَاءٍ ﴾ حتى وصلت إلى حيث يجلس تحت الشجرة، فلما رآها قام ونفض عن ثيابه التراب ..
فقالت له بكلمات واضحة دون تكسر ولا خضوع: ﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾ القصص:25.
إنها رسالة واضحة لا تحمل أي تساؤل أو نقاش أو ريبة، وقد سبق وعرف موسى من أمر أبيها أنه «شيخ كبير» ولو كان في استطاعته أن يسعى إلى موسى لما بعث بابنته إليه، ولجاء إليه بنفسه يدعوه إلى النزول عنده.
فأجاب موسى الدعوة وسار مع الفتاة بمحاذاتها يتقدمهما بخطوة أو خطوتين حتى وصلا إلى بيت أبيها.
موسى في ضيافة الشيخ الكبير
"فلما دخل موسى على الشيخ إذا بالطعام مهيأ لضيافته، فسلم الشيخ على موسى وقال له اجلس فتعشَّ، فقال موسى: أعوذ بالله !
فقال الشيخ: ولم ذاك ! ألست بجائع ؟!
فقال موسى: بلى، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضاً لما سقيت، وإنا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا
فقال له الشيخ: لا والله يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام؛ فجلس موسى وأكل"(1).
وظل موسى في ضيافته ثلاثة أيام – كعادتهم – أفضى فيهن موسى بمكنون سره وقص خلالها قصة حياته منذ ولادته حتى وصل إلى ماء مدين.
﴿ فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عليهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ القصص:25، وما نطق الشيخ بهذه الكلمات المبشرة من باب طمأنة موسى وإنما من باب الجزم لما وصله عن موسى من أخبار متواترة، فقد كان الشيخ خلال هذه الأيام التي قضاها موسى عنده يتسمع أخبار مصر وحاكمها من قوافل التجار، وقد علم الشيخ منهم خبر موسى الذي سعى لقيادة بني إسرائيل نحو ثورة تحرير من قبضة فرعون المستبد، ولكن سرعان ما انكشف أمره فهرب إلى الصحراء فراراَ من ملاحقة جنود فرعون له، وأن فرعون قد يئس من طلب موسى "نصير بني إسرائيل" ظناً منه أنه هلك في صحراء مصر الشاسعة، إذ لا يعقل أن يعيش إنسان بلا دابة يركبها ولا زاد يتزود به، ولا سلاح يدفع به دواب الصحراء ووحوشها هذه الفترة داخل الصحراء حتى يخرج منها !
فتأكد الرجل من صدق ما قصه موسى عليه فساق إليه هذه البشرى ليطمئن.
فارس أحلامها
هدأت نفس موسى في منزل الشيخ الكريم وسكنت إلى صحبته، ولمَ لا ونور الإيمان يتلألأ في كلا القلبين، وفيض الإخلاص يتفجر من كلا الرجلين وكما قالوا: "شبيه الشيء منجذب إليه".
وقبل أن تنقضي الأيام الثلاث التي سيرحل موسى بعدها عن بيت الشيخ، عرضت إحدى بنات الرجل على أبيها عرضاً، يقرأ الأب الكيِّس الفطن في ثناياه إعجاب هذه الفتاة بموسى، وتمنيها أن يكون زوجاً لها؛ فحلم أي فتاة بزوج لا يتخطى موسى بحال من الأحوال.
فلقد كان موسى كريماً فتياً أثار في نفس الشيخ وابنتيه عوامل الإكبار والإعجاب، لما زانه الله به من طبع قويم وخلق كريم، فتحرك في نفس الفتاة حب الاستظهار بموسى وقوته والإبقاء عليه لطهارته وأمانته، أوليس هو الذي أقَلّ الغطاء عن البئر منفرداً مع صعوبة حمله على ما كان به من تعب وإرهاق ؟!، أوليس هو العفيف الطاهر الذي أطرق رأسه حينما بلّغته رسالة أبيها ولم تمتد عينيه إليها طيلة الطريق ؟!.
لذا قالت الفتاة ﴿ يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ﴾ ولا تدعه يمشى ويتركنا، بل اطلب منه أن يعمل عندنا بأجر؛ وبهذا الأجر نكون قد كفينا مشقة سقي الغنم كل يوم، فإنك لن تجد أبداً أفضل من موسى أجيراً تستأجره ﴿ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾ القصص:26
فأطرق الأب رأسه وهو يقلب كلامها، ثم ذهب إلى موسى يعرض عليه هذا العرض الذهبي.
...المزيد

موسى يلجأ إلى مدين وبعد ثمانِ ليالٍ قضى موسى بعض ساعاتهن نوماً في المغارات والكهوف، وقطع في باقي ...

موسى يلجأ إلى مدين
وبعد ثمانِ ليالٍ قضى موسى بعض ساعاتهن نوماً في المغارات والكهوف، وقطع في باقي الوقت كل هذه المسافات الشاسعة سعياً وجرياً ومشياً على رمال الصحراء، يقتات من بعض النبات والعُشب سداً لجوعه حتى بدأت معالم مدينة "مدين" تلوح له من بعيد (1).
وها هو الآن وصل إليها منهكاً متعباً، قد أعياه الجوع وغُبِرَ وجهه بتراب الصحراء، وتقطع نعله من كثرة المشي، ليبدأ رحلة جديدة في بلد مجهولة المعالم بالنسبة له، لا يعرف فيها أحداً يؤيه أو يطعمه ويسقيه .. فهو كالراكب الذي قفز من سفينة غرقت، وألقت براكبها في الماء، فكان أسعدهم حظاً من وضع رجله على اليابسة، ولو كان في مورد الوحوش!
لذا تجده يرقب الأحداث في هذه البلد بتأنٍ شديد غير معهود على شخصيته الانفعالية المندفعة(1)، فقد تعلم من أخطائه السابقة؛ إذ أدى اندفاعه مرة إلى أن قتل، وفي المرة الثانية ظن تلميذه الغبي أنه يريده فأفشى كل الأسرار!!
أما الآن فهو يرقب الأحداث بتأنٍ ورويةٍ شديدةٍ رغم ما يراه على بئر مدين من غرائب وأمور تنكرها الفطرة السليمة.
موسى وماء مدين
تمشَّى موسى حتى وصل إلى بئر واسعة الفُوّهة يتزاحم حولها الرعاة بإبلهم وغنمهم ويحملون الماء منها إلى خيامهم، ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عليه أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ ﴾ القصص:23، وقد كانوا قرابة الأربعين رجلاً غلاظ شداد تفتقر وجوههم إلى الرحمة، يتدافعون على البئر لكي يسقي كل منهم قبل أن يعكر صفو الماء الأوائل الذين قال في مثلهم عمرو بن كلثوم شاعر تغلب:
ونشرب إن وردنا الماء صفوا ... ويشرب غيرنا كدرا وطينا
ولكن ما أثار دهشة موسى أنه وجد بعيداً عن هذا الزحام امرأتين تدفعان وتحوطان على غنمهما لكي لا يدخلا على غنم الرجال ﴿ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ﴾القصص:23، فاستوقفه خروجهن في مثل هذا المكان المزدحم بالرجال، رغم ما عليهما من سمات العفة والشرف!
فتقدم نحوهما يمشي حتى وصل إليهما وسألهما مستغرباً: أي حدث جلل جعلكما تخرجان من بيتكما في هذا المكان المزدحم بالرجال ؟!﴿ ما خَطْبُكُمَا ﴾.
فأجابتا عن السبب بكل أدب فقالتا: إن لدينا من الأدب والحياء ما يجعلنا لا نزاحم الرجال في السقيا، فنصبر حتى ينتهوا ثم نسقي نحن ﴿ لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِير ٌ﴾، وما دفعنا لذلك إلا كبر سن والدنا فهو شيخ كبير، وليس في بيتنا من يعولنا.
فلما علم سبب خروجهما وحاجتهما لرجل يقوى على مزاحمة الرجال، ثارت نخوته ومروءته - التي ماتت عند الأخرين- فقلد كان من الأجدرَ بالالتفات لهاتين المرأتين ذوو القرابة والعشيرة من غريب لا يعرفهما ولا تلحقه بتركهما ملامة !
ولكنه على كل حال ندب نفسه ليسقي لهما، فمن كان في حاجة الناس كان الله في حاجته ومن فرج عن أحدهم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة(2).
موسى يرفض الصدام
ولكنّ موسى عليه السلام وجد نفسه قد يقع في مأزق صدامي جديد في بلد لا يعرفه فيها أحد، فهو لايريد مزاحمة الرجال عند البئر تجنباً لأي شجار قد يحدث معهم – كعادة أي طابور وزحام- بعدما أيقن أن ضربته قاتله!
فسألهما: هل توجد عين ماء أخرى غير هذه في هذا المكان؟
فقالتا: توجد عين ماء في مكان كذا، ولكن وقعت عليها صخرة عظيمة من الجبل فلم يقو من يومها الرجال على رفعها.
فذهب موسى إلى تلك الصخرة، واستجمع قواه التي خارت أثناء سيره في الصحراء، وتمكن بقدرة الله من إزاحتها عن البئر(1) وسقى لهما.
﴿ فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ﴾ القصص:24، دون أن ينتظر مديحاً منهما على قوته، ولا شكراً على صنيعه، ولا مكافأة بطعام سداً لجوعه، بل ﴿ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ ﴾ القصص:24.
ويالها من صورة تستحق من الشعراء والروائيين الوقوف عندها طويلاً؛ فما كان أحوج موسى - في نظر قومٍ - إلى استغلال هذا الموقف وهو الجائع المطارد الهارب من بلد إلى بلد - بل من قارة إلى قارة(2) أخرى - إلى شيء من طعام يسد جوعه، لكن أخلاق المصلحين ومن قبلهم النبيين تأبى ذلك كله وتجنح بأربابها من بهر الأضواء إلى سكون الظل وخفائه حيث روعة الاستكانة، وجمال السكينة، ولذة المناجاة ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾.
ما أحوج الذين أصبحت حياتهم بأدق تفاصيلها من أسفار وتنقلات وعبادات ودعوات ودمعات، وأكلهم وشربهم وصحوهم ونومهم ولقاءاتهم وزياراتهم -أصبح ذلك كله في العراء وأصبحت حياتهم (إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس)، ويوشك أن تلج معهم كاميراتهم غرف نومهم ودورات خلائهم !
موسى يناديكم .. افعلوا المعروف وتولوا بكل ما أوتيتم حتى ذلك القلب الذي ينبض بداخلكم ﻻ تجعلوه يتمنى الشكر والجزاء يكفيكم أن يجازيكم الكريم سبحانه وتعالى، إذا أحسنت لأي شخص فابتعد عنه، لا تحرج ضعفه، ولا تلزمه شكرك ، واصرف عنه وجهك لئلا ترى حياءه عاريًا أمام عينيك، لم يقل الله سبحانه وتعالى عن موسى ثم "ذهب" بدلاً من "تولى "لأنه تولى بكامل ما فيه.
...المزيد

الشرطة تبحث عن موسى أخذ موسى بنصيحته؛ فخرج نحو الصحراء مسرعاً .. لم يستطع أن يودع أمه وإخوته، ولم ...

الشرطة تبحث عن موسى
أخذ موسى بنصيحته؛ فخرج نحو الصحراء مسرعاً ..
لم يستطع أن يودع أمه وإخوته، ولم يستطع حتى أن يأخذ دابة يركبها أو زاداً يتقوت به، فشوارع المدينة وأزقة بني إسرائيل عجت بجنود فرعون الذين يبحثون عنه ويطلبونه حياً أو ميتاً إرضاء لفرعون وملئه، فموسى من اليوم لم يعد ابناً لفرعون(1)، بل صار أكبر عدو له.
على طريق الابتلاءات
فخرج منها خائفاً يترقب كلما مر بقافلة أو ركبان في طريقه غطى وجهه وانحرف بعيداً عنهم، خشية أن يكونوا من أجناد فرعون أو حلفاؤه الذين يبحثون عنه بعدما أصبح على رأس قائمة المطلوبين، ولسانه يلهج بالدعاء قائلاً: ﴿ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ القصص:21
خرج موسى من مصر فاراً من موت محقق على يد جنود فرعون إلى موت محتمل في صحراء مصر الواسعة، إذ ليس معه مايدفع به دوابها المفترسة، ولا ماءً كافياً يروي به ظمأ شمسها المحرقة، ولا أنيس ولا جليس يستأنس به في هذا الطريق الموحش !
إنه في حيرة من أمره، فهذه هي المرة الأولى التي يخرج فيها من مصر، ولا يدرى إلى أين تسوقه قدماه في هذه الصحراء الشاسعة، ولا ما سيلقاه في هذه الغربة الموحشة من أحداث؛ والأمور تزداد تعقداً، ولكن عزاءه الوحيد هو غنيمته بالبعد عن فرعون وبطشه !
ظل يجري ويجري حتى ابتعد تماماً عن المدينة التي خرج منها، ثم ألقى بجسده على الرمال من فرط الإجهاد، وشخصَ بعيناه إلى السماء يفكر في سر هذا الإبتلاء المفاجئ !
ولكنها طبيعة طريق الأنبياء والمرسلين والمصلحين ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ البقرة:214.
ثم بدأ يفكر ويستعيد بذاكرته ما تعلمه في قصر فرعون عن حدود مصر الجغرافية، فهو يريد الآن أن يذهب إلى مدين؛ لأنها أقرب بلد لمصر من خارج حدودها، وليس لفرعون وملئه سلطان على من فيها، ولكنه في ذات الوقت لا يعرف كيف سيهتدي إلى طريقها في هذه الصحراء الواسعة ؟.
وهنا كان دعاؤه إلى ربه أن يهديه سواء السبيل، ويقيم خطوه على طريق الأمن، ويدفع به إلى شاطئ السلامة، ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾ القصص:22، فاستجاب الله دعاءه ورحم كسرة قلبه، وهداه إلى أقرب الطرق إليها.
...المزيد

معلومات

كاتب وخطيب وداعية إسلامي؛ مؤمن بالتغيير السلمي المتدرج، فلو تغيرت الأفهام سيُكسِّر الأصنام عبادها.

أكمل القراءة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً